رواية صادفني القدر الفصل التاسع9بقلم سالي دياب


رواية صادفني القدر الفصل التاسع9بقلم سالي دياب


خرج الطبيب من غرفة شروق بعد أن فحصها. فقد دخلت سارة شقيقتها عليها الغرفة، فوجدتها فاقدة للوعي، وكان تنفسها ضعيفا. على الفور اتصل خالها بالطبيب و
والذي اتي في الحال، خرج الطبيب بعد فحصها، ومن خلفه راندا...

اقتربت منهم السيدة منار وقالت بلهفة...

=طمني يا دكتور... من زمان محصلهش كده...

نظر اليها الطبيب وقال...

=والله يا ام راندا أنا قولت ليكم  شروق حساسة، وحالتها متسمحش باي زعل... قولت الف مرة ان اي زعل هييجي  معاها بنتيجة عكسية...

نظر الجميع إلى بعضهم، وقالت منار بحيرة...

=والله مانا عارفة، هي بقالها أسبوع متغيرة، بس محدش فينا قالها حاجة...

التفتت إلى سارة ونظرت إليها بغضب، لتقول سارة...

=متبصيش ليا كده، وحياة عيالي ما جيت جنبها...

اتجهت انظار الجميع الى الطبيب حين قال...

=هي دلوقتي أحسن الحمد لله، حاولي تخرجوها من الحالة النفسية اللي هي فيها، وإلا حالتها هتدهور. عن اذنكم.....

رشده عز الى الخارج، وذهب هو لجلب الدواء، بينما توجهت السيدة منار الى الداخل لتجلس بجانب ابنتها على الفراش..... 
دخلت راندا لتقف امام الفراش وتنظر إلى شقيقتها، وهي تعقد ذراعيها أسفل صدرها. رفعت منار عينيها إلى ابنتها وقالت بحدة...

=أنا عايزة اعرف اختك مالها...

نظرت اليها راندا نظرة مطولة، ثم أشارت لها بالخروج.... كادت السيدة منار ان تعترض، ولكن قالت راندا بامر...

=البنت تعبانة، سيبيها ترتاح. تعالي نقعد بره....

زفرت السيدة منار، ثم قبلت جبين ابنتها وتوجهت إلى الخارج.... مغلقة الباب، لتترك هذه المسكينة غافية على الفراش بسلام... وقد انهك الحزن قلبها....

امسكت السيدة منار بذراع راندا قالت بغضب...

=اختك مالها؟ عرفيني، ومتقوليش ليا  نقعد ونتكلم، انا عايزة اعرف البنت مالها...

سحبت راندا ذراعها، ووضعت يديها الاثنتين على كتفي والدتها وقالت ببساطة...

=انا عايزة اعرف انتي منفعلة ليه؟ هي اول مرة شروق يحصل معاها كده؟ كبري دماغك بقى، وخليكي واثقة فيا، انا مش صغيرة....

تنهدت السيدة منار ونظرت اليها وقالت...

=أقسم بالله إنتوا هتموتوني ناقصة عمر...

=بعد الشر عليكي يا نونو.. ومين يعمل لينا اكل .....

قالت سارة ذلك من داخل المطبخ.... فضحكت راندا، لترفع السيدة منار يديها الاثنتين في الهواء وتقول....

=الصبر من عندك يارب...

في غرفة شروق عقدت حاجبيها بانزعاج، فتحت عينيها ببطء ورفعت يدها المعلقة بها المحاليل، ثم نزعت قناع الأكسجين عن وجهها...

حدقت في السقف لبرهة تحاول استيعاب ما حدث... فبعد خروجها من المرحاض ارتدت ملابسها، ثم شعرت بدوار مفاجئ افقدها توازنها، ولم تشعر بعدها بشيء...
زفرت بضيق، ومدت يدها تسفل الوسادة لتخرج هاتفها الذي كان يصدح بإزعاج. نظرت إلى الشاشة، كتمت الصوت، ثم أعادته أسفل الوسادة مرة أخرى،

 لكن في ....

اللحظة التالية اتسعت عيناها فجأة، فسحبت الهاتف مجددا. اعتدلت في جلستها، كادت أن تسحب يدها، إلا أنها تألمت حينما... شعرت بوخزة الإبرة في عروقها. ألقت نظرة سريعة على المحلول المعلق بيدها ولم تعبأ، أخذت نفسا عميقا ثم فتحت الخط دون أن تتحدث، ليأتيها صوته قائلا...

=عامله ايه...

تجمعت الدموع في عينيها ولم تجبه... كان يعلم أنها غاضبة، خاصة بعدما قرأ الرسائل... تلك الرسائل التي مزقت قلبه. تنهد بعمق وقال...

=والله غصب عني.... متعرفيش انا حصل ليا ايه....

مسحت دموعها، ورغم الزعل خرج صوتها متحشرجا من بين بكائها...

=حصل ايه...

=حصل ايه... وحشني صوتك يا كوتي...

قالها باشتياق صادق، فارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيها، وقد تناست زعلها تماما. تنهد مجددا وقال...

=حصل كتير اوي يا شروق... ابويا تعب تاني وخدت ورحت المستشفى، مسكت في الدكتور، اتحبست، وكانت الدنيا مقلوبة....

اعتدلت في جلستها وقالت باندهاش وقلق واضح...

=ازاي ده وباباك عمل ايه دلوقتي... وانت كويس...

=الحمد لله ابويا كويس... وانا بخير الحمد لله، لسه طالع النهارده.... عاوز اقولك اني مقتول وعايز انام وجسمي مكسر، بس اول ما امي قالت ليا انك اتصلت كتير مقدرتش انام غير لما اكلمك....

=انا اسفه بجد، انا ما كنتش عارفه ان حصل لك ده كله.... طب ازاي... اااا... كده فجأة....

تنهد وأغمض عينيه، لتنساب الذكريات أمامه، ويعود بذاكرته الى ما حدث قبل أسبوع...

فلاش

**********

غفا بعد ليلة طويلة من الصراع في التفكير في الحديث الذي قالته له شروق.... فلم يستوعب حتى الآن ان هذه الفتاة النقية البريئة عانت في حياتها بسبب عقلية متخلفة مثل عقلية والدها...

ليستيقظ في صباح اليوم التالي الساعة 9:30 صباحا على صوت ابن عمته محمود.... فاليوم هو اليوم المقرر لجلب ((عفشه))...

استيقظ زيزو وتوجه الى المرحاض لينعم بحمام دافئ، وبدل ملابسه بأخرى انيقة، ثم تناول وجبة الإفطار مع عائلته ومعهم محمود، ثم ذهبوا سويا إلى الخارج ليقف معه... او كما يقولون ((يوجب معاه))...

في تمام الساعة 10:00 اتي  اتصال من شروق، ابتسم وكاد أن يجيب عليها، ولكن اقترب منه أحد أعمامه، لذلك لم يستطع الرد عليها....

فورا انقطعت شروق عن الاتصال، واتصلت به شقيقته، ففتح الخط، وقبل أن يقول كلمة واحدة كانت آية تقول ببكاء....

= الحق ابوك ما بيتحركش... أبوك اتجلط تاني... تعال بسرعة....

لم ينتظر لسماع باقي الحديث، وتوجه سريعا إلى منزله، ومن خلفه محمود، الذي استمع إلى الحديث. اقتحم المنزل ليجد شقيقته ووالدته يصرخن، وشقيقه يبكي، فصاح به....

= اطلع هات عربية... بسرعة...

وبالفعل ركض عمر ليجلب سيارة... أقام محمود وزيزو الرجل الذي وضعه في السيارة، وانطلقوا إلى اقرب مستشفى....

وللأسف كان اليوم عطلة، لذلك لم يكن يوجد أطباء كثيرون، ودخلوا على الطوارئ. ذهب زيزو إلى الاستقبال وقال بلهث....

= دكتور... دكتور لو سمحت، بالله عليك أبويا جاي معايا في جلطة....

نظر إليه الطبيب الجالس على الاستقبال، وأشار له إلى غرفة آخر الممر، وقال بلا مبالاة....

= اخر الطرقة شمال....

توجه زيزو كما قال الطبيب، ليجد عدة أطباء، وقال لهم إن والده مريض... فوقف وذهب معه احد الأطباء، ونظر إلى والده وقال....

= دي جلطة....

حاول ان يتمالك اعصابه وهو يقول....

= أنا عارف إنها جلطة، اعمل حاجة....

قال الطبيب ببرود...

= محتاج حقنة، والحقنة دي مش موجودة هنا....

ثم تركه وكاد ان يذهب، ولكن أمسكه زيزو من ذراعه، أغمض عينيه وأخذ نفسا عميقا من أنفه، ثم قال وهو يفتح عينيه ببطء ويضغط على أسنانه....

= يا دكتور، انا ابويا طالع من عندكم، كان عامل عملية في المستشفى هنا.... الحق الراجل ده جاي في جلطة....

نظر الطبيب إلى يده التي تمسك بذراعه، ثم دفع يده وقال بغضب وهو يدفعه في كتفه....

= اتكلم عدل يا بابا، انت في مستشفى مش في تكية ابوك هي....

إلى هنا وطفح الكيل في لحظة، وكان الطبيب يصرخ متألما حينما لكمه زيزو لكمة عنيفة في أنفه، ثم دفعه بقوة على الحائط، وانهال عليه بالضرب. اجتمع الأطباء والممرضون يحاولون سحب زيزو بعيدا عن الطبيب...

لينضم إليه شقيقه عمر، وقام بنزع الحزام وأخذ يضرب به جميع الأطباء حينما تكاثروا على شقيقه... دخل محمود ليسحب عمر بعيدا، ويحاول أن يفك معهم ذلك الاشتباك، ولكن تطور الأمر، وقام أحد الأطباء بالاتصال بالشرطة، التي في لحظة كانت هناك...

والقت القبض على عمر وزيزو... بعد أن تم حجزهما في غرفة مدير المستشفى، فقد تكاثر عليهم الممرضون والأطباء، وكما يقولون كثرة تغلب الشجاعة... وما فعله كان بدفع الغضب على والدهما...

لذلك تم احتجازهما في غرفة مدير المستشفى حتى اتى رجال الشرطة، وقبل ان يأخذوهما الاثنين قال زيزو للضابط....

= باشا، أخويا معملش حاجة   انا اللي ضربت الدكتور....

نظر الضابط الى شقيقه، ثم أشار لعسكري  بان ياخذ زيزو فقط، بعد ان اعطى هاتفه وما في جيبه لشقيقه.....
وتم أخذ زيزو إلى قسم الشرطة، فقد تعدى على طبيب أثناء أداء وظيفته... لن يفهم أحد أن ما فعله كان بدافع الغضب والخوف على والده.... لذلك تم معاملته معاملة سيئة...
تم وضعه داخل الحجز، وانهال عليه امناء الشرطة بالضرب والتعنيف والسب.... معاملة أقل ما يقال عنها إنهم يعاملون حيوانا لا بني آدم أتى بوالده مريضا....
ورغم الضرب المبرح الذي اخذه، كان رأسه مشغولا بوالده... هل ذهب إلى المستشفى؟ هل اعطي الحقنة؟ هل انقذه احدهم؟...

فهو رجل البيت، نعم لديه عائلة كبيرة، ولكن لا أحد يهتم، كل منهم له همه، لذلك كان قلبه معلقا بوالده....

باك
******

=طب انتي بتعيطي ليه دلوقتي....

نعم، ابكي، فلقد ظننت بك السوء، وأنت مررت بكل ذلك يا الهي... لقد حزنت كثيرا لبكيت، فما هو، رغم أنه كان يتلقى ضربا مبرحا، إلا انه كان يفكر في عائلته ووالده....

=انا اسفه... بجد ياريتني كنت معاك...

ابتسم وقال بمشاكسه=وانا بتضرب....

ابتسمت من بين دموعها وقالت=لا مش هتضرب بس مفيش مشكله كنت اتحبست معاك....

=دي كانت هتبقى احلى حبسه انا وانت واربع حيطان.... وامناء الشرطه ينزلوا فوق دماغنا بالعصيان....

ضحكت بشده، ليبتسم وقالت هي....

=اكيد انت تعبان دلوقتي....

=ميت... بس بسمع صوتك برتاح....

ابتسمت بخجل، ثم تهربت من حديثه وقالت بارتباك شعر به....

=باباك عامل ايه دلوقتي... وااا.... اخد الحقنه ولا لا....

تنهد وقال=الحمد لله كويس، هو دلوقتي في البيت، قعد في العنايه يومين وخرج امبارح.... الحمد لله

=الحمد لله، ده اختبار من ربنا، والحمد لله ان انت كويس وباباك بخير....

=الحمد لله... طمنيني عليكي....

نظرت الى الكانولا في يدها، ثم ابتسمت بسخريه وقالت....

=الحمد لله انا بخير.... المهم دلوقتي ترتاح وكل اي حاجة.... ان شاء الله كل حاجه هتبقى كويسه....

رغم ما كان يثقله من تعب وإرهاق، إلا أن صوته خرج محملا بالشوق، دافئا على غير عادته...

= وحشتني يا شروق... عاوز اتكلم معاكي شوية...

توردت وجنتاها خجلا حين قالها بتلك الصراحة، فقد اشتاقت اليه بقدر ما اشتاق، وربما أكثر، لذلك خرج صوتها خافتا مترددا...

= وانت...

ابتسم، وتسلل المزاح إلى نبرته وهو يقول = 
انا وانجم الباقي يعني ولا ايه...

عقدت حاجبيها في حيرة  وقالت بعدم فهم...

= يعني ايه تنجم...

انفجر ضاحكا، واستمر حديثهما يتدفق بعفوية ودفء، حتى بدأ التعب ينسحب منه رويدا، واستسلمت عيناه 

لثقل النعاس... وهي الأخرى، وكأنها ألقت بأحزانها جانبا، فقد غمرها شعور نادر بالسكينة، شعور جعل الألم والتعب يفران هاربين من روحها...

= مين يصدق إن احنا عرفنا بعض صدفة...

ابتسم وهو يسترجع الأمر وقال = 
دي حقيقة، امي نفسها مش مصدقة...

اتسعت عيناها بدهشة حقيقية...

= ايه ده هو انت قلت لمامتك عني..

رد ببساطة = هي سألت، وانا قلتلها شروق دي من القاهرة، وحكيت لها عنك وكده...

قالت بقلق لم تستطع إخفاءه = وقالتلك ايه...

تردد قليلا قبل أن يجيب = امممم... صراحة انا امي ملهاش في الكلام ده، يعني في نظرها أي بنت بتكلم شاب دي تبقى بنت مش كويسة وكده...

تجمد صوتها وهي تقول = يعني خدت عني فكرة وحشة...

= متقاطعنيش....

= طيب...

أكمل بنبرة أكثر ثباتا =
 احنا مش بنعمل حاجة غلط يا شروق، لا انا اتكلمت معاكي في حاجة غلط، ولا انتي اتكلمت معايا في حاجة غلط... وانا واثق ان امي لما تتعامل معاكي وتعرفك هتحبك اوي...

قالت بسرعة وكأنها تهرب من الفكرة = 
بس انا مش عايزة اكلمها بصراحة، اخاف واتحرج منها اوي...

ضحك بخفة، محاولا تغيير مسار الحديث قبل ان يثقل الجو، وقال...

= قوليلي بقى بعت الأد بالغلط ازاي...

عادت ذاكرتها إلى تلك الكاتبة الغامضة التي شغلت تفكيرها طويلا، فقالت...

= كنت بدور على كاتبة.... انا قلت لك إني من عشاق قراءة الروايات...

= تمام...

= فانا كنت بحب رواية كاتبة اسمها سالي دياب... بجد كنت بموت في رواياتها وخطفتني بشكل مش طبيعي... المهم.... سالي دياب كانت بتكتب رواية اسمها... ايه...

= ايه...

= ايه...

= ما تقولي انت ايه...

ضحكت بخفة وقالت = بالراحة عليا هقول... ملاذي الوحيد تمام...

ساد الصمت، وحين لم يجب، تسلل القلق إلى صوتها...

= الو... زيزو انت فين....

= يا دين أمي م تقولي الكلام كله مرة واحدة يا شروق...

صمتت تماما، لكن أنفاسها المتسارعة كانت كافية ليعلم أنه اخطأ، فابتسم بندم خفيف وقال بغلب....

= شروق...

لم تجب...

= كتكوتي... مش انت حبيبي....

= نو...

ابتسم وقال بنبرة صادقة دافئة = 
مين قال كده بس، ده انت حبيبي وروحي وعقلي وكل دنيتي....

تسلل الخجل إلى ملامحها، وقالت بدلال غير مقصود...

= لا انت خضتني...

= اخص عليا اخص... حقك عليا يا روحي...

ضحكت وقالت = اوكي هكمل...

= ياريت...

عادت الجدية الى صوتها...

= المهم سالي فجأة اختفت، وكل الجروبات اتقفلت، وطلعت عليها إشاعات كتير، وماحدش كان عارف عنها حاجة، والروايات بتاعتها أخدوها ونشروها بأساميهم، انا بقى كنت بدور عليها في جروب (..)، فبالغلط عملت لك طلب صداقة... لأن الجروب ده فيه آلاف الناس، وبالغلط لقيت باعتة طلبات صداقة لناس اصلا كتير معرفش هم مين ، كده كده انا مش بفتح الاكونت ده كتير...

= ولقيت الكاتبة ولا لا...

قالت بإحباط صريح = الحقيقة لا، معرفتش عنها اي حاجة لحد دلوقتي، حتى اكونت الانستجرام بعتت لها عليه كتير من فون سارة، مش بترد ولا حتى قبلت الفولو...

= لو في إسكندرية، اعرف لجيبلك حاجة عنها...

اعتدلت على فراشها بحماس مفاجئ...

= بجد يا زيزو، يعني تعرف توصل لسالي...

كاد يرد، لكنها سبقته برجاء لطيف...

= بليز يا زيزو ارجوك حاول علشاني، عشان خاطري...

= انااا... ااا...

= يا سلام يا سلام يا سلام، بجد لو وصلنا لها هكلمها وهقول لها تعمل لنا رواية انا وانت.. واااا...

= واسكتي شوية...

عبست ملامحها بزعل واضح...

= في ايه يا زيزو، قدر حماسي...

أشعل سيجارة ووضعها بين شفتيه، وقال بابتسامة جانبية...

= اتحمس يا عم براحتك، بس نلاقيها الأول... قلتي لي معاكي الاكونت بتاع الانستجرام بتاعها صح...

= اهم...

= طب ابعتيه كده...

أرسلت له رابط حساب الانستجرام الخاص بالكاتبة سالي دياب، ففتحه وأرسل طلب متابعة، ثم استكملا حديثهما لساعات طويلة، تبادلا فيها المزاح والكلام 

العفوي، حتى شعر كل منهما براحة حقيقية لم يعتدها... لم يكن هناك تصنع أو تكلف، هو يتحدث كما هو، وهي بعفويتها كانت على طبيعتها تماما، فتاة نقية تألف الناس بسرعة...

من فرط حماسها لم تستطع النوم، وقد نسيت تماما المها وتعبها، اما هو، فكان الإرهاق قد بلغ منه مبلغه، فلم 
يقاوم طويلا، واستسلم أخيرا لسلطان النوم....

في صباح اليوم الثاني استيقظ زيزو بعد الظهر، فقد غفا وقتا طويلًا، وحقا كان متعبا. استيقظ على صوت ضجيج أطفال شقيقته، وأيضا بعض نساء العائلة اللواتي اتين لزيارة والده.

جلس على الفراش وارجع خصلات شعره إلى الخلف، ثم أمسك هاتفه فراى العديد من الاتصالات؛ من صديقه شحاته، وبعض أبناء العائلة، وايضا شروق، ورقم اماني الذي يعرف اخر رقمين فيه.

فتح الإنترنت، فتوالت عليه العديد من الرسائل على الواتساب، والكثير من الإشعارات. دخل إلى تطبيق الواتساب فوجد رسائل من رقم أماني:

((حمد الله على السلامة))..
((اتصلت بك امبارح بالليل بس كنت مشغول))...
((صباح الخير، انا هاجي مع أمي عشان نزور ابوك))..

لم يجبها، ودخل إلى الرسائل الخاصة بشروق، فوجد منها رسالة:

((انا عملت مصيبة 🙆🙈))...

ضحك دون ارادة، فهي مختلفة عن الجميع حتى في طريقة مزاحها، وكما يقول عنها حقا ملاك. عقد حاجبيه ودخل إلى تطبيق الإنستقرام، فابتسم حينما وجد ان تلك الكاتبة قد قبلت طلب المتابعة، بل وأيضا قامت بمتابعته.

دخل إلى حسابها الشخصي، فعقد حاجبيه بغرابة حينما وجد صورًا لسيدة منقبة. دقق في إحدى الصور، وخاصة صورة لتلك السيدة مع زوجها، نظر بعيدًا ثم قال:
= إيه ده...

خرج من تطبيق الإنستقرام وقام بالاتصال بشروق، التي فتحت الخط وقالت على الفور:

= صباح الخير يا كوتي موتي كتكوتي...

لوي فمه في ضيق وقال:

= ده انا لما اشوفك هرزعك

= هترزعني إيه...

ابتسم وقال:

= بوسة...
خجلت كثيرًا وانصدمت من حديثه الصريح، لكنها لم تجب عليه، فضحك وقال:

= عندي لك مفاجأة...

= ايه...
عقد حاجبيه بحيرة وقال:

= أنا مش متأكد، بس الأكونت بتاع الكاتبة اللي بعتيه قبل المتابعة...

= بجد والله عااااا...

= في ايه...

أخذت تقفز هنا وهناك وهي تردد بحماس:

= هيه هيه هيه... عاااا... أنا مبسوطة أوي... نيهههها...

كان يستمع إلى فرحتها وتهليلها بابتسامة مذهولة، لكنها تلاشت حينما شعر أن نفسها أصبح اثقل. اعتدل في جلسته وقال بقلق:

= شروق، اهدي... كفاية، اقعدي مكانك...

جلست على الفراش ووضعت يدها على صدرها وهي تتنفس بصعوبة، بينما وقف هو من على فراشه وأخذ يدور في الغرفة قائلًا بقلق:

= اهدي، اتنفسي بالراحة، على مهلك، واحدة واحدة...

بدات تتنفس ببطء حتى تحسنت تماما جلست على الفراش ورفعت عينيها بصعوبة ثم قالت بابتسامة مجهدة:

= أنا كويسة... آه... بس...

= بس ايه يا شروق، اهدي...

نعم، اهدئي يا فتاة... ما بكِ كل هذا من مجهود صغير؟
كان يحدث نفسه داخليا هكذا، فقد شعر بالخوف عليها حقا.

عادت مرة اخرى لطبيعتها وقالت وكأن شيئًا لم يكن:

= أوكي... دلوقتي هتدخل تكلمها...

عقد حاجبيه، ثم تذكر أمر تلك الكاتبة، وقال:

= بصي، أنا دخلت على الأكونت، فـ تقريبًا أعرف الست دي، لأن في صور ليها مع جوزها، وانا اعرف جوزها، فسيبيني اتأكد عشان مينفعش أكلمها دلوقتي... سيبيني أشوف هي ليها في الكتابة والكلام ده ولا إيه...

= واااااو....

قالتها شروق بذهول، ثم أكملت باندهش:

= يعني انت تعرف سالي دياب...

ضحك وقال:

= لا، بقولك ايه، أنا هدخل الحمام، اظبط حالي، وبعد كده اكلمك نشوف الموضوع ده...

= ضن

= ضن يا كوتي... يلا سلام...

أغلقا الخط معا، ثم توجه هو إلى المرحاض لينعم بحمام دافئ، والابتسامة الدافئة لا تفارق ملامحه فهي تمتلك عفوية وبراءة تجعل اي شخص يبتسم تلقائيا.
توجه زيزو إلى المرحاض، ولم يرَ أماني التي كانت تجلس في غرفة المعيشة مع والدتها. وحينما لمحته يخرج من غرفته متجهًا إلى المرحاض، ابتسمت.

ههههههه... على ماذا تضحكين؟
على هذين الاثنين اللذين يظنان أنهما يستطيعان الوصول إلى سالي دياب...أمممم... بريئة أنتِ يا شروق، وواثقة في زيزو، وهذا ما يعجبني. فكيف سيصلون إلى سالي دياب ولا أحد يعلم عنها شيئًا... وااا...

سالي... نعم... ماذا تكتبين الآن؟

رواية... أمممم... ومن أبطال الرواية؟

زيزو وشروق...

وماذا يعني ذلك؟

لا أعلم...

ومن هنا، يا سادة، يسرني أن أقول إن شروق ليست غبية، بل الكاتبة هي من ستجلطنا....

بعد ان خرج زيزو من المرحاض، وبدل ملابسه، ومشط شعره، ارتدى حذاءه وتوجه إلى الخارج.

= زيزو...

التفت إلى مصدر الصوت، فرأى أماني تقف أمامه مبتسمة، ثم قالت باشتياق:

= وحشتني...

= زيزو...

وكان هذا صوت شحاته، الذي دخل لتوه، ويبدو انه استمع إلى كل شيء...

                    الفصل العاشر من هنا
تعليقات



<>