رواية جرح قابل للتجديد الفصل الاول 1بقلم سارة بركات

 

رواية جرح قابل للتجديد الفصل الاول 1بقلم سارة بركات

في يوم دراسي سعيد كانت المدرسة **** الثانوية بنات بالإسكندرية مسموع بها ضجيج الطالبات و بالأحاديث الجانبية بينهم في حصة الراحة وكانت الفتيات تتحدثن عن أحلامهن وعن يومهن وعن ماينوين القيام به في الأيام المقبلة أيضًا وفي الصف الثاني الثانوي كانت آيات التي جلست جانبًا تتناول شطائرها وتُطالع هاتفها تتحدث مع صديقتها بالمراسلة قد تعرفت عليها حديثًا وكانت تُدعى حبيبة تعمل مُدرسة لغة عربية في إحدى المدارس الثانوية في مدينة القاهرة الكُبرى ..

- بتعملي إيه دلوقتي؟

ذلك ما أرسلته آيات لحبيبة والتي حملت هاتفها أثناء جلوسها في مكتبها تنتظر حصتها .. ابتسمت حبيبة بلطف وهي ترى الرسالة:

- مستنية الحصة بتاعتي .. وبعدين مش قولتلك متفتحيش الموبايل وإنتِ في المدرسة؟

- أنا في الفُسحة بقلب على الفيس والتيك توك شوية وبفطر.

تنهدت حبيبة وقامت بعمل تسجيل صوتي لها تتحدث بمرح:

- ماشي ياستي عايزاكي تنبسطي.

أغلقت هاتفها عندما انتبهت لإنتهاء الحصة الحالية واستعدت لحصتها بعدما قامت بضبط حجابها؛ أما بالنسبة لآيات فقد ابتسمت من مرح صديقتها بالمراسلة .. شردت قليلاً أمن المفترض أن تناديها بلقب؟ ولكن حبيبة رفضت ذلك مرارًا وتكرارًا متحججة أنها مازالت صغيرة هي فقط في الثلاثين من عمرها استفاقت من شرودها عندما إنتهت فترة الراحة وبدأت حصة الأستاذ وليد مُدرس الرياضيات انتبهت لدخوله وضبطت حجابها وانضبطت مثلها مثل الأخريات اللواتي جلسن في أماكنهن .. دخل الأستاذ وليد شاباً وسيماً للغاية كان مبتسمًا بتفاؤل وكانت بعضهن تنظر له بإعجاب خافي لأنه شاب أعزب حلم الفتيات ولكن آيات كانت تعتبره أخًا كبيرًا لعا .. تعجبت جميعهن من صمته وهو يُطالعهن بابتسامة كبيرة .. 

- بصوا قبل ما أبدأ الحصة، جايبلكم خبر حلو لسه كنا بنتناقش فيه مع إدارة المدرسة.

تحمست الفتيات للخبر الذي سيُدلي به الآن .. اتسعت ابتسامته عندما تقابلت عينيه مع آيات التي عقدت حاجبيها بتفكير ..

- كنتوا حابين إنكم تطلعوا رحلة للقاهرة .. وأنا نسقت ده مع إدارة المدرسة وإن شاء الله الرحلة الجُمعة الجاية.

قفزت آيات من مقعدها بسعادة وتحدثت:

- بجد يا مستر وليد؟

قهقه وليد على رد فعلها ذلك ..

- أكيد طبعا، إنتوا تطلبوا وانا أنفذ.

ابتسمت آيات بداخلها وأخيرًا سترى حبيبة فهي تتمنى أن تراها منذ أن تعرفت عليها ولكن خالها وزوجته يرفضان السفر من الأساس وقد أقنعت صديقاتها بالفصل لكي يتحدثن مع الأستاذ وليد لتدبير ذلك الأمر  استفاقت من شرودها ذلك على صوت الأستاذ وليد:

- يلا يا بنات نبدأ الشرح.

قام الأستاذ وليد بشرح الدرس لهن وهو يتحدث بهدوء ويُجيب على كل أسئلة الفتيات ويقوم بتوضيح النقاط الغير مفهومة في الشرح وبعد أن انتهت الحصة كان الأستاذ وليد يقوم بجمع أشيائه لكي يخرج من الفصل ولكنه وجد آيات تقف أمامه بإحراج ..

- مستر وليد.

انتبه وليد لها وابتسم:

- خير يا آيات في حاجة وقفت معاكِ؟

- لا يامستر الحمدلله بس ممكن طلب؟

وليد بحيرة:

- إتفضلي.

- أنا في ليا صديقة في القاهرة محتاجة اقابلها وأنا هحددلها إحنا هنبقى فين وقتها بس عشان أنا معرفش حاجة هناك هحتاج حضرتك بس تيجي معايا عشان مبقاش لوحدي.

صمت قليلًا ثم تحدث:

- تمام مفيش مشكلة هنقابل صاحبتك أنا وانتي وسلمي عليها وهنرجع تاني عادي.

آيات بسعادة:

- شكرا يا مستر.

وليد بنبرة لطيفة:

- العفو.

ابتسم لها مرة أخيرة وخرج من الفصل وتنهدت آيات بارتياح ولكنها انتبهت على حديث الفتيات:

- هو مستر وليد متجوزش ليه لحد دلوقتي؟

تحدثت أخرى بهيام:

- مش عارفة بس هيبقى خسارة كبيرة لو إتجوز، مش شايفينه حلو إزاي؟

شعرت آيات بالضيق وتحدثت:

- عيب كده، ده زي أخونا ومدرسنا وإحنا الطلبة بتوعه عيب نفكر فيه بالشكل ده.

- مالك ياختي محموقة أوي كده ليه؟ هو كان يقربلك؟

تحدثت آيات بعقلانية:

- مش موضوع يقربلي بس حرام اللي بنعمله ده إنتوا كده بتتكلموا عنه وكمان بتفكروا فيه بشكل تاني وده حرام .. غضوا بصركم وخلوكم في حالكم.

- خلاص ياست آيات إهدي.

تنفست آيات الصعداء وانتبهت عندما دخلت المدرسة التالية وبدأت حصتها ..

في المساء:

بعدما نام إخوة آيات الصِبية وقفت آيات أمام خالها وزوجته تُطالعهما بتأثر...

- عايزة أروح الرحلة عشان خاطري.

صمت الإثنان قليلاً  يفكران بعرضها ذلك ولكنها أردفت برجاء:

- أوعدكم إني هشِد حيلي في المذاكرة بس طلعوني الرحلة دي .. عشان خاطري.

ابتسمت زوجة خالها ثم نظرت لزوجها الكبير في السن الجالس بجانبها والذي تنهد باستسلام:

- موافق.

صرخت بسعادة وقامت بضمهما بقوة ثم ركضت على غرفتها وقامت بفتح هاتفها وأخذت تهاتف حبيبة والذي أجابت بعد عدة رنات بسيطة:

- ألو.

- وحشاني أوي يا حبيبة.

أجابت حبيبة بابتسامة:

- وإنتِ كمان يا حبيبتي، إيه اللي مصحيكي؟

تحدثت آيات بسعادة:

- خمني كده؟ 

قهقهت حبيبة بخفة:

- إنتِ عارفة إني ماليش في الفوازير.

تنهدت آيات وتحدث بتحفز:

- في رحلة طالعة للقاهرة في المدرسة وبجد بجد محتاجة أقابلك أوي إنتِ عارفة إني ماليش أخت وأنا بعتبرك أختي يا حبيبة ... هنبسط لو وافقتي عشان خاطري.

ظلت حبيبة صامتةً قليلاً بسبب طلبها ذلك ..

- في حاجة يا حبيبة؟ هو أنا ضايقتك؟

- لا طبعا مفيش حاجة .. هتروحي فين طيب؟

تنهدت متحدثة:

- لسه هينزلوا البرنامج بكرة في المدرسة، هصورهولك وأبعتهولك علطول.

- خلاص ماشي  إن شاء الله هنتقابل هناك في أقرب مكان ممكن أشوفك فيه.

- تمام أوي .. أنا مبسوطة جدا.

ابتسمت حبيبة بلطف:

- وأنا كمان  يا حبيبتي، يلا تصبحي على خير.

- وإنتِ من أهله.

أغلقت حبيبة المكالمة الهاتفية وتنهدت وأردفت بشرود:

- شكلي هرجع أخرج من البيت زي زمان.

أغمضت عينيها بحزن محاولة نسيان ماحدث لها في الماضي والذي أدى إلى تدمير حياتها وجعلها تتوقف عن الخروج من المنزل ولكنها بعد ذلك عملت كمعلمة لكي تنسى ألمها كانت تذهب للمدرسة وتعود إليها لتساعد والدتها في أعمال المنزل ولكنها لا تقابل أحدًا أبدًا وقامت بقطع علاقاتها مع صديقاتها منذ زمن.

- اتغلبي على خوفك يا حبيبة، وبعدين كلها ساعة وهترجعي هيحصل إيه يعني؟

قرأت وِردها من القرآن الكريم قبل أن تنام ثم بعدها غطت في نومٍ عميق.

في اليوم التالي أرسلت آيات لها برنامج الرحلة واتفقتا على اللقاء عند الأهرامات في الوقت الذي ستكون فيه الرحلة هناك .. مرت الأيام وكانت آيات متحمسة كطفلة تسعى لرؤية أختها الغائبة عنها. 

نوفيلا/ جرحٌ قابلٌ للتجديد .. بقلم/ سارة بركات 

يوم الرحلة:

كانت آيات جالسة في الحافلة المدرسية وتكتب الرسائل على الواتس آب لحبيبة

- إحنا خلاص قربنا من الأهرامات، إنتِ فين؟

كانت حبيبة تقف أمام مرآتها تقوم بضبط حجابها وتنظر للإكسسوارات الخاصة بها وانتبهت لتميمة قديمة كانت لديها منذ زمن أمسكتها بحزن غابت عيناها في ذكريات تلك التميمة .. أغمضت عينيها متذكرة كلماته لها:

- الحظاظة دي رمز وتعبير عن حبي ليكِ، أنا جبتلي واحدة ودي بتاعتك لو بتحبيني متقلعيهاش أبدًا في كل خروجاتك عشان طول مانتي لابساها تحسي إني معاكِ.

قامت بفتح عينيها وحاولت كتم عبراتها وتحدث بخذلان وصوت متحشرج:

- لسه بحبك مع الأسف، بس مبقاش ينفع.

لم ترتديها وألقتها جانباً، وقامت بضبط شكلها مرة أخيرة وحملت هاتفها ترد على رسالة آيات الأخيرة:

- نازلة أهوه.

خرجت من منزلها وأخذت وسيلة مواصلات للأهرامات نظرًا لأنها قريبةً منها .. كانت الفتيات يمرحن في الحافلة المدرسية والأستاذ وليد يجلس بجانب السائق وبيده القهوة الصباحية الخاصة به ..

- مش غلط القهوة كده على الريق يا أستاذ وليد؟ ده انت حتى لسه مفطرتش.

التفت وليد يبتسم له:

- دي خصلة وحشة فيا من أيام الجامعة، بحاول أبطلها بس مش عارف.

- إن شاء الله تيجي اللي تخليك تبطلها على الريق كده.

ابتسم وليد بهدوء ثم عاد ينظر إلى الطريق مرة أخرى ولكن تلك المرة بشرود يتذكر كلماتها المعاتبة له:

- تاني قهوة على الريق؟؟ طب إفطر طيب!

- أنا مبحبش أفطر على الصبح كده.

- لا كده مينفعش أنا هغيرلك نظام حياتك .. شوف إنت هعمل إيه.

ابتسم ابتسامة ساخرة عندما استفاق من شروده وتنهد منتبها لوصولهم عند الأهرامات .. أنهى قهوته واستعد لتحمل مسئولية الفتيات.

كان يوجد عدة حافلات  خاصة بالمدرسة يقفن متراصين أمام مدخل الأهرامات وكل فصل لديه مُدرس مسئول عنهم وكان وليد هو المدرس المسئول عن فصل آيات.

وقفت آيات أمام المدخل تحاول مهاتفة حبيبة لكي تُقابلها في هذا المكان ..

- في حاجة يا آيات ولا إيه؟

- بشوف بس صاحبتي فين يامستر، هنقابلها هنا إن شاء الله.

نظر وليد حوله ثم تحدث:

- طب ماتقابلنا جوا طيب؟

- عشان ماتتوهش مننا بس.

انتبهت آيات لحبيبة التي أجابت على الهاتف:

- إنتِ فين كده؟

- أنا خلاص وصلت.

- إنتِ فين مش شايفاكِ.

كانت آيات ووليد يقفان يُعطِيان ظهرهما لحبيبة:

- مش إنتِ اللي واقفة ومعاكِ حد؟

- اه المستر بتاعي.

- طيب أنا داخلة عليكم.

أغلقت حبيبة المكالمة الهاتفية وهي تتنهد وتقترب من آيات والرجل الذي يقف بجانبها .. التفتت آيات لكي تبحث عنها واتسعت ابتسامتها عندما رأتها ركضت بسرعة نحوها لكي تضمها ولكن حبيبة تخشبت بمكانها عندما التفت الرجل الذي كان بجانب آيات وتقابلت عينيهما .. دموع! كل ماتتذكره هو دموعها! السخيف أن الخذلان طبيعي يأتي من أي شخص لا تعطي له أهمية  في حياتك لكن الخذلان الأكبر هو أن يكون من الشخص الذي كنت تعتبره نصفك الآخر، الذي كان كل شيء وقمت بتحدي الجميع لأجله؛ أما بالنسبة لوليد فقد كانت ردة فعله لا تقل عن ردة فعل حبيبة .. حبيبة! .. حبيبته القديمة! التي خذلته وخدعته وجرحت قلبه! .. استفاقت حبيبة عندما ضمتها آيات بقوة..

- أخيرًا شوفتك.

كانت تريد أن تهرب وتبتعد ذكرياتُ كثيرة وسيئة تهاجمها الآن .. استفاقت من شرودها وتنهدت كأن أنفاسها قد عادت إليها بمجرد أن ابتعدت عينيها عنه ونظرت إلى آيات التي تبتسم لها بسعادة.

- أخيرا يا حبيبة إتقابلنا.

ذلك ماتحدثت به آيات ولكن حبيبة كانت تحاول أن تتحكم بعبراتها التي شارفت على الخروج وتحدثت بابتسامة مذبذبة وصوت مذبذب:

- أخيرا. 

التفتت آيات بسعادة للأستاذ وليد وأردفت:

- يا مستر دي حبيبة صاحبتي اتعرفت عليها من على النت، وباقت أختي وأقرب حد ليا.

لم يقوى وليد على التحدث ولكنه أشار برأسه علامة على ترحيبه بها.

- وده يا حبيبة مستر وليد اللي حكيتلك عنه وقولتلك إننا بنعتبره في المدرسة زي أخونا الكبير.

لم تتحدث بكلمة واحدة بل كانت شاردة تنظر بعيداً لا تنظر نحوه نهائياً، جسدها يقشعر وتشعر أنها ستفقد وعيها .. صرخات .. كل ما تتذكره صرخات عبرت بها عن ألمها في تلك اللحظة التي لم تنساها أبداً، يبدو أن جرحها هي كان أقوى وأعمق بكثير! يا تُرى ماذا حدث؟!

منذ عشر سنواتٍ مضت:

في مدينة الإسكندرية:

كانت حبيبة تتجهز للذهاب إلى جامعتها الجديدة فقد انتقلت حديثاً هنا هي ووالدتها السيدة مُشيرة بسبب حاجة العمل؛ فعلى الرغم من أنها قد قاربت على سن التقاعد إلا أنها كطبيبة نسائية معروفة قد تلقت عرضا للعمل في مستشفى معروفة بالإسكندرية ولم ترفض، مرتب زهيد يجعلها تعيش هي وابنتها الوحيدة حياةً مرفهة بعد وفاة زوجها الحبيب الذي تركاهما وحيدتين . قامت بضبط حجابها قبل أن تخرج من غرفتها واقتربت من والدتها التي تتجهز للخروج من الشقة هي الأخرى، والتي كانت ترتدي زياً رسمياً يعلوه حجاباً أنيقاً.

- يلا يا حبيبتي عشان اتأخرت.

- أنا خلاص خلصت يا ماما، الله إيه الجمال ده يا مشمشة ده احنا رجعنا صغيرين والعرسان هيبقوا على قفا مين يشيل .. لا أنا كده هغير .. أنا معنديش بنات للجواز اه.

ذلك ماتحدثت به حبيبة بمرح، ابتسمت مُشيرة بحنان أمومي لطفلتها التي مهما كَبُرَت فستظل طفلة صغيرة بالنسبة إليها..

- ربنا يهديكي يابنتي، يلا عشان متأخرش على الشغل.

أومأت حبيبة ولكنها قبل أن تخرج تحدثت مرة أخرى ..

- طرحتي مظبوطة يا ماما؟

تنهدت مشيرة وهي تنظر في ساعة يدها:

- اه يا حبيبتي، يلا بينا.

خرجت الإثنتان من شقتهما الأنيقة والتي تكون بالقرب من كوبري استانلي، فقد قامت السيدة مُشيرة ببيع كل ممتلكاتهما التي ورثاها من زوجها وقامت بشراء تلك الشقة لعلها في يومٍ ما تكون سكناً لابنتها بعد وفاتها.

ركبت مشيرة سيارتها وركبت بجانبها حبيبة والتي أخذت تشرد بالطريق أثناء تحرك السيارة فتلك هي عادتها تحب دائماً أن تشرد بالطريق ولكن قطع شرودها حديث والدتها:

- عايزاكي كده تتوكلي على الله، إحنا نعتبر بدأنا حياة جديدة هنا، عيشي حياتك بما يرضي الله يابنتي وعايزاكي تجتهدي كده وتكملي تقديراتك العالية دي على خير، أنا مبقولكيش متتصاحبيش على حد بس صاحبي اللي تشجعك على المذاكرة وتبقوا ماشيين في طريق صح وتشجعوا بعض على الخير دايماً، وحاذري أصحاب السوء يا حبيبة.

ابتسمت حبيبة فعلى الرغم من أنها كَبُرت فإن والدتها تقوم بنصحها كأنها مازالت طفلة صغيرة وهي تستقبل تلك النصيحة بصدر رحب:

- حاضر يا ماما متقلقيش.

توقفت سيارة مشيرة أمام الجامعة وقامت بتوديع طفلتها ثم ذهبت للمشفى والتي تكون بالقرب من الجامعة.

دخلت حبيبة لمدرج الفرقة الرابعة في كلية الآداب قسم اللغة العربية وجلست بهدوء في مقعدها تنظر حولها حيث الطلبة يتناقشون ويتحدثون إلى بعضهم سواء كانوا ذكوراً أم إناث الجميع يتحدث سوياً .. ولكنها تجاهلت ذلك تنتظر أن يأتي أستاذ المادة الحالية، كانت تجلس كالألف لا تريد أن تختلط بأحدٍ في البداية فهي لا تعلم أخلاق الجميع هنا لكي تقوم بتكوين صداقات بسرعة .. دخل أستاذ المادة وانضبط الجميع وجلسوا في مقاعدهم، وانتبهت حبيبة جيداً للمحاضرة وقامت بكتابة كل ما ذُكِرَ بها .. بعد انتهاء المحاضرة كانت تنظر في هاتفها ترى رسالة والدتها لها وابتسمت بهدوء:

" ماتنسيش تاكلي ياحبيبتي، معاكِ مصروفك اشتري اللي انتِ حاباه."

تنهدت بارتياح ورفعت رأسها وفكرت قليلاً هل تذهب لكافيتيريا الجامعة الآن لكي تأكل بعض الطعام الشهي أم تقوم بتأجيل الطعام حتى موعد إنتهاء المحاضرات؟ ولكنها شعرت بالجوع قررت أن تستجيب لصوت معدتها، اعتدلت واقتربت من فتاة محجبة يبدو عليها الهدوء وسألتها:

- لو سمحتي أروح كافيترية الجامعة منين؟

ابتسمت الفتاة وتحدثت:

- تعالي معايا، أنا كمان رايحة.

أومأت حبيبة بهدوء وخرجت خلفها وتحدثت الفتاة:

- إنتِ جديدة هنا؟ إنتِ مكنتش معانا في السنين اللي فاتت.

تحدثت حبيبة بتردد:

- اه جديدة هنا، نقلنا اليومين دول ونقلت من القاهرة لهنا.

ابتسمت الفتاة بهدوء ثم تحدثت:

- أنا إسمي رحمة وإنتِ؟

- إسمي حبيبة

ذلك ماتحدثت حبيبة به بحرصٍ شديد .. وهي تشعر بالتوتر قليلاً فهي ليست معتادة على تكوين الصداقات السريعة تلك! .. دخلت الإثنتان لكافيتيريا الجامعة .. وقامت رحمة بالتلويح لشابٍ ما كان يجلس مع مجموعة من الشباب ..

- دي الكافيتريا بقا، يلا سلام.

ثم تركتها وذهبت وراقبتها حبيبة بتعجب وهي تجلس بجانب الشاب الذي كانت تلوح له منذ قليل وكادت أن ترحل ولكن نظراتها تقابلت مع شابٍ آخر يجلس مع تلك المجموعة .. كان يبدو عليه الهدوء يرتدي نظارات طبية ولكنها شعرت بالإحراج عندما وجدته يُطِيلُ النظر إليها وذهبت لاحد المطاعم وقامت بطلب الكريب بالحشوة التي تشتهيها وتحبها دائما، جلست جانباً على أحد مقاعد الكافيتيريا وقامت بفتح هاتفها وقامت بتصوير الكريب وأرستله لوالدتها على وسائل التواصل الإجتماعي وكتبت أسفل الصورة..

"هبدأ أفطر، فطرتي إيه؟"

أرسلت تلك الصورة وانتظرت رد والدتها والتي ردت عليها في خلال دقائق أثناء تناولها للكريب .. ابتسمت عندما أرسلت والدتها بضعاً من شطائر الفول والطعمية وبجانبهما كوباً من الشاي بالنعناع موجودان أعلى مكتب والدتها والتي كتبت لها..

"باكل الأكل اللي بحبه دايما."

تنهدت حبيبه بارتياح وأخذت تفكر في علاقتها بوالدتها هما صديقتان ليستا أم وابنتهما أبداً .. فقد كانت والدتها حنونة عليها دائماً ومتفهمة لها كأنها خائفة من فقدانها دائماً والسبب أن والدتها أنجبتها في سنٍ متأخرة قليلاً وكانت أمنيتها في الحياة أن يرزقها الله طفلة لكي تكون أنيستها وقد استجاب الله لدعائها بعد تأخر سنواتٍ في الإنجاب ورزقها بها هي وزوجها .. كانا حنونين عليها كثيراً وكانت سعيدة مع والديها اللطيفين، ولكن توفى والدها عندما أصبحت في عمر الخامسة عشر وشعرت بحزنٍ كبيرٍ في ذلك الوقت، ولكن حنان والدتها عليها عوضها عن فقدانها ذلك .. انتهت من تناولها للكريب واعتدلت وذهبت عائدة إلى كُليتها .. مر اليوم على خير وكانت حبيبة تشعر بالراحة كثيراً في تلك الجامعة يكفي أنها في المدينة التي تعشقها .. لو ظلت تتحدث عن حبها لمدينة الإسكندرية ليلة كاملة لن يكون كافياً!

الفصل الثاني من هنا 

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا

تعليقات



<>