رواية انا لها شمس الفصل الثالث عشر 13 والرابع عشر 14 بقلم روز امين

     

رواية انا لها شمس الفصل الثالث عشر 13 والرابع عشر 14 بقلم روز امين


 الفصل الثالث عشر

لعينيه بريقًا إخترق جدار قلبها بسهامه النافذة ليجعل روحها هائمة  كطيرٍ سابح بسمائه الواسعة مما جعل إبتسامتها الواسعة مرتسمة على ثغرها  طيلة الطريق، فقد رحل هذا الداهي ليترك طيف عينيه يحوم حولها وكأن بهما  سحرًا جذبها لتسقط بأعماقهما وتغرق ببحرهما العميق، لم تشعر بمثل تلك  الاحاسيس المرفهة منذ زمنٍ بعيد، تنفست بانتشاء لتتوقف أمام أحد محال  الحلوى الشهير بالعاصمة والتي تتردد عليه دائمًا لجودة منتجه، انتقت إحدى  كعكات الشيكولاتة المحببة لدى صغيرها وأيضًا والدها العزيز واستقلت سيارتها  من جديد لتُدير مؤشر الراديو بعدما شعرت بحاجتها الملحة لاستماع الموسيقى،  وبالصدفة كانت غنوة لسيدة الغناء العربي السيدة أم كلثوم وكأن الغنوة تريد  إيصال رسالةً من خلالها، فكانت كلماتها تقول.
«رجعوني عنيك لأيامي اللي راحو، علموني أندم على الماضي وجراحه
اللي شفته، قبل ما تشوفك عنيا، عمر ضايع يحسبوه إزاي عليا عليا».
ظلت تستمع لكلمات الغنوة بتمعن وترددها وكأنها تستمع إليها للمرة  الأولى، شعورًا هائلاً بالراحة تملك منها، لاتعلم مصدر تلك المشاعر الحالمة  التي انتابتها مُنذ أن اقترب عليها ولفحتها رائحة عطره الرائعة، ونظرة  عيناه، آهٍ وألف آه من سحرهما، لطلتهما سحرًا وكأنهُ يُلقى بتعويذة تأثرُ  ناظريه، تنفست براحة لتتوقف أمام البناية وتترجل صاعدة بصحبة عزة حيث  هاتفتها قبل وصولها للبناية بعدة دقائق.
هتفت بسعادة ووجهٍ مشرق على غير العادة وهي تقترب من والدها ونجلها: -جبت لكم معايا تورتة شيكولاتة علشان نحتفل بوجود الحاج غانم.
ابتسم لها بطيبة ليرد بأمنية وشوقٍ ظهر بعينيه: -يسمع منك ربنا ويقدرني أزور بيته الحرام قبل ما أموت يا بنتي
-إن شاءالله ربنا يكتبها لك وتتمع بزيارته السنة دي يا بابا، نطقتها بحِنو  لتسترسل وهي تنظر إلى عزة: -يلا يا عزة هاتي الاطباق والشوك واعملي شاي  لبابا على ما أدخل أغير هدومي بسرعة
هتفت سريعًا وهي تتجه صوب المطبخ: -من عنيا.
بعد قليل كانت تجاور والدها الحنون وهي تتناول قطعة الحلوى بسعادة  بالغة لتهتف عزة بعدما لاحظت حبورها الشديد وزيادة نور وجهها: -ياريتك كنت  جيت من زمان يا عم غانم علشان أشوف ضحكة إيثار اللي منورة وشها دي.
خجلت من حديث عزة، بالطبع هي سعيدة بزيارة والدها الحنون وعودة صغيرها  بعد يومين من البُعاد المُر ليأتي ذاك الفارس ويُزيد من فيض بهجتها وتهلُل  روحها وكأن اليوم هو يوم سعدها، ابتسم غانم أيضًا وسعد لهناء صغيرته ليتنهد  بضيق بعدما مرت بطيفه مكالمة منيرة مُنذ قليل حيث هاتفته لتلح عليه بأن  يعرض على ابنته عودتها لطليقها لأجل منفعة أبنائها الذكور من نصر وأنجاله،  ليستغفر ربه بسريرته ويخرجه صوت ابنته من شروده حيث قالت على استحياء:  -ياريت يا بابا تقعد معايا هنا على طول.
هم بالحديث ليقاطعه الصغير بنبرة حادة: -إحنا اللي هنروح نعيش في البلد يا مامي
قطبت جبينها تتعجب حدة الصغير الذي أكمل بشفاهٍ ممدودة مما أوحى لشدة  استيائه: -بابي وجدو جابوا لي لبس ولعب كتير قوي، وتيتا إجلال قالت لي لما  ترجع إنتَ ومامي جدو هيجيب لك أكتر منهم.
تنفست بهدوء لعلمها بمخطط هؤلاء المعدومين للضمير والتي إنتُزعت من  قلوبهم الرحمة حيث وصل بهم الأمر إلى أن يقومون باللعب على مشاعر الصغير  دون مراعاتهم لإمكانية تأثره والاثار الجانبية التي ستؤثر بتكوين الطفل وما  سيترتب عليه فيما بعد من إضطرابات لصحته النفسية، قالت بنبرة هادئة: -إحنا  مش هينفع نسيب هنا يا حبيبي، هنا مدرستك وأصحابك وتمريناتك.
-جدو هيعمل لي كل ده هناك، وكمان هناك باكل شيكولاتة حلوة قوي، أحسن  بكتير من اللي إنتِ بتجبيها لي، وبعدين أنا لازم أروح علشان أسوق عربيتي،  كلمات نطقها بتمرد ليسترسل بعدما خفض بصره بحزنٍ: -أنا طلبت من بابا أجيبها  هنا معايا، لكن تيتا رفضت، وقالت لي هات ماما وتعالوا عيشوا هنا وكل حاجة  هتبقى معاك طول الوقت.
تبادلت النظرات مع والدها لتتنهد قائلة: -أنا مش هرجع هناك تاني يا يوسف، لو حابب تروح هناك يبقى هترجع لوحدك وتعيش من غيري.
-لا يا مامي، أنا عاوز أعيش معاكِ إنتِ وعزة، بس كمان عاوز العربية  بتاعتي، كلماتٍ قالها الصغير بحيرة لتجيبهُ بابتسامة هادئة: -خلاص يا  حبيبي، أنا هجيب لك عربية زيها
-بجد يا مامي، نطقها بحبور بعدما انتفض بجلسته لتهز رأسها بإيجاب صفق له  الصغير وانسحب للداخل بصحبة عزة، نظرت لوالدها لتقول بنبرة بائسة: -شايف يا  بابا، نصر وإجلال بيحاربوني بإبني.
صمت الأب بحزن فأي كلماتٍ من الممكن أن تُقال لتخفف من وطأة ما تشعر به  تلك المحاربة، بعد مدة ولج والدها داخل حجرة الصغير وغفى بجانبه وغفت عزة  أما هي فصنعت لحالها كوبًا من مشروب الشيكولاتة الساخنة وخرجت بالشرفة  لتبتسم تلقائيًا حين تذكرت ذا العينين كثيفة الرموش وسحريهما الخاطف، سرحت  بخيالها لبعيدٍ لمدة وبلحظة وبدون سابق إنذار هزت رأسها وكأنها تنفض تلك  الأفكار الشاذة بعدما تذكرت ماضيها المؤلم وتجربتها المريرة لتتحدث بتأنيبٍ  لحالها: -ماذا دهاكِ أيتها البلهاء، أواعيةُ أنتِ لما تقترفين من جُرمٍ  بحق حالكِ، ألم تكتفي ذُلاً واحتقارًا بعد، يبدوا أنكِ قد اشتقتي لسحل  كرامتكِ تحت حذاء أحدهم من جديد، يا لكِ من غبية عديمة التعلُم، كيف سمحتي  لحالكِ بأن تنخدعي على يد أحدهم للمرة الثانية، أنسيتي ما حدث بالماضي؟!،  كيف تسمحين لذاك المغرور اللعب على مشاعرك بغمزة حقيرة من اللعينة عيناه،  توقفي في الحال واستفيقي على حالك، انفضي من رأسكِ كل تلك الافكار اللعينة  واستعيدي توازنك من جديد، أنتِ الان إمرأة حُرة قوية فلا تسمحي إذًا لأحد  الرجال بأن يمتلك حريتك ويقيدها ويقيد معها روحك ومن جديد تفقدين على يده  كرامتك التي انتزعتيها واحتفظتي بها عنوةً عن الجميع، جُل ما يجب التفكير  به هو يوسف، يوسف وفقط هو من يستحق أن تكرسين له حياتكِ وحنانكِ وجميع ما  تحملين بقلبك من مشاعر.
نزلت دمعة مريرة من عينيها لتهمس لحالها: -يكفي ما حدث بالماضي إيثار.
لتعود بذاكرتها لما مضى
إنتباااااااااه
«عودة إلى الماضي».
ارتدت ملابسها وأعدت الحقيبة الخاصة بالصغير حيث وضعت بها بعضًا من  غياراته الداخلية والخارجية وبعض الإحتياجات الخاصة به وجلست بأريكة بهو  مسكنها الخاص والتوتر والقلق ينهشان من تفكيرها، ظلت منتظرة حتى وصلت  الساعة إلى الحادية عشر ظهرًا وهذا هو موعد ولوج إجلال لغرفتها وخلودها  للنوم، حيث أنها تفيق مبكرًا ولذا تحتاج للنوم كي يأخذ ج. سدها قِسطًا من  الراحة والدلال قبل أن يعود زوجها من الخارج، أسرعت أمام شقتها لتنظر من  أعلى الدرج وبالفعل شاهدت دخول إجلال لغرفتها لتهرول للداخل وتحمل الصغير  الغافي لتتحرك للخارج وهي تُغلق الباب بعد أن علقت الحقيبة بساعدها ونزلت  تتسحب على أطراف أصابعها، إطمأنت حين استمعت لصوت مروة وياسمين يأتي من  داخل المطبخ فتأكدت أنهما تعدان وجبة الغداء، هرولت إلى أن وصلت للباب  الخارجي وفتحته بحرصٍ شديد كي لا يُحدث صوتًا ينتبه له أهل المنزل وهرولت  بطريقها إلى منزل أبيها، وصلت خلال عشرة دقائق ودقت الباب لتفتح لها نسرين  التي تعجبت لزيارتها المفاجأة والغريبة، فمنذ زواجها وهي تُعامل ك ملكة  متوجة من قِبل عمرو الذي لا يأتي بها إلى منزل أبيها إلا بمواعيدٍ مسبقة  وعلى فترات طويلة، ويوم الزيارة تأتي وكأنها بموكب لا ينقصها سوى الحمل على  الأعناق حيث تستقل سيارة زوجها ذو الماركة العالية مرتدية أفخم الثياب  وأثمن الجواهر لتترجل من السيارة وبجوارها عمرو حاملاً صغيره عنها كي لا  يؤرقها، كانت تضع ساعدها مما حجب دخولها لتقول بنبرة باردة متعجبة: -إيثار!  إيه اللي جابك بدري كده؟!
رمقتها بنظرة حادة وهي تقول: -ممكن توسعي علشان أدخل؟
رفعت حاجبها وابعدت ذراعها وهي تلوي فاهها باستنكار لتهرول إيثار  للداخل لتقابلها منيرة التي كانت تنزل الدرج فاقتربت منها تتطلع على وجهها  باستغراب بعدما لمحت حدة ملامحها ناهيك عن جفني عينيها المنتفخة مما يوحي  لبكائها لفتراتٍ طويلة، سألتها متعجبة: -إيه اللي جايبك من وش الصبح كدة؟
رفعت رأسها تتلفت باتجاة الباب تبحث بعينيها عن عمرو لتسترسل باستغراب  بعدما وجدت نسرين قد أغلقته لتقترب تتطلع على كلتاهما: -وفين جوزك، إنتِ  جاية لوحدك يا إيثار؟
تطلعت بعينين متعجبتين وهي تتفحص ملامح هذه المرأة قاسية القلب، أي أمٍ  أنتِ وأي قلبٍ هذا الذي تحملينه بصدرك، ألم يحن ويقلق ويضطرب لرؤيتي بتلك  الحالة المزرية، ألم يشعر بما أعانيه من شعورٍ مريرٍ بالذل والإهانة، بدلاً  من أن تحملي الصغير عني لتخفيف عناء حمله تقفين وبكل جبروت تسألين عن من  تذوقتُ مرارة الالم النفسي على يده وبفضله استمعت لقذائف سُبابٍ من ذاك ال  نصر عديم الرحمة والمروئة وتلك الشمطاء زوجته، نفضت أفكارها لتأخذ نفسًا  عميقًا وهي تقول باستسلام وخنوع: -خليني اقعد وأخد نفسي الأول وبعدين إبقي  حَققي معايا براحتك.
قالت كلماتها لتتجه صوب غرفتها لتجد معالمها قد تغيرت، فقد استولت  عليها نسرين ووضعت بداخلها أشياء نجلها الكبير واتخذت منها غرفةً له، جحظت  عينيها لتسأل والدتها باستغراب: -كتب مين اللي على مكتبي دي يا ماما، وإيه  الهدوم اللي على السرير دي؟!
كانت تهم بالرد لولا تلك التي هتفت بدلاً عن والدة زوجها لتقول بحاجبٍ  مرفوع: -كتب غانم يا حبيبتي، عزيز عطى له الأوضة يذاكر وينام فيها.
-وعزيز يديها له بصفته إيه، دي أوضتي، نطقتها بحدة لتضع صغيرها الغافي  بمنتصف الفراش وتسرع مهرولة لتفتح الخزانة وهي تعبث بالاشياء: -وفين حاجتي  اللي كنت سيباها هنا، فين كُتبي وهدومي القديمة يا ماما؟!
بنبرة أشعلت روح إيثار أجابتها نسرين بكلماتٍ إستفزازية: -لمتهم في كرتونة وحطتهم في أوضة الفرن.
-حطيتي كتب لا تُقدر بثمن في أوضة الفرن؟!، لتسترسل بجنون: -ومين أصلاً سمح لك تلمسي حاجتي وتاخدي اوضتي؟!
هتفت بوقاحة: -ومن امتى اللي بتتجوز بيبقى لها أوضة يا حبيبتي، اليوم  اللي البنت بتخرج فيه من بيت أبوها بيبقى أخر يوم ليها ك صاحبة بيت، بعد  كده بتدخله ضيفة وملهاش الحق تنطق ولا تقول رأيها في حاجة، دي عوايدنا اللي  طلعنا لقيناها، مش هتيجي على أخر الزمن وتغيريها لنا
لتسترسل بعدما رمقتها بحقدٍ دفين: -ولا أنتِ فاكرة إكمنك إتعلمتي هتعملي لنفسك نظام غير الكل؟
حولت بصرها لوالدتها وهمست تسألها بذهول لصمتها المخجل: -إنتِ ساكتة ليه يا ماما، ولا يكون كلام نسرين جاي على هواكِ؟!
زفرت بقوة لتهتف وهي تسحبها من رسغها وتتحرك باتجاه حجرة المعيشة: -سيبك من الرغي الفاضي ده وتعالي إحكي لي
وصلت للأريكة الخشبية لتدفعها على الجلوس فوقها بحدة وهي تسألها: -إيه اللي جايبك الساعة دي من غير جوزك؟
اغرورقت الدموع بعينيها لتنطق بنبرة متألمة لعينين مكسورتين: -عمرو مد إيده عليا إمبارح بالليل
وبدأت تقص عليها ما حدث لتسترسل بدموعها الغزيرة بعدما انتهت من سرد جميع التفاصيل: - وأنا استغليت وجوده برة وجبت إبني وجيت.
-نهارك إسود يا بنت غانم، يعني إنتِ طالعة من غير عِلم جوزك وأهله؟!،  نطقتها بعينين تطلق شزرًا لتجحظ عيني الأخرى بعدم استيعاب وهي تسألها  بذهول: -هو ده كل اللي فارق معاكِ؟
يعني مش فارق معاكِ ضربه ليا ولا شتيمة ابوه وأمه وغلطهم في بابا؟
باغتها صوت عزيز الذي حضر سريعًا بعدما هاتفته الحرباء زوجته ليقول بصوتٍ بارد فاقدًا للنخوة: -يعني هي الشتيمة بتلزق
ليسترسل بنظراتٍ ازدرائية: -وبعدين هو الراجل يعني هيضربك كدة من الباب للطاق، تلاقيكي عملتي مصيبة من مصايبك اللي مابتخلصش.
نطق الأخيرة ليرمقها بنظراتٍ كارهة مسترسلاً بحقدٍ: -ما أنا عارفك عندية ودماغك عايزة الكسر.
كانت تستمع لهما بعيونٍ زائغة بين ذاك الحاقد وتلك الأم التي تفتقر  أدنى مفاهيم الأمومة وبين نسرين الساندة بجزعها على الباب وهي تطالعها  بنظراتٍ شامتة تقطر كرهًا وكأنها قتلت لها أعز الأشخاص وأقربهم لقلبها، أتى  والدها وشقيقاها وبدأ الجميع بتبادل الحديث ولم ينصفها أحد حتى أباها الذي  تحدث بضعفٍ وهوان: -يا بنتي المصارين في البطن بتتخانق، وده جوزك وأبو  إبنك ولازم تتحمليه وقت غضبه،.
وبالنسبة لشتيمتي أنا راضي بيها يا ستي، خرجي إنتِ نفسك من الموضوع.
نزلت كلماته على كيانها زلزلته ومنذ تلك اللحظة علمت أن حياتها أصبحت  ملكًا لنصر وإجلال وما عليها سوى الخضوع والتنازل من الأن وصاعد، انتبهت  لصوت منيرة الذي صدح بالمكان وهي تلطم فخذاها بكفيها بقوة: -يا خيبتك  القوية في بنتك الوحيدة يا منيرة، الناس هتقول عليا إيه الوقت، معرفتش أربي  حتة البت اللي حيلتي، من أول خناقة ليها في بيت جوزها خدت ابنها وهربت من  البيت.
نكست رأسها تنظر لقدميها والذهول وعدم الاستيعاب لما يحدث حولها هما  المسيطران عليها، انتبهت على صوت عزيز الذي صاح بفظاظة: -قومي هاتي إبنك من  جوة ويلا علشان اوصلك واستسمح الحاج نصر، زمانهم عرفوا بغيابك وهيخربوا  الدنيا على دماغنا بسبب ابنهم اللي خدتيه من ورا علمهم.
هزت رأسها بذهول لتنظر لوالدها بترجي: -لا يا بابا علشان خاطر ربنا، مش  عاوزة أرجع هناك الوقت، سيبني هنا حتى لو إسبوع لحد ما أحاول أنسى اللي  حصل وأعصابي ترتاح.
نظر لها بقلبٍ مفطور لأجلها وقبل أن يضعف لنظراتها المتوسلة سبقته  منيرة التي هتفت بحدة: -قومي يا بت امشي مع أخوكِ، ولا عاوزة الناس تشمت  فينا ويقولوا بنت غانم معمرتش في بيت الحاج نصر.
لوت نسرين فاهها لتهتف بكلماتٍ تقطرُ سُمًا: -أول مرة أشوف واحدة عاوزة  تخرب على نفسها، وسايبة بيت عايشة فيه زي الملكة علشان كلت لها حتة قلم،  تعالي يا اختي شوفي عزيز اخوكِ واللي بيعمله فيا.
لكزتها نوارة التي كانت تبكي تأثرًا بدموع وانهيار إيثار لتهمس لها: -بلاش تشعللي الدنيا بكلامك، هي والعة لوحدها
لترد لها لكزتها بأعنف وهي تقول: -إخرسي إنتِ يا أم قلب حنين، ولا عوزاها تيجي تكتم على نفسنا زي الأول.
تحدث أيهم إلى والده بعينين راجيتين بعدما رأى إنهيار شقيقته: -بلاش  تخلي عزيز يوديها النهاردة يا بابا، خليها قاعدة هنا يومين، هتروح إزاي وهي  بالشكل ده؟
ليصدق وجدي على حديثه قائلاً: -خليها تقعد لحد ما ييجي جوزها ياخدها بنفسه يا ابا.
هتف عزيز حسبما أخبرته الحقيرة زوجته: -وهو جوزها كان مشاها علشان ييجي  ياخدها، السِت اختك هربانة بابنها، ده نصر هيطربق الدنيا فوق دماغنا علشان  خاطر حفيده اللي الهانم خطفته، نطق كلماته وهو يرمقها بسهامٍ نارية من  مقلتيه لتهتف بدموعها الغزيرة دفاعًا عن حالها: -أنا معملتش حاجة علشان  اهرب يا عزيز، أنا اخدت إبني ومشيت من غير ما حد ياخد باله علشان ميحاولوش  يمنعوني.
-طب قومي يلا معايا وبلاش تتبطري على النعمة لتزول من خلقتك، نطق  كلماته بازدراء ليقطع حديثهم صوت دقات فوق الباب الخارجي ليصمت الجميع  حينما استمعوا إلى صوت وجدي: -تعالى يا عمرو.
شعرت بانتفاضة بجميع جسدها ولكن ليست انتفاضة عشق كالسابق، بل كانت  نفورًا واشمئزازًا مختلطًا ببعضٍ من الرُعب والارتياب، ولج لينظر لها بجمود  وغضبٍ ناتج عن حديث والداه اللذان لاماه على ضعفه مع زوجته وهذا ما جعلها  تأخذ صغيره متغاضية عن نتائج فعلتها، زفر ليتحدث إلى غانم بعدما رأى نفورها  وإشاحتها لوجهها بعيدًا عنه: -عجبك اللي عملته بنتك يا عم غانم، ينفع تاخد  ابني وتمشي من غير ما حتى تستأذن من أمي؟!
نطق غانم بصوتٍ خافت حزين لاجل ما أصاب ابنته على يده وعائلته: -والله يا ابني اللي حصل كله لا يرضيني ولا يعجب حد أبداً.
هتف عمرو متجاهلاً حديث غانم اللائم ليقول باندهاشٍ: -أنا سايب أبويا  في البيت هيتجنن علشان يوسف، إنتَ أصلك مش عارف أبويا متعلق بالواد قد إيه،  ده أول مابيرجع من برة أول حد بيسأل عليه ويشوفه هو يوسف.
واسترسل وهو يتطلع على تلك التي لا تعيره عناء النظر إليه: -قال وأنا  اللي طالع زي المغفل علشان اجيبه من الشقة، ألاقي مراتي خدته ومشيت من غير  ما تعمل لي حساب ولا كأنها متجوزة راجل.
-غلطة ومش هتتكرر تاني يا عمرو، امسحها فيا أنا يا ابني، كلماتٌ ذليلة  نطقتها الأم بخنوعٍ لينكسر على أثرها قلب تلك المتألمة ويزيد عليها عزيز  الذي نطق بما جعلها تشعر بانحطاطها ومدى تدنيها: -حقك علينا يا عمرو، أنا  كنت جايبها وجاي لكم حالاً، يعني لو اتأخرت نص ساعة بس كنت هتلاقيني عندك  بيها.
لم يعر لحديثه إهتمام لينظر لها وهو يقول بصوتٍ خافت بعدما رأى دموعها  التي تتدفق بغزارة فوق وجنتيها بصمتٍ تام منها: -قومي هاتي يوسف علشان نروح  بيتنا.
لم تنبس ببنت شفة لتستمع لصوت والدها الخانع وهو يحسها على النهوض: -قومي يا بنتي روحي مع جوزك واخزي الشيطان.
رفعت بصرها تتطلع عليه بخيبة أمل ليسحب عنها بصره سريعًا ليتلاشى سهام  نظراتها القاتلة لتستفيق على لكزة منيرة القوية وهي تهمس بصوتٍ خفيض: -قومي  امشي مع الراجل، قاعدة متصنمة كده ليه.
ابتسامة شاحبة ظهرت على محياها ليتحول وجهها لشاحبٍ كما الموتى، استمعت  لصوت صياح صغيرها الذي فاق من غفوته لتأتي به نوارة ويتناوله منها عمرو  الذي ضمه لأحضانه وبات يزيده بقبلاته الشغوفة ليقابلها الصغير بابتساماتٍ  سعيدة.
وقفت ببطيء لتنسحب للخارج دون أن تنظر لأحد مما شطر قلبي غانم وأيهم  عليها ليتحرك خلفها حاملاً صغيره، خرج من المنزل وجدها قد استقلت مقعدها  الامامي بالسيارة وهي تنظر أمامها كما الاشباح ليفتح الباب واضعًا صغيره  بأحضانها ويستدير ليستقل مقعده أمام مقود السيارة وقبل أن يتحرك اقترب عزيز  ليسلمها حقيبة الصغير وهو يهتف بقوة كي ينال بها رضى ذاك ال عمرو: -تسمعي  كلام جوزك وحماتك وتبطلي الجنان ده بدل ما اكسر لك دماغك وأربيكِ من أول  وجديد.
-خلاص يا عزيز، ملوش لازمة الكلام ده، نطقها بعدما رأي إنكسار زوجته وحالة اللاوعي التي ولجت بداخلها وكأنها منساقة للموت.
بعد قليل وصلت لمنزل نصر وولجت بساقين منساقتين لتُقابل بتجاهل تام من  نصر الجالس بتفاخر بوسط البهو ليأخذ الصغير من عمرو الذي ناولهُ إياه وبدأ  بمداعبته متجاهلاً وقوفها، لتتلقى هي سيلاً من السباب والهتاف الحاد من  إجلال وصل إلى تهديدٍ صريحٍ إذا تكررت فعلتها فستحرم من نجلها إلى الأبد  وستلقى بمنزل والدها لتبقى معلقة، لا هي زوجة ولا مطلقة، استمعت لكلامهما  المهين لتتجه صوب الدرج دون أن تنطق بحرفٍ مما جعل عمرو يتعجب لحالتها، بعد  قليل صعد لمسكنه ليبحث عنها وجدها بحجرة الصغير حيث كانت متقوقعة على  حالها متخذة وضع الجنين ليقترب منها قائلاً بعدما جاورها الفراش: -خلاص بقى  إفردي وشك، أنا مبحبش أشوفك زعلانة.
-إبعد عني وسيبني في حالي، نطقتها باستسلام ليقول بذات مغزى وهو يقترب منها ويتحس. س ظهرها بذات مغزى: -وحشتيني، وحشتيني قوي.
نطقها وكاد أن يضم جسدها إليه لتهب جالسة كمن لدغها عقرب لتقول وهي ترمقه باشمئزاز: -قولت لك إبعد عني، هو أنتَ مبتفهمش.
كانت كالفرسة الجامحة فقرر بتلك اللحظة أن يتبع نصيحة والده عندما  أخبرهُ صباح اليوم بأن المرأة حين تتمنع على زوجها وتمتنع عنه لابد من  تلقينها درسًا قاسيًا بالضرب ثم الاخذ عنوةً عنها كي تستقيم وهذا ما فعله  معها حيث صفعها بقوة وبدأ بأخذها عنوة ليتركها بعد مدة كجثة هامدة لا يتحرك  لها ساكن سوى عينيها حيث تنساب دموعها بغزارة، نظر عليها وكاد أن يضعف  إشفاقًا لما وصلت له من حالة مزرية لكنه تذكر وصية والده عن خنق قلبه وقتل  دقاته كي يحيى معها حياةً مثالية وبأنها ستصبح ك جارية له وتتسابق في  إسعاده.
بعد مرور حوالي عام، أصبحت العلاقة فاترة بين عمرو وإيثار بعدما حدث  رغم محاولاته العديدة لإصلاح ما فسد لكنها قوبلت جميعها بالصد منها وكأنها  كُسرت وانتهى الأمر، أصبحت حياتها مملة وكأنها انطفأت، باتت لا تحفظ سوى  كلمتان، نعم، وحاضر للتأكيد، أصبحت أيضاً خانعة خاضعة لجميع أوامر نصر  وإجلال التي تجبرت عليها بعد تخلي عمرو ورفع يد الحماية عنها، لتجد حالها ك  ورقة شجرة متساقطة في وسط رياحٍ عاتية حيث تحركها كيفما تشاء بلا إرادة أو  قُدرة على الاعتراض.
وقت الغروب حضرت سُمية إلى منزل نصر لتلج إلى الداخل بعدما ادخلتها  العاملة، وجدت إجلال تجلس فوق أريكتها حاملة الصغير الذي أتم عامه الثاني  وأصبح ملكًا على عرش قلبها الطاغي، هرولت عليها لتُمسك كفها تقبلهُ وتقول  بتملق وإذلال: -إزيك يا ستهم.
أهلاً، نطقتها بوجهٍ جامد لعدم راحتها لتلك الفتاة لتتحدث الاخرى متسائلة: -هي إيثار مش هنا، أنا جاية أقعد معاها شوية.
-فوق في شقتها، قالتها بجمود لتشير لها بضيق: -إطلعي لها.
هرولت الاخرى ناحية الدرج لتخرج ياسمين التي تقدمت من جلوس والدة زوجها وهي تقول: -الشاي يا ستهم.
-هو أنا مش نبهت قبل كده على اللي إسمها إيثار متدخلش البت دي هنا تاني؟، قالت الاخرى بعجالة: -حصل يا ستهم.
ولما هو حصل، كلامي ما بيتسمعش ليه يا ياسمين، ولا تكونش بنت غانم  فكراه بيت أبوها تدخل فيه اللي على كيفها، المصيبة أنها لامة علينا الوغش  اللي شبهها، ياريتها مصاحبة حد نضيف، كلمات قالتها إجلال بسخطٍ لتسترسل  بتوعد: -أما يجيني عمرو أنا ليا معاه كلام تاني.
فتحت أيثار الباب لتُفاجيء بها لتنطق باستغراب: -سُمية؟
ولجت سريعًا لتغلق الباب خلفها وهرولت للداخل لتجلس بالمقعد متجاهلة لجميع  الأصول وقواعد اللباقة لتهتف بنبرة ساخطة: -الولية اللي اسمها إجلال دي  ترعب، أنا مش عارفة إنتِ عايشة معاها في بيت واحد إزاي.
تنهدت باستسلام لتجلس بمقعدٍ مقابل لتسألها الاخرى: -طمنيني عليكِ، إتصالحتي إنتِ وعمرو؟
عرفت إنكم إتخانقتوا خناقة كبيرة من يومين.
قطبت جبينها متعجبة، بالفعل منذ يومين صفعها منذ عودته من الخارج ليلاً  بفضل تحريضه من إجلال التي طلبت منها جلي الاواني قبل صعودها لتتجاهل  الاخرى وتصعد لشدة إرهاقها وكانت تلك هي حجته بينما الأصل هو غيرته الشديدة  عليها حيث حضر إبن عمه للمنزل وصافحها وابتسمت له بمجاملة لتنسحب بعدها  للمطبخ تاركة الجلسة كي لا تُثير حنق ذاك الغيور: -وإنتِ إيه اللي عرفك إن  أنا وعمرو متخانقين؟!
-كنت برغي إمبارح في التليفون مع نسرين والكلام جاب بعضه، قالتها  باقتضاب لترد الاخرى متعجبة: -أنا ملاحظة إنك قربتي قوي من نسرين الفترة  الأخيرة.
رفعت كتفيها لتقول بلامبالاة مصطنعة: -أهو بنتسلى مع بعض في الكلام، بعوض بيها غيابك عني
لتسترسل بنبرة ملامة: -ما هو من ساعة ما اتجوزتي وأنا مش عارفة اتلم عليكِ زي الاول، مرة تحت في البيت بتشتغلي، ومرة مشغولة مع عمرو.
تنهدت لتسألها الاخرى بتلهف: -ماقولتليش، إتصالحتوا ولا لسة متخانقين.
-مش عاوزة أتكلم في الموضوع ده يا سِمية، قالتها بصوتٍ محبط لتسألها لتغيير مجرى الحديث: -حددتوا الفرح إنتِ وخطيبك ولا لسه؟
هتفت بضجر: -ولا باين له هيتعمل أصلاً.
سألتها متعجبة: -ليه بتقولي كده؟، إنتِ مش قولتي إن خطيبك هيسافر سنة وهيرجع تتجوزوا على طول.
-وأهي السنة خلصت والبيه لا حس ولا خبر، بيقولي هنستنى سنة كمان علشان  يعرف يجيب لي شبكة حلوة ويعمل فرح معقول، ثم نطقت بسخطٍ: -حسرة عليا وعلى  حظي، يوم ما اتخطب اتخطب لواحد فقري هيقضي عمره كله فالسفر علشان يدوب في  الأخر يعرف يأكلني.
بعد مرور أكثر من ساعتين قضتهما تلك الثقيلة في الثرثرة والنميمة وقفت  إيثار معتذرة علّها تشعر وتذهب كي لا تثير حفيظة إجلال أكثر: -معلش يا  سمية، مضطرة أدخل أخد شاور علشان انزل أجهز العشا مع ياسمين ومروة.
اشاحت بكف يدها لتتحدث بلامبالاة وهي تنتقي إحدى حبات ثمار التفاح لقضمها: -إدخلي يا إيثار أنا مش غريبة.
سأمت من داخلها لكنها اضطرت للدخول للحمام لتستمع سمية لفتح الباب  وتشعر بقدوم عمرو لتفك حجابها سريعًا وتتكيء بجلستها بطريقة مثيرة جعلت من  عيني عمرو متسعة بعدما رأى ساقيها التي تعمدت إظهارهما له، ابتلع لعابه  الذي سال ليتحمحم متسائلاً: -إزيك يا سمية.
إزيك إنتَ يا عمرو، سألها وهو ينظر بأرجاء الشقة بعينين زائغتين: -هي إيثار فين؟
أجابته بذات مغزى: -في الحمام بتاخد شاور، لسة داخلة حالاً، يعني قدامها كتير على ما تطلع
وقفت لتقترب منه وبدأت تداعب أزرار قميصه بأناملها وهي تنظر له بطريقة تثيره ليتحدث بصوتٍ متأثر: -وبعدين معاكِ في اللي بتعمليه ده؟
همست أمام شفتيه بعدما شبت على أطراف ساقيها كي تصل لطوله: -وبعدين  معاك إنتَ يا عمرو، لحد إمتى هتفضل مطنشني ومش حاسس بنار قلبي اللي مولعة  بحبك، بقالي شهور بلف وراك من المزرعة لجنينة المانجة لأي مكان بعرف إنك  فيه على أمل تحن عليا، وإنتَ قلبك حجر.
-يا بنت الناس قولت لك قبل كدة ألف مرة مينفعش، نطقها لتقاطعه بعينين لائمتين: -واشمعنا نفع مع شيماء بنت ام بطة، ولا هي أجمل مني؟
انتفض وابتلع لعابه ليهمس وهو يتلفت من حوله رعبًا من أن تستمع لحديثها  إيثار، فبرغم كل ما يفعل من تجاوزات ومحرمات نهى الله عنها بجميع كتبه  السماوية، إلا أنها الوحيدة التي سكنت قلبه ويشعر داخل أحضانها بالاستكانة  والدفيء والامان: -وطي حسك ل إيثار تسمعك الله يخرب بيتك، إنتِ مين اللي  قال لك على زفتة شيماء دي كمان.
أجابته بشفاه ممدودة لإثارته: -عرفت بمصادري، وعلى فكرة، أنا كان ممكن أقول ل إيثار واقلبها عليك، بس مردتش علشان بحبك.
اجابها وهو يبتعد عنها: -بصي يا بنت الناس، إنتِ بالذات مينفعش يحصل  بينا حاجة، أولاً علشان إنتِ لسة بنت وأنا مليش في العلاقات التياري، وتاني  حاجة إنتِ صاحبة مراتي.
ابتسمت بخبث لتجيبه: -الموضوع الاولاني ده ملكش فيه، أنا مخطوبة ومش  عاوزة منك أي حاجة غير إنك تبادلني حبك وبس، وبالنسبة لصاحبة مراتك دي  إعتبرني من النهاردة قطعت علاقتي بيها، ها، كدة مرضي؟
أخذ نفسًا عميقًا ليزفره لاخراج ما في صدره من اشتعال جراء قربها منه  بتلك الطريقة، لتستغل الاخرى حالته وتقترب منه تقبل شفتاه ليندمج معها  ناسيًا حاله لتكون تلك هي اولى خطوات الخيانة، ليبتعد سريًعا بعدما وعى على  حاله وهو يقول على عجالة: -امشي الوقت قبل ما إيثار تخرج من الحمام،  وتعالي لي بالليل عند الاستراحة بتاعت المزرعة، همشي الغفر وهستناكِ.
اتسعت عينيها بذهول من شدة سعادتها، فاخيرًا ستنال ما حلمت به وتمنت  طيلة ما يقارب من الاربع سنوات منذ أن وقعت عيني عمرو على صديقتها واختارها  ليطلبها للزواج دون غيرها من الفتيات، فقد أخذت عهدًا على حالها بأن توقعه  داخل شباكها لتوريطه بزيجة اخرى، وبرغم خطبتها لأخر إلا انها لم تيأس وظلت  تحاوطه بألاعيبها واليوم ستحقق أول إنتصاراتها بعدما استطاعت إيقاعه  بشباكها.
ارتدت حجابها سريعًا لتهرول للاسفل استعدادًا ليومها الذي طال إنتظاره  من تلك الرخيصة، جلس ليتنفس بعمق ليستمع لصوت باب الحمام يُفتح وتخرج منه  تلك الجميلة تلف رأسها بالمنشفة لتدخل لغرفتها سريعًا متجاهلة وجوده بعدما  بحثت بعينيها عن تلك الثقيلة لتتيقن ذهابها، انسحب خلفها وجدها تقف أمام  مِرأة الزينة تضع مادة مرطبة بوجهها وعنقها وساعداها، وقف يتحدث بنبرة  صادقة لرجلٍ متناقضٍ غريب الاطوار لا يعلم ماذا يريد من دنياه: -حقك عليا،  أخر مرة همد فيها إيدي عليكِ.
رفعت المنشفة استعدادً لتصفيف شعرها لتبتسم بمرارة وهي تقول بنبرة  إنهزامية وملامح منطفأة لإمرأة خارت قواها لكثرة حروبها الخاسرة: -سمعت  الكلام ده قبل كده كتير، أنا خلاص مبقتش بصدقك ولا بثق في كلامك.
اقترب عليها ليحتضنها من الخلف وهو يقول: -صدقيني دي أخر مرة، أنا بحبك وبغير عليكِ وإنتِ بتتعمدي تخرجي جناني من النقطة دي
ليسترسل بحنقٍ: -كام مرة نبهت عليكِ وقولت لك لما نكون قاعدين وحد من ولاد  أعمامي يدخل تطلعي على شقتك على طول، وبردوا مابتسمعيش الكلام.
أجابته ببرود: -والله أنا بنفذ كلام ستهم، اللي منعانا نطلع شققنا غير  بمواعيد وكأننا تلاميذ في مدرسة، ولو مش عاجبك الكلام روح قولها هي
لتستطرد بإبانة: -وبعدين أنا اللي عليا بعمله، وأول ما بلاقي حد جه بدخل  المطبخ، عاوزني أعمل لك إيه تاني، ولا تحب أحبس لك نفسي في قمقم علشان يعجب  عمرو بيه
تنفس مهدئاً من حاله ليجيبها بنبرة حنون: -خلاص يا حبيبتي، متزعليش، حقك عليا بقى.
تنهدت باستسلام ليحتضنها الاخر مقبلاً إياها بشغفٍ يطفيء به لهيب  اشتياقه من ابتعادها عنه لمدة يومان تحت إحباطها ونفورها الذي أصابها جراء  أفعاله التي أصبحت لا تُطاق.
بعد مرور ثلاثة أشهر
بعد أذان المغرب، كانت ليلة الحناء لإبن عمٍ له حيث توجهت جميع نساء عائلة  نصر إلى المنزل المقام به الإحتفال لمشاركتهم، أما عمرو فعاد للمنزل لأخذ  حمامًا دافئًا وتغيير ثيابه استعدادًا لاستقبال المدعوين بجانب أبناء  عائلته، اقترب من خزانة الملابس وانتقى ثيابًا داخلية لينتبه على صوت هاتفه  الذي صدح لينظر بشاشته ويزفر بضيق ثم أجاب: -عاوزة إيه يا سمية؟
-وحشتني، قالتها مع إطلاقها لضحكة خليعة مما جعل الاخر يزفر قائلاً: -إحنا مش كنا لسة مع بعض بالليل، لحقت أوحشك فين إن شاءالله
ليسترسل بعجالة: -إنجزي يا سمية خليني أغير هدومي علشان ألحق الحنة
إنتَ في البيت؟، أجابها باقتضاب: -اه، امي وإيثار وحريم البيت كلهم راحوا حنة الحريم، وابويا وطلعت وحسين عند حنة الرجالة.
-يعني إنتَ لوحدك في البيت؟، سؤال خبيث سألته ليجيبها بأنه سيشرع بأخذ  حمام أولاً ثم يرتدي ثيابه ليذهب للإحتفال، ارتدت ثوبها على عجالة واتجهت  نحو المنزل لتدخل من الباب الخلفي للحديقه ومنه للاعلى لتدق الباب على عمرو  بعدما بعثت رسالة إلى إيثار من رقم كانت قد ابتاعته إتمامًا لخطتها التي  كانت تنتظر الموعد المناسب لتنفيذها وها قد أتت لها الفرصة وقُدمت على طبقٍ  من ذهب، بعثت بالرسالة وكانت فحواها«تعالي شقتك حالاً علشان تشوفي بعنيك  اللي بيحصل من جوزك»، فتح عمرو الباب ليرتعب حين رأى سمية التي ولجت للداخل  ليغلق هو الباب سريعًا وهو يتلفت من حوله ليسألها بحدة: -إنتِ إتجننتي،  إيه اللي جايبك هنا؟
ليقوم بجذبها من رسغها متجهًا نحو الباب وهو يهتف بسخطٍ: -أخرجي قبل ما حد ييجي ويشوفك هنا وتبقى مصيبة.
تدللت عليه وبالنهاية استطاعت إغراء ذاك الضعيف الخائن ليلج معها بغرفة  نومه الخاصة بزوجته ليفعلا معًا الفاحشة على فراش الزوجية المقدس، أما  إيثار فقد إنتابتها الريبة من تلك الرسالة واتخذت قرارًا بالذهاب لكشف غموض  تلك الرسالة لتهمس إلى مروة قائلة: -مروة، عوزاكِ تيجي معايا الشقة نسيت  حاجة مهمة هناك.
بالفعل توجهتا إلى المنزل وولجت للداخل والارتياب يملأُ قلبها، فتحت  الباب ببطيءٍ لتُصدم بأصواتٍ عالية تأتي من غرفة نومها لتهتف مروة قائلة:  -هو فيه إيه يا إيثار؟ إنتِ مخبية عليا حاجة؟
لتضع يدها فوق فاهها بعدما تأكدت من مصدر الأصوات لتقول بذهول: -ده صوت عمرو، مين اللي معاه.
تصنمت بأرضها ولم تستطع الحركة لتهزها الاخرى بقوة وهي تقول: -إنتِ لسة هتتصدمي، مش وقته، إدخلي شوفي جوزك مع أنهي زبالة.
وكأن كلمات مروة أعادت لها الوعي لتقترب من الغرفة بساقين تنتفض من هول  ما هي مقبلة عليه لتمسك بمقبض الباب وتفتحه سريعًا لتُصدم بأبشع مشهد ممكن  أن تراها عينيها، زوجها، ذاك الذي أختارهُ قلبها ليدق له بعدما أخبرها  أنها من ملكت الفؤاد واستوطنت، يقوم بخيانتها ومع من، صديقة طفولتها من  كانت تظنها كأختٍ لها، فزعت وهي تشهق من هول ما رأته عينيها لتضع كفها فوق  فاهها لينتفض عمرو وهو ينظر لها بذهول، أما تلك الحية التي ادعت خجلها منها  بمداراتها لجسدها المنتهك في الحرام ليهتف عمرو وهو يسرع لعندها: -إيثار،  إستني هفهمك.
صرخت تنفض يده عنها وكأنهُ مرضًا خبيثًا سيصيبها، عاد سريعًا يتوارى  خلف الباب عندما شاهد وقوف مروة التي شهقت بذهول من مظهره المخزي لتصرخ  إيثار بعدما انتابتها حالة من الهياج، هاتفت مروة زوجها سريعًا ليأتي وأبيه  وطلعت لينقذوا الموقف، وهاتفت أيضاً والدة زوجها التي تركت الحفل لتأتي  على عجالة والرعب يتسلل لجسدها، بعد عدة دقائق كان جميع أهل المنزل بمسكن  عمرو يرمقاه هو وتلك الحقيرة باشمئزاز وتقزز ليصيح نصر بحدة: -ملقتش غير  بيتي يا وس، علشان تنجسه وتيجي تكب فيه زبالتك.
لتهتف إجلال بدفاع عن نجلها: -أهي جلبة الهانم مراته
لتلتفت لها قائلة: -مش دي اللي معتبراها صاحبتك ودخلتيها بيتي.
لتصرخ هي بجنون إمرأة ذُبحت ودُهست كرامتها تحت أقدام الخيانة: -طلقني، طلقني حالاً، أنا لا يمكن أقعد دقيقة واحدة مع واحد زيك.
-إهدي يا بنتي الموضوع مايستاهلش، وفي الآخر الشيطان شاطر وبيقدر على  التخين فينا، ثم نظر لتلك الواقفة تدعي الخجل وهو يهتف باحتقار: -إنتِ إيه  اللي موقفك لسه يا بت، غوري يلاَ وإياكِ تخطي برجلك هنا تاني، والله لو  شفتك في أي مكان يخصني لأكون قاتلك.
رفعت رأسها لتتحدث بصوتٍ قوي: -مش هينفع اخرج من هنا يا حاج نصر، لو روحت وأبويا عرف هيقتلني.
القتل للف. اجرة اللي زيك حلال، نطقها طلعت وهو يرمقها باحتقار لتهتف هي بصوتٍ قوي: -الكلام ده لو هموت لوحدي.
تطلعت لوجه نصر لتتحدث ببجاحة: -أظن يا حاج ميرضيكش إن حفيدك يتقتل معايا
لتسترسل بقوة: -أنا حامل في شهرين.
صدمة نزلت على الجميع ألجمت ألسنتهم ليهتف عمرو وهو يجذبها من رسغها  ليلقي بها خارج المسكن بعدما رأى إنهيار إيثار واهتزاز جسدها من جراء واقع  الصدمة: -إخرسي يا كذابة يا بنت الك، ، إنتِ عاوزة تلبسيني عيل مش إبني،  غوري برة مش عايز أشوف خلقتك قدامي.
هتفت بتهديد خفي: -تمام يا عمرو، أنا هستنى لما اولد وأعمل للولد تحليل  ال DNA، وساعتها هو اللي هيثبت إذا كان الولد من دمك وصلبك ولا أنا بضحك  عليك زي ما بتقول، ووقتها هتبقى مجبر تكتبه باسمك بحكم من المحكمة.
نزلت كلماتها كالصدمة على نصر، كيف له ان يواجه المجتمع بفضيحة كهذه  وأكثر ما زلزل كيانه هو إقباله على الإنتخابات، فحسم أمره سريعًا ليقول:  -سيبها يا عمرو
ليسترسل بعدما أحال بصره صوب نجله الأكبر: -وإنتَ يا طلعت، تروح لابوها  بالليل وتتفق معاه إن عمرو هيكتب كتابه عليها والدخلة الاسبوع ده، علشان  نلحق نلم الفضيحة قبل ما تبان، واهو العيل لما يتولد هنقول إنه اتولد ابن  سبعة.
جحظت عيني إجلال لتهتف صائحة وشرارات الغضب تندلع من مقلتيها وهي ترمق سمية باشمئزاز: -إنتَ شكلك إتجننت يا نصر
لتستطرد بتعالي: -مبقاش إلا الزبالة دي كمان اللي هتجيبها تعيش مع ستهم تحت سقف واحد.
زفر بقوة واجابها بانهزام: -مفيش قدامي حل تاني علشان ألحق ألم الفض. يحة قبل الانتخابات ما تبدأ يا ستهم.
واستطرد بتوصية وهو ينظر لنجله بعدما رأى استسلام زوجته للأمر الواقع:  -خلص في الموضوع بسرعة ومن غير ماحد يحس حتى أهلها يا طلعت، انا مش ناقص  شوشرة على وش الإنتخابات.
باتت تنظر على الجميع وهم يتحدثون ويقومون بترتيب الأمور دون أن يكلف  أحدًا منهم التفكير بحالها أو بمشاعرها وما أصابها من ذاك الزلزال المدمر  الذي عصف بكيانها بالكامل وحول روحها إلى كومة من الركام، جففت دموعها التي  انسابت لتتحجر دمعاتها الاخريات بمقلتيها لترفع رأسها للاعلى وهي تقول  بقوة وحزم: -المأذون اللي هيكتب كتاب إبنك على الزبالة دي يكون مطلقني  قبلها.
واسترسلت بتهديد مباشر بقوة جديدة عليها: -وإلا قسمًا بالله لاكون فضحاكم في البلد والمركز كله.
اتسعت عيني نصر ذهولاً ليهتف باكفهرار تحت ابتسامة سمية الشامتة: -إنتِ بتهدديني يا بِت، ده إنتِ شكلك اتجننتي يا بنت غانم.
صاحت بعلو صوتها: -أنا فعلاً اتجننت يوم ما وطيت راسي قدام ناس زيكم  مفيش في قلوبهم رحمة ولا عندهم ذرة إيمان وخوف من ربنا، كل اللي في  حساباتكم الخوف من الناس والفضايح، لكن خوفكم من ربنا مش داخل حساباتكم  اساساً، وشكرًا على إنك كشفت لي ورقة ضعفك علشان هلاعبك بيها بعد كده  وهيبقى اللعب على المكشوف.
اقترب ذاك الواقف بقفص المذنب ليقول بعينين مترجيتين: -إيثار، أنا لا  هتجوزها ولا هعمل أي حاجة من الهري اللي سمعتيه ده كله، أنا هاخدك إنتِ  وابني ونمشي من البلد كلها
ليسترسل بنظراتٍ متوسلة وصوتٍ ذليل وكأنه طفلٍ يخشى توهة روحه بعد رحيل والدته والإبتعاد عنها: -أهم حاجة متبعديش عني.
رمقته باشمئزاز لتهرول للاسفل تاركة الجميع وهم يتناوشون بأصواتٍ  عالية، وجدت العاملة تحمل صغيرها الصارخ لتحمله عنها وتهرول لمنزل أبيها  بعدما سمح لها نصر بالخروخ خشيةَ إحداثها لفضيحة كما هددت، وكالعادة قابلت  والدتها الخبر باللوم عليها بإدخال تلك الحية الرقطاء وتقريبها من عمرو،  وكالعادة أيضاً تعاملوا مع الوضع باستهانة والتقليل من ضخامته حتى انهم  ضغطوا عليها بعد توصيات نصر وإجلال التي تنازلت وحضرت لمنزل غانم لطلب عودة  إيثار بعدما أصيب مدللها بإكتئابٍ حاد جراء ابتعاد إيثار عنه، جذبها عزيز  وأعادها داخل سيارة طلعت عنوةً عنها لتجد نفسها تسكن بمقابل تلك الخائنة،  وما كان منها سوى الإنهيار الذي أدى إلى ذهاب عقلها بلحظة تخلت فيها عن كل  مبادئها والإيمان القوي برب العالمين ولم تدري إلا وهي تسقط داخل بركة من  الدماء بعدما ضعفت وقامت بقطع شريان معصمها لتسقط داخل إغمائة كانت ستقضي  على حياتها لولا دخول عمرو بالوقت المناسب حيث صرخ وحملها للمشفى لينقذها  الاطباء، وبعد تلك الحادثة تحول غانم لوحشٍ كاسر، فلم يعد للخنوع مكانًا  بعد ما حدث لصغيرته وكاد أن يفقدها بسبب ضعفه، لم ينتهي الوضع عند هذا الحد  فاتفقت منيرة وعزيز وأيضًا وجدي بعدما ضلله عزيز أنه يفعل هذا لأجل مصلحة  شقيقته التي خرجت من تلك الزيجة خاوية اليدين بعدما تنازلت عن جميع حقوقها  مقابل خلاصها من عمرو وكان هذا شرطًا وضعه نصر لتعجيزها علها تراجع حالها  ولكن هيهات، فكانت تريد الخلاص بأية ثمن تدفعه سوى صغيرها التي تمسكت به  بكل قوتها، بعدما ضاق بها الحال من تضييق الخناق عليها من الجميع هاتفت  صديقة لها كانت معها بالجامعة وطلبت منها البحث لها عن فرصة عمل للحصول على  أموال من خلالها تستطيع تأمين حياة كريمة لها ولطفلها، بالفعل قد وجدت لها  وظيفة سكرتيرة بشركة أيمن الأباصيري قد توسط لها أبيها حيث كان يعمل حينها  مديرًا للحسابات بالشركة، اعترض نصر وحاول عدم أخذها للصغير والذهاب به  لكنها اصرت واعادت تهديدها له بأن تفضح أمر تلك العروس الحامل، ساعدها غانم  واعطى لها مبلغًا كان يحتفظ به للزمن وسافرت إلى القاهرة بصحبة شقيقها  ايهم وهذا سهل عليه أمر الذهاب إلى جامعته.
إنتباااااااااه
إنتهى الفلاش باك بالكامل
عودة للحاضر
فاقت من ذكرياتها المريرة لتجفف وجنتيها من دموعها السائلة لتتنفس بقوة  وكأنها كانت تتخلص من آخر دموع تربطها بالماضي، تحركت للحمام لتغسل وجهها  وتتحرك باتجاه غرفة صغيرها، وجدت والدها قد ضم التختين الصغيرين لتتسع  المساحة، ابتسمت وانضمت لهما بالتخت لتجاور صغيرها المحاط بينها وبين  والدها الذي فاق على حركتها ليسألها: -فيه حاجة يا بنتي.
ابتسمت له لتضم كفه المجعد بخاصتها وهي تقول بحنين: -مفيش يا حبيبي، بس حبيت أنام في حضنك إنتَ ويوسف.
ابتسم وعاد للنوم من جديد حيث سيفيق باكرًا ليعود لقريته بعد أن اطمئن عليها.
صباح اليوم التالي
ولج لمكتب رئيسه ليُطلعه على ما تم باجتماعه بالأمس ب رجُلي الأعمال أيمن  الأباصيري وصلاح عبدالعزيز ليثنى عليه الرجل ثناءً عَطِرًا: -أنا فخور بيك  يا فؤاد، عمرك ما خيبت ظني ودايمًا بتثبت للكل إنك جدير بإسم والدك العظيم  وإنك ماشي على خُطى سعادته
أمال برأسه ممتنًا ليسأله الرجل مستفسرًا: -هييجوا إمتى النيابة علشان المصالحة تتم بشكل قانوني؟
-كمان ساعتين جنابك، أنا كمان هاخد عليهم تعهد بعدم تعرض كل طرف  للتاني، نطقها بجديه ليسترسل مُعلمًا: -ده غير إني كلمت رئيس المباحث طارق  المليجي إن الإتنين لازم يتحطوا تحت المراقبة لمدة ست شهور على الاقل
قطب الرجل جبينه ليسألهُ متعجبًا: -إنتَ مش واثق فيهم ولا إيه يا فؤاد؟
اجابه بعملية ودهاء: -شغلنا علمنا ما نديش الأمان ولا نثق في أي حد بسهولة، ولا ناخد بكلام الناس على محمل الصدق التام
أومأ الرجل بتوافق ليستطرد الاخر بإبانة: -أيمن الأباصيري أنا واثق فيه  لعدة أسباب، ده راجل كان عايش في أمان وفي لحظة بقى متهم في قضية قتل  بالخطأ ومطلوب للتار من أبو القتيل، يعني المصالحة بالنسبة له كانت طوق  النجاة، ومع ذلك مش هستثنيه من المراقبة.
واستطرد بدهاء رجُل قانون: -أما بقى بالنسبة ل صلاح فده أنا مش واثق فيه إلى أن يثبت العكس
واسترسل مبررًا: -ده راجل خسر إبن من ولاده الإتنين اللي معندوش غيرهم،  وطبيعي قلبه هيبقى محروق والشيطان هيحرضه ياخد بتاره، علشان كده هشدد  المراقبة عليه.
-هايل يا فؤاد، نطقها الرئيس باستحسان لينطق فؤاد بضيق ظهر بصوته  وعينيه: -أنا اللي مضايقني بجد يا باشا إن اللي إسمه صلاح قدر يفلت من عقاب  إغتيال السواق بتاع أيمن، وحق الولد المسكين ضاع قصاد سطوة صلاح وفلوسه  وجبروته
واستطرد محملاً حاله الذنب: -وده اللي مش قادر أسامح نفسي عليه.
تحدث الرئيس بعملية ليخفف من وطأة ما يشعر به تلميذه النجيب: -كان ممكن  تحمل نفسك ذنب دمه لو كنت قصرت في التحريات والتحقيقات، لكن إنتَ عملت  المطلوب منك وزيادة
واسترسل: -الإعتراف سيد الأدلة يا سيادة المستشار، والراجل اللي ضرب النار  على كريم سلم نفسه واعترف إنه كان على خلاف مع كريم وعلشان كده قتله.
قاطعه فؤاد بنبرة غاضبة: -أيوا يا افندم بس كلنا عارفين إن صلاح بعت  الراجل بتاعه يسلم نفسه بعد ما أنا بدأت تحرياتي، هو خاف على نفسه وحب يريح  دماغه علشان يبعد الشبهة عنه.
-إنتَ عارف كويس قوي إنك مكنتش هتلاقي أي دليل يدين صلاح عبدالعزيز  مهما حاولت واجتهدت، نطقها بهدوء ليستطرد بإبانة: -الناس دي مبتسبش حاجة  للصدفة يا فؤاد، وأكيد أمن نفسه كويس قوي بحيث يبعد عنه الشبهة، لأنه  ببساطة مش هيسلم رقبته لحبل المشنقة بسهولة، ده عنده فريق من المحامين اللي  ساعدوه وخططوا له بمهنية عالية إزاي ياخد حقه من أيمن من غير ما الموضوع  يمسه ولا حتى يأثر على سمعته في السوق.
اومأ له فؤاد ليُكمل على حديث سيده بذكاء وخبرة اكتسبهما من خلال  مزاولته لعمله: -وعلشان كده لما جم يختاروا المجرم اللي هينفذ عملية  الإغتيال جابوا واحد كان متربي مع كريم السواق في نفس الملجأ، لا وكمان كان  بينهم عداوة، لأن المجرم حاول أكتر من مرة يجر كريم في سكة الإجرام معاه،  والولد الله يرحمه كان نضيف ورفض، وده اللي خلى المجرم اللي اسمه حسان  يتخانق كذا مرة معاه وللاسف فيه شهود على كده.
واستطرد بتوقع لما حدث: -صلاح ورجالته إختاروا الولد بذكاء شديد، علشان  لو الطلقات أصابت أيمن ومات وأصابع الإتهام اتجهت ناحيته ساعتها يخلي الولد  يسلم نفسه زي ما حصل، بس ساعتها كان هيقول إن كريم هو اللي كان مقصود  والطلقة جت في أيمن بالغلط.
واسترسل وهو يكز على أسنانه: -تخطيط شيطاني
عندك حق يا فؤاد، نطقها الرئيس باستسلام قبل أن ينطلق فؤاد عائدًا لمكتبه لمزاولة عمله.
مرت أربعة أيام منذ ذهاب أبيها وعودته للبلدة واليوم هو موعد الحفل  التي قامت بالإشراف عليه لإخراجه بشكلٍ لائق كي يتناسب مع ضخامة الحدث حيث  سيعلن بداخله المصالحة وأيضاً الإفصاح عن تفاصيل تدشين مشروعًا ضخمًا مرتبط  بالشركتين ليكون بداية جديدة، ارتدت ثوبًا باللون الأزرق جعلها تبدو


  الفصل الرابع عشر

وضع لمساته الأخيرة لينظر على حاله بابتسامة جذابة وهو يرى طلتهُ  الساحرة بانعكاس المرأة لينطلق للخارج متجهًا للأسفل عبر الدرج وما أن رأى  والده يقف بجوار زوجته وفريال وزوجها ماجد حتى أطلق صافرة إعجاب عندما وجد  والده بملابسه المهندمة ومظهرهِ اللافت ليقول بإعجاب: -يظهر إن سيادة  المستشار بيستعيد عصره الذهبي وناوي يخفي حضوري ويغطي عليا في الحفلة.
وافقه الرأي ماجد الذي تحدث بإطراء مادحًا والد زوجته: -عندك حق يا  فؤاد، اللي يشوف شياكة سيادة المستشار ولياقته البدنية بالكتير يدي له خمسة  وتلاتين سنة.
ابتسم علام ليتحدث بملاطفة لنجله وزوج إبنتهْ: -يا حبيبي أنا لو اهتميت بنفسي ربع إهتمامكم مش هتتشافوا جنبي أساسًا
تعالت ضحكات الجميع لتتحدث عصمت بافتخار وهي تضع كفها فوق قلب فارسها  النبيل: -أمال لو شفتوا سيادة المستشار في شبابه كان عامل إزاي، دي بنات  الجامعة كلها كانت بتقف على رجل أول ما يدخل من الباب الرئيسي.
تطلعت لعينيه بهيامٍ متبادل لتسترسل: -طلته في المكان كانت زي طلة نجوم السيما بالظبط
شملها بنظرة حنون بعدما حاوط كفها الموضوع على قلبه بخاصته ليصدح صوت فريال  المنتشي جراء ما تراه من عشقٍ متبادل بين والداها وهي تقول بملاطفة: : ومن  بين كل بنات الجامعة عيون الشاب الحليوة وقعت على البنوتة القمر اللي كانت  لسة مستجدة في الفرقة الأولى، واختارها علشان تكون حبيبته وخطيبته.
ضحكت عصمت لتتحدث بحماس وكأنها عادت إبنة التاسعة عشر: -مش عاوزة اقول  لك يوم ما قرر يكلمني علشان يتعرف عليا إيه اللي حصل، كنت وقتها قاعدة في  مكتبة الجامعة مع بنتين صحباتي وده وقف قدامي وبكل جرأة قال لي قدامهم،  بصراحة كده إنتِ عجباني وعيني عليكِ من أول يوم دخلتي فيه الجامعة، ولاحظت  إنضباطك واحترامك لنفسك وعلشان كده قررت اخطبك.
-أوباااااا، مش شايف إنك كنت مستعجل شوية يا باشا، خطوبة كده مرة واحدة،  طب ادي للبنت فرصة تتعرف فيها عليك، كلمات مازح بها فؤاد والده الذي رد  بابتسامة: -مكنش فيه وقت، أنا كان فاضل لي شهرين واتخرج واسيب الجامعة، وهي  كانت لسة في الفرقة الأولى وخوفت تتخطف مني
ضحك الجميع ليتنهد علام قائلاً بحنين: -كانت أحلى أيام.
قاطع حنينه للذكريات صوت فؤاد حيث قال: -طب يلاَ جنابك علشان مانتأخرش  على الناس اللي مستنيينا، حاكم أنا عارف سيادتك والدكتورة لما بتفتحوا باب  الذكريات، ممكن تقعدوا يوم بحاله تسترجعوا جمال الماضي
عدل علام من وضع حِلة بدلته واخذ وضع الإستعداد بجانب نجله لتباغتهم عصمت بحديثها: -خلي بالك من بابا ليتخطف من البنات يا فؤاد.
رفع حاجبه الأيسر متعجبًا ليقول بمشاكسة: -ولما أنتِ خايفة عليه قوي  كده محضرتيش الحفلة ليه واهو بالمرة تراقبيه بنفسك ل عينه تزوغ هنا ولا هنا
-ولد، نطقها علام بتنبيه مصطنع ليضحكا ماجد وفريال التي اقتربت من احضان  زوجها ليحتويها بذراعه لتقول عصمت بجدية: -مبحبش أروح مكان معرفش الناس  اللي فيه يا فؤاد.
-دي مجاملات إجتماعية لابد منها يا دكتورة، قالها فؤاد ليسترسل بإبانة:  -الراجل عامل الحفلة مخصوص على شرفي، وكلم الباشا بنفسه وعزمه هو وحضرتك  وفريال وماجد
رفع ماجد كفه ليتحدث بملاطفة: -خليني انا بعيد عن مجاملات شغلكم دي يا  سيادة المستشار، أنا أستاذ جامعي وبقوم بدري علشان ألحق الطلبة بتوعي،  ماليش أنا في جو الحفلات والسهر والكلام ده كله.
لتُكمل فريال على حديث زوجها: -وانا ست بيتوتية من الدرجة الأولى، وبحب أكون في المكان اللي جوزي فيه.
لوح فؤاد بكفه متحدثًا بمداعبة: -خلاص، خلصتوا مبرراتكم اللي ملهاش أي معنى غير إنكم شوية ناس كسلانين تموتوا في الأنتخة
إمشي يا فؤاد، نطقتها عصمت وهي تدفع نجلها صوب الباب ليتحرك مبتسمًا بجانب  والده حيث أصر أيمن على حضوره الحفل كي يتشرف به أمام الحضور.
وصلت إيثار لحديقة منزل أيمن شاسعة المساحة والتي قامت بالترتيب مع  إحدى الشركات الكبرى المسؤلة عن تنظيم الحفلات وتابعت معهم لخروجها بشكلٍ  لائق، وقد ذهبت لمنزلها لتجهيز حالها بعدما تأكدت من جاهزية المكان  لاستقباله للمدعوين، وجدت أيمن يقف بجوار أحمد فاقتربت منهما ليتحدث أيمن  بنبرة لائمة: -إتأخرتي ليه يا إيثار، الناس على وصول.
-ما اتأخرتش ولا حاجة يا باشمهندس، نطقتها بهدوء لتستطرد بعينين متعجبة: -هو حضرتك قلقان كده ليه؟
هتف بنبرة حادة تنم عن مدى توتره: -هو أنتوا إيه حكايتكم النهاردة، مفيش على لسانكم غير قلقان ليه، إهدى
ليستطرد بنبرة أعلى: -شايفيني بقطع في شعري؟!
قطبت جبينها لتحول بصرها إلى أحمد الذي طالبها بعيناه بالصمت لتتنفس  باستسلام وتنتبه على صوت أيمن البائس وهو يقول: -إطلعي ل لارا وحاولي  تقنعيها تنزل الحفلة، هي بتحبك وبتقتنع بكلامك.
تمعنت بالنظر لملامحه الحزينة لتُدرج سبب سوء حالته المزاجية ليسترسل هو  بملامحه المهمومة: -عندها حالة رُهاب من ساعة ما عرفت إن أهل الولد جايين  الحفلة
تفهمت موقفه وتحدثت بطمأنينة: -متقلقش، أنا هطلع لها وشوية وهننزل قبل الناس ما تيجي.
اومأ لها فتحركت سريعًا إلى الأعلى ودقت الباب بهدوء لتستمع لصوت نيللي  وهي تسمح للطارق بالدخول لتلج وتقول بابتسامتها البشوشة بعدما رأت لارا  وهي تتوسط الفراش بجلوسها تحاوطاها والدتها وسالي: -ممكن ادخل؟
هتفت نيللي مستنجدة بتلك المقربة لنجلتها: -تعالي يا إيثار شوفي لارا
اقتربت لتتحدث لكلتاهما: -معلش يا مدام نيللي، ممكن تسبوني شوية مع لارا لوحدنا.
وقفت سالي لتتحدث بنبرة استسلامية: -اتفضلي إقنعي الأستاذة، وانا هروح أكمل الميكب بتاعي، الميك اب ارتيست مستنياني بقالها ساعة
تحدثت إيثار بثقة: -ياريت يا مدام سالي تبعتيها بعد ما تخلص معاكِ علشان تجهز لارا.
تطلعت عليها بارتياب لتهز رأسها وهي تقول بنبرة مرتجفة: -متحاوليش يا إيثار، أنا مش هتحرك من سريري لو إيه حصل.
زفرت نيللي باستسلام لتطالعها إيثار بذات مغزى فهمته الأخرى لتنسحب  للخارج وتغلق خلفها الباب لتهتف الأخرى برهاب ظهر بَين فوق ملامحها: -مش  هقدر أشوف أهله يا إيثار، مش هقدر
واستطردت بعدما تمسكت بكفي الأخرى بتشبث: -صورة بسام وهو غرقان في د مه  مبتفارقش خيالي، كل ليلة بحلم بيه وبشوف اللوم في عيونه، أنا السبب، لو  مكنتش استفزيته برفضي المبالغ فيه اللي جننه وخلاه ييجي لحد هنا، كان زمانه  عايش.
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقول بتعقل: -ممكن تهدي علشان نعرف نتكلم بالعقل.
هزت رأسها وهي تبتلع لعابها برعبٍ لتسترسل الاخرى بيقين وإيمان: -أولاً  كده لازم تشيلي من دماغك فكرة إن إنتِ السبب في موت بسام لأن ده نوع من  عدم الإيمان بالقدر، بسام ربنا كاتب له الثانية اللي هيموت فيها وإمتي وفين  وإزاي، كون إنك رفضتي قربه منك وهنتيه قدام زمايلكم ده ما يعنيش إنك السبب  في موته
لتستطرد بثقة: -إنتِ كنتي مجرد سبب علشان يوصل للمكان والساعة اللي هيلفظ فيها روحه.
-تفتكري تفرق؟، نطقتها بدموعها لتجيبها بثقة: -طبعًا تفرق، يا حبيبتي ربنا محدد له ميعاد ومكان طلوع روحه، وإنتِ ملكيش أي ذنب
لتستطرد بنبرة حادة: -وبعدين تعالي لي هنا، بسام مين اللي موقفة حياتك  وحابسة نفسك في البيت من ساعة اللي حصل علشانه، ده كان واحد مستهتر عديم  الاخلاق والتربية، فيه واحد سوى وعنده ذرة خوف من ربنا يتهجم على واحدة في  بيتها وينتهك حرمة البيوت علشان يوصل لغرضه الدنيء،.
واستطردت بنبرة ساخطة: -ده يستاهل يموت بدل المرة مية مرة
-قومي بطلي هبل وإلبسي بسرعة وأنا هروح أنده لك الميك اب ارتيست علشان تيجي  تجهزك، نطقتها بتحفيز لتسألها الاخرى بصوتٍ أقل ارتيابًا من السابق: -طب  هقابل أهله إزاي؟
هتفت بسرعة بديهة: -أهله اللي إنتِ شايلة هم مقابلتهم دول أول ناس  عارفين إن إبنهم كان زبالة وراح للنهاية اللي يستحقها واحد مستهتر زيه،  وعلشان كده أبوه وافق على الصُلح اول ما وكيل النيابة اللي ماسك القضية عرض  عليه
واستطردت لطمأنتها: -وبعدين مش مطلوب منك تقابليهم، هما جايين علشان موضوع عقد الشراكة، يعني إنتِ ملكيس اي دخل.
تطلعت لعينيها وجدت حديثها قد لاقى قبولاً لديها فاسترسلت بعجالة  مستغلة الموقف قبل تراجعها من جديد: -إنتِ لسة قاعدة، قومي ألبسي، بباكِ  هيتجنن علشانك تحت، ولو ملاقكيش قدامه حالاً ممكن لاقدر الله الضغط يعلى  عليه وتجي له الازمة بتاعت كل مرة.
ما ان استمعت لكلماتها عن ابيها العزيز حتى انتفضت خوفًا عليه وبغضون  الخمس دقائق كانت قد ارتدت ثوبها بمساعدة إيثار إلى خرجت تستدعي لها  الأخصائية التجميلية، وبعد حوالي النصف ساعة كانت تجاور إيثار من الخروج  بباب المنزل ليبتسم أيمن الذي احتضنها فرحًا ونظر لإيثار شاكرًا إياها  بعيناه، بدأ توافد المدعوين واشتغلت الموسيقى الهادئة التي تعبر عن رُقي  الحفل، فقد خرج حقًا مذهلاً بكل ما فيه وساعدت مساحة الحديقة الشاسعة وحمام  السباحة المتواجد بالمنتصف على ظهوره بصورة رائعة، كانت تتحرك برشاقة  لتتابع التنظيم والإشراف على مائدة الطعام التي ستقدم للحضور، وصل صلاح  عبدالعزيز ونجله وزوجته لتنكمش الفتاة على حالها عندما تعرفت على شخصياتهم  فجاورتها إيثار وبدأت بالهمس بجانب أذنها بكلماتٍ هدأت من روعها، تحدث أيمن  بترحابٍ عالي وهو يصافح صلاح: -أهلاً وسهلاً يا صلاح باشا، نورت الحفلة  والبيت.
قابل الاخر ترحابه بقبولٍ حار ليقول بنبرة رزينة: -البيت منور بأصحابه يا أيمن باشا.
-منورة يا هانم، جملة ترحيبية نطقتها نيللي إلى زوجة صلاح التي نطقت باقتضاب وملامح جامدة دلت عن عدم تقبلها لما يحدث: -متشكرة.
شعرت الاخرى بالحرج فأمسك أيمن يدها للمؤازرة ثم تحرك هو ونجله أحمد  ليصطحبوهم إلى الطاولة الخاصة المعدة لهم وانصرفوا لاستقبال الوافدين فقال  صلاح لزوجته نادية والدة القتيل: -إفردي وشك شوية يا نادية وبلاش إسلوبك  المعادي ده، أحرجتي الست.
احتدت عينيها لتصيح بنبرة غاضبة: -وعاوزني اعامل الناس اللي قتلوا إبني وحرموني منه إزاي يا صلاح؟!
-إهدي يا ماما أرجوكِ، قالها هيثم لتهتف بحدة: -محدش يلومني على أي  حاجة تحصل مني النهاردة، كفاية إنكم جيبتوني هنا غصب عني، مش هتجبروني كمان  أتكلم واجامل غصب عني.
-بيتهيء لي إنك أخر واحدة ممكن تلومي حد على اللي حصل ل بسام، نطقها  بلومٍ ليسترسل محملاً إياها مسؤلية ما حدث: -إنتِ اللي وصلتيه بنفسك  لنهايته، ياما قولت لك بلاش الفلوس الكتير اللي بتديها له من ورايا لأنها  هتفسده، وإنتِ ولا أنتِ هنا، ده غير مصايبه اللي كنتي بتداري عليه فيها  وتحاولي تحليها بعيد عني علشان ما اعرفش، للاسف يا نادية، إحنا الإتنين  السبب إنتِ باستهتارك وتدليلك الزايد، وأنا بإهمالي وعدم متابعتي ليه.
رمقت زوجها بشراراتٍ من الغضب لتهتف لائمة: -برافوا عليك يا صلاح، هو ده فعلاً المكان المناسب لكلامك ده.
هم بالحديث ليقاطعه نجله قائلاً بتعقل: -خلاص لو سمحتم، لا ده وقته ولا مكانه.
أما نيللي التي انضمت لصغيرتها وزوجة نجلها التي سألتها باهتمام بعدما لاحظت تغير ملامحها: -مالك يا طنط، فيه حاجة حصلت ضايقتك؟!
همست بجانب أذنها كي لا يصل حديثها إلى لارا وتنتكس حالتها من جديد  لتقول بحنق: -الست السخيفة مرات صلاح عبدالعزيز عاملتني بمنتهى قلة الذوق،  بني أدمة جلياطة.
أجابتها باقتضاب لتخرجها من تلك الحالة: -سيبك منها، متخليهاش تقفل لك اليوم.
وصل فؤاد ووالده علام زين الدين لتلتفت جميع الانظار إليهما وذلك لشهرة  علام كوجهٍ معلوم لدى الجميع لظهوره إعلاميًا ك عضوٍ بارز ونائب لرئيس  المحكمة الدستورية العليا، كانا يدخلان بقاماتٍ مرتفعة ليستقبلهما أيمن  وزوجته ونجلهما ليتهافت عليهما الكثير من رجال الاعمال والمشاهير لنيل شرف  المصافحة لذاك القامة القانونية، تحدث أيمن إلى علام: -شرفتنا يا سعادة  الباشا
-متشكر يا أيمن بيه.
كانت تتابع دخوله المهيب بجانب رجل القانون الشهير علام زين الدين  والأن فقط ربطت بين إسميهما، ابتلعت لعابها من جاذبيته العالية وشردت  بمظهره فحقًا له سحرًا خاص به لحاله لتخرجها من شرودها سالي التي سألتها  وهي تنظر عليه بعيونٍ منبهرة: -هو ده وكيل النيابة اللي إقترح المصالحة يا  إيثار؟
هزت رأسها لتتحدث بصوتٍ خافت راجع لتأثرها: -أه هو، فؤاد علام، نطقت صوته بهيامٍ.
-إسمه حلو قوي ولايق عليه، إسم ملوكي، نطقتها سالي لتسترسل بملاطفة وهي  تنظر إلى لارا التي تجاورها الجلوس وبجانبها صديقتها المقربة ملك: -إيه  رأيك يا لارا، عريس مناسب جدًا ويليق بإسم أيمن الأباصيري.
نطقتها بتفاخر لينتفض قلب إيثار بشدة وبدون وعي تلتفت سريعًا إليها ثم ل لارا التي هتفت بغيظٍ: -إنتِ واحدة رايقة يا سالي.
-يا بنتي اسمعي مني، دي فرصة هايلة، ولا أنتِ إيه رأيك يا إيثار؟!
ابتلعت لعابها لترد بصوتٍ مرتبك: -رأيي في إيه؟
-في فؤاد علام، قالتها بغمزة من عينيها لتتحدث لارا باقتضاب: -بطلي  سخافة يا سالي، وبعدين ده باين عليه معدي الثلاثين سنة وأكيد متجوز ومش  بعيد يكون عنده أولاد كمان
لتقطع حديثها سالي وهي تقول بفطانة: -مفيش في إيديه الإتنين دبلة، يعني لا متجوز ولا حتى خاطب.
-فظيعة إنتِ في التفاصيل يا سالي، قالتها ملك بمداعبة لترد الاخرى بتفاخر مصطنع: -التفاصيل دي لعبتي.
تطلعت بتمعن لهيأة أبيه، يبدوا من مظهره الهيبة والوقار لتبتسم ساخرةً  من حالها وسذاجتها عندما اعتقدت أن ذاك العالي ساكن قصور مجد عائلته  سيتنازل وينظر لها ليتخذ منها زوجةً له وينتشلها من مستنقع أحزانها ورُعبها  الملازم لها طيلة الوقت، تنهدت بأسى لتتحرك منسحبة لمتابعة تجهيزات الحفل،  أما فؤاد فبعد أن استقر بجلوسه بجانب والده وأيمن ونجله بات يدور بعينيه  باحثًا عن تلك المشاكسة ولكن بحرصٍ لا يفقده هيبته، ركز على اللون النبيذي  أثناء تفقده فقد راهن حاله بأنها سترتدي ثوبًا من ذاك اللون بعدما أخبرها  عن إعجابه به وبأنهُ يليق بها، وبلحظة تعالت دقات قلبه واتسعت عينيه من شدة  ذهولهِ بجمالها المُبهر والخاطف للانفاس، حيث عثر عليها لكنه تعجب  إختيارها للون الأزرق ليبتسم طلقائيًا بعدما تيقن أن تلك الشرسة قد عادت  لقواعدها مرةً أخرى وعليه بدء المحاولة من جديد.
تابعتها عينيه وهي تتحرك بين الحضور بخفة ك فراشةٍ تتنقل بين الزهور  وتتراقصُ بأجنحتها الملونة، تقابلت الأعين ليبتسم لتسحب هي بصرها سريعًا  قبل أن يحييها بعينيه مما جعله يتعجب لأمرها، وقف أيمن ليستدعي صلاح إلى  الطاولة المُعدة لإبرام الصفقة والتوقيع عليها مستدعيًا أيضاً فؤاد ليشهد  على إتمام أخر بند من المصالحة ثم أشار إلى إيثار لتحضر بجانبه ك مديرة  لمكتبه وهذا من صميم عملها، وقف أيمن وألقى بكلمة أعلن من خلالها إتمام  المصالحة وإبرام صفقة لتوطيد العلاقة ليصفق الجميع ويجلس أيمن من جديد  تجاوره الوقوف إيثار الممسكة بملف الصفقة لتفتحه وتضعه أمام أيمن للتوقيع  على نسختي العقد لتنتقل بخفة صوب صلاح تحت إستشاطة فؤاد من تجاهلها التام  له، وضع صلاح إمضاءه على النسختين لتخرج نسخة منهما وتسلمها لسكرتيرة صلاح  وتحتفظ هي بالملف فيصدح صوت التصفيق من الجميع، أخذت الملف وولجت لداخل  المنزل واتجهت صوب المكتب الخاص ب أيمن لتحتفظ بالعقد بالدرج الخاص والذي  سلمها أيمن المفتاح الخاص به وأغلقت الباب لتوصده من جديد وكادت أن تتحرك  للخارج فقطع طريقها رجل أعمال يُدعى عابد السعداوي ليتحدث بتطفل: -إزيك يا  إيثار.
-أهلاً وسهلاً، نطقتها باقتضاب وكادت أن تمضي بطريقها ليقف أمامها كي  يعوق خروجها وهتف مذكرًا إياها بنفسه: -شكلك مش فكراني، أنا عابد السعداوي،  كان عندي ميعاد مع أيمن ببه من حوالي شهر وإتقابلنا هناك
فاكراك طبعاً، قالتها بجمود.
-طب ولما أنتِ فكراني مش ترحبي بيا الترحيب اللي يليق بيا وبمركزي،  نطقها بمداعبة لاقت الرفض من جهتها حيث قطبت جبينها ليسترسل هو بوقاحة:  -عاوز اقول لك إن من ساعة ما شوفتك في مكتب أيمن وإنتِ دخلتي دماغي وعششتي  فيه، وكنت متأكد إن تحت البدلة الرجالي اللي لابساها جسم ست صاروخ، وأهو  قدامي في الفستان اهو.
-إحترم نفسك واحترم المكان اللي إنتَ فيه، المفروض إنك شخصية عامة  فلازم تخاف على سمعتك وشكلك أكثر من كده، نطقتها لعينين تطلق سهامًا نارية  لتسترسل بسخطٍ وهي ترمقه باشمئزاز: -وأنا هعتبر نفسي مسمعتش حاجة من  الهرتلة اللي قولتها علشان صورتك ماتتهزش قدام الباشمهندس أيمن.
ألقت بقذائفها في وجهه لتبتعد عائدة للخارج من جديد بقلبٍ يغلي وجسدٍ  يستشيط غضبًا من ذاك المتحرش الحقير، كم تمنت أن تصفعه بقوة لكنها تخشى  إفساد الحفل وهذا ما جعلها تبتلع إهانتها وتنسحب في صمت، تحركت باتجاه  البوفية وهي تنفض تلك الأفكار وتزيحها بعيدًا عن مخيلتها لتتنفس بعمق  لاستعادة ضبط النفس، اقبلت على المسؤل عن جاهزية الطعام لتسألهُ باهتمام:  -أخبار البوفية إيه يا شيف؟
-كله تمام يا أستاذة، أنا جاهز في أي وقت.
مالت برأسها وهي تقول برضا: -كويس قوي.
قطع حديثها صوت ذاك الواقف خلفها والذي مال بطوله ليصل بالقرب من أذنها  مما جعل جسدها ينتفضُ برعشة لذيذة لتشعر بفراشات تداعب أسفل معدتها: -هي  الأستاذة زعلانة مني في حاجة؟
أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا تستعيد به توازنها لتلتفت إليه وتسألهُ بملامح وجه مبهمة تعجب لها: -أهلاً يا سيادة المستشار
قضب جبينه لتغير لهجتها ورسم الجمود على ملامحها، لم يكن هذا حالها منذ أخر  لقاء جمعهما، فأراد ممازحتها كي تندمج معه بالحديث عله يستطيع جذبها لديه  مرةً أخرى: -أهلاً بعد إيه بقى، ده أنتِ متجاهلة وجودي ولا كأني في الحفلة  أصلاً.
رفع حاجبه ليسترسل بمداعبة: -عمالة أقول الوقت تيجي ترحب بيك زي ما هي بترحب بباقي الضيوف بس للأسف، محصلش
واستطرد رافعًا كتفاه للأعلى مدعيًا الاسف: -ولما ملقتش فايدة من إنتظاري قولت أجي أسلم أنا.
رغم حلاوة حديثه المنمق وعذبه إلا انها حاربت شعور الإنجذاب إليه والذي  بات يورق روحها، فحقًا لحديثه ونظرة عينيه سحرًا يجذبها بل ويُجبرها على  إنجراف مشاعرها والغوص ببحر عينيه والارتواء من شهد كلماته المعسولة رغم  اتباعه لقواعد الأدب، تحمحمت لتجيبه بنبرة جادة تتخفى خلف جمودها: -بس  حضرتك مش ضيف علشان أرحب بيك يا سيادة المستشار.
الحفلة كلها معمولة على شرف جنابك، يعني حضرتك صاحب المكان وكلنا ضيوفك،  نطقت كلماتها بجدية ليبتسم لها مجيبًا على حديثها: -إجابة دبلوماسية وذكية  تليق بمديرة مكتب لأحد أهم وأكبر رجال الأعمال في مصر.
قالت بجسدٍ مشدود للأعلى وكأنها تحارب جميع حواسها وتقف لها بالمرصاد: -مجاملة لطيفة من سعادتك
قطب جبينه متعجبًا ليسألها: -هو أنا زعلتك في حاجة؟!
نزلت كلماته المصاحبة لنظرة صادقة لائمة على قلبها جعلته ينتفض بثورة  ليسترسل هو بإبانة: -كلامك معايا رسمي قوي ليه كده، على ما أتذكر إننا  أخدنا هدنة من لعبة القط والفار اللي كانت بينا من وقت ما إتقابلنا.
تهربت ببصرها في محاولة بائسة منها للنجاة من شعاع عينيه القوي والذي  يطاردها حتى بغيابه، لا، لن تعطي له الفرصة بإذلالها وسحق كرامتها تحت مسمى  ما يطلق عليه بالعشق، ذاك المسمى اللعين التي باتت تبغضه وتتهرب منه  كالهارب من وحشٍ كاسر يطارده لينهي على حياته، تحمحمت كي يخرج صوتها ثابتًا  غير مهزوز لتقول له بثقة زائفة اصطنعتها بإعجوبة: -شكل الأمر إخطلت على  حضرتك وفهمت شخصيتي غلط.
واستطردت بذات مغزى ومقصد: -أنا لا عمري كنت بتاعت ألعاب ولا هكون،  واللي حصل بينا من مشادات كانت نتيجة طبيعية لمواقف معينة حصلت لو سيادتك  فاكر.
وضع كفه ليحك به ذقنه النابتة بطريقة مثيرة ونظر لها مضيق العينين وهو  يقول بتسلي بعدما تيقن بفطانته أنها تجاهد حالها لتخرج تلك الكلمات  اللعينة: -وبعدين، كملي.
قطبت جبينها باستغراب لتقول بنبرة خرجت حادة: -أكمل إيه؟
-مبرراتك، نطقها بذات مغزى وصلها معناه لتهتف بحدة اكبر تنم عن إنزعاجها وتوترها لمحاصرته لها: -أنا مبقولش مبررات ومش مجبرة أصلاً.
أصلاً، نطقها بفكاهة لتلطيف الاجواء لتسأله بنبرة إنهزامية بعدما فقدت قدرتها على المجابهة: -إنتَ عاوز مني إيه؟!
هم بالرد ليقطع حديثه أحمد الذي إقترب عليهما ليقول لإيثار بعدما أمال برأسهِ ك تحية لذاك الواقف: -البوفية جاهز يا إيثار؟
-جاهز من بدري يا دكتور، ليجيبها متعجلاً: -طب اكدي عليهم لأخر مرة علشان الباشا هيعلن عنه.
اومأت له لتنظر للواقف يلعن بسريرته ذاك ال أحمد الذي قطع وصليهما وهي  تميل برأسها باحترام بادلها إياها لتنسحب مبتعدة للتأكد من الشيف قبل  الذهاب لرئيسها بالعمل الذي وقف بمنتصف الحفل وهو يعلن عن فتح مائدة الطعام  الخاصة بالإحتفال ليقف الجميع يتجهون صوب المائدة بتناسق لأخذ صحونهم  واختيار الطعام المحبب لديهم من بين الاصناف المتعددة ليسكبه لهم القائمون  على هذا، جهز أيمن وزوجته وجباتٍ أشرفوا عليها بأنفسهما ليتقدما العاملون  ويضعونها أمام فؤاد وعلام لتتحدث نيللي بملاطفة: -كان نفسي أشوف الهوانم  وأتعرف عليهم.
ليجيبها علام باحترام: -مرة تانية إن شاءالله يا هانم.
-إن شاءالله، قالتها وتحركت لتتركهما يتناولا الطعام في خصوصية وهدوء،  كانت عينيه عليها أينما تحركت، انتشيء داخلهُ عندما وجدها تقف بصحبة لارا  وهي تضحك بانطلاق وبرغم هذا استشف حزن عينيها العميق والذي لم يجد له  تفسيرًا.
بنفس التوقيت
ولجت منيرة الحجرة الخاصة بها وزوجها لتيقظه من غفوته الغريبة تلك وهي تقول: -أبو عزيز، إصحى يا اخويا
فتح عينيه ينظر لها لتسترسل متعجبة: -أول مرة تنام قبل ما تصلي العشا ورا الشيخ في الجامع!
-هي اذنت؟
أجابته: -من بدري، دول صلوها ليهم ييجي أكتر من ساعتين، قوم صلي علشان تاكل لك لقمة تسند بيها طولك
تنفس بإرهاق ظهر عليه لتسألهُ باهتمام: -مالك يا غانم، وشك أصفر ومش عاجبني ليك كام يوم.
رد باحباط: -جسمي حاطط وتقيل بقالي كام يوم، شكلي عجزت خلاص
ابتسمت لتسأله بتغيير مجرى الحديث: -مش هتريحني وتقولي عملت إيه مع بنتك في موضوع عمرو؟
سحب جسده للأعلى ليهتف بنبرة حادة: -معملتش حاجة ومش هعمل يا منيرة،  إرتاحي بقى وشيلي بنتك من دماغك، علشان لو انطبقت السما على الأرض بنتك مش  هترجع لإبن نصر.
-هي اللي قالت لك الكلام ده؟، ليجيبها: -وهي يا ولية محتاجة تقوله، دي  واحدة سابت لكم البلد وطفشت من خلقته وخلقتكم وهي مفيش جنيه واحد يوحد ربنا  في جيبها، تقوم بعد ما ربنا يكرمها ويمن عليها ويبقى عندها شقة تمليك  وعربية وعايشة في عز هي وابنها، تسيب كل ده وترجع لذل إجلال فيها من جديد،  لا وترجع على ضرة حرباية بنت ك لب
واستطرد وهو يرمقها باستخفاف: -انا مش فاهم عقولكم الصغيرة دي هتكبر إمتى.
احتدت ملامح وجهها لتهتف بسخطٍ: -بنتك أنانية مبتفكرش غير في نفسها  وراحتها وبس، لكن إخواتها الرجالة ولا على بالها، وبعدين شقة إيه وعربية  إيه اللي فرحانة بيهم خايبة الرجا، ده الواد هيموت عليها ومستعد ينفذ لها  اللي عيزاه كله.
برقت عينيها لتسترسل بجشع: - الواد شُغل الأثار خلاه يلعب بالفلوس لعب  يا غانم، وبقى عنده مالية تسد عين الشمس بعيد عن ابوه، قالي اللي هي عيزاه  يا خالتي، هجيب لها بمليون جنية دهب، ولو عوزاني احط لها خمسة مليون باسمها  في البنك هحط لها، بس هي ترضى عني وترجع لي.
واستطردت بما يشغل بالها من الموضوع برمته: -ده غير اللي هيعمله  لاخواتها، طاقة قدر وهتتفتح لهم الثلاثة يا غانم، الواد بنفسه قال لي انه  بيعمل شغل من ورا ابوه، وهيدخل عزيز و وجدي شُركا معاه، يعني العز والهنا  كله مستنى اخواتها بكلمة تنطقها.
تطلع عليها بحزن لينطق بنبرة بائسة: -نفسي تفكري في بنتك زي ما بتفكري  في ولادك الرجالة كدة يا منيرة، يا ولية بنتك مكسورة الجناح ومحتاجة لك.
-وهو أنا لما اتمنى لها الخير أبقى مبفكرش فيها يا غانم؟!، نطقتها  باستهجان ليهتف هو باعتراضٍ حاد: -أي خير ده اللي هتشوفه من بيت نصر، دي  مشافتش منهم غير الذل والمهانة من يوم ما دخلت بيتهم
واسترسل بعينين متعجبتين من تفكير تلك الجشعة: -ترجع له إزاي وهو دب. حها  بسكينة تلمة، بنتك شافت جوزها مع واحدة تانية في قلب فرشتها يا أم عزيز؟!
-غلطة وندم عليها، قالتها باستخفاف لتسترسل بملامة حادة: -والخايبة  بنتك هي السبب فيها، ياما نصحتها وقولت لها تقطع رجل الحرباية دي من حياتها  وهي اللي مسمعتش الكلام، حتى الست إجلال بنفسها قالت لي إنها نبهت عليها  كام مرة بكدة
أغمض عينيه باستسلام من أمر تلك الطامعة ليقول باحباط ووهنٍ ظهر بملامحه: -قومي جهزي لي لقمة على ما اتوضى وأصلي العشا.
بنفس التوقيت.
داخل الحديقة الخاصة بمنزل نصر البنهاوي، تجلس إجلال بمقعدها العالي  تفكر بأمر حفيدها وكيف ستجبر تلك العنيدة وتجعلها تعود صاغرة لمنزلها كي  تحاسبها على كل ما أصاب مدللها بفضلها، أقسمت بسريرتها بأنها ستحاسبها  حسابًا عسيرًا بعد إنتهاء زوجها من جولته الإنتخابية التي لولاها لكانت  أقامت قيامة تلك ال إيثار ولكن مهلاً، ستصبر حتى تظفر بالإنقضاض على تلك  الحقيرة التي استطاعت الوقوف بوجهها بل والإنتصار عليها، لأول مرة تشعر  بالعجز حيال احدهم لكن ما يطمأنها هو وعد نصر لها وتأكيده على جلب إيثار  ليلقي بها تحت قدميها، حينها ستذيقها من العذابِ الوانًا وأصناف وستتفنن  باختلاق أساليبًا جديدة لإي. ذائها الج. سدي والنفسي بمزاجٍ حسن.
قطع شرودها ولوج نصر الذي تحدث بعدما جلس بمقابلها: -شوفتي بنت غانم عملت إيه؟
-عملها إسود ومنيل فوق دماغها، نطقتها باستشاطة بعدما استمعت لاسم تلك  التي باتت تطارها بأحلامها واليقين وحتى بالخيال لتستطرد باستفهامٍ غاضب:  -عملت إيه تاني بنت منيرة؟!
دقق النظر بعينيها لتحتد ملامحه بغضبٍ شديد وهو يقول: -المحامي بتاعها  كلمني من شوية وقالي قال إيه، الست هانم بتبلغني إن يوسف مش هينزل البلد  تاني، وإن من الأسبوع ده لو حد عاوز يشوفه مننا يروح مكان الرؤية اللي  محكمة الاسرة محدداه.
-البت دي إتجنت ولا إيه يا نصر؟!، نطقتها بحدة لتهتف مسترسلة بتعمد  إذلالة: -بس تصدق، ليها حق بنت منيرة تشرط وتتأمر، مهي مش لاقية حد يقف لها  ويعرفها مقامها ومقام أهلها الزبالة.
ضيق بين عينيه ليرمقها بضيق وهو يقول بملامة: -لازمته إيه رمي الكلام  ده يا إجلال، أنا كام مرة أقول لك إني مقدرش أتحرك ناحيتها قبل الإنتخابات،  إصبري.
بفحيحٍ خرج من بين أسنانها نطقت: -أديني صابرة يا نصر اما اشوف اخرتها مع بنت الك، دي.
انضم إليهما عمرو الذي خرج للتو من الداخل مرتديًا ثيابه ليذهب إلى  الجبل لمراقبة العاملون على الحفر، ابلغه أباه بما حدث ليهتف غاضبًا ملقيًا  باللوم عليهما: -أنا قولت لك مية مرة بلاش الإسلوب ده مع الولد يا ماما،  اكيد يوسف قال ل أيثار الكلام اللي قولتهوله المرة اللي فاتت وعلشان كده  قررت تمنعه.
زفر نصر بعمق قبل أن يقول وهو ينظر أمامه: -انا كلمت المتر عبدالسلام  من شوية وحكيت له اللي حصل، قالي إن موقفها القانوني سليم مية في المية،  وإنها كانت بتبعت الولد هنا كرم منها
واسترسل بإبانة: -وإنها لو قدمت شكوى لمحكمة الأسرة ولمجلس حقوق الطفل  وقالت فيها إن زيارة الولد عند عيلة ابوه بتأثر عليه بالسلب، هيعملوا مشاكل  للاب هو في غنى عنها.
قطع حديثه صوت رنين الهاتف الذي صدح ليعلن عن وصول مكالمة وما أن نظر  بالشاشة حتى ظهر الارتباك على وجهه ومن حسن حظه انشغال إجلال بحديثها مع  عمرو ليقول منسحبًا: -هرد على التليفون وارجع لكم.
-مين يا نصر؟، سؤالاً وجهته له باستغراب لابتعاده: -ده عضو مجلس شعب كنت طالب منه خدمة لحد معرفة.
اشاحت بكفها بلامبالاة ليبتعد الاخر ويرد سريعًا بصوتٍ عالِ متعمدًا إسماع إجلال: -أيوة يا سعادة الباشا
ابتعد كثيراً ليتحدث بهمسٍ خفيض: -وبعدين معاكِ يا بنت الناس، مبتسمعيش الكلام ليه؟
كام مرة انبه عليكِ واقول لك بلاش ترني عليا وانا في البيت.
بصوتٍ أنثوي من الدرجة الاولى تحدثت تلك الشابة العشرينية المتسطحة فوق  الفراش بملابسها الرقيقة وملامحها الجميلة: -طب قول لي أعمل إيه في قلبي  لما توحشه ويفضل يدق وما يرتحش غير لما يسمع صوت حبيبه.
-هو انا مصبرني على دلعك إلا كلامك اللي زي الشهد ده، نطقها بصوتٍ هائم  لتنطلق ضحكة رقيعة من تلك ال شذى التي تستطيع بالقليل منها جذب ذاك الثري  الذي اختارها لتكون زوجة سرية له بعقدٍ عرفي لا صلة له بشرع الله كي يلهو  معها ويسترجع شبابه على يديها حين يهبط إلى القاهرة ولتستنزف هي أمواله  الطائلة لتحيا بها حياة الاثرياء، تنهدت وقالت له برياء: -وحشتني، هتيجي  إمتى؟
أجابها بقلبٍ مشتعل جراء استماعه لكلماتها وصوتها المثير: -عندي جلسة  في مجلس الشعب بعد بكرة، هقول ل مراتي إني هبات في مصر يومين علشان هقضي  شوية مصالح وأجي أقضيهم معاكِ يا عسل مكرر.
عودة إلى الحفل من جديد.
كان يتابعها بعينيه الشغوفة والمنبهرة بسطوة جمالها المنفرد الذي أيقن  نُدرته، طالما رأى الاجمل منها بكثير لكن جمالها مختلف، فلم يحدث من قبل  وانجذب ل أنثى كما إنجذابه إليها برغم نكرانه الدائم لذاك الشعور، لكنه يرى  بها شيئًا مختلف، ما هو لم يستطع تحديده بعد، لكنه بالطريق إلى ذلك، وعلى  النقيض كانت تتهرب هي للنأي بحالها من الوقوع داخل براثن عشقه المهلك  لروحها، تحدثت إلى سالي ولارا وملك: -هروح التواليت اظبط حجابي علشان حساه  إتعوج شوية.
إيماءه من رؤسهن كانت الرد لتنسحب تحت نظر ذاك الجالس بجوار والده  المنشغل بالحديث مع ايمن وصلاح وبعض رجال الدولة والقانون والاعمال ليستغل  الوضع منسحبًا بهدوء خلفها حين وجدها تلج لداخل المنزل، لم يكن الوحيد  المراقب لها بل تحرك خلفها أيضًا ذاك المسمى ب عابد السعداوي ليقطع طريقها  وهو يقول بابتسامة ساخرة: -يظهر إن المزة بتحب السلطة اكتر من الفلوس.
بس لعلمك بقى، الفلوس بتحقق كل حاجة وتجيب لك السلطة لحد عندك، جربي كده ومش هتندمي.
إنتَ تقصد إيه بكلامك ده؟، نطقتها باستهجان وجبينًا مُقطب ليقول بغمزة  وقحة من عينيه التي باتت تتحرك على منحنياتها بحقارة أرعبتها وجعلتها تشمئز  منه: -أقصد الواد وكيل النيابة اللي كان واقف بيسبل لك من شوية وإنتِ  مستحلية الموضوع وواقفة تجاريه علشان على هواكِ، بس أحب اقول لك إنه مش  بالشكل، هو يمكن حليوة وعنده شوية شعر بيتمنظر بيهم، بس انا أجدع منه  وهتعرفي ده لما نتصاحب.
نطق الاخيرة وهو يضع كفه فوق منحنيات خصرها لتبتعد منتفضة للخلف ولم  تدري بحالها إلا وكف يدها يقع بقوة على وجنته بصفعة عنيفة جعلت الدماء تغلي  داخل عروقه، وأثناء بحثه عنها شاهد تعدي ذاك الحقير عليها وصفعها له، هرول  إليها بعدما شاهد تهجم عابد عليها بعدما جن جنونه وهو يشدد قبضته على  رسغها ويهزها بعنفٍ قائلاً: -إنتِ بتمدي إيدك عليا أنا يا بنت الك، ، ده  انتِ وقعة أمك سودة النهاردة.
رفع كفه للاعلى وقبل ان ينزل به على وجنة تلك التي انكمشت على حالها  وبات ج. سدها ينتفض من شدة الإرتجاف ظهر فؤاد ك فارسٍ مغوار ليھجم على ذاك  الحقير ك ثورٍ هائج فلت لجامه ليمسك بمعصمه بقسوة لاويًا ذراعه خلف ظهره  بأحد يداه وباليد الأخرى وضعها تحت فك عابد ليشل حركته ليصرخ الأخير بصوتٍ  مختنق: -دراعي هيتكسر.
اداره ليقبض على تلابيب الرجل وبات يهزه بعنف قبل أن يلكمه بوجهه لتسيل  على أثرها الدماء من أنفه في منظر جعل تلك المنكمشة تذبهل بنظرها، في غضون  ثواني اجتمع عددًا ليس بالقليل من بعض الحضور الذين إختاروا العزلة  والجلوس ببهو المنزل بعيدًا عن زحام الخارج، وأيضًا العاملين بالمنزل الذين  أبلغوا أيمن واحمد ونيللي ليحضروا في الحال واقترب أيمن من فؤاد محاولاً  تخليص عابد من قبضته الحديدية حيث مازال مشددً على تلابيبه ويهزه بعنف، لم  يشعر بحاله أو ما أصابهُ عندما وجدها تحت سطوة ذاك الحقير، لم يعر لمظهره  الإجتماعي ولا لمنصبه الحساس ومنصب والده، جُل ما فكر به بتلك اللحظة هي  وفقط، وكيف له ان يحميها ويمحي خوفها الساكن عينيها، استطاع أيمن وأحمد أن  يخلصا عابد من قبضة فؤاد وجذبهما أيمن لحجرة جانبية لتنضم لهما إيثار التي  ادخلتها نيللي كي يجدوا حلاً لتلك المشكلة.
بنظراتٍ إحتقارية تحدث أيمن معنفًا ذاك العابد ليقول: -ما كنتش اتخيل  إنك تطلع بالأخلاق دي يا عابد بيه، أنا احترمتك ودخلتك بيتي وإنتَ في  المقابل إنتهكت حرمة بيتي، ووصلت بيك الوقاحة إنك تتحرش بمديرة مكتبي.
هتف عابد بتبجح: -إنتَ فاهم غلط يا أيمن بيه، وبعدين الهانم اللي إنت  بتهيني في بيتك علشانها مدوراها مع الكل وجاية لحد عندي وعملالي فيها خضرة  الشريفة.
ليسترسل وهو يتطلع إلى فؤاد بحدة: -وأولهم سعادة وكيل النيابة اللي  إتجنن لما شافني برد لها القلم وجه يهجم عليا، بس انا مش هسكت، أنا هقدم  فيك بلاغ للنائب العام، واتهمك بضربك ليا علشان خاطر الرخيصة اللي إنتَ  ماشي معاها، والله ما هسكت، قالها بتهديد وصياحٍ عالي لتصرخ هي بصوتٍ باكِ:  -إخرص يا حيوان، محدش رخيص هنا غيرك.
-خلي بالك اللي بتتكلم عليها دي بعتبرها بنتي التانية، ومش هسمح لأي  مخلوق يتكلم عليها ربع كلمة، كلمات حادة نطقها أيمن بعينين تطلق شزرًا جعلت  من عابد يبتلع لعابه وتلاه أحمد الذي قام بتوبيخه وشمله بنظراتٍ إحتقارية  لاجل إيثار.
ليهتف فؤاد بنبرة هادئة تحمل بين طياتها جحيم: -هو من جهة تقديم بلاغ للنائب العام فده هيتم كده كده، بس هيتقدم مني فيك.
ليرفع سبابته اليمنى مسترسلاً بقسمٍ تهديدي جعل من عابد يبدوا كفرخٍ  مبلول لتيقنه من إستطاعت فؤاد تنفيذ تهديده مما لوالده من سُلطة بالبلاد:  -وقسمًا بالله لأخليك تندم على اليوم اللي اتولدت فيه.
ثم التفت يتطلع على إيثار ليتألم لمشهد إنكماشها بأحضان نيللي وهي تربت  على ظهرها بحنان علها تستطيع تهدأت انتفاضة ج. سدها، احتدت ملامحه ليهتف  بنبرة حادة: -يلا معايا علشان هتقدمي بلاغ حالاً في الزبالة ده، وانا هكون  شاهد إثبات معاكِ.
وأنا ودكتور أحمد هنشهد معاك يا سيادة المستشار، نطقها أيمن ببسالة  لتعلو صرخات عابد المتوسلة وهو يتحدث إلى فؤاد بعدما تيقن من أن مستقبله  المهني والإجتماعي سينتهيا إذا تدخل فؤاد: -أرجوك يا فؤاد باشا بلاش بلاغ،  انا مستعد ادفع لها أي مبلغ تطلبه للترضية، بس بلاش علشان سمعتي، أنا راجل  متجوز وكده بيتي ممكن يتخرب.
شمله بنظراتٍ إزدرائية من قمة رأسه لاخمص قدميه ليقول باحتقار: -هو أنتَ فاكر إن كل الناس رخيصة وبتبيع شرفها قصاد الجنية زيك؟
توقفت باقي الكلمات بحلقه حتى كادت ان تخنقه حينما استمع لصوتها وهي تقول بمهانة: -أنا مش هقدم بلاغ في حد يا سيادة المستشار.
اتسعت عينيها من تأثير الصدمة ليميل برأسهِ وهو يتطلع عليها بنصف عين  متمعنًا بملامحها ليقول بصوتٍ مرتعب خشيةً صحة ما جال بخاطره: -هتاخدي منه  فلوس مقابل كرامتك اللي اتهرست تحت رجليه؟!
احتدت ملامحها لغاضبة وخرج صوتها بصرامه وهي تنظر له بأعين قوية: -مش  أنا اللي أرضي بالذل والهوان وأقبض تمن إهانتي فلوس يا سيادة المستشار.
ابتسم ساخرًا ليسألها بتهكم: -أمال هتتنازلي عن لمسته القذرة لج. سمك بناءًا على إيه يا أستاذة؟!
وأشار بكفاه بشكلٍ إستعراضي ساخر مسترسلاً باستهزاء: -ياريت تنوري المحكمة وتشرحي لنا أسبابك النبيلة؟
شعرت بكلماته وكأنها صفعاتٍ قوية تلطم وجهها لتتألم جراء إهانته لها  وحديثه المليء بالتلميحات عن التشكيك في اخلاقها وهذا الذي لن تقبله على  حالها، لتهتف بقوة بعدما أرادت وضع حدٍ له: -تنازلي من عدمه ده شيء يخصني  لوحدي، وأنا مش مطالبة أشرح وجهة نظري لحد.
حملق بها غير مصدقا بماتفوهت به، فاق من ذهوله سريعًا ليرمقها بنظرة  نارية قبل أن يهتف صائحًا بغضب جعلت من عروق عنقه تنتفض بقوة: -تصدقي أنا  اللي غلطان اللي اتدخلت لواحدة زيك.
واسترسل بإهانة وهو ينظر إلى عابد الذي ابتلع ريقه براحة بعد حديثها: -يظهر إنه عنده حق لما وصفك بالوضاعة والحقارة.
اتسعت عين نيللي حيث وضعت كفها فوق فاهها بذهول وأيضًا أحمد وأيمن الذي  فتح فاهه ليدافع عن تلك التي يعتبرها ابنه له لكنها سبقته عندما انفجرت به  صائحة بعدما فاض بها الكيل وما عاد بها الإحتمال لأي إهانتاتٍ أخرى: -تعرف  إيه إنتَ عني وعن ظروفي علشان تكلمني بالطريقة دي؟
لتستطرد وهي ترمق عابد باحتقار: -في الاول ظنيت فيا إني هقبل عرضه  الحقير واقبض منه تمن تح. رشه بيا، والوقت بتتهمني بالوضاعة والحقارة لأني  ست عارفة ظروفي الخاصة واللي تمنعني من دخولي في مشاكل وخصوصًا بمحاضر  رسمية
لتصرخ بازدراء: -ثم أنتَ مين أصلاً علشان تسمح لنفسك بإهانتي قدام الكل
يا سيدي متشكرين على وقفتك وشهامتك وتخليصك ليا من الحيوان ده، بس ده ميديكش الحق إنك تقف تحاسبني وتصدر عليا أحكامك.
واسترسلت بحدة: -ولو جنابك زعلان قوي كده علشان خيبت ظن معاليك وما  قدمتش البلاغ، إعتبر اللي حصل درس واتعلمت منه، وبعد كده ماتساعدش حد وضيع  وقذر تاني.
حملق بها قبل ان يقول بإهانة: -مشفتش في بجاحتك، حقيقي أنا مصدوم فيكِ.
-كفاية تجريح لحد كدة يا فؤاد بيه، نطقها أيمن بقوة ليستطرد شارحًا:  -إيثار مينفعش تقدم بلاغ وخصوصًا من النوعية دي، لأن طليقها رافع عليها  قضية ضم حضانة لإبنها وسيادتك ادرى الناس بظهور قضية خاصة بالشرف للأم،  وخصوصًا إن التحرش بيها حصل في حفلة الساعة عشرة بالليل، يعني القاضي هيحكم  للاب من اول جلسة لو قدم صورة من البلاغ ده.
لعن حاله وغبائه وتسرعه بالحكم عليها قبل ان يستمع لمبرراتها، ماذا  أصابه ليصبح بهذا الغباء، منذ متى وهو يتصرف بدون حكمة ووعي، لتنتفض هي  مجففة دموعها لتتحدث إلى أيمن: -بعد إذنك يا باشمهندس، انا مضطرة امشي.
اومأ لها بموافقة ليتحدث أحمد بهدوء: -إستني هوصلك بعربيتي
قاطعته سريعًا وبرفضٍ تام: -مفيش داعي يا دكتور، انا هروح بعربيتي.
اقتربت منها نيللي لتقول لإقناعها: -خليه يوصلك يا إيثار، مش هينفع تسوقي وإنتِ بالحالة دي.
أنا كويسة، كلمة كاذبة نطقت بها لتنطلق بخطواتٍ سريعة بإتجاه الباب، تحمحم فؤاد ليتحدث بانسحاب: -بعد أذنكم
خرج بحالة يرثى لها واسرع بخطواته عله يلحق بها وبالفعل استطاع أن يصل لمقر  سيارتها التي استقلت مقعدها استعدادًا للذهاب ليتحدث هو بصوتٍ يحمل الكثير  من معاني الأسى: -مدام إيثار.
استمعت لصوته ولم تعر لندائه اهتمامًا لتنطلق بسيارتها مندفعة للامام  بسرعة كبيرة كما الهاربة، توقف ليزفر لاعنًا حاله قبل أن ينطلق إلى ابيه  ليخبرهُ بأن عليهما الذهاب.
إلى متي ستظل الحياة تعبث معها بتلك الطريقة، لما كُتب عليها بأن ترى  كرامتها تُدهُس دون رحمة تحت أحذية الاخرين والاكثر إيلامًا هو إجبارها  وحصرها بزاوية الصمت المخزي، لقد بات الامر يؤرقها ويذبح روحها وحقًا أصبح  يفوق قدرة إحتمالها، بعد قليل كانت ترتمي فوق فراشها بعدما ابدلت ثوبها  لتطلق العناء اخيرًا لدموعها الحبيسة التي احتجزتها طيلة الطريق ومنذ  دخولها للمنزل كي لا تثير شكوك عزة، بكت وبكت على كرامتها وعلى سوء حظها  الملازم لها اينما ذهبت.
عاد من الحفل بحالة مزاجية عكس ما كان يتوقع، فقد خطط بالإيقاع بها  لترفع رايتها مستسلمة لسطوته الرجولية التي لا تقاوم، لقد أثارته شخصيتها  القوية منذ لقائه الاول بها حين صدته ولم تنبهر بجاذبيته مثل بنات جن. سها  اللواتي يقعن بغرامه دون ادنى مجهودًا منه، بل ومنهن من يتوددن إليه ويعرضن  عليه الوصال ليلقي بعروضهن عرض الحائط ويصدهن بقوة ويشعرهن بالإحتقار  والتدني، عدا تلك الصامدة التي شعر بصدها له بل ونفورها منه وعدم الإهتمام  بوجوده من الاساس، بالرغم من إهتمامه بها ومن محاولاته الاستفزازية لها إلا  أنه كان يفشل بكل مرة مما جعله يصر على مواصلة إرغامها وخضوعها لسطوة  جاذبيته، وما أثار دهشته اليوم هو تراجعها الكبير بعدما لمسه منها بالمرة  الماضية من لين مشاعرها واهتزاز كيانها تأثرًا بسهام عينيه الذي رماها بهم  ولكن يبدوا انها مختلفة حقًا عن كل ما قابلهُن خلال حياته.
وما أثار حنقه هو ما حدث بنهاية الحفل وجعلها تثور وتُلقي بكلماتها  السامة الغاضبة بوجهه دون وضعها لأية إعتبارات أخرى، وبرغم كل ما حدث لم  يُلقي عليها بذنبٍ بل لام حاله وعاتبها لإيصالها لتلك الحالة، واحتقر غبائه  لعدم التأكد أولاً من قرارها بشأن رفضها لتقديم البلاغ، انتزع جميع ملابسه  وولج ب كبينة الإستحمام مستسلمًا لهطول الماء البارد فوق رأسه وج. سده  بالكامل علها تهديء من روعه ليخرج مرتديًا قطعة ملابس تحتية فقط، التقط  هاتفه بعدما عقد النية لمهاتفتها كي يعتذر، خرج بشرفته الخاصة بالغرفة وضغط  زر الإتصال لينتظر الرد،.
كانت تتوسط فراشها ودموعها الغزيرة لم تنقطع منذ أن عادت، استمعت لصدوح  الهاتف لتنظر بشاشته وبدون تفكير ألقت به بعيداً بعدما تأكدت أنه هو،  انتهى الاتصال وعاد يصدح من جديد لتضغط على زر قطع الإتصال مما جعله يبتسم  ليقول بصوتٍ مسموع: -عنيدة.
امسك بعُلبة سيجاره وأخرج واحدة وأشعلها ليلصقها بشفتاه ويأخذ نفسًا  عميقًا ويخرجه بالاعلى، بات ينظر على دخانها الذي شكل سحابه فوق رأسه لينظر  للسماء وكرر اخذه نفسًا من السيجارة قبل أن يضعها بالمطفأة ويمسك بهاتفه  من جديد ليبعث لها برسالة صوتية لتصلها في الحال مما جعلها تمسك بالهاتف  تتفقده لتزفر حين علمت مصدر الرسالة، ألقت بالهاتف مرةً أخرى بإهمال لتغير  قرارها بلحظة وتسحبه من جديد لتفتح الرسالة لتستمع لصوته وهو يقول بتأثر:  -أنا عارف إنك زعلانة مني، وطبعًا معاكِ حق، بصراحة أنا كنت اوفر قوي في رد  فعلي.
صمت ليأخذ نفسًا عميقًا ويتابع مسترسلاً بصوتٍ يملؤه الندم: -بس يشفع لي  خوفي عليكِ وإصراري على إنك تاخدي حقك من الحقير ده، وخصوصًا إن دي تاني  مره ترفضي مساعدتي ليكِ
واستطرد مذكرًا: -مرة في النيابة يوم والد طليقك ما اتهجم عليكِ، وبردوا رفضتي عرضي لمساعدتك، والمرة التانية كانت النهاردة
وصلتها رسالة أخرى ففتحتها بملامح وجه حادة: -إيثار، أنا أسف.
لا تنكر انتفاضة قلبها عندما استمعت لنطقه باسمها للمرة الاولى وبكل هذا  السحر، تنهدت بضيق لترفع رأسها للأعلى ساندة للخلف لتستمع لصوت وصول رسالة  أخرى لتنظر بالهاتف وتضغط لتشغيلها لتستمع لصوته الهاديء وهو يحاول  مداعبتها: -طب إيه، هتفضلي تسمعي الفويسات من غير ما تردي عليا؟
علي فكرة، لو مردتيش حالاً هتصرف بأخلاق شرشبيل وساعتها ماتلوميش غير نفسك.
قطبت جبينها تتفكر بمقصد حديثه لتصلها رسالة نصية: -أنا بجد أسف، أرجوكِ تقبلي إعتذاري.
قرأت الرسالة لتطلق زفرة عميقة وتلقي بهاتفها جانبًا بإهمال، فمازال  غضبها عارم وكلماته المهينة تصدح بأذنها وحالتها المزاجية سيئة للغاية ولا  تقبل بالمزاح، أما هو فقد زفر بقوة ليرفع رأسه للأعلى مغمضًا عينيه وبدأ  بتنظيم أنفاسه عله يستطيع إخراج ما بداخله من طاقة سلبية ومشاعر بالحزن  ملئت قلبه جراء ما حدث.


تعليقات



<>