رواية روح غائبة الفصل التاسع9بقلم السيد عبد الكريم
تركني عم شكري وفرّ هاربا حينما رأي العفريتة ، ووقفت وحيدا في تلك الغرفة أمام العفريتة ، وبعد أنْ دققتُ النظر عرفت أنّها عفريتة رانيا رامي ، وطبعا العفريتة سخرت منّي ومن عم شكري ، لكنها أخبرتني أخيرا أنّها سوف تخبرني بحكايتها بشرط أنْ أساعدها في الانتقام من محاسن ، وطبعا في الأول كنت مترددا لكنني وافقت ، ثم طلبت منّي الجلوس وجلستْ هي على طرف السرير وبدأت تحكي قائلة :
ـ اسمي رانيا رامي .. طالبة فى 3 اداب قسم انجلش جامعة سوهاج .. كنت راكبة عربية ورايحة الجامعة مع مجموعة من البنات ...معرفش حصل إيه خلى العربية تميل بينا كأنّ السواق عاوز يتفادى الاصطدام بشيء ما ... بعدها العربية انحرفت وبدأ البنات يصرخوا .. والعربية تقلبت .. وكنت أنا أول واحدة أطير من العربية ... لأني كنت قريبة من باب النزول اللى تكسر خمسين حتة ... طرت واصطدمت بشجرة على طرف الترعة وسقطت أسفل الجرف ... يعني سقطت في حتة وسط الحشائش وطحالب المياه ... والعربية فضلت تتقلب لحد ما وقعت في الترعة .. بس أنا الوحيدة اللي سقطت بعيد .. علشان كده جثتي هي آخر جثة عثروا عليها ... ومرّت ساعات وأنا جثة هامدة تحت جرف الترعة ... لحد ما جات سيارة ونزل منها رجلان وحملوني داخل السيارة ... والعربية مشيت بعيد في مكان مقطوع .... كان فيه ست في العربية مع الرجلين .. الست محاسن ... قلعتني هدومي ولبستني هدوم غيرها ... وبدأت تشوه في وجهي وتغيّر في ملامحي .. وحطت في صباعي الأوسط من ايدي اليمين خاتم له شكل مميز .. وأمرت الرجلين يرجعوني في نفس المكان اللى مت فيه .. بس طلبت منهم ينزلوني في الترعة ويطلخوني بالطين والماء .. وكانوا لابسين قفزات علشان البصمات .. وكده كده مكنش حد هيدور على البصمات لان الحادثة مفيهاش أي شبهة جنائية .. وبعد ما لطخوني بالطين رموني في نفس المكان اللى مت فيه بس على أول الجرف علشان رجال البحث يشوفوني ... ساعتها كل رجال البحث كانوا مشغولين في البحث عن الجثث بجوار العربية المقلوبة في الترعة .. مكنش حد متوقع إنْ فيه جثة مرمية على بعد 300 متر قبل المكان اللى سقطت فيه العربية .
كنتُ أسمع لكلامها في ذهول ، بس برضه فيه حاجة غلط ، فيه حاجة مش مفهومة ، الضابط محسن بيه لمّا قرأ أسماء المتوفين قال إنّهم 5 بنات .. وقال إنْ البنت الأخيرة هي بسمة ، علشان كده قلت :
ـ يعني عاوزة تقولي إنّهم لبسوكي ملابس بسمة وخاتم بسمة .
قالت :
ـ سمعت عنّك إنّك ذكي ..بس مكنتش اتوقع إنّك بالعبقرية دي .
طبعا هي بتسخر منّي ، حتى العفاريت بتسخر منّي ، بس مش مشكلة ، أنا متعود على كدة ، المهم قلت :
ـ طيب ما بسمة ماتت معاكم
قالت :
ـ محصلش .
قلت :
الضابط قالي كل الاسماء وقال إنْ البنت الاخيرة هي بسمة .
قالت :
ـ طيب قالك بسمة مين ؟
رحت أتذكر وسمعتها تقول :
ـ البنت رقم 5 فعلا اسمها بسمة بس ( بسمة أكرم كساب ) مش بسمة عبد العزيز .
وهنا بدأت أتذكر كلام الضابط محسن بيه ..
........................
فلاش باك ..
مشهد سابق لمّا الأستاذ رأفت كان مع محسن بيه .
قال محسن بيه وهو ينظر للأوراق التي بين يديه :
الحادثة حصلت من 5 شهور وعشرين يوم ... عربية رمسيس نقل داخلي .. كان فيها 12 طالبة ... رايحين الجامعة .. العربية اتقلبت 3 مرات وبعدها سقطت في الترعة .. ماتوا 5 والباقي إصابات .. فيما بعد كل المصابين خفوا .
قلتُ :
ـ طيب ممكن أسماء اللى ماتوا ؟
أجاب :
ـ الأولى .. هدي حمدي محمود
ـ التانية ... نادية وحيد عبد الحي
التالتة ..نجوي احمد حسين
الرابعة .. رانيا رامي عبد التواب .
الخامسة .. بسمة ..
قاطعته قائلا :
ـ تمام ... شكرا أوي لحضرتك
............................................................
نظرت للعفريتة وأنا أقول :
ـ ايوه فعلا .. الضابط لمّا قال اسم بسمة أنا قاطعته ومكنش يهمني اسمع باقي الاسم ؛ لأنّي كنت متوقع إنّها بسمة عبد العزيز .
قالت عفريتة راينا :
ـ مش قلتلك إنت عبقري .. اللى ماتت معانا اسمها بسمة أكرم كساب .
قلت في تركيز :
ـ بس كلامك ده له معني خطير .
قالت :
ـ نفسي تتوقف عن ابهاري بعبقريتك .
قلتُ متجاهلا سخريتها :
ـ معنى كلامك إنْ بسمة عبد العزيز لسه على قيد الحياة .
قالت :
ـ اسمها مدام المعلم مندور لو سمحت .
قلت في تعجب :
ـ مندور مين ؟
أجابت :
ـ بص .. أنا مش فاضية لأسئلتك الغية دي .. أنا المفروض أظهرلك 3 مرات فقط .. ظهرت منهم مرتين .. مرة عند الطريق الزراعي ومرة دلوقتي .
وهنا تذكرت لمّا شفتها في الطريق الزراعي وركبتها ورايا الموتوسيكل؛ فقلت بسرعة :
ـ وانتي عرفتي إزاي إنّي هكون موجود في الطريق الزراعي عن شجرة الجميز .
قالتْ :
ـ لأنّي أنا اللى كتبت المكان في الورقة .
قلتُ في غباء :
ـ مش فاهم حاجة .
قالت :
ـ مش جديد عليك .. بس هفهمك .. لمّا نسمة رمت ليك الرسالة كانت كاتبة إنّك تقابلها عند الدكان اللى جمب مدرستها بعد خروجها من المدرسة .. بس أنا غيّرت العنوان علشان أقابلك فى الطريق الزراعي ... إنت أخدت الورقة من نسمة ورحت البيت وقبل ما تفتح الورقة دخل عندك عمك شكري .. ساعتها أنا طلعت الورقة من ملابسك وغيرتها بورقة تانية فيها عنوان شجرة الجميز من غير ما حد يشوفني .
قلتُ :
ـ طيب وليه ظهرتي في بيت الثقافة للأستاذ شماشيري :
قالت في بساطة :
ـ كان لازم أخلّى عقلك الباطن يبقى مشغول باسم رانيا رامي .. تمهيد يعني ... علشان لمّا أقابلك عند شجرة الجميز تكون مستوعب إنّي عفريتة .
قلت :
ـ فعلا شغل عفاريت .
قالت :
ـ مطلوب منّي أقولك لا داعي للتصفيق .. ونحن نعمل في صمت ... سيبك من الهبل ده وخلينا في الجد .. دلوقتي إنت عرفت كل اللى حصل .. ودورك إنّك تنتقم من محاسن .
قلت :
ـ مش إنتي عفريتة وتقدري تعملي كل حاجة .. ما تنتقمي إنتي منها .
قالت :
ـ فكرتك عن العفاريت غلط .. أنا روح معذبة .. تم تشويه جسمي ووجهي وملامحي من محاسن ... ومش هرتاح غير لمّا أنتقم منها .. وإنت بما إنّك مهتم بالموضوع ده فلازم تاخد بتاري .
قلت :
ـ ماشاء الله ! وانتى ملقتيش حد ياخد بتارك غيري .
قالت :
ـ كنت حاسة إنّك عيل وهترجع فى كلامك .
ساعتها شفت الحجرة تحوّلت لقطعة من نار .. النار شبت في ستائر الحجرة وفى السرير وكانت هي قاعدة بتبتسم وسط النيران .. والنار كان كل شوية تقرب منّي ..وبدأت أسعل وأكح ووضعت كلتا يدي حول رقبتي وحاولت أفتح الباب لأهرب من النار والدخان ، لكنني سمعتها بتقول :
ـ مفيش هروب طالما عرفت سري .. ها هتساعدني ؟
قلتُ في ضعف وخوف :
ـ هساعدك .. هساعدك .
عندها اختفت النيران من الحجرة وعاد كل شيء كما كان ،وسمعتها تقول :
ـ مش معني إنّي مؤدبة معاك يبقى خلاص تضحك عليا .. انت وعدتني تساعدني .
قلت :
ـ ونعم الأدب والله .
قالت :
ـ مبحبش التريقة .. ولا تحب أحوّلك لأرنب .
قلتُ :
ـ لا خلاص .. لا أرنب ولا قطة .. إيه المطلوب منّي ؟
قالت :
ـ مش عارفة .
قلت :
ـ شفتي بقا مين اللى بيتريق .. إزاي يعني مش عارفة ؟
أجابتْ :
ـ إنت اللى هتنتقم مش أنا .. يعني اختار الطريقة اللى تناسبك .. المهم تنتقم .
قلتُ :
ـ ماشي بس ألاقي الزفت محاسن دي فين وانتقملك منها إزاي ؟
أجابتْ :
ـ فيه حاجات مقدرش أقولها صراحة .. أنا حكيتلك حكاية الحادثة وتشويه جثتي لأنّها حدثت في الماضي .. لكن الوقت الحاضر ممكن أقولك على تلميحات بس .
قلتُ :
ـ زي إيه ؟
أجابت :
ـ الكازينو في شارع 6 حي الازهار ... شمندي ومحاسن جوه ومندور برة .... اللي بره بيدخل عن طريق الرعي ....واللي جوه عن طريق التطبيق .
كنت مستغرب من التلميحات الغريبة دي وسمعتها بتكمل كلامها قائلة :
ـ كده وقتك انتهى ... مش هعرف أظهرلك إلا مرة واحدة بس وبعدها هتحرق ... نفسي ارتاح في قبري يا أستاذ رأفت .
قلتُ بسرعة :
ـ بس إيه طريق الرعي وإيه طريق التطبيق إنا مش فاهم أي ..
وقبل أنْ أكمل جملتي كانت العفريتة قد اختفت ، وبعدها عاد الظلام وبحثت عن الكشّاف وبدأت أخرج من البيت .
تاني يوم الصبح خارج من البيت علشان أروح قسم الشرطة بس لقيت قدّامي عم شكري اللى قال :
ـ إنت لسه عايش .. طيب طالما عايش ما تكلم طلعت ابن عبد البر .
قلتُ :
ـ تصدق إنت جبان أوي يا عم شكري .. كده تتركني وتهرب وعامل نفسك شجاع .
قال :
ـ ما إنت مشفتش المسخوطة .. دي عنيها كانت بتطلع شرار .. وأنا بخاف من العفاريت اللى عنيهم بتطلع شرار .
قلتُ :
ـ بس إنت قلتلي إنّك مش بتخاف والعفاريت هي اللى بتخاف منّك .
قال :
ـ ايوه مش بخاف .. مش بخاف من العفاريت اللى عنيها مش بتطلع شرار .
قلت :
ـ طيب على فكرة مكنش فيه مسخوطة لا حاجة ... دي دمية اللى شفتها في الدولاب وخفت منها .
قال :
ـ ايه دمية دي ؟
قلت :
ـ يعني مانيكان .
قال :
ـ إنتَ جيت تكحلها عميتها .. هو أنا فاهم دمية علشان افهم مانيكان ؟
أنا مكنتش عاوزه يعرف إنها عفريتة بجد علشان هيفضحني فى القرية كلها ، ولما طال سكوتي سمعته بيقول :
ـ شكلك إنتَ كمان مش عارف معني مانيكان .
قلت :
ـ عروسة جلد بحجم الإنسان وكان على راسها باروكة .
ثم تذكرت شيئا ؛ فقلت :
ـ صحيح يا عم شكري .. مين شمندي ده ؟
قال :
ـ شمندي مين ؟
قلتُ :
ـ أنا فاكر إنّك قلتلي قبل كده إنّك هتبلغ الحكومة عن إن طلعت ابن عبد البر بيشتري ممنوعات من شمندي .
قال :
ـ شمندي تاجر القصب .. أكبر واحد بيوزع مخدرات في سوهاج كلها .
قلتُ :
ـ عاوز أقابله ... ساكن فين ؟
قال مسرعا :
ـ إخص ..إخص وألف أخص ... على أخرتها عاوز تشتري مخدرات ... الله يرحم أبوك .. لو كان ..
قاطعته :
ـ يا عم شكري انجز .. أنا عاوز اعرف مكانه علشان أبلّغ عنّه الحكومة .
توجهتُ إلى قسم الشرطة وقابلت بهاء بيه اللى قال لمّا شافني :
ـ جميل ... جميل جدا يا أستاذ رأفت .
قلت :
ـ عاوزك مع موضوع مهم يا بهاء بيه .
قال :
ـ مش وقته خالص ... أنا مش فاضي ... المديرية مقلوبة .
قلت :
ـ طيب أجيلك إمتى تكون فضيت ؟
أجاب :
ـ سنتين تلاتة كده .
قلت :
ـ لا بقا .
قال :
ـ مواضيعك كلها عفاريت وأشباح وأنا مش فاضي للكلام ده دلوقتي خالص ... بقولك المديرية والوزارة كلها مقلوبة .
قلت :
ـ ليه هو الموضوع كبير للدرجة دي ؟!
قال :
ـ مخدرات يا سيدي .
قلت في تركيز :
ـ مخدرات !!! طيب إيه رأيك أنا عندي معلومات .
قال :
ـ هو إنتَ سبت العفاريت وبتشتغل في المخدرات .
قلتُ :
ـ اتريق براحتك يا بهاء بيه ... بس نصيحة منّي لو عاوز تقبض عليه هو اسمه شمندي تاجر قصب .
وهنا انفجر بهاء بيه في ضحكة طويلة وقال :
ـ معلومات قيمة يا أستاذ رأفت .
قلت :
ـ بتضحك ليه طيب ؟
أجاب :
ـ يا أستاذ رأفت .. شمندي ده لو جه هنا وسلّم نفسه مش هقبض عليه .. عارف ليه .. علشان دا لسه ناشئ .. دا بيلعب على الشط ... يعني اخره كده يوزع كام حتة على المدمنين وخلاص .. لكن يهمني هو بيجيب منين ... الراس الكبيرة ... احنا كنا عاملين مراقبة من شهور للى زي شمندي علشان نوصل للراس الكبيرة ... حتى اللى قبضنا عليهم قالوا إنّهم ميعرفوش حاجة عن الراس الكبيرة غير اسمه .... العبقري .. اسمه العبقري .... دا أكبر مستورد وموزع داخل مصر... وهو اللى بيوزع على شمندي وأمثاله ... بس التوزيع بيكون بطريقة ذكية جدا ... أنا هتجنن يا أستاذ رأفت ... هتجنن ... العبقري بيستورد إزاي وبيوزع إزاي ؟
قلتُ بعدما تأكدت إنْ الموضوع فعلا كبير معقد :
ـ طيب وإيه دخل مديرية سوهاج بالموضوع ..؟
أجاب :
ـ جميل جدا يا أستاذ رأفت .. الكميات كلها بتدخل سوهاج من دولة تانية ... كأنها بتنزل سوهاج بالطيارة ...ومن سوهاج بتتوزع على الجمهورية .. واحنا لا عارفين هي بتدخل سوهاج ازاي ولا بتتوزع خارج سوهاج ازاي .
قلت :
ـ مش فاهم ؟
أجاب :
ـ اه نسيت إنّك بتفهم من المرة التالتة .
تجاهلت سخريته وسمعته يقول :
ـ انتشار المخدرات بدأ يزيد في سوهاج بشكل فظيع ... علشان كده بدأنا نراقب التجار الصغيرين اللى زي شمندي ... بس مش عارفين نوصل لحاجة ... وبدأ رجال مكافحة المخدرات يبعتوا تقارير بدخول كميات كبيرة في محافظات تانية ... يعني فيه موزع هنا داخل سوهاج ...هو اللى بيوزع في بقية المحافظات .... ومتنساش إنْ شغلى أنا شغل تعاوني مع رجال مكافحة المخدرات .. لأن دا مش تخصصي ... بس الموضوع قدّام مكتب وزير الداخلية .... والوزير بعت فرقة كاملة من مكافحة المخدرات لسوهاج علشان يحققوا ويراقبوا .. وإحنا طبعا شغّالين معاهم يعني بنساعدهم بنذلل ليهم العقبات وهكذا .
قلتُ :
ـ يعني لو وصلتوا للعبقري الموضوع هيتحل .
قال :
ـ أولا : لازم نقبض على العبقري متلبس .. ثانيا : لازم نقبض عليه وهو على قيد الحياة .. علشان يوصلنا للموزع الكبير خارج الدولة .
قلتُ :
ـ إزاى تقبضوا عليه علي قيد الحياة ؟
أجاب :
ـ بص هي الحاجات دي مش تخصصي بس رجال مكافحة المخدرات قالوا إن معظم رجال المخدرات الكبار بيقتلوا نفسهم ساعة القبض عليهم .. لأنهم عارفين نهايتهم هتكون إمّا سجن مدي الحياة أو إعدام .. وكمان علشان ميقولوش علي أسماء حد غيرهم .
قلت :
ـ طيب وشمندي ؟
أجاب :
ـ خليه يلعب .. لازم الصغيرين اللى زيه يحسوا بالأمان .
ساعتها دخل رجل على كتفيه رتب عسكرية كثيرة ، كان في عمر الثلاثين تقريبا قوي البنية وطويل القامة ، قال الرجل :
ـ مشغول يا بهاء ؟
أجاب بهاء بيه :
ـ لا معاك .. تفضل .
نظر نحوي الرجل فقال بهاء بيه :
ـ تبعي ...خد راحتك ..تأمرني .
قال الرجل :
ـ فيه شحنة جديدة وصلت وبتتوزع دلوقتي ؟
قال بهاء بيه في تعجب :
ـ معقولة !!! والمراقبة ... والكماين .. ونقاط التفتيش ... منافذ أسيوط ومنافذ قنا ..طيب كل المنافذ متغطية .
قال الرجل :
ـ إحنا مش بنام .. كل المنافذ متغطية .. الزراعي والصحراوي وكل المنافذ ... مفيش ناموسة بتدخل بدون تفتيش ... الشحنات بتدخل بطريقة احترافية يا بهاء .
وهنا تدخلت في الحوار وقلت :
ـ طيب ما تقبضوا على اللى بيوزعوا الشحنة .
قال الرجل :
ـ مين إنت ؟
قال بهاء بيه مبتسما :
ـ الأستاذ رأفت .. صديقي وابن سوهاج ... تقدر تعتبره صديق لينا .
قال الرجل :
ـ انا أقدر أقبض على كل التجار اللى بيوزعوا الشحنات الصغيرة .. بش مش هستفيد حاجة .. أولا مش هيعترفوا على الراس الكبيرة ... ثانيا لو هيتحاكموا على الكمية اللى معاهم هياخدوا من سنة إلى 5 سنين .. لكن احنا عاوزين الراس الكبيرة اللى بتدخل الكميات دي بالطريقة الاحترافية دي .
غادرتُ قسم الشرطة بعدما علمت أنْ بهاء بيه مش فاضي للموضوع بتاعي ، وأنا لازم أنتقم من محاسن قبل ما العفريتة تخرب بيتي ، وساعتها بدأت أفكر ..
ـ أنا عارف عنوان محاسن ..
ـ بس مينفعش أظهر قدّامها لأنّها تعرفني ...
ـ ولازم أثبت إنّها قامت بتشويه جثة رانيا رامي .
ـ ولازم أثبت إنْ بسمة لسه عايشة .
وبدأت أفكر في كلام العفريتة ....
اللي بره بيدخل عن طريق الرعي ....
واللي جوه عن طريق التطبيق.....
طيب رعي إيه وتطبيق ايه !!!!
طيب أنا لو سافرت القاهرة ورحت الكازينو محاسن هتعرفني وكل حاجة هتكشف ، وبكده مفيش حل غير إنّي انتظر ظهور العفريتة مرة تانية علشان توضحلي الأمور أكتر من كده .
مرّ أسبوع بدون جديد ، كنت يوميا أذهب إلى المقابر وإلى بيت عبد العزيز فاروق على أمل إنْ العفريتة تظهرلي لكن مفيش فايدة ،
وفي اليوم السابع قررت اروح للمكان اللى عند شجرة الجميز ، بس قلت هروح بعد المغرب علشان البرد والظلام وتكون الدنيا ونس شوية، وفعلا توجهت إلى المنطقة المهجورة عند شجرة الجميز ، وأنا ماشي بالموتوسيكل شفت ولد عنده تقريبا 17 سنة بيحفر في منطقة ترابية خلف الترعة ، كان بيحفر بايده ... وبدأت أراقب الولد .. الولد لمّا خلص حفر شفت في إيده كيس زي اللفاقة كده ومشي وغادر ...
ساعتها لم أهتم بالموضوع وفضلت أنتظر ظهور العفريتة ، مرت 3 ساعات وبدأ الظلام يحل ...بعدها شفت ولدين جايين لنفس المنطقة الترابية ، وركنوا الموتوسيكل بتاعهم وبدأوا يحفروا .. وبعد شوية أخرجوا كيس ووضعه أحدهم بين ملابسه ، وقبل ما يغادروا اقتربت منهم فقال الولد :
ـ مشارك معانا في اللعبة ؟
مكنتش عارف أقول ايوه ولا أنفي ، بس سمعته بيقول :
ـ وصلت لاسكور كام ؟ ( المستوى الكام )
قلت وأنا أحاول قول إجابة مناسبة :
ـ يعني .. أنا جديد .... وانتو ؟
قال :
ـ يا رجل ... أنا حصلت ألف جنيه لحد دلوقتي ؟
قلت :
ـ طيب والمفروض نعمل إيه ؟
قال :
ـ شكلك أول مرة ؟
قلت :
ـ بصراحة ايوه .
قال :
ـ روح أحفر في المكان اللى طلبوه منك وخد الكيس ووصله للعنوان وهتلاقي السيستم أرسلك أرباح على حسابك .
قلت مراوغا :
ـ طيب لو حابب أشترك في سكور ( مستوى ) أعلى وأحصل فلوس أكتر اعمل إيه ؟
قال :
ـ والله مش عارف .. أنا بس مشترك في برنامج واحد .. اسمه( مهمة سهلة ) وصاحبي اللى قالي عليه .
غادر الولدان وبدأت أربط الافكار ...
برنامج ( مهمة سهلة ) بيطلب منّك مهمات تعملها وتكسب فلوس ..
وبسرعة البرق غادرت المكان إلى البيت ، وأحكمت إغلاق الباب وبدأتُ أبحث عن البرنامج ، ودخلت على متجر بلاي وفضلت أبحث عن اسم البرنامج لكن كلها برامج ألعاب عادية ، نزلت أكثر من برنامج باسم ( مهمة سهلة ) وكلهم طلعوا ألعاب وتسلية وترفيه ، وفقدتُ الأمل إنّي أصل لأي معلومة .
بعد 3 أيام توجهتُ إلى المنطقة الترابية وبدأت أراقب ، وبعد شوية جه شاب تقريبا عنده 22 سنة وبدأ يحفر ، وهنا اقتربت منّه وقلت :
ـ إنت معانا في اللعبة ؟
قال :
ـ ايوه .. إنت مين ؟
قلت :
ـ أنا في اللعبة بس مش عارف أنفذ المهمة .. علشان أنا مش بفهم في البرامج وكده والتليفونات أوي .
قال :
ـ وريني تليفونك .
وريته التليفون وقال بعدما تصفح فيه :
ـ يا راجل إنت مش مشترك في البرنامج أصلا ؟
قلت :
ـ إزاي ؟ انا منزل كل برامج المهمات .
قال :
ـ كلها برامج وهمية ... لازم دعوة من صديق فى الاول .. وبعدها رابط وبعدها كود تدخل بيه للبرنامج .. وكمان البرنامج مش موجود على متجر بلاي أصلا .
قلت :
ـ طيب وأشترك إزاي ؟
قال :
ـ أنا ممكن أعملك دعوة باسمي... بس تدفعلي 500 جنيه .
قلت :
ـ طيب وأنا مضمون يعني إنّي أكسب .
قال :
ـ طبعا .. دا اكتر برنامج فيه مكاسب حقيقية ... أنا وصلت 3 الاف جنيه في اول اسبوعين .
قلت :
ـ تمام موافق .
قال :
ـ هات الفلوس .
بعد ما إديته الفلوس طلب منّي رقم الواتس وبعدها قام بإضافتي في جروب على الواتس اسمه ( تجمع اللاعبين ) ، وبعدها قال :
ـ خلاص .
قلت :
ـ خلاص إيه فين البرنامج بتاع اللعبة ؟
قال :
ـ يا راجل شكلك غبي أوي ... خلال يومين هيتواصل معاك أدمن الجروب ويتفق معاك على الشغل ... ولو وافقت هيدخلك الجروب السري ويرسلك رابط البرنامج ... ومع الوقت هتفهم كل حاجة .
شكرته رغم إهانته، لكنه قال قبل أنْ يغادر :
ـ لما تجيب أعضاء جدد هتاخد مكافاة من الأدمن .. يعني أنا خدت منك 500 جنية وهاخد من الأدمن 500 جنيه علشان ضفتك معانا.
شكرته وغادرت .
لمّا عدت إلى البيت بدأت أقلب في الجروب ، الجروب مكنش فيه لا روابط ولا كلام غير قام فلان باضافة فلان ،
قام فلان بإضافة فلان ،
ولمّا بحثت عن الأدمن لقيته داخل برقم من خارج الدولة ، يعني رقمه مش من مصر ، أخدت الرقم وفضلت أبحث عن الرقم على فيس بوك وتيك توك وانستجرام بس بدون فايدة ،وفضلت أنتظر لحد فات 3 أيام .
بعد ثلاثة أيام لقيت رسالة وصلتني من الأدمن الساعة 3 الفجر ، الرسالة كانت من الأدمن بيقول فيها :
ـ السلام عليكم .. لو عايز تدخل الجروب السري وموافق على شروطنا رد عليا بتم .
كتبت بسرعة تم ، وبعدها كتب وقال :
ـ لحظات ..
بعدها وصلني إشعار إنّه تم إضافتي لجروب واتس جديد اسمه
( اكواد ولينكات ) ..
فضلت أبحث في الجروب الجديد .. بس مفيش لا لينكات ولا كلام غير أضاف الادمن فلان وفلان وفلان ،
بعدها بنصف ساعة كلمني الأدمن على الخاص وقال :
ـ اضغط على الرابط اللي أرسلته ليك .
كتبت له :
ـ فين الرابط :
الأدمن كتب :
ـ الرابط قدامك أهو يا غبي .. الرابط اللى لونه أزرق .
مش عارف كله واخد عني فكرة الغباء دي ، بس الراجل عنده حقل ؛ لأنّي فعلا لقيت فيه رابط ، ولمّا ضغطت عليه لقيت واجهة غريبة كده عليها لعبة ، ومكنتش عارف أعمل إيه في اللعبة دي ، بس وصلتني رسالة من الأدمن بيقول فيها :
ـ اعمل تسجيل دخول على اللعبة باسم غير اسمك الحقيقي واربطه بحساب عملات رقمية مشفرة... وبعدها هيوصلك اشعار بأول مهمة خلال 3 أيام .. وممنوع التواصل معي مرة اخرى .
قلت محاولا إغاظته :
ـ يعني إيه عملات رقمية مشفرة ؟
قال عن طريق الكتابة :
ـ فتح مخك شوية ... ادخل على الدارك ويب واعمل محفظة الكترونية مشفرة واختار عملة بيتكوين .
دخلت على اللعبة وسجلت باسم ( أشلول ) ،وبدأت أتصفح في البرنامج ، كان برنامج عادي جدا عبارة عن واجهة فيها لعبة تشبه لعبة السلم والثعبان .
بعد يومين وعلى الساعة 7 بالليل لقيت إشعار من البرنامج ، لمّا فتحت البرنامج وضغطتُ على الاشعار وقرأت :
ـ مهمة أشلول الغبي رقم واحد ...الساعة 10 بالليل تكون خلف سور الساقية المهجورة ... امشي سبع خطوات واحفر .. احصل على السمنة ... الساعة 12 بالليل توجه بالسمنة إلى مدينة كذا شارع كذا.. وضعها أمام شقة رقم كذا .
أنا عامل الاكونت باسم أشلول بس ، مش عارف ليه هو قالي أشلول الغبي ، بس يظهر خد عني انطباع الغباء من ساعة ما سالته عن العملات المشفرة ، المهم اللى المفروض هسلّم فيه السمنة كان في مدينة جمب قريتي ومش هينفع أقول عنه بس المهم تكونوا فاهمين تفاصيل المهمة .
الساعة 10 بالليل توجهتُ إلي خلف سور الساقية المهجورة ومشيت 7 خطوات ولقيت كومة تراب صغير ، ولمّا حفرتها لقيت كيس بلاستيكي ، وطبعا أخذت الكيس وتوجهت إلى العنوان المطلوب ... واللى كان بيوصلني للعنوان هو الراجل بتاع مكافحة المخدرات اللى كان قاعد مع بهاء بيه ، ومفهوم طبعا إنّي حكيت لبهاء بيه كل حاجة خلال الايام السابقة ، الراجل اللى شغال فى مكافحة المخدرات اسمه منعم بيه ، وهو اللى عمل ليا حساب بعملة البيتكوين ، ومنعم بيه كان لابس ملابس مدنية وقالي ونحن فى السيارة متجهين الى العنوان المقصود :
ـ أنا هستناك هنا .. وصل المخدرات وتعالا .
قلت :
ـ متأكد إنها مخدرات مش سمنة ؟
قال :
ـ والله ما هرد عليك .
حينما عدت وجلست في سيارة منعم بيه وصلني إشعار على تليفوني ، وحينما فتحت التليفون واللعبة لقيت مكتوب :
ـ تم ارسال مبلغ بيتكوين وهو يعادل 300 جنيه .
حينما رأي منعم بيه الرسالة قال :
ـ شغل احترافي يا أستاذ رأفت .. البيتكوين يستحل تعقبها ... بتعجبني اللعبة الحلوة حتى لو كانت من أعدائي ... والعصابة دي أذكي عصابة شفتها في حياتي .. بس هيقعوا .. عارف يعني إيه هيقعوا يا أستاذ رأفت .
ثم قال بصوت عالى وهو يضغط على البنزين ويضرب على مقود السيارة :
ـ هيقعوا يعني هيقعوا ... عارف يعني إيه هيقعوا .
قلت :
ـ أنا حاسس إنْ حضرتك متعصب عليا أنا يا منعم بيه .
ابتسم وقال :
ـ بالعكس ... إنتَ ذكي ... عكس اللى باين عليك .
اه .. سخرية كالعادة ، المهم قلت :
ـ هو بهاء بيه قالك عنّي حاجة ؟
قال :
ـ قال إنّك بتاع عفاريت ولازم أخدك على قد عقلك .. بس إنت ذكي .. عارف يعني يعني إيه ذكي .
قلتُ :
ـ عارف .. عارف بس ممكن تهدي السرعة شوية .
قال :
ـ خسارة ذكائك ده يضيع هنا في القري المغمورة .
طبعا تريقة واضحة والراجل متعصب فبلاش اتكلم أنا بقا ، وكله من بهاء بيه اللى خلاه ياخد عنّي الفكرة دي المهم سمعته بيقول :
ـ خلال يومين هتكون في قسم الأزهار فى القاهرة ... تقعد مع طارق بيه ..وأنا هرتب كل حاجة .
قلت :
ـ طيب المدير بتاعي والاجازة ..
قاطعني :
ـ مدير إيه يا أستاذ .. انت فى مهمة تبع الدولة .. انت شغال فين أصلا ... هات اكلم مديرك .
قلت :
ـ طيب خلاص سيبني انا اكلم المدير وبلاش حضرتك تتدخل علشان هناك زملائي مش بتتبل فى بوقهم فوله .
قال :
ـ هم للدرجة دي مش بيحبوا الفول .
طبعا المفروض أنا أضحك وإلاّ منعم بيه هيتعصب عليا والراجل ما شاء الله رغم إنّه أصغر منّي لكن يقدر يشيل العربية بأيد واحدة ، المهم قلت ضاحكا :
ـ مش بتتبل في بقوهم فولة رغم إنّي بفطرهم كل يوم فول وطعمية .
ضحك بهاء بيه وقال :
ـ ههههههه حلوة الفول والطعمية دي .
خلال يومين كنت أتوجه الى القاهرة ، وصلت القاهرة وتجهت من فوري الى قسم شرطة الازهار وطبعا دا اسم وهمي ، لأنّي فيه حاجات مش هينفع أذكرها باسمها الحقيقي ، المهم قابلني طارق بيه ورحب بيا وقال :
ـ إنت هتقيم معانا هنا لحد ما منعم بيه يقول ... احنا حجزنالك فى فندق الشمعة .
قلت :
ـ لا انا متعود اقيم فى فندق هنا لمّا انزل القاهرة .. بس اسمحلي الليلة رايح مشوار مهم .. ومن بكرة هكون تحت امرك ... منعم بيه عارف كل حاجة .
فى نفس اليوم بالليل وانا فى فندق رمسيس ارتديت جلبابا صعيدي ووضعت على رأسي عمامة هائلة الحجم ولصقت شاربا عريضا ووضعت على عيني نضارة وخرجت الى الكازينو .
فى الكازينو جلست اراقب ما يحدث ، وحينما صعدت الراقصة على المسرح وبدأت تتمايل عرفت من النظرة الاولي انها نسمة عبد العزيز .
