رواية انا لها شمس الفصل الخامس والخمسون 55 والسادس والخمسون 56بقلم روز امين

      

رواية انا لها شمس الفصل الخامس والخمسون 55 والسادس والخمسون 56بقلم روز امين

 الفصل الخامس والخمسون


قاطعها وهو ينظر إليها بازدراء: -إنتِ إيه، إنتِ واحدة أنانية مبيهمكيش  غير نفسك وبس، أهم حاجة تعملي اللي في دماغك وتحسي باستقلاليتك ويولع  الباقيين، لا اهتميتي بخوفي عليكِ ولا شفع لي عندك حبي ليكِ ولا أي حاجة  عملتها علشان أخليكِ مبسوطة وعايشة معايا في أمان.

أشار بكفه بانفعال وألم ظهر بعينيه: -حتى أهلي اللي عاملوكِ بمنتهى الحب  والحنية سقطوا من حساباتك، وإنتِ عارفة ومتأكدة إن أمان الأولاد ووصولهم  للدنيا بسلام بقى حلم حياتهم اللي عايشين علشانه.

حالة من الصدمة أصابتها وهي تستمع لكم الإتهامات الباطلة التي انهالت  عليها من حبيبها التي اختارته ليكون رفيق دربها لنهاية العمر، صدمة لعدم  شعوره بها وتقدير ما تشعر به من ضياع، نطقت بصوتٍ خرج منها بصعوبة وهي  تُشير إلى حالها بذهول: -هي دي نظرتك ليا؟!

لتتابع بعينين تلتمعُ بهما قطرات الدموع التي تأبى النزول إمتثالاً لكرامتها: -أنانية وعديمة أصل وناكرة للجميل؟!

نطق بصوتٍ حاد رافضًا تحويرها لمعاني الكلمات: -أكتر حاجة بكرهها في  حياتي إن كلامي يتحور ويتقلب معناه، فبلاش تتبعي معايا الإسلوب ده لأني مش  هقبله

خرجت من بين شفتيها إبتسامة واهنة تحمل الكثير من الألم والمعاناة لتنطق  بصوتٍ واهن ضعيف كحالتها: -الكلام مش محتاج يتحور علشان يتفهم يا سيادة  المستشار، الكلام شارح نفسه وواضح جداً.

صمتت لتأخذ نفسًا عميقًا قبل أن تنطق بطاعة وخنوع: -وحاضر، هنفذ لكم  أوامركم بعد كده من غير ما أفتح بقي ولا أطالب بأي حقوق، لأني إكتشفت إني  مسلوبة الحقوق والإرادة في أي مكان بروحه، وكأن إنكتب عليا طول الوقت  الخضوع وكلمة حاضر.

حملق بها غير مستوعبًا ماتفوهت به من حماقة لينطق بحدة: -برافوا عليكِ،  قوام قلبتي التربيزة وطلعتيني الزوج الديكتاتور اللي كل همه إن أوامره  تتنفذ بدون نقاش.

شعرت بإنهاكٍ روحي وكأنها تبحر ضد التيار، فنطقت بنبرة منكسرة: - إنتَ  عاوز إيه مني يا فؤاد، عاوز إيه من واحدة لقت نفسها بين يوم وليلة محبوسة  في بيت مبتشوفش شكل الشارع غير في وجود حراسة مشددة مانعة عنها حتى الهوا،  وبعد ما كانت مسؤلة عن نفسها وسيدة قرارها أصبحت عبد طائع مش مسموح له حتى  ياخد قرار بنفسه ولا ينفذه؟!

اقترب منها على بعد خطوتين ليتوقف وأخذ ينظر لوجهها بتمعن وهو يرفع أحد  حاجبيه متعجبًا ويقول: -والوضع ده مين السبب فيه يا إيثار، مش دي ظروفك  اللي إتفرضت علينا، انا تعايشت معاها وإنتِ مش قادرة تتعايشي ولا تتأقلمي؟!

نظرت إليه بضعف وقد خارت قوتها لينطق بنبرة أظهرت كم عشقه لتلك التي ملكت القلب واستوطنت: -أنا بعمل كده علشان حمايتك إفهمي

واسترسل بايضاح: -فيه فرق بين إني أكون شخص متعنت وديكتاتور وكل اللي يهمني إن أوامري تتنفذ، وبين إني خايف عليكِ إنتِ ويوسف وولادي.

نطقت وهي تُشير بسبابتها باتهامٍ صريح وكأنها لم تستمع من حديثه سوى  الكلمةِ الأخيرة: -أيوا، هنا بقى القصة كلها يا سيادة المستشار، ولادك،  ولادك اللي إنتَ مرعوب عليهم وعامل عليا حصار بسببهم وصل لإنك تدخل بنوعيات  الأكل اللي باكله.

-ولادي أنا لسه مشفتهومش، جملة قالها بنبرة عاتبة ونظراتٍ لائمة ليتابع  بتذكير: -ولو ترجعي بذاكرتك لأول ما اتجوزنا هتلاقي معاملتي ليكِ محصلش  فيها أي تغيير، خوفي عليكِ وحرصي على حمايتك وأمانك إنتِ ويوسف كان من أهم  أولوياتي من أول يوم دخلتوا فيه البيت ده

واسترسل متهمًا إياها: -بس إنتِ مش بتشوفي غير اللي إنتِ عاوزة تشوفيه وبس.

تبادلت الإتهامات بينهما لتنطق بصوتٍ يدل على احتراق قلبها: -وإنتَ يا  فؤاد حاسس بيا؟ حاسس باللي بمر بيه وبوجعي، أنا عايشة في بيتك ليا أكتر من  خمس شهور مفيش مخلوق من أهلي دخل عليا في يوم، طول الوقت حاسة بالخجل منك  ومن أهلك

هتف بقوة يسألها بصرامة: -وأمتى أنا ولا أهلي حسسناكِ بده، إمتى فرق معانا موضوع أهلك وزيارتهم ليكِ؟!

هتفت بحدة وقد فكت الحصار عن دموعها الحبيسة وسمحت لها بعدما فقدت  السيطرة لتنطلق بقوة أغرقت وجنتيها وهي تقول: -حتى لو مش دي طريقة تفكيركم  والموضوع مش فارق معاكم

لتنطق بصوتٍ أظهر نزيف قلبها: -بس فارق معايا أنا قوي، شعور إني مكملة  حياتي زي الزرع الشيطاني اللي ملوش أصل شعور مُميت، عمر اللي زيك ما يحس  بيه.

نزلت كلماتها ودموعها على قلبه كمادة كاوية شديدة أحرقت وطاحت بطريقها  كل ما قابلها بعنفوان لينطق بنبرة خافتة: -أنا أهلك وجوزك وحبيبك

طالعته بألم ونظراتٍ مريرة ممزوجة باللوم قبل أن تنطق: -مش حقيقي، إنتَ كل اللي يهمك سلامة ولادك وبس.

سألها بعينين متعجبتين: -وإنتِ، ميهمكيش سلامتهم؟!

ناظرته لتصمت فابتسم نصف ابتسامة مؤلمة ثم أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول: -جهزي نفسك بكرة علشان هنقوم بدري

تطلعت عليه ثم أخذت نفسًا مطولاً قبل أن تطرق برأسها وتقول بصوتٍ واهن حزين: -قولت لك مش هروح.

هتف بقوة أرعبتها: -مش بمزاجك على فكرة، مش بعد ما جهزت كل حاجة وبلغت الحراسة وجهزت أمان العربيات تيجي بكل بساطة وتقولي مش رايحة.

أطرقت برأسها تنظر إليه بحزن لتهرول على باب الحمام تغلقه وتختبئ خلفه،  إستندت بظهرها على الباب وأطلقت العنان لدموعها فشهقت شهقة خرجت عنوةً عنها  لتصل لذاك الواقف بمكانه بين نارين، نار العشق والاشتياق وقلبه الملتاع،  ونار كلماتها الجارحة التي وصمته بها منذ ذاك اليوم المشؤوم، أغمض عينيه  بألم وبات يمسح على وجهه بكف يده عله يطفئ من لهيب قلبه المشتعل، يشعر وكأن  قدماه متسمرة بأرضها ليزفر بقوة ويقرر التوجه إليها بعدما ساقه قلبه  العاشق ليدق الباب وهو ينطق بهدوء: -إفتحي الباب يا إيثار.

انتفض جسدها حين استمعت لصوته يناديها بكل ذاك الحنان لينفطر قلبها من  شدة البكاء لينتج شهيقًا عاليًا بفضل بكائها الحار، شعرت بمقبض الباب يدار  فابتعدت ووالتهُ ظهرها ليلج إليها متحدثًا: -بطلي عياط وتعالي إرتاحي برة  علشان ماتتعبيش.

شهقة عالية خرجت منها وبدأ جسدها يهتز تأثرًا بحالة البكاء الهيستيرية  التي أصابتها لينتفض قلبهُ حزنًا عليها وما شعر بحاله وهو يهرول إليها ليقف  أمامها ممسكًا كتفيها بعناية لينطق بعينين لائمتين: -ليه ده كله، عاملة في  نفسك وفيا ليه كده؟!

ما كان منها سوى البكاء بشدة لينطق وهو يضمها بين أحضانه وما أن تلامسا  حتى انتفض جسديهما معًا، فمنذ سبعة أيام لم يقترب أحدهما من الأخر وهذا ما  جن جنون كلًا منهما، فتلك هي المرة الأولى التي يبتعدا عن بعضيهما منذ أن  إلتحمت روحيهما قبل الجسد، لم تشعر سوى وهي ترفع ذراعيها لتحاوط بهما عنقه  وكأنها كانت تنتظر الإشارة، ابتلع لعابهُ حين تلامس جلد وجنتها مع عنقه  ليشعر بانتفاضه بجميع عروقه، ود لو باستطاعته حملها بين ساعديه والتوجه بها  نحو فراشهما ليضعها فوق ساقيه ويضمها لصدرهِ حتى يُشبع روحهُ العطشة من  رائحة جسدها الذكية والنظر داخل مقلتيها الساحرة والغوص ببحريهما العميق،  لكنه الكبرياء لعنة الله عليه من منعه، شعرت بتخشب جسدهِ لتتنهد بألم، تعلم  أنهُ غاضب بل وثائر لكرامته التي دُهست تحت قدميها على حد وصفه، لكنها  تريده، تريد ضمة أحضانه الحانية التي حُرمت منها طيلة الأيام المنصرمة، لقد  أصبحت أنفاسه ترياقها وأحضانه حصنها المنيع، تريد ضمته الأن وبقوة، خرجت  من بين أحضانه لتطالعه بعينيها الباكية وهو تقول بدلالٍ أنثوي خفيف أرادت  بهِ كسر الحواجز التي بُنيت على يد العناد والكبرياء: -أنا زعلانة منك قوي.

طالع عينيها بعتابٍ قائلاً: -أنا كمان زعلان منك قوي

قالت بنبرة أكثر دلالاً عل جسده المتخشب ذاك يلين ويحتضنها بقوة: -إنتَ مش بتحبني

تنهد بشوقٍ لو خرج لفاض وتكفل بقلوب العاشقين جميعًا ثم قال بمراوغة: -أنا فعلاً مش بحبك

ليسترسل بنبرة تصرخ بأنين الهوى: -أنا بعشق كل ما فيكِ، نظرة عيونك إبتسامتك لما تكوني راضية، لمسة إيدك وهي بتطبطب عليا.

لم تنتظر أكثر لتضع كفها تتلمس به ذقنهُ النابتة التي تعشق النظر إليها  وملمسها الحنون، إرتعش جسده تأثرًا بلمستها لتنطق بعينين معتذرتين: -أنا  أسفة

نظر لأنفها الأحمر بفضل بكائها وابتسم ليقول بنبرة حنون: -وأنا كمان أسف

سحبها وخرجا ليجلس فوق الفراش وتتخذ هي من ساقيه مجلسها، ارتمت داخل أحضانه  لتضع رأسها فوق موضع قلبه، تنهدت براحة وظلت داخل أحضانه لفترة ليست  بالقليلة.

خرجت من بين أحضانه التي طالت لتسألهُ بعدما استمعت لدقات قلبهِ العالية وهي تنبض كطبول الحرب: -هو أنتَ لسه زعلان مني.

ابتلع لعابه من مظهرها المهلك لقلبهِ، فقد امتزج إحمرار وجهها السعيد  بعودتها داخل أحضانه وإحمراره السابق بفضل بكائها ليشكلا مظهرًا جعل قلبهُ  ينتفض اشتياقًا، كان يريد أن يغوص معها ببحر عشقهما ليتذوق شهدها ويذيقها  من لذة شراب العشق لكنه كان يمنع بل ويحارب ذاك الشعور كي لا يؤكد لها  إتهامها المهين لشخصه بإن كل ما يربطهما هو الإحتياج الجسدي لها وغريزته  التي تحركه، فأراد أن يثبت لها عكس ما تشعر به، هز رأسه بنفيٍ دون حديث  لتسألهُ وهي تتحسس شعر صدره الظاهر من فتحة قميصهُ: -طب ليه باعد نفسك عني.

أجابها بمراوغة يريدها أن تكشف عما بمكنونها أكثر: -باعد إزاي وأنا واخدك في حُضني

شعرت بالخجل يعتري روحها لتميل برأسها تنظر للأسفل ثم تحدثت بنبرة حزينة: -إنتَ زعلان من الكلام اللي أنا قولته لك، صح؟!

لم ينطق لترفع أهدابها تتطلع عليه لتتحسس ذقنه في حركة أنهت على صبره  لتنطق: -مش أنا قولت لك إني أسفة، المفروض الكلمة دي تمحي أي زعل بينا.

-تفتكري كلمة أسفة ممكن تزيل شعور الإهانة اللي حسيت بيه منك، نطقها  لائمًا ليتابع بنبرة متألمة: -إنتِ حصرتي علاقتي بيكِ في لانجري وليلة حلوة  بنقضيها مع بعض، هو ده اللي بينا من وجهة نظرك يا إيثار؟!

تعمقت بمقلتيه وبأناملها الرقيقة باتت تتحرك فوق ذقنه بطريقة إحترافية  جعلت من قلبهِ مستسلمًا لتنطق بنبرة أقرب إلى الهمس: -اللي بينا كتير قوي  يا فؤاد، اللي بينا مفيش حاجة في الدنيا ولا أي كلام يقدر يوصفه.

انتهت من كلماتها لترفع جسدها للأعلى كي تطوله وتطبع قُبلة حنون فوق  شفته السُفلى سرعان ما أثارت حواسه وانتفض لتتحول القُبلة إلى شغوفة عنيفة  ويفقد هو صبره ليقع قناع القوة الذي ارتداه لكنه لم يستطع الصمود أمام  سحرها ودلالها ليخر راكعًا راضخًا لأمر الهوى ويذوب معها.

تتمدد على جنبها فوق الفراش المخصص لها، تسند رأسها بكفها الموضوع فوق  وسادتها، شاردة بحالة أنجالها وما حدث لهما وتبكي بانهزام، فقد هاتفها حسين  وقص لها ما حدث وبأن الشرطة قامت بالحجز على منزل وسيارة عمرو وهروبه  للخارج، أبلغها أيضًا أنه يعمل بإحدى الشركات وبالكاد استطاع تأجير غرفة  يستطيع العيش بداخلها لحين إشعار أخر، ما زاد من شعورها بالمرارة هو انتشار  تلك الاخبار بالبلدة بأكملها وشماتة الناس بهم وحتى أشقائها وعائلتها  رجحوا حدوث ذلك لقتل نصر لهارون والغدر به، لم تتوقع ما حدث لعائلتها  الصغيرة حتى بأسوء كوابيسها، برغم ما اقترفه نصر بحقها إلا أنها مازالت تكن  لهُ عشقًا عميقًا داخل قلبها، فتلك ال إجلال تنطبق عليها مقولة ومن الحب  ما قتل ف لاجل الثأر لكرامتها دمرت أسرتها بالكامل، ذاك هو العشق لدى إجلال  ناصف، ولجت زوجة شقيقها المدعوة ب شريفة لتنطق بضيق وهي ترى انتحابها  المتواصل ليلاً ونهارًا منذ أن جاء بها زوجها وأسكنها بمنزلهم: -هو احنا يا  اختي مش هنخلص من الندب ده، ده حتى فال شوم على البيت واصحابه.

نطقت بحدة وهي تخفي أثر دموعها بكفيها: -سبيني في حالي يا ولية واطلعي برة.

شهقت الأخرى لتنطق باستهجان: -ولولو عليكِ ساعة وسكتوا يا بعيدة، هي مين دي اللي ولية؟

اتسعت عيني إجلال واحتدت ملامحها لتمتلؤ بالقسوة وهي تعتدل سريعًا لتهتف بقوة: -إنتِ بتكلميني أنا كده يا بت؟!

تعمقت الاخرى وهي تتشفى بمظهرها المذبهل، فقد أتت لها الفرصة ويجب أن  تغتنمها جيدًا، فكم من المرات التي أُهينت بها وتم تصغيرها على يد تلك  المتجبرة، والان هو وقت الحصاد والإنتقام، هتفت بنبرة حادة وهي تقوم  بإهانتها: -أكلمك وأكلم اللي يتشدد لك كمان، فوقي وإوعي لنفسك يا إجلال،  لتكوني فاكرة نفسك لسه قوية زي الأول.

استشاط داخلها من تعدي تلك الحقيرة عليها بتلك الطريقة المهينة: -إنتِ  اللي لازم تفوقي لنفسك وتعرفي مقامك في البيت ده يا شريفة، أنا إجلال بنت  الحاج ناصف، ستهم اللي مهما حصل هفضل ستهم

واسترسلت بابتسامة خبيثة: -اتمتعي باليومين اللي أنا قاعدة فيهم في اوضتي  حزينة، علشان لما أفوق وأطلع لك من الاوضة دي، مش هتبقي ست البيت زي ما  أنتِ متعودة، هتبقي الخدامة بتاعتي، فاهمة يا بت.

اقتربت عليها لتهتف بفحيحٍ كالأفعى: -ده في أحلامك يا إجلال، إنتِ  خلاص، بقيتي منبوذة من العيلة كلها زيك زي الكلب الجربان اللي الكل بيبعد  عنه ويزقه برجليه ل يعديه، زمنك فات وانتهى خلاص يا بنت الحاج ناصف.

لتسترسل بعينين حادة كنظرات الصقر وهي تُشير بسبابتها نحو باب الغرفة:  -ولما يتفك حزنك على الخاين اللي استغفلك وراح اتجوز عليكِ بت صغيرة وتطلعي  من باب الأوضه دي، هتشوفي المعاملة الجديدة اللي تستاهلها واحدة زيك.

كانت إمرأة متجبرة متعالية لم تستثمر بحياتها وتجمع رصيدًا في قلب  أحدهم حتى يشفع لها بعد إنهيارها، بل كانت تعادي الجميع وتجبرت، هبت من  جلوسها لتُمسك ذراعها وتحاول ليه لتصرخ المرأة بقوة ومن سوء حظ إجلال ولج  شقيقها ونجله للتو من باب المنزل ليستمعا لصرخات المرأة فيهرولا ويجدا  إجلال وهي تعنفها، هرول الشاب ليقوم بتخليص والدته بالقوة وهو ينهرها:  -سيبي أمي يا عمة، إنتِ مسكاها كده ليه؟

ليهتف محمد بحدة وصرامة: -إنتِ إتجننتي يا إجلال، إيه اللي بتعمليه ده؟

نطقت وهي تحاول الهجوم عليها بشراسة والمرأة تختبئ خلف زوجها لتحتمي  به: -إنتَ أصلك مسمعتهاش بتقولي إيه يا حاج محمد، مراتك طلعت قليلة أصل

صرخت المرأة لتنطق بتزييف لما حدث: -ولا قولت لها حاجة يا اخويا، ليه وليه  داخلة بقول لها بطلي ندب وعويل في البيت أنا خايفة على راجلي وعيالي، هجمت  عليا وقالت لي هشغلك عندي خدامة.

ثار الشاب بعدما استمع لإهانة والدته ليهتف برعونة الشباب: -كلام إيه  اللي بتقوليه ده يا اما، إنتِ ست البيت ده ومحدش يجرأ يوجه لك أي إهانة حتى  لو كان مين

اتسعت عينين إجلال لتهتف بسخطٍ: -أما إنك عيل قليل الرباية صحيح، بقي بتصدق العقربة أمك وتنصفها على ستهم

-إجلال، كلمة أطلقها محمد بصوتٍ زلزل أركان المنزل بأكمله ليسترسل بنظراتٍ  حادة كطلقات الرصاص: -إحترمي نفسك وإتكلمي بأدب مع ست البيت.

جحظت عينيها لتنطق بذهول: -إنتَ كمان هتنصفها عليا يا محمد؟!

نطق بقوة وهو يحاوط كتف زوجته بذراعه: -إسمعيني كويس يا بنت أبويا،  اللي أوله شرط أخره نور، شريفة هي ست البيت وكلمتها تمشي على حريم الدار  كله، وطالما هتعيشي في بيتها يبقي تحترميها وتسمعي كلامها كمان، أنا راجل  مبحبش النكد والمشاكل في بيتي، وأكتر حاجة أكرهها هو الصوت العالي

واسترسل وهو يرمقها بازدراء: -ومن النهاردة مش عاوز اسمع شكوى من شريفة بخصوص النويح والندب على الندل اللي راح.

قال كلماته بصرامة ليخرج من الغرفة تابعه نجلهِ لتطالعها شريفة بنظراتٍ  متشفية ثم ابتسمت بتهكم لتلحق بزوجها تاركة تلك التي اشتعلت نارها لتشعر  بالقهر والعجز.

تشعر وكأن روحها عادت إليها وهي تسكن أحضان ذاك الممدد بجوارها مشددًا  عليها وكأنهُ يخشى هروبها، تتنعم بلمساته الحنون مغمضة العينين سارحة بسماء  عشقهما بعد غوصها معه بإحدى الجولات العشقية التي أنعشت روح كلًا منهما،  استفاقت على صوت حبيبها الذي نطق وهو يضم جسدها لخاصته ليقربها بقوة: -إوعي  تبعدي عني تاني

تحدثت بدلال وهي تلقي باللوم عليه: -وهو أنا كنت بعدت أولاني يا باشا.

ضحك بصوتٍ خافت ليقول من جديد: -مش فارقة مين السبب يا عمري، المهم إن اللي حصل ده ما يتكررش تاني

بطريقة مازحة أجابته: -عُلم ويُنفذ جنابك

ابتسم وتنفس بهدوء ليسألها بنبرة حنون وهو يتلاعب بخصلات شعرها بين أصابع  يده: -إيه رأيك أخلي سعاد تطلع لنا العشى هنا وناكل لوحدنا، هأكلك بأديا  وإنتِ قاعدة على حجري.

نظرت تتطلع عليه بسعادة ليسترسل كي يزيل بعض الأسباب التي تؤرقها: -ويا  ستي فيكِ تختاري الأكل على مزاجك، ومهما كان الصنف اللي هتختاريه هخليها  تعملهولك بدون نقاش

ابتسمت لتجيبهُ بهدوء: -هو أنتَ فاكرني زعلانة علشان الأكل اللي أنا ممنوعة منه يا فؤاد؟!

ضيق عينيه يتطلع عليها بحيرة لتكمل بنبرة جادة: -طول عمري وأنا أكتر  حاجة بتنرفزني وتخليني أفقد اعصابي هو الإجبار وفرض القرارات عليا، وده  اللي حصل لما عملت لي لستة بالأكل اللي لازم أكله ولستة بالممنوعات.

تنهد بهدوء ليرفع ذقنها يحثها على النظر إلى عيناه قبل أن ينطق مستفسرًا: -وهو أنا عملت كده علشان أضايقك يا حبيبي؟!

ليتابع بتذكيرها: -مش لما تعبتي من الأملاح والصديد واتحجزتي يومين في  المستشفي والدكاترة علقوا لك محاليل، كان لازم أتدخل وأعمل لستة بالاكل  علشان صحتك أولاً والاولاد ثانيًا وإلا كنا هندخل في مشاكل صحية لا حصر  لها.

ابتسمت بخفوت لتتحدث بنبرة أظهرت تشتتها هذه الفترة: -أنا أسفة، أنا  عارفة إن أنا تعبتك معايا من يوم ما عرفتني، بس كل الظروف بتضغط عليا  وبتخنقني، مش بلحق أخد نفسي من كتر الصدمات يا فؤاد

لتنطق بنبرة منكسرة: -خايفة في يوم تزهق مني ومشاكلي تكون سبب في إنك تبعد عني.

بلهفة أجابها: -أنا عمري ما أقدر أبعد عنك يا حبيبي، هو ينفع حد يبعد عن النفس اللي بيحييه؟!

رفعتها كلماته لعنان السماء لتشعر وكأن روحها تتراقصُ على أنغام كلماته ما جعلها تدفن حالها بين أحضانه تتمسح به كقطة تعشق مربيها.

تحمحم لينطق بحذرٍ خشيةً ردة فعلها: -حبيبي، عاوز أفاتحك في موضوع بس مش عاوزك تزعلي ولا تاخدي الموضوع بحساسية

ابتعدت قليلاً لتتطلع بتمعن وهي تقول: -أنا عمري ما أزعل منك يا فؤاد، قول اللي إنتَ عاوزة وتأكد إني هفهمه مهما كان

تحمحم وتحدث بهدوء: -أنا عارف إنك عانيتي كتير قوي في حياتك واتعرضتي لصدمات محدش يتحملها

قاطعته قبل أن يكمل: -قول اللي إنتَ عاوزه بدون مقدمات يا حبيبي، وأنا وعدتك إني هتفهم الوضع.

أخذ نفسًا عميقًا قبل أن ينطق بحذر: -أنا شايف إننا لو روحنا لمعالج نفسي الوضع هيكون أفضل

توقع ثورتها أو حتى تحسسها من طرحه للأمر لكنها فاجأتهُ حين تنهدت لتنطق بهدوء: -أقول لك على سر؟

أومأ بقوة ليحمسها فاسترسلت: -أنا فكرت قبل كده إني أروح لمعالج نفسي.

واسترسلت بابتسامة تتوارى بها خلف خجلها: -بس بصراحة حالتي المادية هي  اللي منعتني وقتها، المرتب كان يدوب بيكفي مصاريف المدرسة التجريبية بتاعت  يوسف وأكلنا واحتياجتنا الضرورية، بجانب مبلغ بسيط كنت بوفره ل عزة كل شهر ك  مرتب ليها.

واسترسلت بابتسامة وهي تتذكر مواقف تلك المرأة الجميلة التي ساندتها بكل  ما أوتيت من قوة: -مع إنها كانت بترفض تاخده وأنا اللي كنت بصر عليه، ولما  كنت بقصر في طلبات البيت كانت هي اللي بتجيب من مرتبها من غير ما تحسسني

واسترسلت بألم: -بس أنا كنت بعرف.

نطق بابتسامة حنون لسببين، أولهما أن يلهيها عن حساسية الامر كي لا  تخجل والثاني هو إعجابه الحقيقي بتلك ال عزة: -جميلة قوي علاقتك ب عزة  وغريبة

ابتسمت لتومي بموائمة ليتحمحم وهو يسألها: -يعني أشوف معالج كويس وأحجز لنا عنده؟!

أومأت بموافقة لينطق في محاولة منه للتخفيف عنها: -أنا كمان هحجز وهاخد  جلسات على فكره، عندي حبة كلاكيع نفسية محتاجة أزيلها من جدورها.

ضحكت ليطلق هو الأخر ضحكاته ليكملا حديثهما بأريحية بعدما أزيح ذاك  الثقل من فوق صدره، فمنذ أخر مشادة كلامية حدثت بينهما وهو يرى أن الحل  الأنسب لإزالة العراقيل التي تواجهه بعلاقته مع زوجته هو زيارتها لمعالج  نفسي كي يساعدها على تخطي ما حدث معها بالماضي والذي ترك أثرًا كبيرًا داخل  نفسها المتألمة.

داخل منزل غانم الجوهري رحمة الله عليه.

تقف منيرة ونوارة على قدمٍ وساق يعيدان ترتيب المنزل وينظفاه لاستقبال  ابنتهم الغائبة وزوجها إبن الأكابر مثلما يطلقون عليه أهل البلدة، تحدث  عزيز إلى أيهم الذي حصل على عطلة اليوم للتجهيز لاستقبال شقيقته وزوجها  الذي أخبره بالأمس أنه سيجلب إيثار لزيارة قبر أبيها ومنزل عائلتها غدًا  بيوم الجمعة العطلة الرسمية لدى الجميع: -مقولتليش يا أيهم، إيثار وجوزها  جايين البلد ليه؟!

أجاب شقيقه بهدوء: -واحدة جاية بيت أبوها هسألها جاية ليه؟!

ابتسم وجدي لينطق بما أثار حنق عزيز: -قصدك جاية بيتها يا أيهم

تطلع عليه عزيز ليقول بحدة: -قفل على السيرة دي الله يبارك لك يا وجدي، انا  كل ما افتكر المبلغ اللي معروض علينا قصاد بيع القيراط وافتكر إننا منملكش  الحق في بيع أرضنا بتركبني شياطين الجن كلها.

تنفس وجدي عاليًا لينطق لائمًا أبيه على تلك الحالة التي وضعهم  بداخلها: -الله يسامحك على اللي عملته فينا يا ابا، لولا إنه كتب ل إيثار  كل حاجة كان زمانا بيعنا القيراط واشترينا البيت اللي جارنا ووسعنا على  ولادنا.

وتطلع على المنزل بحالتهِ المتواضعة واسترسل بإشارة من كفه: -على الأقل  كان زمانا مجددين دهانات البيت والفرش بدل ما واحد زي وكيل النيابة ده  يدخل البيت بحالته دي

قاطعه أيهم حيث نطق وهو يتطلع من حوله: -وماله بيتنا يا وجدي، الحمدلله البيت نضيف وزي الفل وفرشه زي فرش بيوت كتير

ابتسم عزيز ليقول ساخرًا: -بقى بذمتك اوضة الكنب دي تليق إن الباشا ابن الأكابر يقعد فيها، على الاقل كنا اشترينا أنتريه.

انتهت منيرة من اعداد المنزل بمساعدة نوارة ونجلتاي عزيز لتجلس بهدوء،  سألها وجدي باهتمام: -جهزتوا لغدا يشرف بكره يا اما، أنا اديت فلوس لنوارة  علشان تجيب لك كل الطلبات اللي هتحتاجيها بكرة

نطقت بصوتٍ خافت ظنوا أنه وهن من تنظيف المنزل لكنهُ خجلاً من تلك المواجهة  التي لم تستعد لها بعد: -نوارة قالت لي يا ابني، وأنا نضفت تلات دكورة بط  وكام جوز حمام هحشيهم فريك بالسمنة البلدي.

نطق عزيز دون وعي منه: -إبقي إعملي لها برام رز معمر يا اما، إيثار بتحبه

صمت الجميع ليتطلع عليه شقيقاه لينطق مبررًا وكأنهُ فعل شيئًا مشينًا حين  أظهر اهتمامه بزيارة شقيقته الوحيدة: -دي بردوا ضيفة ولازم نعمل لها الاكل  اللي بتحبه.

أتت نوارة على أصواتهم لتهتف بسعادة وحماس يرجعان لتشوقها لرؤية  صديقتها الحنون: -متقلقش يا أبو غانم، ماما عاملة كل الأكل اللي إيثار كانت  بتحبه، وأيهم الله يكرمه جايب معاه من مصر حلويات وجميع أنواع الفاكهة  اللي في السوق

واشارت بكفها بنبرة حماسية: -يعني هتبقى عزومة تشرف، ولا عزومة نصر البنهاوي في زمانه اللي كان بيعملها للكبرات.

قاطعتها منيرة بحدة ترجع لتشاؤمها: -فال الله ولا فالك يا بت، قفلي على السيرة الزفت دي وقومي إعملي لنا دور شاي يظبط دماغنا

نطقت بابتسامة ووجهٍ بشوش: -من عنيا

قالتها وانطلقت لتترك خلفها زوجها وعائلته يرتبون ويستعدون لزيارة الغد.

أتى الصباح على الجميع كلٍ يحمل مشاعر مختلفة ما بين خوف وارتياب وترقب  واستغراب، وقفت تتطلع على هيأتها بانعكاس المرآة، كان مظهرها رائعًا تبدو  كملكة ذاهبة لتتويجها، فقد تبدل حالها كليًا لتبدو لمن يراها كأخرى لم  تشبهها سوى بالملامح الجميلة التي لم تختلف بعد، فقد إعتنى بها فؤاد كثيرًا  حيث سلمها لمختصون بدار أزياء عالمية كي ينتقوا ثيابها بعناية وأيضًا  خبراء الإهتمام بالبشرة والشعر لتبدوا أصغر من عمرها بعدة سنوات حيث من  يراها الان يتوقع الا يتعدى عمرها الثانية والعشرون، هكذا كانت مكافأة  ودلال ذاك العاشق ل أنثاه التي أثارت جنونهُ بجموحها واختلافها عن  الأخريات.

وضعت بعض اللمسات من زينة الوجه والإكسسوارات والحُلي اللائقة بثوبها  الناعم وحجابها الأنيق، أمسكت قنينة عطرها الفرنسي وقامت بنثره بسخاءٍ على  عنقها وثوبها لتعيدها من جديد. تناولت ساعة اليد المرصعة بحبات الألماس  هديتها الثمينة التي تلقتها من عصمت بمناسبة حملها بالتوأم لترتديها لتزيد  من أناقتها ومظهرها الجذاب، إرتدت أيضًا خاتم الزواج الذي أهداها إياه فؤاد  ليتناسب مع تلك الساعة ويكملا الاناقة، تطلعت بتمعن على ملمع الشفاة بلونه  الوردي التي وضعته ليزيد من جمالها وإشراقة ونضارة وجهها الصبوح، خرج من  غرفة ملابسهُ جاهزًا ببدلته السوداء ذات الماركة العالمية ليطلق صفيرًا  ونظراته المنبهرة تحاوطها لينطق باعجاب: -إيه الجمال والشياكة دي كلها يا  حبيبي.

تطلعت عليه وهي تبتسم بسعادة ليتابع وهو يرفع كفاه للأعلى بملاطفة: -أنا كده هغير رأيي ومش هنخرج من الجناح ده النهاردة

رفعت حاجبها لأعلى لينطق بمداعبة: -ما أحنا ما اتفقناش على إنك تبقي مثيرة قوي كده.

تحركت إليه بخطواتٍ أنثوية واثقة وكعب حذائها المرتفع يصدر صوتًا  عاليًا ليرسخ ثقتها العالية، اقتربت عليه لتضع كفيها على صدره وتقول بإغراء  مصطنع بصعوبة لشدة ارتباكها من تلك الزيارة: -أنا مينفعش غير إني أكون  حلوة ومثيرة، لأني أنا مرات فؤاد علام.

هز رأسه بثقة ليعود للخلف يميل برأسه وهو يقيمها بشمولية لينطق بنبرة هادئة: -طب إتفضلي يا حبيبة قلب فؤاد علام غيري الشوز دي حالاً

مطت شفتيها بتذمر ليتابع ساخرًا: -هي البرنسيس ناسية إنها حامل في السادس ولا إيه؟!

اقتربت عليه لتقول بعينين تلتمستين الرضا وبشفاه ممدودة بإثارة كي  تستطيع التأثير عليه: -مش ناسية ولا حاجة يا حبيبي، بس إحنا مش هنمشي علشان  ألبس شوز أرضي، إحنا هننزل من العربية جنب القبر وكذلك البيت بردو

نطق بصوتٍ هادئ: -بيبي، بلاش شغل المحلسة ده علشان أنا اللي بدعته

واسترسل بصرامة لا تقبل النقاش: -يلا إلبسي كوتش أرضي علشان ظهرك

زفرت بقوة لتقول متعللة: -مش هعرف أربط رباط الكوتش يا فؤاد.

رفع ذراعيه بطريقة مسرحية: -بسيطة

خلع عنه حلة بدلته ليلقي بها فوق الفراش ثم اختفى بداخل غرفة الأحذية  والحقائب الخاصة بها ليخرج بعد قليل حاملاً زوجًا من الأحذية الرياضية  ليسحبها نحو الفراش ويجلسها قبل أن يستند بركبتيه أرضًا تحت ساقيها ليرفعها  ويقول وهو ينزع عنها ذاك الحذاء ذو الكعب العالي: -أنا أربط لك الشوز  وأعمل لك كل حاجة تعوزها يا بابا.

برغم غضبها منه إلا أن تصرفهُ أصاب جسدها بالإرتجاف من شدة تأثرها  بحنانهِ المفرط الذي يغرقها به، ألبسها الحذاء وعقد لها ربطته بطريقة  إحترافية نالت استحسانها ليرفع بصره إليها وتحدث بغمزة جريئة من عينيه:  -فاكرة اول مرة لبستك الخلخال؟

واسترسل رافعًا قدمها ليرفع ثوبها للأعلى ويظهر جزءًا من ساقها البيضاء  ثم قربهُ من شفتيه الغليظة ليطبع قُبلة مثيرة وهو يتعمق بمقلتيها المتسعة  وصدرها الذي بات يعلو ويهبط من شدة شعورها الرائع الذي شملها من تصرف ذاك  الراقي

تحدثت بنبرة حنون وهي تتطلع عليه: -إن شاءالله بعد الولادة هعمل لك كل اللي نفسك فيه يا حبيبي.

أنزل ساقها وانتفض منتصب الظهر ليسألها وهو يساعدها على النهوض لتقابلهُ: -وحبيبة حبيبها هترقص له؟

أومأت بسعادة ليتابع بمشاكسة: -بالبدلة النبيتي؟

أومأت لتقول بتأكيد: -بالبدلة النبيتي

نفخ أوداجه بالهواء ليزفر بقوة وتحدث وهو يجذب حلته من فوق الفراش ليرتديها على عجاله: -طب يلا حالاً ننزل من هنا.

ضحكت لتقف خلفه تساعده بارتداء حلته مما أسعد قلبه ليستدير ويسلم لها  حاله لتقوم بعدل ربطة عنقه وياقة الحلة، مال عليها ليضع قبلة سريعة فوق  شفتيها ثم أشار لها بذراعه لتتأبطه وتتحرك بجواره بحبورٍ بينما يشعر هو  بالفخر من إمتلاكه لتلك الدرة المكنونة مكافأته من رب العباد جراء صبره على  الإبتلاء.

هبط الدرج بجوار تلك التي تتأبطه لينظر لهما الجميع، علام، عصمت، فريال  وأيضًا ماجد حيث اليوم العطلة الأسبوعية، ضيقت عصمت عينيها حين رأت لمعة  تسكن مقلتي نجلها، لمعة هي تعرفها جيدًا وتحفظها عن ظهر قلب، تيقنت على  الفور أن ذاك الثنائي العنيد قد تنازلا عن عنادهما وارتمى كلاهما داخل  أحضان الأخر ليرتويا وينتعشا وتزدهرُ قلوبهم، وقف علام يستقبلهما لينطق  بنبرة جادة: -خلاص نويتوا.

هزت رأسها بابتسامة لينطق زوجها الحبيب: -بإذن الله يا باشا

تحركت عصمت إليهما لتنطق وهي تربط على كتف صغيرها والقلق ينهش قلبها: -خلي بالك من نفسك ومن مراتك يا حبيبي

وتطلعت إليها بنظراتٍ لائمة نزلت على قلب إيثار زلزلتها لتقول بهدوء: -ترجعوا بالسلامة إن شاءالله.

رأت حزنًا بعينيها فارادت أن تخفف من تأثير نظراتها المرتعبة على نجلها وزوجته وأحفادها: -سلمي على ماما وإخواتك

كادت أن تتحرك لكنها أوقفتها بكفها لتنطق بنبرة خافتة: -مش عاوزاكِ تزعلي مني يا ماما

تنهدت لتنطق بنبرة صادقة فقلبها مرتعب من تلك الزيارة: -أنا مش زعلانة منك يا إيثار، أنا خايفة عليكم وعلى ولادكم.

واسترسلت بنبرة حنون: -أنا قولت لفؤاد مايخدش يوسف معاكم، بس هو كان  مقرر قبلها إنه مش هياخده علشان الولد ما يسألش على أهل بباه ونفسيته تتأثر  باللي حصل لهم.

نطقت بعينين معتذرتين لتلك الراقية التي تتفهم رعبها: -والله يا ماما  غصب عني، شوقي ل بابا الله يرحمه غلبني، ونفسي أرد أمانته قبل ما أدخل على  الولادة علشان أكون مرتاحة.

تنهدت بقوة، هي لا تنكر عليها حق زيارتها ل لحد أبيها الراحل ولا  اشتياقها لرؤية عائلتها، لكنها تخشى ما قد يكون وراء تلك الزيارة وهذا  البلد الغير أمن كما أخبرتها عزة، أومأت لها لتنطق بنبرة حنون: -ربنا  يرجعكم بالسلامة يا بنتي

إقتربت فريال على شقيقها تحتضنه بقوة وهي تقول: -خلي بالك من نفسك ومن إيثار يا حبيبي.

ليهتف علام بحدة كي ينهي ذاك المشهد الدرامي المبالغ به من زوجته  وابنته: -ما خلاص يا جماعة، ده معاه إسطول عربيات بحراسة مسلحة ولا الحرس  الجمهوري.

تطلعت عليه عصمت بنظرات لائمة لينطق وهو يربت على كفها بمؤازرة: -أنا مأمنه هناك كويس، متقلقيش

هتف ماجد وهو يربت على كف فؤاد: -زيارة موفقة يا سيادة المستشار

تسلم يا دكتور، نطقها فؤاد ليتحرك بزوجته وهو يقول: -يلا يا حبيبي

تحركا ليقاطع خروجهم عزة التي هتفت وهي تنظر إليه بنظراتٍ عاتبة: -بردوا سمعت كلامها يا سيادة المستشار، هو ده اللي اتفقنا عليه.

-خلاص يا عزة، قالها فؤاد ليكمل بنبرة حاسمة: -فات وقت الكلام ده

نطقت بنظراتٍ مترجية: -طب خدني معاك

ثم استرسلت وهي تتمسك بكف ابنتها: -عاوزة أكون معاها علشان لو حصل حاجة ما يتكاتروش عليها زي المرة اللي فاتت

احتدت ملامحه لينطق بسخطٍ أرعبها: -شكلك إتجننتي يا عزة، هما مين دول اللي  يتكاتروا عليها في وجودي، طب حد يمسها بنظرة وأنا اولع في أم البلد كلها.

نظرت الى عينيها اللامعتين بتأثر لتقول لطمئنتها: -إطمني وريحي بالك،  وبعدين مينفعش تيجي معايا وتسيبي يوسف لوحده، إنتِ ناسية إن فؤاد وداه عند  بيسان علشان ميشوفناش وإحنا ماشيين ويعرف إننا رايحين الكفر ويشبط

هزت رأسها بهدوء لينطق فؤاد بتوصية: -خلي بالك من الولد لحد ما نرجع، وإياك توقعي بلسانك وتقولي قدامه إننا سافرنا بلد بباه.

-ليه شايفني هبلة قدامك، قالتها وهي ترمقه بازدراء أثار استياءه لينطق من بين أسنانه: -يلا نخرج قبل ما ارتكب جريمة حالاً

خرج لتستقل المقعد الخلفي بجواره لتنطلق السيارة بين أسطول ذاك السيارات المليئة برجال الحراسة وأسلحتهم المرخصة.


 الفصل السادس والخمسون


شاعر مضطربة إجتاحت روحها، ما بين رهبة إرتيابٍ إشتياقٍ  وحنين، حنين لعائلتها التي لم تحصد من وجودهم بحياتها سوى الوجع والذل  وخيبة الأمل، لكنهم بالنهاية أهلها، يسيطرُ عليها شعورًا مريرًا يسكن  جوفها، كانت تتطلع من نافذة السيارة، شاردة بالطريق الزراعي التي تمر منه  للوصول إلى قريتها، شعرت بهلعٍ عندما اقتربت من ذاك الكوبري التي ستمر من  خلاله لدخول بلدتها، لاحت بمخيلتها خروجها عبرهُ بالمرة الأخيرة لها، كانت  بصحبته أيضًا بعدما انتشلها باللحظة الأخيرة من براثن هؤلاء المفترسون،  تذكرت أيضًا خروجها المهين من ذاك الكوبري وهي تحمل صغيرها على كتفها بعدما  حصلت على الخلاص من تلك الزيجة التي لم تجني منها سوى الألم والمرارة  والذل والخيانة، يبدو أن هذا الكوبري هو خلاصها الدائم، ف بكل مرة تخرج منه  هاربة تتلفت حولها من شدة الهلع لتجد الدنيا تفتح لها ذراعيها على  مصراعيهما كي تحتضنها وتطيب خاطرها وتفتح لها أبوابًا جديدة من الأمل،  بالمرة الأولى وجدت والد صديقتها حيث أوصلها إلى شركة أيمن بعد أن توسط لها  لتعمل سكيرتيرة خاصة لدى أيمن الأباصيري، والمرة الأخيرة كان العوض الأعظم  من رب الكون الله سبحانه وتعالى حيث كافأها بعائلة علام زين الدين التي  احتضنها جميع أفراد العائلة وشملوها بعطفهم هي وصغيرها البرئ، تسائل  داخلها، ترى ما الذي ينتظرني تلك المرة وهل سأخرج من ذاك الممر هاربة ك كل  مرة، أم أنني سأخرج مرفوعة الرأس وسيتغير قدري تلك المرة.

إنتفض جسدها حين شعرت بكف يدٍ يحتضن خاصتها وعلى الفور التفتت لذاك  المجاور لها بالمقعد لتجدهُ مبتسمًا وبنظراته الحنون بث لها أمانًا كي  يطمئنُ بهِ روحها، على الفور اخترقت نظراتهِ المطمأنة جدار قلبها ليهدئ من  ارتيابها، لم يخفى عليه نظراتها التي كشفت عن هلعٍ داخلها ليميل بجذعه وهو  يطمئنها بكلماته الحنون: -إهدي يا بابا، الزيارة هتعدي على خير وكل حاجة  هتبقى تمام.

كلماتٍ بسيطة لكن كان لها أثرًا هائلاً على نفسها لتومي له برأسها، شعر  ببرودة كفها لينطق بملاطفة أراد بها سحبها من تلك الحالة: -شايفة جسمك تلج  إزاي

ثم غمز بعينيه وهو يشير إلى أحضانه: -علشان تبقى تسمعي الكلام ومتخرجيش برة حضني تاني.

ابتسامة باهتة ظهرت على محياها ولعلها تشعر ببعضًا من الأمان انجرفت  وراء طلبه لتقترب وتُلقي بحالها داخل أحضانه، ألقت برأسها فوق موضع قلبه  لتستمع لدقاته المنتظمة، أما هو ف لف ساعدهُ ليضم كتفها برعاية كي يشعرها  بالإطمئنان، شعرت بقليلاً من الراحة لكن تخوفها من تلك المواجهة وهاجس  خروجها من هذه القرية بات يؤرق روحها ويزدادُ مع دخولها إلى البلدة من خلال  عبورها ذاك الكوبري.

وكأن تلك القرية هي لعنتها بالدنيا، دفنت كفها بين قميصه وحلة البدلة كي  تستمتع بدفئ صدره وباتت تتمعن بعينيها بوجوه المارة من أهل قريتها من خلف  ذاك الزجاج العازل للرؤية مُفيم توقف الناس يتطلعون بأعين متعجبة وأفواهٍ  مفتوحة على ذاك الأسطول من السيارات شديدة الفخامة بزجاجها المفيم وهيكلها  المصنع مضاد للطلقات النارية، كانت أعين المارة متمركزة على السيارات  بتمعنٍ شديد، يحاولون باستماتة اكتشاف من بالداخل، استمعت لهمساته الحنون  وهو ينطق بدلالٍ كي يشغلها ويخفف من وطأة رُعبها: -حبيبي إنتَ يا بابا.

تهيمُ روحها عشقًا حين يتغزلُ بها ويناديها بصيغة المُذكر، تشعر حينها  انها طفلتهُ التي يحرص على دلالها بكل الطرق كي ينول رضائها ويرفه عن  نفسها، تنفست براحة لتضم حالها إليه أكثر تتمسح بصدره ليهمس هو بجانب أذنها  بملاطفة أراد بها إخراجها من حالة التشتت والضياع: -بطلي شقاوة وحركات  إنتِ مش قدها، وإعملي حساب إن إحنا في الشارع وياريتنا كمان لوحدنا

واقترب أكثر ليهمس: -معانا السواق.

لكزته بصدره ليضحك برجولة ويضمها أكثر، إعتدلت بجلستها ونطقت بصوتٍ ظهر عليه التوتر: -هفرد ظهري علشان الولاد ما يتأذوش.

أومى لها برغم شعورهُ بتوترها لكنه تغاضى، ابتلعت لعابها وهي تتخطي  الشارع المتواجد به منزل أبيها لتتجه بطريقها المستقيم للوصول للمقابر  نهاية القرية، انتفض جسدها حين رأت منزل نصر البنهاوي وبناءه الشامخ والذي  يشبه قصور الأمراء، مر شريط ذكرياتها حين خرجت منه أخر مرة ذليلة مهانة  عندما حاولت الإنتحار بعدما أعادتها والدتها وعزيز رُغمًا عنها بعد خيانة  من كانت تظنُ أنه مصدر الأمان لها، اتسعت عينيها عندما اقتربت السيارة أكثر  من المنزل ووجدت البوابة الحديدية الشامخة وقد تجمعت حولها النفايات  وتُركت بأمر من عائلة ناصف كي تكون عبرة لمن اعتبر، دققت النظر على خيوط  العنكبوت التي اتخذت من البوابة بيوتًا لها بعدما هجرها أهلها وأصبح المنزل  خاويًا يحوي الحشرات وتتخذ الوطاويط منه مسكنًا، كان يتطلع بتمعنٍ على تلك  الشاردة بعينيها المذهولة ليتيقن أن ذاك هو منزل الشياطين التي كانت تسكنه  من ذي قبل، التزم الصمت كي لا يزيد الأمر سوءًا، لا تعلم لما أصاب قلبها  حزنًا لرؤيتها لذاك المنزل الشامخ على حالته المحزنة تلك، نعم فقد تجرعت  كؤؤسًا من المرار والظلم والذُل على أيادي معظم ساكني ذاك المنزل الملعون،  لكنهم بالنهاية يضلوا عائلة صغيرها وأهله، تنفست لتتطلع للأمام بعدما تخطت  المنزل، لتمضي بطريقها المستقيم بوجهة المقابر، حولت بصرها لذاك الحبيب وهي  تسألهُ باستغراب لعدم استعلام السائق عن المكان: -هو السواق عارف مكان  المقابر إزاي؟!

تطلع عليها بطرف عينيها ليبتسم بخفوت وهو ينطق بدعابة: -عيب لما تكوني مرات فؤاد علام وتسألي سؤال ساذج زي ده.

-مغرور، قالتها بمشاكسة ليبتسم ويعود بنظره للأمام يتفقد الطريق، فقد  بعث برجاله تفقدوا المكان جيدًا وقاموا بتأمينه قبل يومين، وصلا لأعلى  الجبل حيث المقابر وتوقفت السيارات عند بداية اللحود كي يتجنبوا حُرمة  المكان وقدسيته، تطلعت على لحد غاليها لينخلع قلبها حين وجدت أشقائها  الثلاث يقفون حوله يبدوا من تطلعهم على السيارات أنهم بانتظارها، توقف  السائق ليتوجه رجال الحراسة بفتح باب السيارة إلى فؤاد بعدما انتشر الرجال  ليحاوطوا السيارة حاملين أسلحتهم في حالة من التأهب وكأنهم جنودًا في حالة  حرب.

ترجل فؤاد ليقف منتصب الظهر مرتديًا نظارته الشمسية حيث ذادته وقارًا  ووسامة، أغلق زِر حلته لتكتمل شياكته ثم استدار للباب الأخر ليفتحه ويبسط  كف يده إلى زوجته الحبيبة لتضع خاصتها وتسلمهُ زمام أمرها، ساعدها على  الخروج لتقف بهيأتها الخاطفة للأنفاس وطلتها التي تُشبه الأميرات تحت نظرات  كل من بالمكان، فقد كان المكان مكتظًا بالزائرين لقبور أحبائهم حيث اليوم  هو يوم الجمعة عطلة لدى الجميع، فقد جرت العادة في تلك القُرى بزيارة  الأهالي قبور أقاربهم ليقومون بتلاوة ما تيسر من القرأن الكريم وتوزيع  الأطعمة مثل المخبوزات والفاكهة والتمور وأيضًا الأموال رحمة على أرواح من  افتقدوهم.

وقف الجميع يتطلع على تلك الجميلة إبنة قريتهم التي تحولت من إبنة غانم  الفقير وطليقة إبن نصر البنهاوي لتلك الراقية والتي ظهرت بثيابًا تظهر  مكانتها الجديدة وأسطول السيارات التابع لها وكل هولاء الرجال المسلحون،  فقد ذُهل الجميع وتشتت أذهانهم ما بين النظر لتلك الجميلة وزوجها الوسيم  وبين أسطول السيارات الفخمة، أم لهولاء الرجال ذو الأجساد الضخمة والعضلات  البارزة الدالة على القوة وكثرة التدريبات الشاقة للحصول على تلك القوة.

تحركت إيثار بصحبة زوجها ليقابلها أشقائها الثلاث يتقدمهم أيهم الذي احتضنها بحفاوة وهو يقول: -نورتي بلدك يا حبيبتي

شعرت براحة بضمة شقيقها الحنون لتسترخي بين ذراعيه فلطالما كان أيهم الأقرب  لروحها من بين أشقائها وطالما هي كانت الاقرب إليه أيضًا، ابتعدت عن  أحضانه لتجد وجدي يرحب بزوجها قائلاً وهو يصافحه باليد: -حمدالله على  السلامة يا باشا، نورتوا البلد.

أجابهُ فؤاد بنبرة جادة يرجع أسبابها لعدم تقبلهُ لهم جميعًا بعد الأذى  النفسي الذين تسببوا لحبيبته به بتصرفاتهم الخالية من الإنسانية: -متشكر  يا أستاذ وجدي.

تعجب وجدي من نطقه لاسمه فمن أين علم به وهو لم يراه سوى بذاك اليوم  المشؤوم الذي ندم عليه أشد الندم وتمنى لو عاد به الزمن من جديد ما كان  اتخذ ذاك الموقف المهين لشخصه قبل شقيقته ولكان احتواها وطمئن رعبها بعد  فقدانها للعزيز أبيهم، الجميع يتعجب اليوم بمعرفة فؤاد بتفاصيل كثيرة لكنهم  غفلوا عن وظيفته التي بحكمها تعلم أن يجمع كل المعلومات عن خصمه قبل  المواجهة وألا يخاطر ويذهب إلى مكان جديدًا عليه قبل أن يتخذ جميع  إحتياطاته الأمنية، هكذا هو فؤاد علام.

تقدم أيضًا عزيز من وقوف فؤاد ومد يده للمصافحة الحارة ليقابلها فؤاد  ببرودٍ تام مع إختراقه بنظراتٍ مبهمة أربكت عزيز وكأن ذاك الغريب يستكشف  داخله بالكامل ويحوم داخل خبايا روحه.

اقترب وجدي من شقيقته ليتطلع بعيناها وبلحظة انفطر قلبه حين وجدها تنظر  إليه بنظراتٍ مختلطة بالألم مع العتاب والملامة، انتابهُ شعورًا بالخزي  والألم والحزن العميق، خرجت منه كلمة واحدة بتلقائية دون أدنى ترتيبٍ لها:  -حقك عليا، سامحيني يا اختي.

لم تشعر سوى بدموع عينيها التي انهمرت جراء ما استمعت إليه من إعتذار  شقيقها الصريح، كلماتٍ بسيطة لكنها تحمل الكثير من المعاني لديها خاصةً مع  نظراتهِ النادمة المصحوبة بنظراتٍ تائبة، اقترب عليها ومد كفيه نحو وجهها  ليزيل قطرات دموعها التي انهمرت كشلالاتٍ تأثرًا بالحدث، جذبها ليسكنها  أحضانه تحت نظرات فؤاد المتأثرة لما يحدث، بات جسدها يهتزُ بين أحضان  شقيقها من شدة تأثرها وبكائها الحاد، نعم كان يشتاق لها وبين الحين والأخر  يشعر بحنينٍ لشقيقته الوحيدة، لكنه لم يخطر ببالهِ بأن يكون اللقاء هكذا  ويحمل كل تلك المشاعر القوية التي هزت أعماق قلبه، لم يكن الأمر بهين عليها  هي الأخرى، ف إلى الأن لم يُشفى جرحها العميق ولم تنسى ما فعلوه بها، لم  يُمحى من ذاكرتها مشهد صرخات صغيرها الهلعة وهم يجذبوها عنوةً عنها لتصعد  الدرج، عاد المشهد يتكرر بذاكرتها وكأنهُ يعاد بكل حذافيرهُ حتى صرخاتها  المستنجدة بأيهم ووجدي صارت تدوي بأذنيها كأنها حية، مشهد مؤثر جعل كل من  بالمقابر يتطلع عليهما ويشفق على حال تلك الباكية بقوة.

عادت لوعيها حين شعرت بكف زوجها الحنون يلامس كتفها وهو يهمس بنبراتٍ حنونة: -حبيبي إنتِ كويسة؟

خرجت من بين أحضان شقيقها لتجفف دموعها وهي تقول بنظراتٍ زائغة متهربة  وكأنها تخشى أن يراها أحدًا بذاك الضعف، فتحت حقيبة يدها سريعًا لتعبث بها  وتُخرج نظارتها الشمسية ذات الماركة العالمية ك كل أشيائها، على عجالة  إرتدتها ورفعت رأسها للأعلى لتجد ذاك ال عزيز وهو يقترب منها بخطواتٍ  مترددة، تعمقت بعينيه لتجد نظراته ولأول مرة خجلة، ابتلع لعابهُ وتحدث  بحنينٍ ظهر بصوته ونظراته وهو يبسط يده للمصافحة: -إزيك يا إيثار.

يا الله، ألديه قلبًا كباقي البشر كي يحن ويشتاق؟!

من أين لك ذاك الحنين يا ابن أبي، ألم تكن أنتَ سببًا في جُل معاناتي  وشقائي، كل كارثةٍ حلت بي كنت أنتَ سببًا رئيسيًا بها، من بداية إرغامي  لعودتي لمن غدر بي وخان الوعد وخالف العهد وأتي بعشيقته إلى فراش الزوجية  بكل جبروت، ألست أنت من أجبرتني على ترك تراب بلادي وجعلتني أفر إلى  المدينة هاربة من ضيق الحال حاملة على عنقي صغيري الذي لم يُكمل عامة  الثالث بعد، بعدما أمرت الجميع ووضعت خطة بتضييق الحال علىِ لدرجة أني لم  أعد أملك ثمن الحصول على إطعام صغيري بالإتفاق مع ذاك الجبروت نصر وزوجته  الشمطاء لإجباري على الرجوع ذليلة لذاك الحقير الخَائن؟!

فاقت لتنفض تلك المشاعر السلبية التي لازمتها أينما ذهبت ولكنها الأن  هاجمتها بضراوة لرؤيتها لوشوش من ظلموها وكبلوها بقيودٍ من حديد ظلت تقيدها  وتشل حركتها وكلما حاولت الصراخ والتملص والهروب لبدأ حياةٍ جديدة جذبوها  من تلك السلاسل الحديدية وأعادوها لمكانها من جديد، كانت تشعر وكأنها مكبلة  بطوقٍ من حديد يلتف حول عنقها يكاد يزهق بروحها، حتى التقت بفارسها الذي  تغير قدرها بالكامل على يده.

نظرت وهي ترفع رأسها بشموخ لتنطق بصوتٍ حاربت ليخرج قويٍ شامخ: -كويسة جداً الحمدلله

شعر بحدة طريقتها معه عكس ما تعاملت به مع شقيقاه، تيقن أنها لم تنسى الماضي بعد فهز رأسهُ لينطق بخفوت: -حمدالله على السلامة.

-الله يسلمك، قالتها وهي تنظر إليه بقوة وجمودٍ وثبات، ثم التفتت إلى  لحد والدها وعلى الفور هزة عنيفة رجت قلبها فنزلت دموعها كشلالاتٍ، مالت  برأسها تتطلع على ذاك اللحد لتجتاحها حالة من القهر كلما تخيلت جثمان  والدها يسكن داخل ذاك القبر الضيق، تذكرت نظراتهُ الحنون وهو يبتسمُ لها،  تذكرت نبرات صوته وهو يحدثها بكل لين، ما أروعه من أبٍ طالما رأتهُ بعينيها  أعظم الأباء وأشرفهم، لم تدينهُ يومًا ولم تحملهُ نتيجة ما أوت إليه بسبب  ضعفه، طالما وجدت له مبرراتٍ كثيرة ولم تحملهُ يومًا ذنبها، كادت أن تجثو  على ركبتيها كي تريح ساقيها فأمسكها فؤاد بذراعه ثم أشار لأحد الرجال  بصباعي الإبهام والوسطى مما أحدث صوت فرقعة بسيطة ليلبى الرجل طلبه الذي  فهمه بفطانته دون أن يفصح فؤاد عنه وبسرعة البرق كان يُخرج مقعدًا من شنطة  السيارة ليفرده سريعًا ويضعه أمام اللحد، ليساعد فؤاد زوجته بالجلوس مما  جعل جميع من بالمكان ينظر بإعجاب لذاك الخلوق الذي يهتم بأبسط الأشياء التي  تخص زوجته وهذا يعني مدى عشقه الهائل لها.

عادت ببصرها للحد أبيها لتتحدث بهمسٍ لداخلها: -كيف حالك أبي وكيف  أصبحت؟، ليتني أستطيع معرفة أخبارك ليطمئن قلبي عليك، أتمنى على الله أن  تكون بخير وبحالٍ أفضل مما كنت عليه بالدنيا، أعلم أنك كنت تراعي الله  وتضعه نصب عينك بجميع اعمالك وقراراتك وبرغم هذا أطلب لك الغفران والرحمة  من الله.

نزلت دموعها الحارة لتشهق وهي تحدث حالها: -لقد كنت طيب القلب طاهر  اللسان يا أبي، فوالله ما رأيتك يومًا تزم فلانًا أو تغتابُ علانًا، لقد  كنت رائعًا يا عزيز عيني، بل كنت الاروع من بين كل البشر، هكذا كانت تراك  عيناي

شهقت بقوة تحت سمع الجميع لتكمل بابتسامة خفيفة: -جئتك اليوم لأطلعك على  حالي، لكني في البداية وقبل كل شئ أريد الإعتذار منك وألتمس الغفران  لتقصيري في حق زيارتك.

مالت برأسها تلتمس العذر منه وكأنهُ أمامها ويراها وهي تقول: -لكنك  تحفظني عن ظهر قلب وتعلم أن الأمر لو كان بيدي لكنت زرتك يوميًا وتسامرت  معك واخبرتك عن حالي وكم اشتياقي لك، فعذرًا حبيبي على تقصيري الغير متعمد.

أستنشقت جرعة كبيرة من الهواء حبستها بداخل رئتيها ثم زفرتها دفعةً  واحدة قبل أن تكمل حديث نفسها مع الحبيب: -أريد أن أطمئنك على حالي، لقد  وجدته يا أبي، عثرت على فارس أحلامي ورجُلي الهمام، ذاك الذي طالما حلمت  بظهورهُ لينتشلني من وحل أل البنهاوي الذي كلما حاربت وجاهدت كي أخرج منه  أجد من يسحبني من قدمي ليعيدني إليه لأغرق بجسدي في الوحل من جديد حتى  أتاني، هو حبيبي وصديقي وأخي وكثيرًا من الأحيان يشعرني بأني طفلته وبأنه  أبي.

ابتسامة جانبية اختلطت بدموعها لتكمل حديثها: -لا تحزن عزيزي فمازلتُ  احتفظ بمكانتك المرتفعة بقلبي ولم ولن يجرؤ أحدًا بزحزحتها إنشًا واحدًا،  لكنه حقًا يشعرني بحنانك الذي افتقدته بعد رحيلك، ضمة يدهُ المربطة فوق  ظهري بحنانٍ هي بذاتها ضمتك، لمساتهُ الحنون تشبه لمساتك يا أبي.

تطلعت على ذاك الواقف بجوارها وهمست ل أبيها: -أنظر إليه وتطلع يا عزيزي، كم هو رجلاً ذو طلة بهية وهيأة شامخة.

وددتُ أيضًا أن أطمئنك على يوسف، لقد تبدل حالهُ للأفضل ألاف المرات،  لقد مَن الله عليه بعائلة حنون عوضًا عن عائلته التي افتقدها، أصبح رجلاً  صغيرًا بفضل الله ثم توجيهات ذاك الخلوق المسمى ب علام، فقد قام بتكريس  جزءًا ليس بالقليل من وقته الثمين لتعليم صغيري أشياءًا جديدة عليه وزرع  بعض القيم والاساسيات التي ستجعل منه رجلاً حكيمًا ذو أخلاق عالية.

ثم شهقت لتحدثه وهي تتحسس بطنها: -كدت أنسى يا عزيزي، لقد مَن الله  عليا وحملت بتوأم صبي وفتاة، لو مد الله في عمري سأتي بهما بعد الولادة  لأعرفك عليهما

تنهدت ثم قالت والألم يمزق داخلها: -لقد اشتقت رؤياك البهية، ابتسامتك،  نظرة عيناك التي تحمل بين طياتها حنان الدنيا بأكمله، ليتك تعود ولو ليومًا  واحدًا لارتمي بداخل أحضانك وأحتفظ برائحتك الذكية بين رأتاي ولترحل من  جديد.

رأت رجلاً يحمل بين يداه كتاب الله المصحف الشريف يتنقل به بين اللحود  ويقوم بقراءة ما تيسر من القرآن الكريم بصوتهِ العَذب مقابل بعض المال  فأشارت إليه وما أن اقترب الرجل حتى وجد تلك الدروع البشرية تقف بوجههِ  ويشهرون أسلحتهم مما دب الرعب بقلب الرجل وقلب الجميع لتنطق إيثار لزوجها:  -خليهم يسمحوا له ييجي يا حبيبي، ده قارئ وصوته حلو جداً

هز برأسه ليشير لهم بكفه مع صوته الاجش: -سيبوه.

كلمته كانت كفيلة ليفسحوا له الطريق واقترب الرجل من القبر ليجثو على  ركبتيه وبدأ بتلاوة سورة الواقعة بصوتٍ أدخل السرور على قلب فؤاد وجميع  الحضور من حلاوته، أخرجت هي الأخرى المصحف الشريف من حقيبتها الخاصة وفتحته  وبدأت بتلاوة سورة يس لما لها من فضلٍ كبير على المتوفي، قرأ أيضًا فؤاد  وأشقائها ما تيسر من السور الصغيرة، انتهت من قرائتها للسورة وانتهى الرجل  لتخرج مبلغًا من المال وأعتطه للرجل وشكرته ليشير فؤاد إلى رجلين من  الحراسة ليخرجا عدة صناديق محملة بأكياسٍ بلاستيكية من حقيبة أحد السيارات  ويوزعا منها على الحضور والمحتاجين، كانت عبارة عن بعض الخبز الكرواسون  وبعض التمور وأنواع الفاكهة، تجمع الأطفال بفرحة لأخذ حصتهم تحت سعادتها  على تلك الوجبات التي اصرت على شرائها من أموالها الخاصة التي جمعتها من  عملها في شركة أيمن ورفضت دفع فؤاد لثمنها.

إقتربت إحدى السيدات لتحدثها ولكن من خلف هؤلاء الرجال حيث يشكلون  درعًا بشريًا يمنع مرور حتى الناموسة: -إزيك يا إيثار، عاملة إيه يا بنتي

تطلعت على تلك المرأة وعلى الفور تذكرتها، لتنطق بنبرة هادئة نظرًا لتأثر  حالتها من زيارة قبر والدها للمرة الاولى منذ وفاته: -الله يسلمك يا خالتي،  الحمدلله أنا بخير.

نطقت المرأة بتأثر لقصة تلك الجميلة حيث تغنت القرية سنواتٍ بقصتها  الحزينة وتجبر عائلة نصر عليها: -ربنا نصفك وخد لك حقك من اللي ظلموكِ يا  بنتي، وزي ما خانوكِ إتخانوا، وزي ما شردوكِ بره البلد ربنا وقف لهم اللي  اقوى منهم علشان يشردهم، سبحان الله يا بنتي كل اللي اتعمل فيكِ وفي غيرك  منهم اترد عليهم بالسوء

ليرد عليها رجلاً كان يتابع الحديث: -إن ربك لبالمرصاد.

لتتحدث أخرى وكأن الجميع استغلوا تلك الفرصة ليعبروا عن شماتتهم بما  حدث لتلك العائلة التي تجبرت في الأرض واستقوى جميع أفرادها على الضعفاء  فأراد الله ان يجعل منهم عبرة لمن يعتبر: -ولا إجلال واللي حصل لها، مرمية  في بيت أخوها الحاج محمد وشريفة مراته ذلاها

لتهتف أخرى وهي تحاوط فكها بكف يدها: -ده أنا سمعت إنها بتأكلها في المطبخ مع حميدة الشغالة.

لتنطق أخرى: -اللهم لا شماتة، بس الولية دي اتجبرت وافترت على خلق الله، وربنا ميرضاش بالظُلم أبدًا.

همست إحداهن بعدما اجتمعن حول بعضهن ليصنعن دائرة: -فين إجلال تيجي  تشوف العز والابهة اللي بقت فيهم بنت غانم، دي راجعة ولا الممثلات اللي  بنشوفهم في التليفزيون، ولا لبسها، ولا جوزها باين عليه غني قوي.

هتفت أخرى بحماس: -ده وكيل نيابة قد الدنيا، عمها أحمد اللي قال كده  تالت يوم العزا بتاع أبوها، لما وقف قدام بابهم وعرف أهل البلد عليه، البت  دي أصلها غلبانة وشافت كتير في حياتها، دي حتى أمها كانت قليلة الأصل معاها  ووقفت في صف إجلال ضدها

ابتسمت إحداهُن لتنطق بتشفي: -فينه الحاج نصر ييجي يشوف، مش كان بيقول إن  اللي تطلق من عيل من عياله تحرم على صنف الرجالة كله ومفيش راجل يقدر يقرب  منها.

لتنطق أخرى: -فاكرين اللي عمله عمرو في المحامي اللي اتقدم ل إيثار بعد  طلاقها منه بسنة، ده ضربه ساعتها لحد ما كسر له رجليه وشالوا الواد من  تحتيه بالعافية، وبعدها الحاج نصر خلى حد جاب له عقد عمل في الخليج وطفشه  من البلد كلها بعد ما عمرو كان ناوي يقتله

لتنطق أخرى وهي تتعمق بنظرها إلى بطن إيثار: -شكلها حامل، بطنها كبيرة.

-أيوا حامل، وشكلها معدية الشهر السابع كمان، قالتها أخرى وظلوا هكذا يتبادلون الأحاديث فيما بينهن.

اقترب أيهم من شقيقته ومال بجزعه ليقول: -كفاية كده علشان متتعبيش يا حبيبتي ويلا علشان نروح البيت

قالها وتطلع إلى فؤاد ليسألهُ: -ولا إيه رأيك يا سيادة المستشار؟

طالعهُ بهدوء لينطق: -والله يا أيهم أنا كنت عاوز أقول كده بس سكت علشان متزعلش وتقول إني استعجلتها.

تنهدت بهدوء قبل أن تنطق: -تمام يا حبيبي، يلا بينا

وضعت كفها على تراب القبر لتحتضنه وكأنها تقوم بتوديع والدها الغالي لتقول  بصوتٍ مسموع: -مع السلامة يا حبيبي، إن شاءالله بعد الولادة هاجي لك، سواء  قومت بالسلامة هجي لك هنا، ولو ربنا أخد أمانته هنتقابل أكيد.

انتفض قلب حبيبها حين استمع لتلك الكلمات لتسري الرجفة بجسده وهو يقول بحدة: -إيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه ده؟!

تنهدت وهي توجه كفها صوبه كي يساندها لتقف ثم تحدثت وهي تنظر بعينيه: -الموت علينا حق يا حبيبي، ده الحقيقة المؤكدة في الدنيا

أشار بكفه ليجبرها على الصمت: -خلاص يا إيثار لو سمحتي، خلينا نمشي من هنا.

استقلت سيارتها هي وزوجها تحت انظار الجميع وصعد عزيز و وجدي سيارة أيهم واتجهوا نحو منزل غانم الجوهري.

بعد قليل ترجلت من السيارة وباتت تتطلع على المنزل بحنين، مشاعر  متضاربة هاجمتها من جديد، يبدوا أن شعار اليوم المرفوع هو المشاعر  المتضاربة وما بيدها لتفعل إذا كانت هذه البلدة لا تحمل لها سوى الذكريات  المؤلمة، تنهدت لتدلف بخطواتٍ ثقيلة بجوار زوجها، سبقهم عزيز لينطق بصوتٍ  حماسي: -إنتِ فين يا أم عزيز، تعالي قابلي ضيوفك.

تطلعت لجدران المنزل وأثاثه باشتياقٍ وحنين، تعجبت حين وجدت دفئًا  عجيبًا يسكن المنزل كان قد غادرهُ منذ الزمان، اشتمت روائح الطعام الذكية  نفسها التي كانت تشتمها قبل زواجها من المدعو عمر خرجت نوارة تستقبلهم  بوجهها البشوش وابتسامتها التي تدخل السرور والبهجة على القلوب لتنطق  بسعادة: -ضيوف إيه بس يا أبو غانم، دول أصحاب بيت ونورونا وشرفونا  بزيارتهم.

التفت لتطالع تلك ال نوارة لتبتسم لها وهي تفتح احضانها لاستقبالها، نطقت إيثار وهي تحتضنها: -وحشتيني قوي يا نوارة

نطقت تلك الحنون: -وإنتِ كمان وحشتيني يا إيثار، إيه الغيبة دي كلها.

ابتعدت لتنظر لزوجها وهي تشير إلى نوارة بفخر وسعادة: -دي نوارة مرات وجدي، وصاحبتي

أمال برأسهِ وهو يقول مرحبًا بابتسامة هادئة: -أهلاً وسهلاً

حيته بابتسامتها الرائعة: -أهلاً بيك يا سيادة المستشار، نورت البيت.

تطلعت لابناء شقيقاها واحتضنتهم بحفاوة لتزيل إبتسامتها حين استمعت لصوت والدتها الذي صدح وهي تنطق بترحاب: -يا أهلاً وسهلاً

اقتربت على فؤاد الذي صافحها قائلاً باحترام: -إزي حضرتك

إبتسمت وهزت رأسها وهو تقول: -الحمدلله يا ابني.

ثم حولت بصرها تتطلع على تلك المتجمدة المشاعر، فقد توقفت بسمتها فور  خروجها من الداخل، فقد تكرر بذاكرتها المشهد التي اجبرتها به على الصعود  للدرج وحبستها بالغرفة بعدما انتزعت صغيرها من بين أحضانها بدون رحمة،  استمعت لصرخاتها الحية وهي تستنجد بها وتتوسلها بأن تتركها وصغيرها ليرحلون  بسلام، تذكرت جمود قلبها القاسي وهي تحدثها وتخبرها كم هي أنانية ولا  تكترثُ سوى لما يفيدها وفقط، كل هذا جعل من نظراتها قاسية وهي تتطلع عليها،  على الجانب الأخر كانت تنظر إليها بخزيٍ وأملٍ بالعفو، فقد بدأت مشاعر  الأمومة لديها بالتحرك حين علمت بشأن حملها ومازاد من إزالة الشوائب  العالقة بقلبها تجاه صغيرتها هي مساعدتها لشقيقها بفرصة العمل التي وفرها  زوجها له وراتبها الهائل والذي خصص منه أيهم جزءًا للمساهمة في احتياجات  المنزل، ناهيك عن شقتها الخاصة وسيارتها التي وضعتهم تحت تصرفه لتخفيف عبئ  المعيشة داخل المدينة وهذا ما جعله يوفر جميع راتبه ويقوم بادخاره كي  يساعده على دفع مقدم لشقة كي يتزوج فيها.

نظرت إليها وتحدثت بصوتٍ وعينين متأثرتين: -إزيك يا إيثار

كانت تنظر أن ترتمي بداخل أحضانها ك قبل لكنها باغتتها بردها البارد حتى أنها لم تمد يدها للمصافحة: -الحمدلله

ابتلعت المرأة لعابها من شدة الخجل وهي تراقب نظرات فؤاد المتعجبة من رد  فعل زوجته على رؤية والدتها، نظرت على بطنها المنتفخ لتتحدث من جديد كي  تكسر ذاك الحاجز: -مبروك، ربنا يتمم لك على خير وتقومي بالسلامة إنتِ  وولادك.

ردت بملامح وجه جامدة: -متشكرة

دام الصمت من الجميع بعد ذاك السلام الفاتر لينطق أيهم كي يقطع ذاك الصمت  المريب المحمل بنظراتٍ منها اللائمة ومنها الخجلة المرتبكة: -يلا يا نوارة  جهزي الغدا علشان فؤاد باشا يدوق أكلنا

قاطعته بحدة وصرامة لا تقبل النقاش: -إحنا معندناش وقت للغدا يا أيهم ولا جايين نقعد ونتضايف

واسترسلت بنبرة حازمة: -أنا جاية أتكلم معاكم خمس دقايق وماشية على طول أنا وجوزي.

تطلع عليها فؤاد بقلبٍ متأثر، يشعر بثورة مشاعرها المتأججة ما بين  غاضبة تريد الإطاحة بكل ما يقابلها كي تنفث عن غضبها العارم، تريد الصراخ  لإخراج مكنون قلبها من المشاعر السلبية الحبيسة بداخلها طيلة الأعوام  المنصرمة منذ أن كانت طفلة منبوذة بذاك المنزل، وما بين مشاعرٍ بالحنين لكل  ركنٍ بذاك المكان المرتبط به قلبها بما يحمل بمخيلتها ذكرياتها الجميلة  وأيامها التي عاشتها مع والدها الحنون، فلكل مكانٍ ذكرياته السعيدة وأيض?ا  المريرة.

نطق وجدي بقلبٍ يئنُ ألمًا لأجل شقيقته وما وصلت إليه من بغض لهم بسبب  أفعالهم السابقة وخزلانهم المتكرر لها: -خلينا نتغدا الأول وبعدها نقعد  ونتكلم في كل اللي إنتِ عوزاه

واسترسل بممازحة كي يخفف من وطأة ذاك الجو المشحون لدى الجميع: -ولا عاوزة سيادة المستشار يقول علينا بخلا.

تحدث فؤاد بنبرة هادئة مؤازرًا خليلة روحه: -خرج سيادة المستشار من  حساباتك خالص يا أستاذ وجدي، أنا موجود هنا علشان راحة إيثار، وكل اللي هي  عوزاة ويريحها أنا معاها فيه.

أخيرًا قرر عزيز الخروج عن صمته فتحدث وهو ينظر لشقيقته بنظراتٍ عاتبة:  -عيب اللي بتعمليه ده يا إيثار، إنتِ في بيت غانم الجوهري اللي كان معروف  بالكرم ومقابلة الناس الغُرب في بيته، تفتكري لو كان لسه عايش كان هيبقى  مبسوط باللي بتعمليه ده قدام جوزك؟!

دارت حول نفسها لترمقهُ بنظراتٍ مبهمة وهي تنطق بابتسامة ساخرة: -عيب!

ثم أخذت نفسًا طويلاً قبل أن تنطق بكلماتٍ ذات مغزى: -هو لو بابا عايش الله يرحمه مكنش هيبقى مبسوط بحاجات كتير قوي حصلت

خجل الجميع لفهمهم مغزى حديثها لتنطق بقوة وشموخ: -سيبك من الكلام المزوق اللي لا هيقدم ولا هيأخر وخلينا في المهم

واسترسلت بذات مغزى: -أنا عندي الكلام المفيد اللي هيريحك إنتَ واخواتك  وأمك ويبسطكم من الأخر، ويخلي نفسكم تتفتح اكتر على الغدا اللي عاملينه على  شرف حضوري أنا وجوزي.

لم يرق له حوارها مع عائلتها بتلك الحدة لعلمهِ أنها تتمزق من داخلها  مع إخراجها لكل كلمة تتفوه بها، تألم لألمها ليتحدث بهدوءٍ وهو يشير لها  إلى إحدى الارائك: -إقعدي يا إيثار، ولو حابة أخرج أستناكِ في العربية لحد  ما تخلصي كلام مع إخواتك أنا هخرج

إنتفض قلبها رُعبًا وهرولت عليه تتمسكُ بيده دون إدراكٍ لتهتف بعينين مترجيتين أثارت دهشة الجميع: -متسبنيش لوحدي معاهم.

نزلت كلماتها على قلوب الجميع لتمزقه خاصةً اشقائها الثلاث، فعوضًا من  أن يكونوا لها حصن الأمان والعون أصبحوا هم سبب هلعها وعدم شعورها بالامان  في حضرتهم بل وتستعينُ بزوجها لحمايتها منهم، إنه لمنتهى الحزن والوجع،  الأن وفقط وبعد رؤيتهم لهلع تلك الجميلة ادركوا بشاعة ما اقترفتهُ أياديهم  بحق شقيقتهم الوحيدة، أتلك هي وصية أبيهم، يا لكم الوجع والخزي الذي اقتحم  قلوبهم بدون رحمة بتلك اللحظة ليخبرهم بخستهم وندالتهم.

تألم داخله لأجلها بعدما لمح قلقها، إحتضن كف يدها بقوة لينطق وهو  يتعمق بعينيها كي يبث لها الامان ويخبرها أنه هنا، معها وبجوارها ولن  يتركها مادام حيًا: -تعالي نقعد الاول علشان ماتتعبيش، وأنا هقعد جنبك ومش  هسيبك أبدًا.

كان يتحدث وهو يتعمق بعينيها وكأنها صغيرته التي تحتاجه لتشعر بالأمان،  أومأت له بموافقة وتحركت بجواره إلى الأريكة التي أشار لها وجلست ومازالت  تحتفظُ بكفه وتتمسك به بقوة جعلت حبيبها يشعر بكم الإضطراب والهلع لذا  إقترب منها وربت على كفها بكفه الاخر ليبث بروحها الإطمئنان.

              الفصل السابع والخمسون من هنا  

تعليقات



<>