رواية انا لها شمس الفصل الثالث والخمسون 53 والرابع والخمسون 54بقلم روز امين

      

رواية انا لها شمس الفصل الثالث والخمسون 53 والرابع والخمسون 54بقلم روز امين


 الفصل الثالث والخمسون


تطلع إليها بعينين متعجبتين ليسألها مستفسرًا بغرابة: -دِين؟! دِين إيه ده اللي عليكِ يا إيثار؟!

صمتت لبرهة ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تنطق بنظراتٍ متأثرة: -هرجع ل  إخواتي حقهم، هتنازل لهم عن ملكيتي للبيت والأرض وهوزعهم عليهم بشرع ربنا

واسترسلت وهي تهز رأسها: -ومش هاخد من الورث أي حاجة علشان يرتاحوا

ضيق عينيه ليسألها: -وتفتكري لما تتنازلي عن حقك أبوكِ هيرتاح؟!

تنهدت لتجيبه متأثرة لذكر اسم والدها الحبيب: -بابا الله يرحمه كان أكتر  واحد بيحس بيا، وأكيد وهو في دار الحق هيحس ويفهم أنا عملت كده ليه

تحدث بصدقٍ وهدوء: -بصي يا حبيبي، إنتِ أكيد عارفة ومتأكدة إن ولا يعني لي  أي مبلغ هتاخديه من ورث بباكِ، ومهما أخدتي هتكون بالنسبة لي ملاليم.

واسترسل مستشهدًا بالمال الذي وضعه باسمها في أحد البنوك كي يشعرها  بالأمان وبأنها أصبحت زوجة لرجُلٍ ثري وترك لها حرية التصرف في المال كيفما  شاءت دون الرجوع إليه، وقد عارضته كثيرًا حينها لكنه أصر على قراره وما  كان منها سوى الإنصياع لرغبته فبالنهاية هي زوجته ويحق لها التمتع بماله:  -أنا حطيت لك في حسابك اللي يكفيكِ عمرك كله واللي لو صرفتي منه ليل ونهار  مش هيخلص، بس أنا بتكلم علشان تراجعي نفسك، لأن قرار زي ده محتاج تفكير  علشان مترجعيش تندمي.

أمسكت يده وتحدثت بنبرة حنون: -أنا عارفة إن كلامك من باب لفت الإنتباه مش أكتر، بس قراري أنا أخدته بعد تفكير عميق

واسترسلت بإبانة: -وعلى فكرة، أنا من اليوم اللي بابا الله يرحمه سلمني  الورق وأنا ناوية إني هرجعه أول ما إبني يتم السِن القانوني وقلبي يطمن  عليه، وقررت بيني وبين نفسي إني مش هاخد أي حاجة من الورث ده، لأني  الحمدلله ربنا كان رازقني ومُرتبي من شركة أيمن الأباصيري كان مكفيني أنا  وإبني وعزة.

واسترسلت وهي تنظر إليه بعرفان: -وبما إنك حليت لي مشكلة الحضانة فمفيش داعي إني أحتفظ بالورق معايا أكتر من كده

واسترسلت متأثرة بحنين: -هما محتاجينه علشان يطمنوا، وكمان عزة قالت لي إن  نوارة كلمتها وقالت لها إنهم كانوا محتاجين يبيعوا حتة أرض علشان يوسعوا  على نفسهم وأولادهم، لكن طبعاً هما ميقدروش يتصرفوا طول ما كل حاجة بإسمي.

حاوط وجنتيها بكفاه وتطلع عليها بفخرٍ ثم تحدث بقلبٍ سعيد ببراءة وأخلاق  زوجته نقية القلب: -لو أقول لك أنا فخور بيكِ قد إيه مش هتصدقي، إنتِ  جميلة قوي يا إيثار، وجمال قلبك طاغي وزود من جمال ملامحك.

ابتسمت بسعادة ليفتح لها ذراعهُ يدعوها كي تسكُنه وكأنها كانت تنتظر  لترمي حالها سريعًا فقد أصبح حُضنهُ ملاذها الأمن الذي تتحامى به من جميع  ما يؤرق روحها، تنهدت وهي تتنعمُ بين أحضانه الحانية وتستمتع بلمساته  الحنون الذي ينثرها فوق ظهرها وشعر رأسها مما أدخلها بحالة من الإسترخاء  والسعادة اللامتناهية، نطقت بصوتٍ مرتخي جراء حالتها: -فؤاد.

-إيه يا حبيبي، قالها مستمتعًا بضمتها لتسألهُ مستفسرة: -هنروح إمتى كفر الشيخ؟

نطق ببرود وهو يستنشق عبير شعرها: -ومين قال إننا هنروح كفر الشيخ يا عمري

نزعت جسدها من بين أحضانه وهي تنفض ذراعيه لتسألهُ بعينين متسعتين: -هو احنا مش إتفقنا خلاص

طالعها بهدوء لينطق مفسرًا: -إحنا أه اتفقنا إنك هترجعي الورق لاخواتك وتتنازلي لهم عن حقك في ميراثك الشرعي.

واسترسل وهو يُشير بكفه على حاله: -لكن أنا قولت لك ولا حتى لمحت إننا هنسافر كفر الشيخ؟!

ضيقت عينيها بعدم استيعاب لتسألهُ متهكمة: -وهتنازل لهم إزاي إن شاءالله؟!

تنفس بهدوء قبل أن ينطق بثبات وجدية: -هكلم المحامي بتاع العيلة ييجي النهاردة يكتب لك التنازل وتمضي عليه وهبعته لهم مع السواق

-وبالنسبة لزيارتي لقبر أبويا، قالتها باستفهام لتتابع ساخرة بتهكم: -هتبعت تجيبه لحد هنا هو كمان يا سيادة المستشار؟!

أغمض عينيه محاولاً تهدأت حاله قبل ثورتها المتوقعة فقد بات يحفظ طبعها  عن ظهر قلب: -حبيبي، موضوع زيارتك لقبر عمي الله يرحمه مضرين نأجله لبعد  الولادة إن شاءالله.

كانت تستمع إليه وهي تهز رأسها مستنكرة لحديثه ككل وقبل أن تنطق قاطعها  برفضٍ قاطع: -إنسي، أنا مستحيل أضحي بأمانك وأمان ولادي علشان خاطر أي حد

نطقت بنبرة متأثرة علها تستطيع إقناعه: -بس دول أهلي يا فؤاد

أجابها بحدة وصرامة: -على راسي من فوق إكرامًا ليكِ ول يوسف، بس مش على حساب ولادي.

ثم استرسل بنبرة متعجبة لأمرها: -أنا مش فاهم إنتِ بتفكري إزاي، بسهولة  كده بتعرضي نفسك وولادك للخطر علشان خاطر ناس عمرهم ما فكروا فيكِ ولا يوم  كنتي من أولاوياتهم؟!

نزلت كلماته على قلبها ك خنجرٍ مدبب غرسهُ بمنتصف قلبها بدون رحمة، هي تعلم صحة حديثه بل والأكثر من هذا، لكنهم بالنهاية عائلتها

علت أصواتهم ليقطعها طرقًا قويًا فوق الباب لينتفض ويقف أرضًا وينتزع قميصه  كي يستر به نصفه العلوي العاري، إرتداه على عجالة ليتحرك نحو الباب وقام  بفتحه لتنطق تلك الثرثارة سريعاً: -مالكم يا باشا كفانا الشر، صوت خناقكم  جايب أول السلم.

أشار لها ليغلق الباب وهو يتحدث بحدة: -إدخلي شوفي الهانم وعقليها يا عزة، الأستاذة عاوزة تروح كفر الشيخ

دبت فوق صدرها لتنطق بغرابة: -يلهوي، كفر الشيخ إيه اللي عاوزة تروحها، هي  نسيت اللي حصل لها أخر مرة من عرة النسوان أمها والمواكيس إخواتها اللي  محسوبين عليها رجالة؟!

كانت تتحدث وهي تتحرك للداخل حتى وصلت إلى حجرة النوم وتحدثت باستغراب  لتلك التي تتوسط بجلوسها الفراش: -إنتِ عاوزة تروحي كفر الشيخ بجد؟!

نطقت بحدة وصرامة: -عزة، خرجي نفسك من الموضوع ده علشان ما اطلعش كل غضبي فيكِ

هتفت معترضة: -أخرج نفسي إزاي ومحدش بيشيل همك في الأخر غيري، حرام عليكِ يا إيثار

واسترسلت بنبرة لائمة وهي تشيح بكفيها نحو بطنها: -طب يختي لو مش خايفة على  نفسك خافي على عيال الناس، دول ما صدقوا ربنا راضاهم وطايرين بيكِ  وشايلينك من على الارض شيل

واسترسلت ناصحة: -إستهدي بالله كده واعقلي يا بنت عم غانم.

كان واقفًا شابكًا ذراعيه أمام صدره يتطلع عليها وعلى وجههِ علامات  الضيق من أفعال تلك العنيدة التي ستصيب قلبه بالتوقف يومًا ما، لينطق  مؤكدًا على صحة حديثها: -قولي لها وفكريها يا عزة، الهانم شكلها نسيت اللي  إتعمل فيها هناك.

تطلعت عليه بعينين تغشوها دموع الألم لتنطق بنبرة مكسورة: -هو أنتَ  إزاي مش قادر تحس بيا يا فؤاد، أنا نفسي أزور بابا وأرد الامانة لأصحابها.

قالت كلماتها الأخيرة ودموعها تسيلُ فوق وجنتيها بعدما فقدت التحكم  بها، وبرغم تأثره الشديد بدموعها إلا أنه تحكم بمشاعره ليتحدث بقوة وثبات  كي لا يضعف أمام رغبتها: -أنا مش قادر أفهم إنتِ إزاي مش عاملة حساب  للمجنون اللي إسمه عمرو ورايحة لحد بلده

ليتابع بجنون: -ده خطفك من قلب القاهرة وكان عاوز يسفرك إنتِ ويوسف، إنتِ  متخيلة ممكن يعمل إيه وإنتِ في قرية حجمها محدود وهو دارس مخارجها ودواخلها  كويس قوي.

نطقت بشهقاتٍ قطعت بها نياط قلبه: -ما أنتَ مراقبه وعارف كل تحركاته هو وإخواته.

بسطت عزة ذراعها لتربت على كتفها بمؤازرة لينطق هو مفسرًا علها تقتنع:  -مراقبه هو يا حبيبي، لكن إيه اللي يضمن لي إنه مش مأجر حد يراقبنا من بعيد  ويستغل الفرصة اللي سيادتك عاوزة تقدميها له على طبق من دهب؟

رفعت كفيها لتجفف دموعها بعنفٍ وهي تسألهُ بحدة وكأنها لم تستمع لكلماته الأخيرة: -من الأخر كده يا فؤاد، هتوديني ولا لاء؟

نظر لها لتتقابل أعينهم وهم يتبادلون نظرات التحدي لينطق بصرامة: -مفيش سفر لكفر الشيخ قبل الولادة يا إيثار

واسترسل سريعًا وهو يشير بسبابته: -وده علشان خاطر تزوري قبر عمي غانم الله يرحمه وبس.

وتابع بغيرة تنهش داخل قلبه كلما تذكر أنها قضت بتلك البلدة سنواتها  الفائتة وتزوجت من غيره وعاشت ببيته الملعون وداخل أحضانه لسنوات: -لولا  كده كان لايمكن أسمح بإنك تنزلي البلد دي تاني إلا على جثتي.

رفعت رأسها بشموخ وتحدثت: -تمام، ممكن تطلعوا بره إنتوا الإتنين علشان تعبانة وعاوزة أنام

قالت جملتها لتُمدد جسدها فوق الفراش من جديد وتسحب الغطاء حتى دفنت رأسها  تحته، نظر إلى عزة وهز رأسه يمينًا ويسارًا بإحباط لتنطق وهي تجذب الغطاء  لتكشف وجهها: -قلبتوا دماغي ونستوني أنا كنت جاية في إيه

واسترسلت: -قومي يلا علشان تفطري، الباشا الكبير والدكتورة مستنينكم على الفطار تحت.

جذبت الغطاء من يدها لتنطق بحدة وهي تعيد تغطية وجهها من جديد: -قولت لك تعبانة وهنام.

كادت أن تتحدث فأشار لها فؤاد وتحدث بهدوء: -إنزلي وإحنا هنحصلك يا عزة.

تنهدت بأسى لتنطق وهي تتحرك للأمام: -أوامرك يا باشا

أخذ نفسًا عميقًا ثم تحرك ليجاورها الفراش ثم سحب الغطاء ليتفاجأ بدموعها  التي تسيل على الخدين كشلالاتٍ ليسألها بنبرة حزينة: -ليه يا بابا دموعك  دي، ليه بتعملي كده في نفسك وفيا؟!

شهقت لتنطق بحدة ونبرة ساخطة: -مش عارف دموعي دي ليه بجد، دي دموع قهر على حالي واللي وصلت ليه معاك.

اتسعت عينيه ذهولاً لتتابع هي بألم: -من يوم جوازنا وإنتَ قاصد تفرض  رأيك وهيمنتك عليا في كل شئ يخصني، شغلي خروجي حتى أكلي عامل لي بيه قايمة  ممنوعات ومديها لسعاد بتنفذها بدون نقاش، كل ده ليه، علشان ولادك؟!

-طب وأنا؟، نطقتها بغضبٍ حاد وهي تشير على حالها، أنا راحتي فين، كياني واستقلاليتي فين يا فؤاد؟!

لم يستوعب كم الإتهامات الباطلة التي تلقيه بها بهتانًا لينطق مذهولاً: -ياه يا إيثار، إنتِ للدرجة دي شيفاني شخص ديكتاتور وظالم؟!

أشاحت بوجهها بعيدًا عن عينيه لتتنهد ثم نطقت بصوتٍ متألم شطر صدره  لنصفين: -أنا تعبانة ومحتاجة أنام، ياريت تطفي النور وتدخل تلبس جوه لأن  أعصابي تعبانة ومش هتحمل إضاءة جنبي.

حاول بسط ذراعيه كي يجذبها لأحضانهِ عله يساعدها على الاسترخاء لكنها  صدته سريعًا ووالته ظهرها بحدة أظهرت كم غضبها منه، ليزفر بضيقٍ من حالهِ  قبلها، هب واقفًا ليطفئ لها الأنوار ويختفي خلف باب الحمام كي يحصل على  حمامه الدافئ اليومي ثم خرج بعد قليل ليرتدي ثيابه ويقوم بصلاة الضحى قبل  أن يتجه صوب فراشها، وقف يتطلعُ على ملامحها وهي غافية وقلبهُ يتألم  لحالها، لم يوافقها على جنونها ذاك وبالتأكيد لن يرضخ لتنفيذ طلبها ليس  تعنتًا كما تظن هي بل خوفًا ورُعبًا عليها وصغيراه اللذان لم يرا الدنيا  بعد، لم ولن يسمح لها ولا لحاله أن يُمس طفليه بسوء ويُحزن بل ويؤلم قلبي  والداه حيث أصبح شغلهما الشاغل هو انتظار قدوم مولودي نجلهما بفارغ الصبر.

هز رأسه بيأسٍ وتحرك نحو مرآة الزينة، إلتقط ساعة يده وارتداها لتزيد  من أناقتهِ المعتادة وأمسك قنينة عطرهِ الرجولي لينثر منه على عنقة وذقنه  ليضعها من جديد وتطلع على حالهِ بنظراتٍ خاطفة قبل أن يحمل حقيبته الجلدية  ذات اللون الأسود والتي يحتفظ بأوراق عمله داخلها ويتركها أمامها دون خوفٍ  من تكرار الماضي اللعين، هو سلم لها روحهُ وانتهى الأمر بعدما تيقن من  طهارتها ونقائها، ألقى عليها نظرة وكاد أن يخرج لكنه لم يقوى دون توديعها  ككل يوم، ساقته قدميه ليتجه صوب الفراش، مال عليها بطوله الفارع ليلثم  شفتها السُفلى في قُبلة سريعة نعم لكنها شغوفة حنون، مسح على جبينها بنعومة  ليهمس أمام وجهها باعتذار: -أنا أسف.

قالها وتنفس بصوتٍ مسموع ليخرج على عجالة كي لا يتأخر على موعد عمله،  استمعت إلى صوت خافت لغلق الباب ففتحت أهدابها، لم تكن غافية وتعلم أنه  تيقن من ذلك لذا تأسف لها، أجهشت ببكاءٍ مرير وغصة مرة توقفت بمنتصف حلقها،  تعلم أنهُ محق بشأن مخاوفهُ المشروعة على جنينيه، لكنها اشتاقت لرؤية لحد  أبيها، تريد الجلوس بحضرة روحه الطاهرة كي تطمأنهُ عن حالها وأنها أصبحت  بخير، اشتاقت لان تتحدث معه وقد أوصلها حثها أنها لو جلست أمام قبره وتحدثت  سوف تشعر بالأرتياح، لذا هي مُصرة على الذهاب، إشتاقت أيض?ا لرؤية شقيقاها  وأنجالهما ووالدتها وتلك ال نوارة ذات القلب النقي، فبرغم ضراوة قسوتهم  عليها إلا أنها لم تكن يومًا بكارهة لهم، يراودها شعورًا يلح عليها بإرجاع  الحق لأهله كي تستريحُ ويهدأ ضميرها، يعتريها رُعبًا من إقبالها على  الولادة قبل عودة الحق لاصحابه، تريد تخليص روحها من جميع القيود قبل  دخولها بعملية الولادة تحسبًا لوفاتها أثناء الولادة، فلو لا قدر الله توفت  تكون قد سددت جميع ديونها الدنيوية، إنها معضلة لكنها متأكدة بأن فارسها  يستطيع فكها لكنهُ يتبع معها إسلوب التعنت، هذا ما استشفته من حديثها معه.

بالأسفل، ولج لغرفة الطعام بوجهٍ صارم يتطلعُ على والديه وهما يتناولان  فطورهما قبل أن يذهبا كُلٍ منهما على وجهته لينطق هو بجدية: -صباح الخير

رد والداه التحية ليتحدث وهو يبحث بعينيه عن الصغير: -أمال فين يوسف؟

أجابهُ علام بابتسامة ترتسمُ على محياه كلما أتت سيرة ذاك الصغير الذي  استحوذ على جزءًا ليس بالقليل من قلبه واهتمامهُ: -فطر معانا وعزة عملت له  السندوتشات بتاعته وخرجته للباص بنفسها.

هز رأسهُ بتفهم، نظرت له والدته متعجبة نزوله لحاله دون زوجته ك كل  يوم، فمنذ إنتقال فريال وزوجها وأولادها للعيش بمنزلهم الجديد وهي تحضر  معهما الفطار اليومي كي لا تشعرهما بالوحدة وفقدان مكان ابنتهما الحبيبة،  لذا سألته عصمت باهتمام: -فين مراتك يا حبيبي؟!

نطق وهو يجذب مقعده ويجلس فوقه باستسلام: -تعبانة شوية ونايمة

بلهفة سألته: -تعبانة إزاي يا فؤاد، لو حاجة تخص الحمل هتصل بالجامعة وأخد  أجازة وأوديها للدكتورة بتاعتها تعمل لها سونار ونتطمن على الاولاد.

تنهد بضيق ظهر فوق ملامحه ولن يخفى على والداه لينطق وهو يبتلع الطعام  بمرارة: -مش مستاهلة، دول شوية إرهاق ولما تنام هتصحى كويسة إن شاءالله.

-مالك يا فؤاد؟، جملة قالها علام كي يطمئن على نجله لينطق الأخر بتهرب: -مفيش يا باشا، سلامتك.

نطق الأخر ساخرًا: -مفيش إيه يا حبيبي بوشك الكِشر ده

نظر إلى أبيه ليتابع علام بنبرة ساخرة: -قول يا حبيبي قول وفك عن نفسك.

وكأنه كان ينتظر الإشارة لينطق بنبرة خرجت حادة رُغمًا عنه: -الهانم  عاوزة تروح كفر الشيخ، قال إيه عاوزة تزور قبر بباها وترجع لاخواتها عقد  الأرض والبيت

سألته عصمت بجبينٍ مقطب لعدم علمها بقصة الأرض والمنزل: -عقد إيه ده يا فؤاد؟!

اجابها باقتضاب: -بباها الله يرحمه كان كاتب لها كل اللي يمتلكه علشان  يحميها هي ويوسف، ويمنع أمها واخواتها من رفع قضية ضم حضانة الولد.

تفهمت لتهز رأسها بهدوء فسألهُ علام مستفسرًا: -وإنتَ قولت لها إيه؟

-رفضت طبعاً، نطقها بثبات وقوة ليتابع بحسمٍ: -أمانها هي وولادي أهم من أي حاجة في الدنيا.

تنهد علام لينطق برزانة وتعقُل: -بس هي من حقها تشوف أهلها يا فؤاد.

استمعوا لصوت تلك التي ولجت للتو من الباب لتتحدث وهي تحمل دورقًا  زجاجيًا ملئ بعصير البرتقال الطازج واستمعتهم بالصدفة وكعادتها الثرثارة  تدخلت بالحديث: -لا يا باشا متأخذنيش في الكلام، فؤاد باشا عنده حق، اللي  اسمه عمرو واهله دول مجرمين ومبيخافوش ربنا.

واسترسلت تستعرض قوة وجبروت إجلال لعدم علمها بالتطورات الأخيرة التي  حدثت ولم تمدها بها نوارة كالعادة: -إمه دي ست قادرة والبلد كلها خدامين  تحت رجليها، ومش بعيد لما تعرف إن إيثار في بيت أهلها تبعت لها ناس يأذوها  هي واللي في بطنها.

وتطلعت إلى عصمت التي تلون وجهها بعدما هربت منه الدماء هلعًا على  أحفادها الغوالي لتتابع وهي تشيح بكفيها بطريقتها المعتادة: -دي نوارة مرات  أخو إيثار كانت بتحكي لي عنها حكايات تشيب، طب دي في مرة...

قاطعها صوت فؤاد الصارم الذي سأم ثرثرتها وأراد ان يوقفها في الحال:  -عزة، مش وقتك، إتفضلي على المطبخ وعلى الساعة عشرة تطلعي لها فوق وتصحيها  علشان تنزل تفطر

وأشار بتأكيد: -لازم تاكل كويس وتاخد الفيتامين، مفهوم.

هزت رأسها عدة مرات متتالية لتنطق مرددة: -مفهوم، مفهوم يا باشا

وانصرفت وهي تهمس ببرطمة: -يا ساتر على قلبتك، دي بنت منيرة الله يكون في  عونها منك، الراجل عليه قلبة تقطع الخَلف، الحمدلله إني مقررة من زمان إني  مخلفش، وإلا كانت تبقى مصيبة.

أما علام فسألهُ بعقلانية: -هتعمل إيه يا فؤاد؟

رفع كتفيه وتحدث وهو يُمسك بكأسه الزجاجي الفارغ ويقدمه نحو والدته التي  بدأت بسكب بعض العصير الطازج له: -هخلي المحامي يكتب عقد تنازل وتمضي هي  عليه وأبعته مع السواق.

نطق والده بقلبٍ لين: - طب ومراتك يا ابني، دي ممكن تزعل جداً والدكتورة قالت إن الزعل غلط عليها.

هتفت عصمت متبنية قرار نجلها الحكيم: -مراته هتزعل لها يومين وفؤاد في  الأخر هيعرف يراضيها يا علام، إيثار طيبة وهتفهم وهتهدى مع الوقت، أهم حاجة  أمانها هي والأولاد.

كان يستمع لحديث والديه بعقلٍ شارد في حبيبته الشرسة، يعرف أنها شرسة  عنيدة لكنه يستطيع ترويضها بكل براعة، فهي أنثاه الطائعة المحبة حتى ولو  جُنت لبعض الوقت إلا أنها ستعود لرشدها سريعًا وترتمي داخل ملاذها الأمن،  حضنه الدافئ.

ارتشف أخر قطرات العصير ليقف يهندم من ثيابه وهو يقول: -موضوع إقناع  إيثار هياخد وقته وفي النهاية هتهدى وتقتنع، المهم عندي إن صحتها ما تتأثرش  من الزعل.

نطقت عصمت بهدوء لتريح قلب نجلها من ناحية حبيبته: -متقلقش يا حبيبي،  أنا قبل ما اتحرك على الجامعة هوصي عزة وسعاد عليها، وكده كده فريال شوية  وهتجيب فؤاد وتيجي لها، وانا لما أرجع هقعد معاها ومش هسيبها.

أومأ لها وتحدث وهو يلتقط حقيبته: -أنا لازم اتحرك

نهضا والديه ليتحدث علام: -خدني معاك أنا كمان

تحرك ثلاثتهم لتذهب عصمت إلى المطبخ قبل الذهاب كي تملي عليهم تعليماتها  الصارمة بشأن إيثار وإدارة المنزل وتوجهت هي الأخرى للخارج ليفتح لها  السائق باب السيارة وينطلق بطريقه إلى الجامعة.

داخل إحدى المستشفيات العامة، وبالتحديد داخل إحدى الغُرف الخاصة،  تحركت الممرضة إلى العسكري الواقف أمام الباب لحراسة المريضة لتنطق  الممرضة: -صباح الخير يا دُفعة

-صباح النور، نطقها بصرامة ليكمل حديثه الحاد: -تخلصي معاها وتطلعي فورًا

أجابته بارتباك لصرامته الحادة: -حاضر.

ولجت للداخل لتجد تلك المرأة فوق التخت المعد للمرضى، فقد أجريت عملية  لاستئصال الرحم بالأمس وتمت العملية بنجاح، تحدثت الممرضة وهي تفرغ لها  أنبول الدواء داخل المحلول المعلق: -عاملة إيه النهاردة

أجابتها سُمية بصوتٍ خافت وجسدٍ واهن وملامح باهتة شاحبة كشحوب الموتى: -تعبانة، بقول لك إيه

نطقت الأخرى بتمعن: -قولي.

لتتابع الأخرى بعرضٍ حقير كحقارتها: -أنا عندي فلوس كتير شيلاها في مكان محدش يعرفه غيري، لو ساعدتيني أهرب من هنا هديكي نصهم

واسترسلت كي تزرع الطمع بقلبها: -الفقر هيفارقك عمرك كله ومش هتشوفي خلقته تاني.

تطلعت عليها الممرضة قبل أن تنطق بجدية: -أنا هعتبر اللي سمعته ده من  تأثير البنج عليكِ ومش هبلغ بيه العسكري، بس لو كررتيه تاني هتضريني أبلغ  الظابط بنفسه.

كادت أن تذهب لتتمسك الأخرى بكفها مستعطفة إياها وهي تتمسك بفرصتها  الأخيرة للنجاة: -أبوس أيدك ساعديني، أنا لو خرجت من هنا على السجن  هيعدموني،

وتابعت بزيف كي تستجدي تعاطفها: -بنتي اللي عندها خمس سنين ذنبها إيه تتيتم في السن ده.

جذبت الممرضة كفها بقوة لتنطق بنبرة جادة: -بنتك دي كان لازم تعملي  حسابها قبل ما تعملي عملتك وتقتلي الست المسكينة، واللي بردوا عيالها  اتيتموا واتحرموا من امهم بسببك

واسترسلت وهي تهز رأسها بأسى: -كل واحد لازم يدفع تمن أخطاءه، علشان الكل يتعظ.

تركتها وأغلقت خلفها الباب لتسبها الأخرى بألفاظٍ نابية وهي ترمق الباب بنظراتٍ ساخطة.

داخل منزل عمرو، كان اليوم الموعود الذي انتظره كثيرًا حيث اليوم هو  اليوم الأخير لخروج الأثار من المقبرة حيث وصل الرجال بالحفر للبوابة  واليوم ستفتح البوابة ويخرجوا منها القطع الأثرية النادرة، على أمل أن  يسلمهم إياها ويقوم الرجل بخطف إيثار والصغير ويتبني سفرهم عبر البحر كما  أوهمهُ، كان يتناول الطعام مع حسين الذي وجد عملاً مناسبًا في إحدى الشركات  وتم توظيفهُ بشهادته الجامعية بمرتبٍ ضئيل لكنه اكتفى به كبداية لطريق  الكسب الحلال، أقدم عليهما طلعت الذي تحدث بنبرة جادة: -أنا رايح أتابع  الرجالة يا عمرو، وإنتَ استريح في البيت النهاردة.

وقف عمرو لينطق باعتراض: -مينفعش يا طلعت، أنا لازم أكون موجود عند التسليم.

-أنا ورأفت صاحبك هنكون موجودين، قالها في محاولة منه لاقناعه ليتابع  بزيف: -وبعدين المفروض إنك الكبير بتاعنا، عمرك شفت كبير بيروح يسلم  البضاعة بنفسه، زي ما الخواجة قاعد في مكتبه مستريح، إنتَ كمان تقعد هنا زي  الباشا.

رفع عمرو قامته للأعلى مستحسنًا فكرة شقيقه التي جعلته يشعر بالتفاخر  بحاله، ليسترسل طلعت كي يبعد عنه أية شبهة: -امال الفلوس هتستلمها إزاي يا  عمرو؟

اجابهُ الأخر بمراوغة: -هستلمها من الخواجة في مكتبه يا طلعت، أنا متعود معاه على كده.

كذب عليه بالحديث فتلك هي المرة الأولى في التعامل بينهما وأيضًا وعلى  حسب الإتفاق أنه لن يستلم نقودًا بل سيسدد له خدمة إختطاف إيثار ونجله  مقابل تخريجه للأثار، نطق حسين متوسلاً لشقيقيه: -بلاش المشوار ده أنا مش  مطمن، خلينا نمشي في السليم علشان ربنا يسترها معانا

أشار له طلعت على الصحن المتواجد أمامه وهو يقول: -خليك في الطعمية السخنة وكلها قبل ما تبرد يا حسين.

واسترسل بنبرة حادة: -وياريت كمان تخليك في حالك.

كالعادة هز رأسهُ مستسلمًا واكتفى بالصمت المخزي لينطلق طلعت بسيارته  التي ابتاعها له عمرو وتوجه إلى سوهاج بعدما هاتف رأفت واطمئن على وجوده مع  الرجال بداخل فندق بسوهاج ينتظرون قدوم الليل كي يذهبوا إلى موقع الحفر  ليخرجا القطع الأثرية وتنتهى تلك المهمة الصعبة التي أرهقتهم وأخذت منهم  الكثير من الوقت قضوه في هلع وترقب خشيةً هجوم أهل البلدة عليهم.

أما بمحافظة سوهاج، وبالتحديد بإحدى المنازل المملوكة لأحد أكبر  الباحثين عن الأثار والحفر عليها وبيعها للمهربين، يترأس الجلسة المتواجد  بها رفقائه بذاك العمل الغير أخلاقي والمخالف للقانون حيث أنهم ينهبون  ثروات البلد ويساعدون على تهريبها للخارج مقابل مبالغ مالية طائلة لكنها لا  تعني شيئًا مقابل القيمة المادية والعلمية لتلك الأثار الفرعونية النادرة  الوجود، تحدث الرجل بثقة: -أنا جمعتكم النهاردة علشان أقول لكم إننا مش  هنتدخل في موضوع الخواجة ماريو والواد بتاع كفر الشيخ وأخوه.

هب أحدهم لينطق بصرامة واعتراض: -كلام إيه اللي بتقوله ده يا حاج  عمران، يعني عاوزنا نسكت بعد ما الواد ده اتعدى على الأصول ودخل بلدنا  واتعدى علينا، ده لازم يتأدب هو والخواجة ويطلعوا الإتنين ملط من البلد

نطق رجلاً أخر بحدة مماثلة: -أيوا يا حاج عمران، إحنا هنسيبهم لحد ما  العملية تكمل ونهجم في اللحظة الأخيرة، ناخد الأثار والفلوس، و ان حد منهم  اعترض طلقة بجنية تخرسه.

نطق عمران الجالس بشموخ فوق مقعده المرتفع والذي يشبه مقاعد الملوك،  ممسك?ا بكفه عصا فرعونية برأسٍ ذهبية على هيأة ثعبان مخيف: -ده اللي كنا  متفقين عليه وهنفذه، بس العيون بتاعتي اللي بتراقبهم في الجبل لاحظوا إن مش  عنينا إحنا بس اللي عليهم.

تمعن الجميع منتظرين كلماته ليتابع بما أذهلهم: -الحكومة طلعت مرقباهم  ولما عملت إتصالاتي بالناس الكُبار بتوعنا إتأكدوا إن الموضوع كبير ويخص  حيتان في البلد إحنا مش قدهم، والراجل بتاعي قالي إخفى من الموضوع خالص،  علشان كده جمعتكم النهاردة قبل ما حد فيكم يتهور ويتحرك لوحده.

تطلع الجميع لبعضهم وعقلوا الحديث واتفقوا على ألا يقتربوا من الجبل نهائيًا اليوم ليتركوا الجميع كلٍ للنهاية التي يستحقها.

أتى الليل سريعًا، كان يتحرك في الحديقة ذهابًا وإيابًا ينتظر الأخبار  بقلبٍ حزين لأجل ذاك الصغير الذي أُبتُلي بهكذا أب تسوقه غرائزه الحيوانية  ويتحرك بتهور دون حسابات، خرجت إلى الشُرفة كي تستنشق بعض الهواء، فمنذ ما  حدث بينها وبين حبيبها في الصباح وهي تشعر بالإختناق والحُزن يملؤ قلبها،  حزنًا عميق وكأن شيئًا ثقيلاً يضغط على صدرها يكاد يزهق بروحها، لا تدري  مصدر ذلك الشعور كل ما تشعر به هو الحزن الذي يخيم على حياتها منذ الصباح،  باتت تدورُ بعينيها تتطلع على ما حولها لتلاحظ وجوده داخل الحديقة، يبدو  عليه هو الأخر الحزن والضيق، تنفست بعمق فمنذ أن عاد من عملهِ عصرًا وهي  تتغاضى وجوده وتتلاشاه، حاول مرارًا أن يتحدث معها ويتفاهما لكنها رفضت  بتعنُت فابتعد كي لا يضغط عليها ويغضبها أكثر.

خرج والده مصطحبًا الصغير بكفه ليتجولا معًا ويتفقدا زهورهما، ليهرول  الصغير باتجاه فؤاد وهو يصيح بصوته الطفولي الملئ بالحماس: -شرشبيل

إلتفت لينظر إليه وبدون وعيٍ منه اتسعت ابتسامته وهو يرى ذاك الصبي يناديه  بلقبه التي أطلقته عليه فرسته الجامحة، على الفور تذكر تلك الأيام الجملية  مما خفف من ألم قلبه، حمل الصغير وثبتهُ داخل أحضانه وهو يقول: -أهلاً  اهلاً بحبيب قلب شرشبيل.

نطق الصغير وهو يملس على وجنته بأنامله الرقيقة: -أنا مش شفتك من ساعة ما جيت من المدرسة.

اجابهُ بملاطفة: -ده علشان جنابك طافش من البيت وسارح ورا بيسان هانم طول اليوم

ضحك الصغير وتحدث: -أنا أكلت عندهم بيتزا وذاكرنا مع بعض ولعبنا كتير

ابتسم بلطف واقبل على وجنته ليضع قبلة حنون بث من خلالها حبه وأسفه الشديد للصغير، نطق بنبرة خرجت متألمة: -أنا أسف يا حبيبي

سألهُ ببراءة: -أسف على إيه يا عمو؟!

-ولا حاجة يا يوسف، أسف وخلاص، قالها بتأثر شعر به والده ليأخذ الصغير  من بين أحضانه ليحثه على الركض وهو يقول: -يلا يا بطل إسبقني على حوض الورد  على ما اتكلم شوية مع عمو فؤاد وأحصلك.

ركض الصغير بسعادة لتتنهد تلك التي كانت تشاهد صغيرها وهو بين أحضان  حبيبها المستبد، ولجت لداخل غرفتها لتجد تلك العاملة وداد وهي تتحدث  برسمية: -الحمام جاهز يا هانم.

أومأت لها لتتحرك إليه بعدما شكرت العاملة، نزعت ثيابها بالكامل لتنزل  بقدميها في المغطس لتغمر جسدها بالكامل تحت المياة الدافئة المختلطة  بالزيوت العطرية التي تساعد على الإسترخاء، أغمضت عينيها علها تحصل على بعض  الراحة ويزيل ذاك الثقل الذي يطبق على أنفاسها

عودة إلى فؤاد وعلام الذي سألهُ باهتمام: -مالك يا فؤاد؟!

أخذ نفسًا عميقًا ليزفرهُ براحة قبل أن ينطق بنبرة متأثرة: -النهاردة ميعاد عملية سوهاج.

هز علام رأسهُ وهو يقول: -أيوا ما أنا عارف، سيادة النائب العام بلغني بالميعاد

صمت فؤاد ليسألهُ والده باستغراب: -إنتَ إيه اللي مزعلك أنا مش فاهم؟!

تطلع على الصغير الذي يلهو ويحفر بالطين حول الزهور كما تعلم من علام لينطق بعينين متألمتين: -صعبان عليا يوسف قوي

واسترسل متعجبًا حاله: -تخيل إني فكرت في إني أحذر اللي إسمه عمرو بأي طريقة، مش قادر أتخيل إني أكون السبب في كسرة الولد طول حياته.

نطق علام بجدية: -بلاش تخلي إحساس الذنب يسيطر عليك ويشوش أفكارك، السبب  في كل اللي بيحصل ل يوسف هو أبوه وعيلته اللي لا راعوا ربنا في تصرفاتهم  ولا عملوا حساب لسمعتهم ومستقبل أولادهم، فطبيعي إن دي تكون النتيجة.

نطق بتألم: -أيوا بس ده أخو ولادي يا بابا

ضيق علام بين عينيه ليسألهُ بعدما تشوش فكرهِ: -إنتَ خايف على ولادك من مستقبل يوسف يا فؤاد؟

بقوة وثبات رد نافيًا: -طبعاً لا يا باشا، مستقبل يوسف هيكون هايل إن  شاءالله، أنا مش هسيبه غير لما يبقى شاب ناجح في دراسته وحياته، وهساعده  يأسس شغل لنفسه كمان، عمري ما هفرق في المعاملة بينه وبين أولادي

واسترسل موضحًا: -أنا بتكلم على يوسف نفسه، شعوره لما يكبر ويعرف حقيقة  أهله، جده اللي اتقتل في السجن بعد ما ارتكب جريمة قتل، وأبوه وعمه اللي  اتسجنوا في قضية تهريب أثار.

ظهرت علامات الأسى والألم فوق ملامحه لينطق بصوتٍ متأثر: -إزاي الولد هيتحمل كل الفضايح دي يا باشا.

تحدث علام بنبرة قوية تعود لحبه الشديد للصغير وتضامنه معه: -إحنا  هنكون معاه وهنساعده يتخطى الموضوع يا فؤاد، وبعدين إحنا فين والكلام اللي  بتقوله ده فين

نطق بخزيٍ وألم: -تفتكر ممكن يسامحني لو عرف إني كنت السبب في تدمير عيلته؟

قاطعه علام باعتراض: -بس إنتَ مدمرتش عيلته يا سيادة المستشار، إنتَ قمت بواجبك تجاه بلدك ك رجل قانون بيتقي الله في عمله.

تنهد بحزن ليحتوي علام كتفه ويربت عليه قبل أن يقول: -هون على نفسك يا حبيبي، وإطلع صالح مراتك وراضيها

واسترسل بأسى: -معجبنيش شكلكم إنتم الاتنين على الغدا، متعودتش أشوفكم كده

هز رأسه عدة مرات متتالية ليتحرك إلى الداخل وكاد أن يصعد الدرج ليجد  بوجههِ عزة لينطق بهدوء: -خلي بالك من يوسف يا عزة ومتخلهوش يتأخر على  ميعاد نومه

هتفت بنبرة حماسية: -يوسف ده في عنيا من جوه.

واسترسلت وهي تسألهُ بتعجب لهيأته: -إنتَ كويس يا باشا؟!

هز رأسهُ دون حديث واكمل طريقه بالصعود تحت استغراب عزة لحالته تلك، ولج  لجنحه ليجدها تجلس بمقعدها أمام المرآة ترتدي مئزر الحمام وتكشف عن ساقيها  لتضع عليهما بعض كريمات الترطيب وتقوم بتدليكها على الجلد، إقترب عليها  ليستند بكفيه على كتفيها ومال ليضع قبلة على وجنتها لكنها باغتتهُ  بابتعادها بحركة عصبية ليزفر بقوة وينتصب بظهره من جديد وهو ينطق بنبرة  أظهرت كم تأثرهُ من ابتعادها عنه: -إحنا هنفضل كده كتير؟

لم يجد منها سوى الصمت ومتابعة ما تفعل متجاهلة وجوده تمامًا لينطق  بنبرة حادة بعض الشئ: -مهي دي مش عيشة يا إيثار، مش كل ما هنختلف مع بعض  هتتقمصي زي العيال الصغيرة.

تطلعت إليه ونطقت بسخرية وتهكم: -وسيادتك بقى عاوزني اتصرف إزاي لما أزعل منك، أقدم لمعاليك فروض الطاعة والولاء؟!

وانتفضت واقفة لتواجههُ وهي تتابع بسخرية: -ولا ألبس لك أشيك لانچري  عندي وأكتر لون بتحبه وأقدم لك نفسي زي الجواري علشان الباشا يتكيف وينبسط؟

إشمئز من حديثها ليصيح بها بحدة: -إيه القرف اللي بتقوليه ده، هي دي طبيعة حياتنا يا إيثار؟!

هو ده اللي بينا من وجهة نظرك، لانچري ونوم مع بعض ووقت أتكيف فيه؟!

نطقت بحدة أظهرت كم الاستياء الذي أصابها: -وإنتَ بقى شايفها إزاي يا سيادة  المستشار، قولي على حاجة واحدة بس مشتركة بينا غير الموضوع ده؟

أشار لها بحدة وعينين تطلقان سهامًا نارية لينطق بقوة أرعبتها: -مش  هحاسبك على كلامك الفارغ ده الوقت، لأنك مش في وعيك وباين قوي إن أعصابك  تعبانة

واسترسل متوعدًا: -بس وحياة أمي يا إيثار ماهفوت لك كلامك ده ولا هنساه

همست بصوتٍ خافت: -أعلى ما في خيلك إركبه.

هتف بحدة جعلت جسدها ينتفض: -علي صوتك وسمعيني بتقولي إيه يا مدام؟

صاحت باستياء: -بكلم نفسي، ولا ممنوع ده كمان؟!

أجابها بقوة ولهجة حادة أظهرت ديكتاتوريته التي يمارسها بين الحين والأخر: -أه ممنوع، عاوزة تكلمي نفسك يبقى في سرك يا هانم.

وضعت كفيها تتوسط بهما خصرها قبل أن تنطق متهكمة: -وبالنسبة للكحة والعطس جنابك، مسموح بيهم ولا أعملهم فيبريشن؟

كظم ضحكاته على هيأتها وكلماتها الساخرة ليستدير مواليها ظهره كي لا ترى ابتسامته وهو يقول: -يكون أفضل.

اتجه إلى الحمام ليأخذ حمامًا دافئًا على عجالة وخرج مرتديًا بنطالاً  قطني باللون الأسود وصدره عاري كما عادته، وجدها تجلس فوق الأريكة تربع  ساقيها وتضع فوقهما وسادة صغيرة موضوع عليها جهاز اللاب توب الخاص بها  تتصفح من خلاله أحد تطبيقات التواصل الإجتماعي كي تمرر وقتها العصيب، زفر  بقوة وجذب حقيبة عمله ليجلس فوق الفراش ويخرج بعض أوراقه الخاصة ليعمل  ولأول مرة من داخل غرفة النوم كي لا يتركها وحيدة فريسة للحزن ينهشها.

بمدينة سوهاج.

استطاع العمال إخراج جميع القطع الأثرية وتسلمها رجال المهرب الأجنبي  ليسلم الوسيط حقيبة المال إلى طلعت كما اتفق معه سابقًا بعدما استطاع إثبات  حاله وجدارته في إدارة العاملون مما نال من استحسان الخواجة والوسيط،  واتفق طلعت معهما بأخذ المال واقناع شقيقه، وفي الحقيقة هو كاذب وقام بخداع  الطرفين، وسيأخذ المال لنفسه ويبدأ به من جديد ولن يعود لمنزل عمرو  مجددًا، تحدث الرجل بنبرة سعيدة: -إستنى مني تليفون قريب علشان نتفق على  العملية الجديدة.

-أكيد يا باشا، أنا ورجالتي تحت أمرك، قالها للرجل الذي تحرك إلى  سيارته ليفتح طلعت حقيبة السفر الكبيرة المليئة برزم الأوراق المالية التي  تحمل عملة الدولار ليقترب عليه رأفت ويسألهُ بنظراتٍ زائغة: -إنتَ اتفقت  معاهم على فلوس إمتى يا طلعت؟!

-ده عمرو متفق معاهم على حاجة تانية خالص، قالها باستغراب وهو يرى  الرجال التابعين للمهرب يرحلون بسياراتهم رباعية الدفع بعدما حملوا  بضاعتهم، لينطق طلعت بحدة: -قصدك المصيبة اللي كان عاوز يوقع نفسه فيها  تاني ويوقعنا معاه.

وهتف بحدة لذاك الذي ابتلع لعابه: -اللي أنا مستغرب له إنتِ يا رأفت،  إزاي توافقه على الجنان ده وإنتَ أكتر واحد إتأذى معاه المرة اللي فاتت، ده  انتَ اتحبست شهرين دوقت فيهم الذل على إدين رجالة المستشار.

سألهُ رأفت بتلبك: -إنتَ عرفت منين؟

أجابهُ: -روحت للوسيط وسألته وعرفت منه كل حاجة، واتفقت معاه ينسى الجنان  ده كله وأخدت الفلوس وهديها لعمرو، مش ده أحسن لصاحبك بردوا ولا إيه يا سي  رأفت؟!

ارتبك رأفت وتحدث بنبرة صادقة: -أنا حاولت كتير أمنعه وأعقله بس إنتَ  عارف أخوك لما بيحط حاجة في دماغه، مفيش مخلوق يقدر يخليه يغير رأيه.

هز رأسه بإيماء ليخرج بعض الرزم المالية ويوزعها على الرجال كما اتفق  معهم قبل سابق، نظر للمال بشراهة قبل أن يغلق الحقيبة وهو يقول بعدما ابتعد  عنه رأفت: -أيامك الحلوة هترجع تزهزه تاني يا طلعت، وأول حاجة هعملها من  الفلوس دي، أتجوز بت صغيرة تخلف لي الولد اللي هيورثني ويمد في إسمي.

بالكاد أنهى جملته ليستمع الجميع لصوت سرينة سيارات الشرطة ورجالها  التي هجمت على المكان وحاوطته من جميع النواحي بعدما تأكدوا من ابتعاد رجال  المهرب كي يكملوا طريقهم وتتابعهم رجال الشرطة المتخفيين وعبر كاميرات  المراقبة المزروعة بالطرق، إنتفض قلب طلعت حين وجد كم الرجال الهائل الذين  كانوا يتخفون خلف الجبال ينتظرون إشارة الهجوم، وضع طلعت يدهُ في جيب  جلبابه وقبل أن يُخرج سلاحه استمع لصوت الشرطي عبر المكبر الذي امتزج مع  صوت طلقات النار: -مفيش داعي للمقاومة، المكان كله محاصر، أي حركة هنضرب في  المليان.

رفع كفيه للأعلى هو وجميع الرجال ليصرخ وهو يقول متنصلاً: -أنا برئ يا  باشا ومليش ذنب، ده شغل عمرو أخويا حتى إسأل الرجالة وصاحبه، أنا كنت جاي  أمنعهم من الجنان ده بس ملحقتش.

نطق الضابط وهو يرى رجال الشرطة يلوون ذراعيه خلف ظهره ويضعون له الأصفاد الحديدية: -الكلام ده تقوله في تحقيقات النيابة يا روح أمك

واسترسل: -ولعلمك، كل حاجة حصلت هنا متصورة صوت وصورة

نطق كلماته الأخيرة وهو يُشير عاليًا على أعمدة الإنارة المزروع بها  كاميرات مراقبة بأمر من النيابة العامة ليصرخ طلعت كالمجنون: -الله يخربيتك  يا عمرو، منك لله ضيعتني.

تابعت الشرطة رجال الخواجة حتى وصلوا جميعهم إلى مقر الرجل وشركائه وتم القبض عليهم جميعًا متلبسين بجرمهم.

أما بمنزل عمرو المتواجد بأحد الأماكن الجديدة، كان عائدًا من أحد  مراكز التسويق الكبرى بعدما ابتاع بعض الملابس التي سيحتاجها له وإيثار  ويوسف في خلال رحلتهم إلى فرنسا كما وعده الرجل، تفاجأ بسيارتي شرطة تقف  أمام منزله ليعود للخلف سريعًا في محاولة منه للهرب مما جعل رجال الشرطة  يلاحظون وبسرعة البرق انطلقت السيارتين خلف سيارته لملاحقته.

ترى هل سيستطيع رجال الشرطة التمكن منه والقبض عليه؟

أم سيستطيع الفرار؟رواية أنا لها شمس الجزء الأول للكاتبة روز أمين الفصل الثالث والخمسون

تطلع إليها بعينين متعجبتين ليسألها مستفسرًا بغرابة: -دِين؟! دِين إيه ده اللي عليكِ يا إيثار؟!

صمتت لبرهة ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تنطق بنظراتٍ متأثرة: -هرجع ل  إخواتي حقهم، هتنازل لهم عن ملكيتي للبيت والأرض وهوزعهم عليهم بشرع ربنا

واسترسلت وهي تهز رأسها: -ومش هاخد من الورث أي حاجة علشان يرتاحوا

ضيق عينيه ليسألها: -وتفتكري لما تتنازلي عن حقك أبوكِ هيرتاح؟!

تنهدت لتجيبه متأثرة لذكر اسم والدها الحبيب: -بابا الله يرحمه كان أكتر  واحد بيحس بيا، وأكيد وهو في دار الحق هيحس ويفهم أنا عملت كده ليه

تحدث بصدقٍ وهدوء: -بصي يا حبيبي، إنتِ أكيد عارفة ومتأكدة إن ولا يعني لي  أي مبلغ هتاخديه من ورث بباكِ، ومهما أخدتي هتكون بالنسبة لي ملاليم.

واسترسل مستشهدًا بالمال الذي وضعه باسمها في أحد البنوك كي يشعرها  بالأمان وبأنها أصبحت زوجة لرجُلٍ ثري وترك لها حرية التصرف في المال كيفما  شاءت دون الرجوع إليه، وقد عارضته كثيرًا حينها لكنه أصر على قراره وما  كان منها سوى الإنصياع لرغبته فبالنهاية هي زوجته ويحق لها التمتع بماله:  -أنا حطيت لك في حسابك اللي يكفيكِ عمرك كله واللي لو صرفتي منه ليل ونهار  مش هيخلص، بس أنا بتكلم علشان تراجعي نفسك، لأن قرار زي ده محتاج تفكير  علشان مترجعيش تندمي.

أمسكت يده وتحدثت بنبرة حنون: -أنا عارفة إن كلامك من باب لفت الإنتباه مش أكتر، بس قراري أنا أخدته بعد تفكير عميق

واسترسلت بإبانة: -وعلى فكرة، أنا من اليوم اللي بابا الله يرحمه سلمني  الورق وأنا ناوية إني هرجعه أول ما إبني يتم السِن القانوني وقلبي يطمن  عليه، وقررت بيني وبين نفسي إني مش هاخد أي حاجة من الورث ده، لأني  الحمدلله ربنا كان رازقني ومُرتبي من شركة أيمن الأباصيري كان مكفيني أنا  وإبني وعزة.

واسترسلت وهي تنظر إليه بعرفان: -وبما إنك حليت لي مشكلة الحضانة فمفيش داعي إني أحتفظ بالورق معايا أكتر من كده

واسترسلت متأثرة بحنين: -هما محتاجينه علشان يطمنوا، وكمان عزة قالت لي إن  نوارة كلمتها وقالت لها إنهم كانوا محتاجين يبيعوا حتة أرض علشان يوسعوا  على نفسهم وأولادهم، لكن طبعاً هما ميقدروش يتصرفوا طول ما كل حاجة بإسمي.

حاوط وجنتيها بكفاه وتطلع عليها بفخرٍ ثم تحدث بقلبٍ سعيد ببراءة وأخلاق  زوجته نقية القلب: -لو أقول لك أنا فخور بيكِ قد إيه مش هتصدقي، إنتِ  جميلة قوي يا إيثار، وجمال قلبك طاغي وزود من جمال ملامحك.

ابتسمت بسعادة ليفتح لها ذراعهُ يدعوها كي تسكُنه وكأنها كانت تنتظر  لترمي حالها سريعًا فقد أصبح حُضنهُ ملاذها الأمن الذي تتحامى به من جميع  ما يؤرق روحها، تنهدت وهي تتنعمُ بين أحضانه الحانية وتستمتع بلمساته  الحنون الذي ينثرها فوق ظهرها وشعر رأسها مما أدخلها بحالة من الإسترخاء  والسعادة اللامتناهية، نطقت بصوتٍ مرتخي جراء حالتها: -فؤاد.

-إيه يا حبيبي، قالها مستمتعًا بضمتها لتسألهُ مستفسرة: -هنروح إمتى كفر الشيخ؟

نطق ببرود وهو يستنشق عبير شعرها: -ومين قال إننا هنروح كفر الشيخ يا عمري

نزعت جسدها من بين أحضانه وهي تنفض ذراعيه لتسألهُ بعينين متسعتين: -هو احنا مش إتفقنا خلاص

طالعها بهدوء لينطق مفسرًا: -إحنا أه اتفقنا إنك هترجعي الورق لاخواتك وتتنازلي لهم عن حقك في ميراثك الشرعي.

واسترسل وهو يُشير بكفه على حاله: -لكن أنا قولت لك ولا حتى لمحت إننا هنسافر كفر الشيخ؟!

ضيقت عينيها بعدم استيعاب لتسألهُ متهكمة: -وهتنازل لهم إزاي إن شاءالله؟!

تنفس بهدوء قبل أن ينطق بثبات وجدية: -هكلم المحامي بتاع العيلة ييجي النهاردة يكتب لك التنازل وتمضي عليه وهبعته لهم مع السواق

-وبالنسبة لزيارتي لقبر أبويا، قالتها باستفهام لتتابع ساخرة بتهكم: -هتبعت تجيبه لحد هنا هو كمان يا سيادة المستشار؟!

أغمض عينيه محاولاً تهدأت حاله قبل ثورتها المتوقعة فقد بات يحفظ طبعها  عن ظهر قلب: -حبيبي، موضوع زيارتك لقبر عمي الله يرحمه مضرين نأجله لبعد  الولادة إن شاءالله.

كانت تستمع إليه وهي تهز رأسها مستنكرة لحديثه ككل وقبل أن تنطق قاطعها  برفضٍ قاطع: -إنسي، أنا مستحيل أضحي بأمانك وأمان ولادي علشان خاطر أي حد

نطقت بنبرة متأثرة علها تستطيع إقناعه: -بس دول أهلي يا فؤاد

أجابها بحدة وصرامة: -على راسي من فوق إكرامًا ليكِ ول يوسف، بس مش على حساب ولادي.

ثم استرسل بنبرة متعجبة لأمرها: -أنا مش فاهم إنتِ بتفكري إزاي، بسهولة  كده بتعرضي نفسك وولادك للخطر علشان خاطر ناس عمرهم ما فكروا فيكِ ولا يوم  كنتي من أولاوياتهم؟!

نزلت كلماته على قلبها ك خنجرٍ مدبب غرسهُ بمنتصف قلبها بدون رحمة، هي تعلم صحة حديثه بل والأكثر من هذا، لكنهم بالنهاية عائلتها

علت أصواتهم ليقطعها طرقًا قويًا فوق الباب لينتفض ويقف أرضًا وينتزع قميصه  كي يستر به نصفه العلوي العاري، إرتداه على عجالة ليتحرك نحو الباب وقام  بفتحه لتنطق تلك الثرثارة سريعاً: -مالكم يا باشا كفانا الشر، صوت خناقكم  جايب أول السلم.

أشار لها ليغلق الباب وهو يتحدث بحدة: -إدخلي شوفي الهانم وعقليها يا عزة، الأستاذة عاوزة تروح كفر الشيخ

دبت فوق صدرها لتنطق بغرابة: -يلهوي، كفر الشيخ إيه اللي عاوزة تروحها، هي  نسيت اللي حصل لها أخر مرة من عرة النسوان أمها والمواكيس إخواتها اللي  محسوبين عليها رجالة؟!

كانت تتحدث وهي تتحرك للداخل حتى وصلت إلى حجرة النوم وتحدثت باستغراب  لتلك التي تتوسط بجلوسها الفراش: -إنتِ عاوزة تروحي كفر الشيخ بجد؟!

نطقت بحدة وصرامة: -عزة، خرجي نفسك من الموضوع ده علشان ما اطلعش كل غضبي فيكِ

هتفت معترضة: -أخرج نفسي إزاي ومحدش بيشيل همك في الأخر غيري، حرام عليكِ يا إيثار

واسترسلت بنبرة لائمة وهي تشيح بكفيها نحو بطنها: -طب يختي لو مش خايفة على  نفسك خافي على عيال الناس، دول ما صدقوا ربنا راضاهم وطايرين بيكِ  وشايلينك من على الارض شيل

واسترسلت ناصحة: -إستهدي بالله كده واعقلي يا بنت عم غانم.

كان واقفًا شابكًا ذراعيه أمام صدره يتطلع عليها وعلى وجههِ علامات  الضيق من أفعال تلك العنيدة التي ستصيب قلبه بالتوقف يومًا ما، لينطق  مؤكدًا على صحة حديثها: -قولي لها وفكريها يا عزة، الهانم شكلها نسيت اللي  إتعمل فيها هناك.

تطلعت عليه بعينين تغشوها دموع الألم لتنطق بنبرة مكسورة: -هو أنتَ  إزاي مش قادر تحس بيا يا فؤاد، أنا نفسي أزور بابا وأرد الامانة لأصحابها.

قالت كلماتها الأخيرة ودموعها تسيلُ فوق وجنتيها بعدما فقدت التحكم  بها، وبرغم تأثره الشديد بدموعها إلا أنه تحكم بمشاعره ليتحدث بقوة وثبات  كي لا يضعف أمام رغبتها: -أنا مش قادر أفهم إنتِ إزاي مش عاملة حساب  للمجنون اللي إسمه عمرو ورايحة لحد بلده

ليتابع بجنون: -ده خطفك من قلب القاهرة وكان عاوز يسفرك إنتِ ويوسف، إنتِ  متخيلة ممكن يعمل إيه وإنتِ في قرية حجمها محدود وهو دارس مخارجها ودواخلها  كويس قوي.

نطقت بشهقاتٍ قطعت بها نياط قلبه: -ما أنتَ مراقبه وعارف كل تحركاته هو وإخواته.

بسطت عزة ذراعها لتربت على كتفها بمؤازرة لينطق هو مفسرًا علها تقتنع:  -مراقبه هو يا حبيبي، لكن إيه اللي يضمن لي إنه مش مأجر حد يراقبنا من بعيد  ويستغل الفرصة اللي سيادتك عاوزة تقدميها له على طبق من دهب؟

رفعت كفيها لتجفف دموعها بعنفٍ وهي تسألهُ بحدة وكأنها لم تستمع لكلماته الأخيرة: -من الأخر كده يا فؤاد، هتوديني ولا لاء؟

نظر لها لتتقابل أعينهم وهم يتبادلون نظرات التحدي لينطق بصرامة: -مفيش سفر لكفر الشيخ قبل الولادة يا إيثار

واسترسل سريعًا وهو يشير بسبابته: -وده علشان خاطر تزوري قبر عمي غانم الله يرحمه وبس.

وتابع بغيرة تنهش داخل قلبه كلما تذكر أنها قضت بتلك البلدة سنواتها  الفائتة وتزوجت من غيره وعاشت ببيته الملعون وداخل أحضانه لسنوات: -لولا  كده كان لايمكن أسمح بإنك تنزلي البلد دي تاني إلا على جثتي.

رفعت رأسها بشموخ وتحدثت: -تمام، ممكن تطلعوا بره إنتوا الإتنين علشان تعبانة وعاوزة أنام

قالت جملتها لتُمدد جسدها فوق الفراش من جديد وتسحب الغطاء حتى دفنت رأسها  تحته، نظر إلى عزة وهز رأسه يمينًا ويسارًا بإحباط لتنطق وهي تجذب الغطاء  لتكشف وجهها: -قلبتوا دماغي ونستوني أنا كنت جاية في إيه

واسترسلت: -قومي يلا علشان تفطري، الباشا الكبير والدكتورة مستنينكم على الفطار تحت.

جذبت الغطاء من يدها لتنطق بحدة وهي تعيد تغطية وجهها من جديد: -قولت لك تعبانة وهنام.

كادت أن تتحدث فأشار لها فؤاد وتحدث بهدوء: -إنزلي وإحنا هنحصلك يا عزة.

تنهدت بأسى لتنطق وهي تتحرك للأمام: -أوامرك يا باشا

أخذ نفسًا عميقًا ثم تحرك ليجاورها الفراش ثم سحب الغطاء ليتفاجأ بدموعها  التي تسيل على الخدين كشلالاتٍ ليسألها بنبرة حزينة: -ليه يا بابا دموعك  دي، ليه بتعملي كده في نفسك وفيا؟!

شهقت لتنطق بحدة ونبرة ساخطة: -مش عارف دموعي دي ليه بجد، دي دموع قهر على حالي واللي وصلت ليه معاك.

اتسعت عينيه ذهولاً لتتابع هي بألم: -من يوم جوازنا وإنتَ قاصد تفرض  رأيك وهيمنتك عليا في كل شئ يخصني، شغلي خروجي حتى أكلي عامل لي بيه قايمة  ممنوعات ومديها لسعاد بتنفذها بدون نقاش، كل ده ليه، علشان ولادك؟!

-طب وأنا؟، نطقتها بغضبٍ حاد وهي تشير على حالها، أنا راحتي فين، كياني واستقلاليتي فين يا فؤاد؟!

لم يستوعب كم الإتهامات الباطلة التي تلقيه بها بهتانًا لينطق مذهولاً: -ياه يا إيثار، إنتِ للدرجة دي شيفاني شخص ديكتاتور وظالم؟!

أشاحت بوجهها بعيدًا عن عينيه لتتنهد ثم نطقت بصوتٍ متألم شطر صدره  لنصفين: -أنا تعبانة ومحتاجة أنام، ياريت تطفي النور وتدخل تلبس جوه لأن  أعصابي تعبانة ومش هتحمل إضاءة جنبي.

حاول بسط ذراعيه كي يجذبها لأحضانهِ عله يساعدها على الاسترخاء لكنها  صدته سريعًا ووالته ظهرها بحدة أظهرت كم غضبها منه، ليزفر بضيقٍ من حالهِ  قبلها، هب واقفًا ليطفئ لها الأنوار ويختفي خلف باب الحمام كي يحصل على  حمامه الدافئ اليومي ثم خرج بعد قليل ليرتدي ثيابه ويقوم بصلاة الضحى قبل  أن يتجه صوب فراشها، وقف يتطلعُ على ملامحها وهي غافية وقلبهُ يتألم  لحالها، لم يوافقها على جنونها ذاك وبالتأكيد لن يرضخ لتنفيذ طلبها ليس  تعنتًا كما تظن هي بل خوفًا ورُعبًا عليها وصغيراه اللذان لم يرا الدنيا  بعد، لم ولن يسمح لها ولا لحاله أن يُمس طفليه بسوء ويُحزن بل ويؤلم قلبي  والداه حيث أصبح شغلهما الشاغل هو انتظار قدوم مولودي نجلهما بفارغ الصبر.

هز رأسه بيأسٍ وتحرك نحو مرآة الزينة، إلتقط ساعة يده وارتداها لتزيد  من أناقتهِ المعتادة وأمسك قنينة عطرهِ الرجولي لينثر منه على عنقة وذقنه  ليضعها من جديد وتطلع على حالهِ بنظراتٍ خاطفة قبل أن يحمل حقيبته الجلدية  ذات اللون الأسود والتي يحتفظ بأوراق عمله داخلها ويتركها أمامها دون خوفٍ  من تكرار الماضي اللعين، هو سلم لها روحهُ وانتهى الأمر بعدما تيقن من  طهارتها ونقائها، ألقى عليها نظرة وكاد أن يخرج لكنه لم يقوى دون توديعها  ككل يوم، ساقته قدميه ليتجه صوب الفراش، مال عليها بطوله الفارع ليلثم  شفتها السُفلى في قُبلة سريعة نعم لكنها شغوفة حنون، مسح على جبينها بنعومة  ليهمس أمام وجهها باعتذار: -أنا أسف.

قالها وتنفس بصوتٍ مسموع ليخرج على عجالة كي لا يتأخر على موعد عمله،  استمعت إلى صوت خافت لغلق الباب ففتحت أهدابها، لم تكن غافية وتعلم أنه  تيقن من ذلك لذا تأسف لها، أجهشت ببكاءٍ مرير وغصة مرة توقفت بمنتصف حلقها،  تعلم أنهُ محق بشأن مخاوفهُ المشروعة على جنينيه، لكنها اشتاقت لرؤية لحد  أبيها، تريد الجلوس بحضرة روحه الطاهرة كي تطمأنهُ عن حالها وأنها أصبحت  بخير، اشتاقت لان تتحدث معه وقد أوصلها حثها أنها لو جلست أمام قبره وتحدثت  سوف تشعر بالأرتياح، لذا هي مُصرة على الذهاب، إشتاقت أيض?ا لرؤية شقيقاها  وأنجالهما ووالدتها وتلك ال نوارة ذات القلب النقي، فبرغم ضراوة قسوتهم  عليها إلا أنها لم تكن يومًا بكارهة لهم، يراودها شعورًا يلح عليها بإرجاع  الحق لأهله كي تستريحُ ويهدأ ضميرها، يعتريها رُعبًا من إقبالها على  الولادة قبل عودة الحق لاصحابه، تريد تخليص روحها من جميع القيود قبل  دخولها بعملية الولادة تحسبًا لوفاتها أثناء الولادة، فلو لا قدر الله توفت  تكون قد سددت جميع ديونها الدنيوية، إنها معضلة لكنها متأكدة بأن فارسها  يستطيع فكها لكنهُ يتبع معها إسلوب التعنت، هذا ما استشفته من حديثها معه.

بالأسفل، ولج لغرفة الطعام بوجهٍ صارم يتطلعُ على والديه وهما يتناولان  فطورهما قبل أن يذهبا كُلٍ منهما على وجهته لينطق هو بجدية: -صباح الخير

رد والداه التحية ليتحدث وهو يبحث بعينيه عن الصغير: -أمال فين يوسف؟

أجابهُ علام بابتسامة ترتسمُ على محياه كلما أتت سيرة ذاك الصغير الذي  استحوذ على جزءًا ليس بالقليل من قلبه واهتمامهُ: -فطر معانا وعزة عملت له  السندوتشات بتاعته وخرجته للباص بنفسها.

هز رأسهُ بتفهم، نظرت له والدته متعجبة نزوله لحاله دون زوجته ك كل  يوم، فمنذ إنتقال فريال وزوجها وأولادها للعيش بمنزلهم الجديد وهي تحضر  معهما الفطار اليومي كي لا تشعرهما بالوحدة وفقدان مكان ابنتهما الحبيبة،  لذا سألته عصمت باهتمام: -فين مراتك يا حبيبي؟!

نطق وهو يجذب مقعده ويجلس فوقه باستسلام: -تعبانة شوية ونايمة

بلهفة سألته: -تعبانة إزاي يا فؤاد، لو حاجة تخص الحمل هتصل بالجامعة وأخد  أجازة وأوديها للدكتورة بتاعتها تعمل لها سونار ونتطمن على الاولاد.

تنهد بضيق ظهر فوق ملامحه ولن يخفى على والداه لينطق وهو يبتلع الطعام  بمرارة: -مش مستاهلة، دول شوية إرهاق ولما تنام هتصحى كويسة إن شاءالله.

-مالك يا فؤاد؟، جملة قالها علام كي يطمئن على نجله لينطق الأخر بتهرب: -مفيش يا باشا، سلامتك.

نطق الأخر ساخرًا: -مفيش إيه يا حبيبي بوشك الكِشر ده

نظر إلى أبيه ليتابع علام بنبرة ساخرة: -قول يا حبيبي قول وفك عن نفسك.

وكأنه كان ينتظر الإشارة لينطق بنبرة خرجت حادة رُغمًا عنه: -الهانم  عاوزة تروح كفر الشيخ، قال إيه عاوزة تزور قبر بباها وترجع لاخواتها عقد  الأرض والبيت

سألته عصمت بجبينٍ مقطب لعدم علمها بقصة الأرض والمنزل: -عقد إيه ده يا فؤاد؟!

اجابها باقتضاب: -بباها الله يرحمه كان كاتب لها كل اللي يمتلكه علشان  يحميها هي ويوسف، ويمنع أمها واخواتها من رفع قضية ضم حضانة الولد.

تفهمت لتهز رأسها بهدوء فسألهُ علام مستفسرًا: -وإنتَ قولت لها إيه؟

-رفضت طبعاً، نطقها بثبات وقوة ليتابع بحسمٍ: -أمانها هي وولادي أهم من أي حاجة في الدنيا.

تنهد علام لينطق برزانة وتعقُل: -بس هي من حقها تشوف أهلها يا فؤاد.

استمعوا لصوت تلك التي ولجت للتو من الباب لتتحدث وهي تحمل دورقًا  زجاجيًا ملئ بعصير البرتقال الطازج واستمعتهم بالصدفة وكعادتها الثرثارة  تدخلت بالحديث: -لا يا باشا متأخذنيش في الكلام، فؤاد باشا عنده حق، اللي  اسمه عمرو واهله دول مجرمين ومبيخافوش ربنا.

واسترسلت تستعرض قوة وجبروت إجلال لعدم علمها بالتطورات الأخيرة التي  حدثت ولم تمدها بها نوارة كالعادة: -إمه دي ست قادرة والبلد كلها خدامين  تحت رجليها، ومش بعيد لما تعرف إن إيثار في بيت أهلها تبعت لها ناس يأذوها  هي واللي في بطنها.

وتطلعت إلى عصمت التي تلون وجهها بعدما هربت منه الدماء هلعًا على  أحفادها الغوالي لتتابع وهي تشيح بكفيها بطريقتها المعتادة: -دي نوارة مرات  أخو إيثار كانت بتحكي لي عنها حكايات تشيب، طب دي في مرة...

قاطعها صوت فؤاد الصارم الذي سأم ثرثرتها وأراد ان يوقفها في الحال:  -عزة، مش وقتك، إتفضلي على المطبخ وعلى الساعة عشرة تطلعي لها فوق وتصحيها  علشان تنزل تفطر

وأشار بتأكيد: -لازم تاكل كويس وتاخد الفيتامين، مفهوم.

هزت رأسها عدة مرات متتالية لتنطق مرددة: -مفهوم، مفهوم يا باشا

وانصرفت وهي تهمس ببرطمة: -يا ساتر على قلبتك، دي بنت منيرة الله يكون في  عونها منك، الراجل عليه قلبة تقطع الخَلف، الحمدلله إني مقررة من زمان إني  مخلفش، وإلا كانت تبقى مصيبة.

أما علام فسألهُ بعقلانية: -هتعمل إيه يا فؤاد؟

رفع كتفيه وتحدث وهو يُمسك بكأسه الزجاجي الفارغ ويقدمه نحو والدته التي  بدأت بسكب بعض العصير الطازج له: -هخلي المحامي يكتب عقد تنازل وتمضي هي  عليه وأبعته مع السواق.

نطق والده بقلبٍ لين: - طب ومراتك يا ابني، دي ممكن تزعل جداً والدكتورة قالت إن الزعل غلط عليها.

هتفت عصمت متبنية قرار نجلها الحكيم: -مراته هتزعل لها يومين وفؤاد في  الأخر هيعرف يراضيها يا علام، إيثار طيبة وهتفهم وهتهدى مع الوقت، أهم حاجة  أمانها هي والأولاد.

كان يستمع لحديث والديه بعقلٍ شارد في حبيبته الشرسة، يعرف أنها شرسة  عنيدة لكنه يستطيع ترويضها بكل براعة، فهي أنثاه الطائعة المحبة حتى ولو  جُنت لبعض الوقت إلا أنها ستعود لرشدها سريعًا وترتمي داخل ملاذها الأمن،  حضنه الدافئ.

ارتشف أخر قطرات العصير ليقف يهندم من ثيابه وهو يقول: -موضوع إقناع  إيثار هياخد وقته وفي النهاية هتهدى وتقتنع، المهم عندي إن صحتها ما تتأثرش  من الزعل.

نطقت عصمت بهدوء لتريح قلب نجلها من ناحية حبيبته: -متقلقش يا حبيبي،  أنا قبل ما اتحرك على الجامعة هوصي عزة وسعاد عليها، وكده كده فريال شوية  وهتجيب فؤاد وتيجي لها، وانا لما أرجع هقعد معاها ومش هسيبها.

أومأ لها وتحدث وهو يلتقط حقيبته: -أنا لازم اتحرك

نهضا والديه ليتحدث علام: -خدني معاك أنا كمان

تحرك ثلاثتهم لتذهب عصمت إلى المطبخ قبل الذهاب كي تملي عليهم تعليماتها  الصارمة بشأن إيثار وإدارة المنزل وتوجهت هي الأخرى للخارج ليفتح لها  السائق باب السيارة وينطلق بطريقه إلى الجامعة.

داخل إحدى المستشفيات العامة، وبالتحديد داخل إحدى الغُرف الخاصة،  تحركت الممرضة إلى العسكري الواقف أمام الباب لحراسة المريضة لتنطق  الممرضة: -صباح الخير يا دُفعة

-صباح النور، نطقها بصرامة ليكمل حديثه الحاد: -تخلصي معاها وتطلعي فورًا

أجابته بارتباك لصرامته الحادة: -حاضر.

ولجت للداخل لتجد تلك المرأة فوق التخت المعد للمرضى، فقد أجريت عملية  لاستئصال الرحم بالأمس وتمت العملية بنجاح، تحدثت الممرضة وهي تفرغ لها  أنبول الدواء داخل المحلول المعلق: -عاملة إيه النهاردة

أجابتها سُمية بصوتٍ خافت وجسدٍ واهن وملامح باهتة شاحبة كشحوب الموتى: -تعبانة، بقول لك إيه

نطقت الأخرى بتمعن: -قولي.

لتتابع الأخرى بعرضٍ حقير كحقارتها: -أنا عندي فلوس كتير شيلاها في مكان محدش يعرفه غيري، لو ساعدتيني أهرب من هنا هديكي نصهم

واسترسلت كي تزرع الطمع بقلبها: -الفقر هيفارقك عمرك كله ومش هتشوفي خلقته تاني.

تطلعت عليها الممرضة قبل أن تنطق بجدية: -أنا هعتبر اللي سمعته ده من  تأثير البنج عليكِ ومش هبلغ بيه العسكري، بس لو كررتيه تاني هتضريني أبلغ  الظابط بنفسه.

كادت أن تذهب لتتمسك الأخرى بكفها مستعطفة إياها وهي تتمسك بفرصتها  الأخيرة للنجاة: -أبوس أيدك ساعديني، أنا لو خرجت من هنا على السجن  هيعدموني،

وتابعت بزيف كي تستجدي تعاطفها: -بنتي اللي عندها خمس سنين ذنبها إيه تتيتم في السن ده.

جذبت الممرضة كفها بقوة لتنطق بنبرة جادة: -بنتك دي كان لازم تعملي  حسابها قبل ما تعملي عملتك وتقتلي الست المسكينة، واللي بردوا عيالها  اتيتموا واتحرموا من امهم بسببك

واسترسلت وهي تهز رأسها بأسى: -كل واحد لازم يدفع تمن أخطاءه، علشان الكل يتعظ.

تركتها وأغلقت خلفها الباب لتسبها الأخرى بألفاظٍ نابية وهي ترمق الباب بنظراتٍ ساخطة.

داخل منزل عمرو، كان اليوم الموعود الذي انتظره كثيرًا حيث اليوم هو  اليوم الأخير لخروج الأثار من المقبرة حيث وصل الرجال بالحفر للبوابة  واليوم ستفتح البوابة ويخرجوا منها القطع الأثرية النادرة، على أمل أن  يسلمهم إياها ويقوم الرجل بخطف إيثار والصغير ويتبني سفرهم عبر البحر كما  أوهمهُ، كان يتناول الطعام مع حسين الذي وجد عملاً مناسبًا في إحدى الشركات  وتم توظيفهُ بشهادته الجامعية بمرتبٍ ضئيل لكنه اكتفى به كبداية لطريق  الكسب الحلال، أقدم عليهما طلعت الذي تحدث بنبرة جادة: -أنا رايح أتابع  الرجالة يا عمرو، وإنتَ استريح في البيت النهاردة.

وقف عمرو لينطق باعتراض: -مينفعش يا طلعت، أنا لازم أكون موجود عند التسليم.

-أنا ورأفت صاحبك هنكون موجودين، قالها في محاولة منه لاقناعه ليتابع  بزيف: -وبعدين المفروض إنك الكبير بتاعنا، عمرك شفت كبير بيروح يسلم  البضاعة بنفسه، زي ما الخواجة قاعد في مكتبه مستريح، إنتَ كمان تقعد هنا زي  الباشا.

رفع عمرو قامته للأعلى مستحسنًا فكرة شقيقه التي جعلته يشعر بالتفاخر  بحاله، ليسترسل طلعت كي يبعد عنه أية شبهة: -امال الفلوس هتستلمها إزاي يا  عمرو؟

اجابهُ الأخر بمراوغة: -هستلمها من الخواجة في مكتبه يا طلعت، أنا متعود معاه على كده.

كذب عليه بالحديث فتلك هي المرة الأولى في التعامل بينهما وأيضًا وعلى  حسب الإتفاق أنه لن يستلم نقودًا بل سيسدد له خدمة إختطاف إيثار ونجله  مقابل تخريجه للأثار، نطق حسين متوسلاً لشقيقيه: -بلاش المشوار ده أنا مش  مطمن، خلينا نمشي في السليم علشان ربنا يسترها معانا

أشار له طلعت على الصحن المتواجد أمامه وهو يقول: -خليك في الطعمية السخنة وكلها قبل ما تبرد يا حسين.

واسترسل بنبرة حادة: -وياريت كمان تخليك في حالك.

كالعادة هز رأسهُ مستسلمًا واكتفى بالصمت المخزي لينطلق طلعت بسيارته  التي ابتاعها له عمرو وتوجه إلى سوهاج بعدما هاتف رأفت واطمئن على وجوده مع  الرجال بداخل فندق بسوهاج ينتظرون قدوم الليل كي يذهبوا إلى موقع الحفر  ليخرجا القطع الأثرية وتنتهى تلك المهمة الصعبة التي أرهقتهم وأخذت منهم  الكثير من الوقت قضوه في هلع وترقب خشيةً هجوم أهل البلدة عليهم.

أما بمحافظة سوهاج، وبالتحديد بإحدى المنازل المملوكة لأحد أكبر  الباحثين عن الأثار والحفر عليها وبيعها للمهربين، يترأس الجلسة المتواجد  بها رفقائه بذاك العمل الغير أخلاقي والمخالف للقانون حيث أنهم ينهبون  ثروات البلد ويساعدون على تهريبها للخارج مقابل مبالغ مالية طائلة لكنها لا  تعني شيئًا مقابل القيمة المادية والعلمية لتلك الأثار الفرعونية النادرة  الوجود، تحدث الرجل بثقة: -أنا جمعتكم النهاردة علشان أقول لكم إننا مش  هنتدخل في موضوع الخواجة ماريو والواد بتاع كفر الشيخ وأخوه.

هب أحدهم لينطق بصرامة واعتراض: -كلام إيه اللي بتقوله ده يا حاج  عمران، يعني عاوزنا نسكت بعد ما الواد ده اتعدى على الأصول ودخل بلدنا  واتعدى علينا، ده لازم يتأدب هو والخواجة ويطلعوا الإتنين ملط من البلد

نطق رجلاً أخر بحدة مماثلة: -أيوا يا حاج عمران، إحنا هنسيبهم لحد ما  العملية تكمل ونهجم في اللحظة الأخيرة، ناخد الأثار والفلوس، و ان حد منهم  اعترض طلقة بجنية تخرسه.

نطق عمران الجالس بشموخ فوق مقعده المرتفع والذي يشبه مقاعد الملوك،  ممسك?ا بكفه عصا فرعونية برأسٍ ذهبية على هيأة ثعبان مخيف: -ده اللي كنا  متفقين عليه وهنفذه، بس العيون بتاعتي اللي بتراقبهم في الجبل لاحظوا إن مش  عنينا إحنا بس اللي عليهم.

تمعن الجميع منتظرين كلماته ليتابع بما أذهلهم: -الحكومة طلعت مرقباهم  ولما عملت إتصالاتي بالناس الكُبار بتوعنا إتأكدوا إن الموضوع كبير ويخص  حيتان في البلد إحنا مش قدهم، والراجل بتاعي قالي إخفى من الموضوع خالص،  علشان كده جمعتكم النهاردة قبل ما حد فيكم يتهور ويتحرك لوحده.

تطلع الجميع لبعضهم وعقلوا الحديث واتفقوا على ألا يقتربوا من الجبل نهائيًا اليوم ليتركوا الجميع كلٍ للنهاية التي يستحقها.

أتى الليل سريعًا، كان يتحرك في الحديقة ذهابًا وإيابًا ينتظر الأخبار  بقلبٍ حزين لأجل ذاك الصغير الذي أُبتُلي بهكذا أب تسوقه غرائزه الحيوانية  ويتحرك بتهور دون حسابات، خرجت إلى الشُرفة كي تستنشق بعض الهواء، فمنذ ما  حدث بينها وبين حبيبها في الصباح وهي تشعر بالإختناق والحُزن يملؤ قلبها،  حزنًا عميق وكأن شيئًا ثقيلاً يضغط على صدرها يكاد يزهق بروحها، لا تدري  مصدر ذلك الشعور كل ما تشعر به هو الحزن الذي يخيم على حياتها منذ الصباح،  باتت تدورُ بعينيها تتطلع على ما حولها لتلاحظ وجوده داخل الحديقة، يبدو  عليه هو الأخر الحزن والضيق، تنفست بعمق فمنذ أن عاد من عملهِ عصرًا وهي  تتغاضى وجوده وتتلاشاه، حاول مرارًا أن يتحدث معها ويتفاهما لكنها رفضت  بتعنُت فابتعد كي لا يضغط عليها ويغضبها أكثر.

خرج والده مصطحبًا الصغير بكفه ليتجولا معًا ويتفقدا زهورهما، ليهرول  الصغير باتجاه فؤاد وهو يصيح بصوته الطفولي الملئ بالحماس: -شرشبيل

إلتفت لينظر إليه وبدون وعيٍ منه اتسعت ابتسامته وهو يرى ذاك الصبي يناديه  بلقبه التي أطلقته عليه فرسته الجامحة، على الفور تذكر تلك الأيام الجملية  مما خفف من ألم قلبه، حمل الصغير وثبتهُ داخل أحضانه وهو يقول: -أهلاً  اهلاً بحبيب قلب شرشبيل.

نطق الصغير وهو يملس على وجنته بأنامله الرقيقة: -أنا مش شفتك من ساعة ما جيت من المدرسة.

اجابهُ بملاطفة: -ده علشان جنابك طافش من البيت وسارح ورا بيسان هانم طول اليوم

ضحك الصغير وتحدث: -أنا أكلت عندهم بيتزا وذاكرنا مع بعض ولعبنا كتير

ابتسم بلطف واقبل على وجنته ليضع قبلة حنون بث من خلالها حبه وأسفه الشديد للصغير، نطق بنبرة خرجت متألمة: -أنا أسف يا حبيبي

سألهُ ببراءة: -أسف على إيه يا عمو؟!

-ولا حاجة يا يوسف، أسف وخلاص، قالها بتأثر شعر به والده ليأخذ الصغير  من بين أحضانه ليحثه على الركض وهو يقول: -يلا يا بطل إسبقني على حوض الورد  على ما اتكلم شوية مع عمو فؤاد وأحصلك.

ركض الصغير بسعادة لتتنهد تلك التي كانت تشاهد صغيرها وهو بين أحضان  حبيبها المستبد، ولجت لداخل غرفتها لتجد تلك العاملة وداد وهي تتحدث  برسمية: -الحمام جاهز يا هانم.

أومأت لها لتتحرك إليه بعدما شكرت العاملة، نزعت ثيابها بالكامل لتنزل  بقدميها في المغطس لتغمر جسدها بالكامل تحت المياة الدافئة المختلطة  بالزيوت العطرية التي تساعد على الإسترخاء، أغمضت عينيها علها تحصل على بعض  الراحة ويزيل ذاك الثقل الذي يطبق على أنفاسها

عودة إلى فؤاد وعلام الذي سألهُ باهتمام: -مالك يا فؤادأخذ نفسًا عميقًا ليزفرهُ 

 الفصل الرابع والخمسون


الحياة كلوحة بيضاء تنتظر منا الألوان لتغدو أكثر جمالاً وتألقًا  وتأنقًا، فاختر ألونك بعناية كى تزهو حياتك وتزدهر، اصمد أمام حلمك حتى  يتحقق فلا مستحيل مع الإصرار والتحدي، إذا حُجبت سماؤك يوماً وتلبدت  بالغيوم أغمض جفونك لبرهة ترى خلف الغيوم نجوم، والأرض حولك إذا ما توشّحت  بالثلوج أغمض جفونك تجد تحت الثلوج مروج، واعلم أن وراء كل فشلِ يوجد نجاح  وخلف كل حزنٍ تأتي السعادة لتفتح بابها على مصراعيها لاستقبالك، وخلف كل  جفافٍ بأتي غيث الله، فمهما يحدث تمسك بحُلمك وأعلم أن برغم قساوة الواقع  ومرارته دائمًا يوجد أمل.

تفاجأ عمرو بسيارتي شرطة تقفان أمام منزله ليعود للخلف سريعًا في  محاولة منه للهرب مما جعل رجال الشرطة يلاحظون وبسرعة البرق انطلقت  السيارتين خلف سيارته لملاحقته، كان يقود سيارتهُ بسرعة جنونية والسيارتين  تلاحقاه، ظل هكذا لمدة خمسة عشر دقيقة حتى وصلا لنقطة تقاطع ومن حُسن حظ  عمرو فلت بسيارته لتقاطعهم شاحنة نقل كبيرة تجر خلفها مقطورة محملة  بالأحجار البيضاء التي تستعمل في البناء لتقطع الطريق بأكمله حيث كانت تمر  للطريق المقابل مما جعل إحدى السيارتين تصتدم بها والأخرى توقفت بصعوبة  بأخر لحظة قبل الإصتطدام مما أحدث صوتًا عاليًا دب الرُعب في قلوب الجميع،  إنشغل الجميع بالتصادم وتوقف الطريق ونزل المارة ليطمئنوا على سيارة الشرطة  التي صُدمت ليجدوا أن السائق قد أصيب بنزيفٍ في الرأس بينما أُصيب الضابط  المجاور له ببعض الكدمات، انتهز عمرو الفرصة التي أتته على طبقٍ من ذهب  ليفر من المكان بأكمله، خرج الضابط سريعًا من السيارة التي لم تُصدم ليراقب  الطريق من جانب شاحنة النقل ليجد سيارة عمرو قد فرت واختفت من المكان ليدب  بساقه الأرض لاعنًا تلك الشاحنة وسائقها المخالف.

عودة لحجرة إيثار وفؤاد، مازال يتوسط الفراش بجلوسه منكبًا على أوراقه،  يتمعن بها عبر نظارته الطبية، شعر بوخزاتٍ بعنقه من طريقة جلوسهُ الخاطئة  فتوقف وبات يدلك عنقه بعناية كي يحصل على بعض الراحة، تطلع على تلك الجالسة  فوق الأريكة والتي كانت تتصفحُ مواقع التواصل الاجتماعي ليجد رأسها ساندًا  على الأريكة ويبدو أنها قد غفت، انتفض واقفًا ليتحرك صوبها فتيقن من نومها  حقًا، تنفس بحنقٍ من تلك العنيدة ليعود من جديد إلى الفراش يلملم أوراقه  ويُهئ الفراش لاستقبالها، تحرك إليها وما أن حملها بين ساعديه حتى رفعت  أهدابها تنظر إليه لتجده فتحدثت باعتراض بصوتها الناعس: -سيبني، أنا هنام  على الكنبة.

لم يعير لحديثها إهتمام وتوجه صوب الفراش لتعيد حديثها متذمرة: -قولت لك هنام على الكنبة

اشتد غضبها من عدم رده عليها ليصل بها إلى الفراش ويقوم بوضعها برفقٍ فوق  الفراش لتحتد بحديثها: -هو أنا بكلم نفسي، بقول لك مش هنام على السرير أنا!

زفر بقوة قبل أن ينطق بلهجة حادة جعلتها تبتلع لعابها وتصمت: -صوتك الحلو ده مش عاوز أسمعه وأحسن لك تنامي علشان ليلتك تعدي على خير.

تعمق بعينيها وبث بنظراتهِ الحادة تحذيرًا قويًا لتتنفس بهدوء فأشار  برأسهِ يحيي تعقلها بطريقة استفزتها قبل أن يتحرك ويختفي داخل الحمام، زفرت  بقوة لتعود من جديد لغفوتها، خرج بعد قليل ليتلقى إتصالاً هاتفيًا من  الشخص الذي يتابع تطورات الليلة فأخذ هاتفه وخرج بالشرفة لينطق بصوتٍ جاد  بعدما أغلقها عليه: -طمني يا رامز بيه

نطق المدعو رامز بأسى: -للأسف يا فؤاد باشا الأخبار متطمنش.

اتسعت أعين فؤاد ليتابع الأخر بإبانة: -اللي إسمه عمرو قدر يهرب منهم  بسبب حادثة على الطريق، والظابط اللي كان بيطارده بلغ بأوصاف العربية  والطريق اللي هرب منه، ولما الشرطة إتحركت لقت العربية، بس للأسف، كانت  فاضية

سألهُ بصوتٍ مهزوز: -وعمرو فين؟!

أجابهُ باقتضاب: -رجالة الشرطة مشطوا المكان كله، إختفى وملوش أي أثر

واسترسل معلمًا: -جنابك عارف إن الكمبوندات الجديدة كلها محاطة بالصحرا، فسهل جداً إنه يهرب.

نطق فؤاد بجدية: -أكيد إتصل بحد ساعده

نطق المدعو رامز بثبات: -متقلقش يا باشا، رجالة الداخلية أكيد هيجبوه حتى لو رجع في بطن أمه.

لقد شتته ذاك الخبر المشؤوم وبعد أن كان يشعر بالقلق حيال زوجته وصغيرها  الأن أصبح مصابًا بهوس شبح ذاك المجنون فاقد العقل والبصيرة، ما زاد من  قلقه هو فقدان عمرو لكل شئ كان يمتلكهُ لذا سينتقم بكل ما أوتي من قوة  لينفث عن غضبه العارم بعدما فقد أخر أمل له، تحدث بغضبٍ ظهر بنبرات صوته  المحتدة: -ياريت يتحركوا بسرعة قبل ما يعمل مصيبة جديدة أو يهرب بره البلد.

واسترسل وهو يستعد لإنهاء المكالمة: -ياريت لو حصل أي جديد تبلغني يا رامز بيه.

-أكيد معالك، نطقها الرجل قبل أن يغلق الخط، إستند بذراعيه فوق سور  الشرفة الحديدي ليرفع وجههُ للأعلى وهو يزفر بقوة، شعر بالإختناق وكأن  أحدهم يقبض على عنقه بقوة، نطق وهو يحملق في السماء بيقين ينادي ربه  ويستعينُ به: -يارب، يارب.

ولج لغرفة نومهِ يتطلع على تلك الغافية لينسحب بهدوء إلى الخارج، تحرك  داخل الممر المتواجد بين الغرف وتوقف حين وصل لحجرة الصبي، أمسك مقبض الباب  وتنفس مطولاً قبل أن يديره ويدلف ويوصد خلفه الباب بهدوء كي لا يزعج  الصغير، تمدد بجواره بخفة وبات يتأمل ملامحهُ البريئة، لم يحتفظ بملامح  والدته، من يدقق بملامح وجهه يكتشف الشبه الكبير بينه وبين ذاك ال عمرو ومع  أنه احتفظ بملامح غريمه الذي يُذكرهُ دومًا أنه لم يكن الرجل الاول بحياة  خليلة القلب التي عثر عليها بعد معاناة، إلا أنه استطاع إحتلال جزءًا ليس  بالقليل من قلبه الحنون، بات يمسد على شعره بكفه الحنون لينزل على وجنتهِ  الناعمة، إنتفض قلبهُ حين وجد الصغير يفتح جفنيه ويبتسم له لينطق ببراءة:  -شرشبيل.

-عيون شرشبيل، قالها فؤاد وشعور الذنب ينهش صدره ليميل على وجنته يقبلها  مما أسعد الطفل ليسألهُ مستفسرًا: -إنتَ هتنام جنبي بدل عزة؟!

برغم حالة الحزن والهلع اللذان اقتحما قلبه إلا أن ذاك المشاكس استطاع أن  يرسم الضحكة على وجهه لينطق من بين ابتسامته الواسعة: -لا يا سيدي، إحنا  بقينا رجالة خلاص ومينفعش حد ينام جنبنا، لا أنا ولا عزة ولا حتى مامي.

نطق الطفل بنبرة خجلة: -بس أنا ساعات بصحى بالليل وبخاف وأنا لوحدي

سحب جسده للأعلى ليفرد ذراعه يستقبل ذاك الرائع لينطق بنبرة حنون: -بص يا  حبيبي، ده خلاص بقى بيتك ومينفعش تخاف وإنتَ في أوضتك، ينفع تخاف وإنتَ وسط  أهلك؟

هز رأسهُ بنفي ليسترسل فؤاد وهو يداعبه في بطنه بأصابع يده: -طب إيه بقى.

تعالت قهقهات الصغير ليزيد فؤاد من مداعباته حتى توقفا عن الضخك لينطق  الصغير وهو ينظر له: -على فكرة أنا بحبك قوي وإنتَ طيب قوي، مش عارف ليه  مامي كانت بتقول عليك شرشبيل الشرير

رفع كتفيه لأعلى لينطق بملاطفة: -إسأل مامي وهي أكيد هتجاوبك.

نطق يوسف بعينين راجيتين: -عمو، هو أنتَ ممكن تحكي لي حدوتة زي اللي عزة بتحكيهم لي

رفع حاجبه وسألهُ مستعلمًا: -هي عزة بتحكي لك حدوتة إيه؟

نطق ببراءة: -بتحكي لي حكاية ليلى أم الفستان الأحمر اللي الديب الشرير أكل جدتها بأسنانه المدببة، والساحرة الشريرة أم منقار

هز رأسهُ ليقول ساخرًا: -كنت هستغرب لو كانت بتحكي لك حكايات تستفيد منها، يعني، هي في الأخر بردوا عزة.

واسترسل وهو يستعد لقص الحدوتة: -أنا بقى يا بطل هحكي لك قصة السندباد البحري

إعتدل الصغير وتحدث بنبرة حماسية: -أنا مش بعرفها دي، يلا بسرعة قولها لي

ضحك بشدة ليتحدث: -حاضر يا حبيبي.

إستمعا لبعض الطرقات الخفيفة لتدلف إيثار التي شعرت بخروج حبيبها من  الغرفة بعدما تفقدت الفراش ووجدته فارغًا، تسحبت وأتت إلى حجرة صغيرها كي  تتفقده وتطمئن عليه فتفاجأت بوجود فؤاد وهو يحتضن الصغير بحميمية، اشتدت  سعادتها عند رؤية ابتسامة صغيرها البرئ الذي انتفض بجلوسه ووقف فاتحًا  ذراعيه ليستقبل والدته قائلاً: -مامي، تعالي إقعدي جنبي واسمعي معايا  الحدوتة اللي عمو فؤاد بيحكيها لي، دي حلوة قوي.

أقبلت على الصغير واحتضنته لتتحدث بهدوء: -إنتَ إيه اللي مسهرك للوقت المتأخر ده، المفروض تكون نايم من ساعة

أمال رأسهُ ليستدعي تعاطفها وهو يقول: -عمو فؤاد بيحكي لي حدوتة حلوة قوي،  تعالي إنتِ كمان إسمعيها، وبعدين أنا عندي أجازة بكرة، يعني هصحى من النوم  براحتي.

تطلعت إلى ذاك الحبيب الغاضب من حديثها المهين له في الصباح، تعلم أنها  تمادت معهُ بالحديث وقبل أن تعرضهُ للإهانة هي أيضًا أهانت حالها لذا فهي  غاضبة أيضاً من حالها، لكنها بالوقت ذاته غاضبة منه ولم تستطع تلك المرة أن  تغض البصر عن رفضه لطلب زيارتها لقبر غاليها، لم تكن هي فقط الغاضبة  فبمجرد ما تلاقت عينيها بخاصته سحبها على الفور ليثبتها بمكانٍ أخر، تنهدت  بألم لتخرج من شرودها على صوت الصغير الذي عاد وارتمى بأحضان فؤاد لينطق:  -تعالي بقى يا مامي.

ابتلعت لعابها ثم جلست وتمددت بجوار صغيرها ليعود فؤاد بقص الحكاية تحت  استمتاع الصغير الذي اندمج لأبعد حد وبات يسأل ويستفسر عن شخصية السندباد  وبالمقابل كان يجيبه بكل أريحية وثقافة لتوسيع أفاق الطفل، بعد قليل غفى  يوسف على ذراع فؤاد ليقوم بهدوء سحبه وتسحب من جواره بعدما دثره جيدًا تحت  الغطاء بعناية مما جعل قلب إيثار ينتفض من شدة تأثرها، فتح الباب وتحرك  لغرفتهما، مالت على صغيرها وقبلت جبهته بحنان ثم لحقت بزوجها لتلج إلى  الحجرة وجدته يقف أمام مرآة الزينة واضعًا يديه بجيب بنطاله وعلى وجههِ  حديثًا يريد من يفسح له المجال ليخرج كي يزيل من ذاك الثقل الطابق على  أنفاسه.

طالعته بحيرة لتسألهُ بعدما شعرت بحدوث شئٍ، فتلك هي المرة الاولى التي  يذهب بها إلى غرفة الصغير ليلاً، دائمًا ما يهتم به بالأسفل أمام الجميع:  -هو فيه إيه يا فؤاد؟

تطلع على إنعكاس صورتها وتحدث بجدية: -طلعت البنهاوي إتقبض عليه في سوهاج  وهو بيخرج مقبرة فرعونية وبيسلمها لناس برة مصر علشان يهربوها.

ابتلعت لعابها ليتابع بنفس الجمود: -الرجالة اللي كانت بتحفر إعترفوا  إنهم تبع عمرو وطلعت كمان إعترف عليه، ده غير التسجيلات اللي سجلتها الشرطة  بأمر من النائب العام شخصيًا.

شهقت ووضعت كفها فوق فمها ليستدير لها واسترسل وهو مقابلاً لها: -الشرطة هاجمت بيت عمرو اللي كان خاطفك فيه وللأسف قدر يهرب منهم

هُنا لم تستطع الصمود لتنطق بهلعٍ ظهر بعينيها: -هرب إزاي وفين؟

واسترسلت وهي تهز رأسها بهيستيريا وكأن أصابها مسًا شيطاني: -يبقى أكيد هيحاول يأذينا، هيحاول يخطفني تاني أنا وإبني

واسترسلت: -يوسف مش لازم يخرج برة البيت لحد ما يتقبض عليه يا فؤاد.

إقترب عليها حين لاحظ حالة الهيستيريا التي أصابتها لينطق بقوة وثبات:  -إهدي وماتخافيش، يوسف أنا مأمنه كويس قوي، ولو رجالة المافيا العالمية  نفسهم حاولوا يقربوا منه مستحيل يقدروا يكسروا حصار الحماية اللي أنا  حاطتها له بنفسي.

واسترسل وهو يلومها بعينيه: -وطبعًا أمان سيادتك متوقف على خطواتك،  ياريت ما تتصرفيش من غير علمي علشان ما تعرضيش نفسك وتعرضينا كلنا للأذى.

شعرت بوخزة بقلبها مع هطول دموعها الحارة التي هبطت حزنًا وهلعًا على  الصغير، تحرك إلى الفراش ورفع الغطاء ليشير لها بأن تتسطح فنفذت أوامره  بطاعة وبدون أي اعتراض، قامت بالتسطح ليدثرها جيدًا وخلع عنه كنزته ليظهر  أمامها عاريًا جذابًا للغاية، أمسك بجهاز التحكم في الإضاءة عن بُعد ليقوم  بغلقها إلا من إضاءة خافتة باللون الأزرق وتمدد على ظهرهِ فوق الفراش  واضعًا ذراعه الأيمن تحت رأسه يدقق النظر بسقف الحجرة بنظراتٍ ثاقبة حادة  كنظرات الصقر، يفكر في ذاك الحقير الذي هرب ليأخذ معه راحة البال والسكينة،  تنهد بصوتٍ عالي استمعت له تلك التي تتطلع عليه والخوف والهلعُ ينهشان  قلبها، كانت تتوقع منه أن يأخذها بين أحضانه ويقوم بتدليلها وطمأنتها كما  المعتاد أو هكذا تمنت، لكنه طاح بأمانيها بتجاهله التام لها، وهذا ما أثار  جنونها، فبرغم ارتعابها من هروب ذاك الحقير لكن يظل شغلها الشاغل وأكثر  إهتماماتها هو ذاك الحبيب الرائع التي تفتقد حنانه منذ الصباح، ليته يفهم  ويشعر ما تعانيه من شعورها بالاشتياق الجارف لفقيدها الحبيب والدها، وأيضًا  شعورها الدائم بالخزي كونها وحيدة طيلة الوقت أمام عائلة زوجها عريقة  الأصل، كم تمنت أن تكون صلتها بعائلتها قوية ومترابطة كي تقوم بزيارتها  بمنزل العائلة عل ذاك الشعور المرير يزول وينتهي، ناهيك عن التقلبات  المزاجية التي هاجمتها نتيجة إختلاف الهرمونات الخاصة بحملها بتوأمها  المنتظر.

تطلعت إليه بحنين وتنهدت بصوتٍ مرتفع كي يصل له ويفرد لها ذراعه يدعوها  لتسكن ملاذها لكنهُ باغتها بتجاهله حيث استدار وتمدد على جنبه ليعطيها  ظهرهُ مما جعلها تشعر بالإهانة، تألم قلبها بقوة لاحتياجها الشديد له  خصوصًا بهكذا ظروف، باتت تتقلب بالفراش وهو يشعر بتقلباتها ويستمع لأصوات  تنهيداتها التي تدل على عدم راحتها، لكنه تحكم في قلبه العاشق وارتدى قناع  القوة والتجاهل كي يعطيها درسًا قاسيًا يحثها على التفكير بعمق في المستقبل  قبل التفوه بكلمة أو تصرف يقلب الموازين رأسًا على عقب، ظل كلاهما يتقلبان  بالفراش دون راحة حتى غفيا بعدما أُنهك جسديهما وروحيهما من شدة الإشتياق  والعناد.

داخل أحد الملاهي الليلية المتواجدة بالعاصمة، كانت تتحرك بين  المتواجدين من السكارى بملابسها الخليعة، حيث ترتدي تنورة باللون الأسود  قصيرة للغاية وضيقة حيث تصف جميع تفاصيل منحنياتها تعتليها كنزة من اللون  الأحمر المزركش بأكمامٍ عارية وصدرٍ مفتوح يكشف أكثر مما يستر، وقفت تتطلع  بين الطاولات حتى وقعت عينيها على طاولة يجلس حولها رجلان يرتديان ثيابًا  خليجية، ابتسمت وغمزت بعينيها لأحدهم الذي رحب ورفع كأس مشروبه لأعلى كتحية  منه ودعوة لانضمامها إليهما، كادت أن تتحرك ليقطع طريقها ظهور صديقتها  الشهيرة ب نونا لتقول باستغراب: -شذي؟! إنتِ إيه اللي رجعك هنا تاني، إنتِ  مش اتجوزتي راجل متريش وبطلتي شغلانة الريكلام دي؟!

تنهدت ثم مالت على الطاولة المجاورة لها وسحبت سيجارة من عُلبة الرجل  لتميل بجسدها بعدما وضعت السيجارة بين شفتيها بإغراء: -ممكن تولع لي؟

نطق الرجل وهو يتفقدها بنظراتٍ زائغة جائعة: -الجميل يؤمر

أمسك القداحة وأشعل لها السيجارة لتعتدل وهي تجيب صديقة العمل: -إسكتي على  اللي حصل لي، لو حكت لك مش هتصدقي، هتقولي إني بحكي لك فيلم هندي.

لكزتها الفتاة بصدرها قبل أن تنطق باعتراض: -ما تنطقي يا اختي، إنتِ هتنقطيني بالكلام؟

قصت لها ما حدث لتنطق بنبرة حادة: -وقريت خبر قتله في السجن من النت زيي زي  الغريب، مكنتش أعرف أصلاً إنه اتسجن إلا لما شوفت صوره ماليه النت وكاتبين  عن فضيحة نائب مجلس الشعب اللي طلع بيتاجر في الأثار وقتل قريب مراته  علشان يفوز بكرسي المجلس.

هتفت صديقتها: -معرفتيش تقلبيه في قرشين حلوين ينفعوكِ يا بت؟!

نفثت دخان السيجارة في الهواء لتنطق بوجهٍ كاشر: -هي حتة الشقة اللي كان كاتبها بإسمي مفيش غيرها

لتتابع بسخطٍ ظهر بَينٍ على ملامحها: -الصراحة الراجل مكنش بخيل، كان  بيديني فلوس كتير وانا من خيبتي كنت بسرفها كلها، معملتش حساب للحظة إنه  ممكن يسيبني وأرجع أتحوج تاني للي يسوى واللي مايسواش

سألتها الفتاة: -طب مش هتروحي تطالبي بورثك فيه؟!

نطقت على عجالة: -إنتِ شيفاني مستغنية عن عمري، ده نصر نفسه كان بيترعب  من مراته وياما حكى لي عن جبروتها، عوزاني أروح لها وأقول لها إني ضُرتك  اللي بتدوري عليها وتعالي خدي تارك مني وبردي نارك؟!

أومأت الفتاة بتفهم، أشار لها الثري العربي كي يتعجلها لتغمز له بطرف  عينها وأطلقت ضحكتها الخليعة المشهورة بها لتنطلق صوب طاولتهم لتستمع لصوت  أحد الرجال السَكارى وهو يقوم بتحيتها: -حمدالله على السلامة يا مزة،  الكبارية نور.

قامت بتحيتهِ عن طريق ضحكتها الشهيرة وحتفهِ بقبلة في الهواء لتقترب على الرجلين قائلة: -مساء الورد يا بشوات، نورتوا مصر.

بعد مرور سبعة أيام، قضاهما ذاك الثنائي كُلٍ يتجاهل الاخر، فقد فرق  بينهما العناد وانتهى الأمر، علم من والدته أنها أصيبت بالأمس ببعض  التقلصات أثناء تواجده بالعمل مما استدعى بأن يصطحباها علام وعصمت بذاتهما  إلى الطبيبة مع وجود حراسة مشددة كي يطمئنوا عليها، واليوم عاد من عمله  متأخرًا ليتناول غدائه لحاله حيث تأخر كثيرًا عن الموعد المحدد من عصمت  والتي لم تتنازل عن كسر الروتين اليومي لمنزلها لأجل أي احد بالمنزل حتى لو  كان نجلها الغالي، خرج من باب القصر ليجدها تجلس بصحبة علام وعصمت وفريال  التي تحدثت وهي ترى شقيقها مقبلاً عليهم: -منور الدنيا يا سيادة المستشار.

وقفت وفتحت ذراعيها ليقبل عليها ويسحبها داخل أحضانه مقبلاً جبهتها تحت  استشاطة قلب تلك الحبيبة العاشقة، بدأ يمسد على ظهرها بكفه الحنون حين وجد  تعابير وجه تلك الغيورة التي اشتعلت وجنتيها بحمرة الغيرة حتى أنه شعر  بسخونة صدرها المستعير تقتحم جسده من شدتها، ياله من ماكر فقد أطال من ضمته  لشقيقته كي يزيد من لوعة نارها أكثر، ليتحدث بنبرة حنون مستغلاً وضع  شقيقته حيث لم يراها منذ يومان بسبب انشغاله بقضية هامة: -وحشتيني يا قلبي.

أجابته بنبرة تفيضُ حنانًا: -إنتَ كمان وحشتني قوي يا فؤاد

نطقت عصمت بعدما رأت مبالغة من نجليها في التعبير عن اشتياق كُلٍ منهما  للأخر: -اللي يشوف أحضانكم وكلامكم يفتكر إن ليكم شهر مشوفتوش بعض، مش  يومين.

إلتفت فريال إلى والدها لتقول بمشاكستها المعتادة: -ما تشوف الدكتورة يا سيادة المستشار، شكلها غيرانة.

ضحك الجميع على مزحتها سوى تلك التي تحرقها نار الإشتياق لأحضان رجلها  الحنون، فقد إشتاقت له حد الجنون وكم من المرات التي قررت البوح له بذاك  الإشتياق والإرتماء داخل أحضانه لكنه كان دائمًا يتجاهلها ويتعمد الابتعاد  عنها كي يعاقبها على حديثها السخيف التي نطقت به، جلس بجوارهم لينطق وهو  يخبرها بنبرة جادة بعدما رأى حزنها قد ارتسم على ملامحها: -إعملي حسابك  رايحين بكرة كفر الشيخ.

اتسعت أعين الجميع إلا علام حيث أبلغهُ نجله بالأمس، هتفت عصمت باعتراض  بعدما أبلغها علام بقصة والد وعم الصغير منذ يومين: -كفر الشيخ إيه اللي  هتروحوها في الظروف دي يا فؤاد؟!

تطلع على تلك التي نظرت عليه باستغراب لينطق بنبرة جادة: -ما تقلقيش يا ماما، أنا عامل كل إحتياطاتي.

نطقت فريال بقلبٍ مرتاب على شقيقها وزوجته وطفلاهما: -طب وجوز إيثار الأولاني اللي هربان؟!

اشتعل داخلهُ بنار الغيرة من مجرد ذكره بجوار اسم سارقة النوم من عينيه ليهتف بحدة أظهرت كم إحتراق روحه: -إسمه بابا يوسف يا فريال.

ابتلعت لعابها ليسترسل بنبرة جادة: -عرفت من مصادري إن البيه هرب برة  مصر في عبارة ووصل ل اليونان، الإنتربول المصري هيبلغ ويطالب بالقبض عليه  وترحيله لمصر بعد ما يتحكم عليه في قضية تهريب الأثار

نطق علام بنبرة خافتة: -ده لو قدروا يلاقوه يا فؤاد، هو هرب ب باسبور مزور  ولولا صورته اللي في الباسبور والكاميرات اللي لقتطه مكنش اتعرف إنه في  اليونان أصلاً.

نطق فؤاد بهدوء ظاهري عكس النار المشتعلة بداخله: -المسألة مسألة وقت  يا باشا، أنا كل اللي يهمني حاليًا إنه بعيد عن أهل بيتي، أما بخصوص القبض  عليه فدا شئ مفروغ منه

وقف لينطق بهدوء تحت صمت إيثار اللافت للأنظار: -أنا طالع أرتاح شوية، يومي كان صعب وتعبت في التحقيق، عن إذنكم.

قال كلماته وانطلق للأعلى، وقفت لتلحق بهِ لتسألها فريال: -رايحة فين يا إيثار؟

قالت بنبرة خافتة: -طالعة أطمن على فؤاد يا فريال

انسحبت لتهتف فريال بنبرة حادة: -هو حضرتك هتوافق فؤاد على الجنان ده يا بابا؟!

زفر بقوة ليقول بنبرة حازمة: -وبعدين معاكِ يا فريال، كام مرة قولت لك إن أخوكِ كبير بما فيه الكفاية ومسؤول عن تصرفاته وقراراته.

نطقت عصمت بحدة ناتجة عن هلعها على نجلها وحفيديها وزوجته: -فريال  عندها حق يا علام، فؤاد مش لازم يروح كفر الشيخ خالص، هو أخد القرار بضغط  من مراته

واسترسلت بغضبٍ من إيثار: -الأستاذة منكدة عليه بقى لها إسبوع بسبب الموضوع  ده، وللأسف، فؤاد شكل حبها لدرجة إن عشقه ليها هيكون نقطة ضعفه.

نطق بدفاعٍ مستميت عن نجله: -مش فؤاد علام اللي تحركه واحدة ست حتى لو كانت روحه فيها يا دكتورة

واسترسل بنبرة جادة: -فؤاد ما بيتحركش خطوة من غير ما يكون حاسب لها كويس  قوي، هو اتكلم مع الدكتورة إمبارح وهي اللي طلبت منه إن لو فيه حاجة  موتراها فمن الأفضل إنه ينهي الموضوع علشان التقلصات اللي بتحصل لها غلط  على الاولاد، وفؤاد عاوز يحافظ على ولاده وفي نفس الوقت البنت مش طالبة  المستحيل.

ليتابع بعقلانية وإنسانية تتأصل بداخل قلبه وشخصه النبيل: -إيثار طالبة تزور قبر بباها وده أبسط حقوقها الإنسانية

واسترسل وهو يشير بكفيه: -عاوزة تشوف أهلها وترجع لهم الأمانة اللي بباها سلمها لها قبل ما يتوفى علشان يحميها؟!

تابع بجدية: -بردوا حقها، أبشع حاجة ممكن تنكد على البني أدم حياته هو إنه يكون عليه دِين محتاج يتسدد.

نطقت عصمت ومازال موقفها لم يتغير: -كل كلامك أنا بحترمه جداً يا سيادة المستشار، وحقها فعلاً

لتسترسل بنبرة صارمة: -بس مش على حساب أمان إبني وأحفادي، إنتَ نفسك عارف  العصابة اللي الأستاذة كانت متجوزة في وسطهم وعارف شرهم ممكن يوصل لحد فين.

نطق كي يُهدئ من روعها: -يا حبيبة قلبي أنا مقدر خوفك على إبنك وولاده،  بس إوعي تنسي إن إبنك ده مستشار قد الدنيا وكلمته بتتهز لها رجالة بشنبات، ف  مفيش داعي لخوفك ده كله، وأحب أطمنك إن عيلة نصر البنهاوي إتمحت للأبد  وجبروتهم وظلمهم للناس إتقلب عليهم، وربنا خلص منهم ذنب كل اللي ظلموهم  وأولهم إيثار نفسها

ربتت فريال على كف والدها وتحدثت: -هدي نفسك يا ماما، أكيد بابا مش هيضحي بفؤاد ومراته وولاده.

تنفست وهي تهز رأسها بعدم اقتناع ورعبٍ سكن قلبها.

أما بالأعلى، خرج من باب الحمام ليجدها تقف بجوار الفراش تنتظر خروجه،  نطقت بنبرة خافتة نظرًا لخجلها من قراره: -مش لازم نروح كفر الشيخ على فكرة

اتسعت عينيه لينطق بجبينٍ مقطب: -ده بجد؟!

هزت رأسها بتأكيد لينطق بحدة أرعبتها: -ولما هو مش لازم، كان إيه لزمته النكد طول الإسبوع اللي فات يا مدام؟!

واسترسل بصياحٍ عالي أرعبها: -ولادي اللي عرضتيهم للخطر لدرجة إن  دكتورتك تطلب مني انفذ للهانم رغباتها تجنبًا للخطورة اللي ممكن تواجهم  وأخسرهم للأبد

صاح بنبرة أكثر حدة: -وش جنابك الخشب اللي مصدراهولي من يومها وكلامك السخيف وبجاحتك اللي أول مرة أشوفها كانت ليه لما هو مش لازم؟!

نطقت بتلبك لرؤيتها لثورته تلك: -فؤاد أنا

قاطعها وهو ينظر إليها بازدراء: -إنتِ إيه، إنتِ واحدة أنانية مبيهمكيش غير  نفسك وبس، أهم حاجة تعملي اللي في دماغك وتحسي باستقلاليتك ويولع  الباقيين، لا اهتميتي بخوفي عليكِ ولا شفع لي عندك حبي ليكِ ولا أي حاجة  عملتها علشان أخليكِ مبسوطة وعايشة معايا في أمان.

أشار بكفه بانفعال وألم ظهر بعينيه: -حتى أهلي اللي عاملوكِ بمنتهى  الحب والحنية سقطوا من حساباتك، وإنتِ عارفة ومتأكدة إن أمان الأولاد  ووصولهم للدنيا بسلام بقى حلم حياتهم اللي عايشين علشانه.

حالة من الصدمة أصابتها وهي تستمع لكم الإتهامات الباطلة التي انهالت  عليها من حبيبها التي اختارته ليكون رفيق دربها لنهاية العمر، صدمة لعدم  شعوره بها وتقدير ما تشعر به من ضياع، نطقت بصوتٍ خرج منها بصعوبة...

         الفصل الخامس والخمسون من هنا 

تعليقات



<>