رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل الثامن8بقلم اسماعيل موسي
توقفت علاقتنا عند حد غريب لم أتوقعه ولم أرتبه في مخيلتي وظل الحوار الذي تخيلته بيني وبينه مجرد فكرة مؤجلة لا يحدث منها شيء وكأن بدر قرر أن ينسحب خطوة إلى الخلف بعد أن اقتربت أنا خطوتين أو كأن اللوحة التي رأيتها فوق السطح كانت سقفًا لا يُسمح لي بتجاوزه
شعرت بخيبة هادئة لكنها لزجة تلتصق بالصدر وتخنق النفس دون صوت وكنت أراقبه يتحرك في البيت بنفس هدوئه المعتاد لا يسأل لا يعلق لا يفتح بابًا للكلام وكأن شيئًا لم يتغير بينما كنت أنا ممتلئة بأسئلة لا تجد فمًا تخرج منه
تحول الإحباط إلى غيظ ثم إلى قرار طفولي عنيد بأن أجبره على كسر هذا الصمت ولو بالقوة ولو بالفوضى ولو بأن أستدعي أسوأ نسخة مني تلك التي لا تعرف الحكمة ولا الانتظار وتفضل الانفجار على الخيبة
فكرت في الجيم وفكرت في تلك المرة السابقة حين فقدت السيطرة ووجدته أمامي رغمًا عنه وعرفت أن صراخي هو اللغة الوحيدة التي لا يستطيع تجاهلها
دخلت الجيم بعنف متعمد شغلت الأجهزة بلا انتظام رفعت الأوزان أكثر مما ينبغي وتركتها تسقط بقسوة وأطلقت أنفاسي محملة بالغضب حتى صار صوتي أعلى من اللازم وصار الألم في عضلاتي مجرد ذريعة لأصرخ
صرخت كما لو كنت أجرح الهواء وكأنني أقول له دون أن أراه أنا هنا هل تسمعني الآن أم ما زلت تختبئ خلف صمتك
وبالفعل سمعني
عرفت ذلك قبل أن أراه حين تغيّر صدى البيت وحين خفتت الموسيقى في الطابق العلوي وحين سمعت خطواته الثقيلة على السلم خطوات مترددة لكنها متجهة نحوي
نزل بدر من غرفته كما فعل في المرة الماضية بنفس المعطف المفتوح وبنفس الوجه الذي يجمع الانزعاج والقلق وكأنه لم يغفر لي بعد تلك الفوضى السابقة لكنه جاء رغم ذلك
توقف عند باب الجيم لم يتكلم في البداية فقط نظر إلي وأنا أتنفس بصعوبة ويداي ترتجفان والغضب لم يبرد بعد
وفي تلك اللحظة أدركت أنني نجحت أخيرًا في شيء واحد على الأقل أن أجبره على الحضور وأن أفتح ثغرة جديدة في هذا الصمت حتى لو كانت على حساب اتزاني وحتى لو بدأت بصراخ لا بحوار
لففت يدي بالشاش بعصبية ولم أهتم إن كان مشدودًا كما يجب أو لا وكل ما أردته هو أن أضرب شيئًا لا يرد
وقفت أمام كيس الملاكمة الثقيل وأخذت نفسًا عميقًا ثم أطلقت أول ضربة بكل ما في كتفي من غضب فاهتز الكيس وتأرجح كأنه يهرب مني ولم أتوقف بل تبعته بسلسلة ضربات غير منتظمة يمين يسار علوي سفلي دون إيقاع ودون حساب
كنت أضرب وأنا أزفر بعنف وكل ضربة تحمل كلمة لم تُقال أو سؤالًا أُجّل أو خيبة لم تجد بابًا وكلما عاد الكيس نحوي ضربته أقسى كأنني أعاقبه لأنه لا يسقط
لم أشعر بوجوده في البداية لكنني شعرت بالصمت الذي يسبق الحضور وبالرائحة الخفيفة التي أعرفها وحين التفت بطرف عيني وجدته جالسًا على المقعد الخشبي عند الحائط ساقًا فوق ساق وسيجارة مشتعلة بين أصابعه ينفث دخانها ببطء وهو يراقب
لم يقل شيئًا ولم أقف استمريت في الضرب وكأن وجوده زاد العنف لا خففه وكانت ضرباتي قوية لكنها متبددة والقوة تتسرب بلا نتيجة واضحة
بعد لحظات أطفأ السيجارة ونهض بهدوء واقترب حتى صار على بعد خطوة واحدة وقال بنبرة محايدة لكنها قاطعة توقفي لحظة
توقفت وأنا أتنفس بصعوبة ولم أنظر إليه
قال وأشار بيده لا تستخدمين وزن الذراع فقط الملاكمة ليست عنفًا أعمى القوة تأتي من السلسلة الحركية ابدئي من القدمين ثبتي الكعب على الأرض وانقلي العزم عبر الساق ثم الورك ثم الكتف وأخيرًا القبضة
وقف خلفي دون أن يلمسني وعدل وضعيتي بالكلام فقط افتحي القدم الأمامية قليلًا مركز الثقل لازم يفضل منخفض عشان التوازن ضربة من غير توازن طاقة ضائعة
قال إن النفس جزء من الضربة الزفير مع الاصطدام يقلل التوتر العضلي ويزيد السرعة وإن العين لا تلاحق الكيس بل تتوقع عودته لأن التوقيت أهم من الشدة
أشار إلى يدي وقال المعصم مستقيم دائمًا أي انثناء هيضيع القوة ويعرضك لإصابة والكتف مرفوع لحماية الفك حتى وأنتي غاضبة الدفاع لا يسقط
تراجعت خطوة وأشار لي أن أضرب من جديد فعلت هذه المرة كما قال وشعرت بالفارق الكيس تحرك بعمق أقل لكن الارتداد كان أنظف والضربة أثقل
هز رأسه قليلًا وقال الآن هذا ضرب
نظر إلي بنظرة مختلفة أقرب للإقرار منها للإعجاب ثم قال بجملة واحدة واضحة عندك أساس ممتاز ليه مجربتيش تخوضي منافسات رسمية قبل كده
سؤاله سقط أثقل من أي ضربة وكأنه لم يكن يسأل عن رياضة بل عن شيء آخر قررت منذ زمن ألا أختبره علنًا
أشار بدر بيده إشارة صغيرة وطلب منها أن تستعيد وضع الاستعداد مرة أخرى وقال بهدوء إن الغضب يمكن استخدامه لكنه لا يُترك يقود الحركة لأن العاطفة إذا سبقت التقنية أفسدتها
وقف على مسافة قريبة هذه المرة وجلس نظره عند مستوى كتفيها وقال إن عليها أن تبقي المرفقين قريبين من الجسد لأن فتح الذراع يبدد الطاقة ويترك الوسط مكشوفًا وأوضح أن الكتف الأمامي يجب أن يتحرك قبل القبضة بجزء من الثانية لأن الضربة تبدأ من الدوران لا من الدفع
طلب منها أن تقلل عدد اللكمات وتضاعف الوعي وقال إن ثلاث ضربات متقنة أفضل من عشر عشوائية لأن الجهاز العصبي يتعلم الجودة لا التكرار الأعمى
قال إن عليها أن تسمع صوت احتكاك القبضة بالكيس وإن غاب الصوت فذلك يعني أن التوقيت خطأ وأن زاوية المعصم غير دقيقة
ثم قال جربي الآن
ثبتت قدميها كما قال ومالت بجسدها قليلًا وأطلقت الضربة الأولى بوعي أبطأ مما اعتادت ثم الثانية ثم الثالثة وشعرت بانتقال القوة من الأرض إلى القبضة لأول مرة دون أن تتسرب
لم يرفع صوته حين قال هذا أفضل لكن لا ترفعي كتفك الخلفي متأخرًا أبقي خط الكتفين واحدًا حتى لا تخسري التوازن
قال إن التنفس يجب أن يكون قصيرًا حادًا مع كل لكمة لا طويلًا لأن النفس الطويل يشتت الإيقاع ويكشف التعب مبكرًا
طلب منها أن تعيد مرة أخرى مع حركة جانبية صغيرة بعد كل ضربة لأن البقاء في خط الهجوم خطأ شائع حتى في التدريب
نفذت ما قاله وشعرت بأن جسدها لم يعد ينفجر بل يعمل وأن الكيس لم يعد خصمًا بل مرآة
أومأ برأسه أخيرًا وقال الآن أنتِ لا تضربين لتؤذي بل لتسيطري ودي علامة لاعبة تعرف هي بتعمل إيه
