رواية انا لها شمس الفصل الخامس عشر 15 والسادس عشر 16 بقلم روز امين

     

رواية انا لها شمس الفصل الخامس عشر 15 والسادس عشر 16 بقلم روز امين


 الفصل الخامس عشر

استيقظت بصداعٍ نصفي ينهش برأسها ويكاد أن يشطرها لنصفين من شدته،  تألمت روحها وتوجعت حتى وصلت للفتور، فما عادت الدموع تغسلُ قلبها كما  كانت، ولا الشكوي تُريح روحها المُتعبة، فاتخذت من الصمتِ ملاذاً لها  وأودعت أمرها إلى بارئها كي يجعل لها مخرجاً من براثن أعدائها الكُثر، أخذت  نفسًا عميقًا لتجدد بهِ عزيمتها المنهارة ثم تحركت للحمام وتوضأت وخرجت  ترتدي ثياب الصلاة لتُشرع بصلاة ركعتي الضحى ثم تجهزت وارتدت بذلة باللون  الأسود إعتلاها حجابًا باللون النبيذي لتُلقي نظرة أخيرة تقيم بها هيأتها  قبل أن تنطلق إلى الخارج متجهة صوب المطبخ، لتجد عزة تقوم بتجهيز الفطور  فاتجهت صوب الصغير الجالس حول الطاولة يتناول كأس حليبه لتميل عليه واضعة  قُبلة فوق رأسه ليهتف الصغير متفاخرًا بحاله بانتشاء: -شفتي يا ماما أنا  شاطر إزاي، لبست يونيفورم المدرسة لوحدي.
-شطور يا حبيبي، چو ده أجمل واشطر حد في الكون، نطقت كلماتها الحماسية  وهي تجذب المقعد لتجلس عليه لتهتف عزة بسعادة بعدما انضمت إليهما بالجلوس  وشرعوا بتناول الفطور: -دخلت علشان اصحيه والبسه لقيته جاهز زي ما انتِ  شايفة
ابتسامة منطفأة خرجت من جانب ثغرها ليسألها الصغير بعدما رأى ملامح غاليته يكسوها الحزن والالم: -مالك يا مامي، إنتِ زعلانة ليه؟
انتبهت على سؤال الصغير الذي نطقه بكثيرًا من التأثر لتنزل كلماته  الصادقة على قلبها تزلزله مما جعلها تتحدث سريعًا كي تنزع من قلبه أية خوف  بشأنها: -أنا كويسة يا حبيبي، مين قال لك بس إني زعلانة.
عيونك، نطقها ببراءة لتبتسم مطمأنة إياه: -عيوني منفوخة علشان منمتش كويس، كان عندي ملف مهم سهرانة عليه.
رفعت عزة حاجبها لتسألها بشك بعدما تمعنت بملامحها وتأكدت من شك الصغير: -مالك يا إيثار، فيه حاجة حصلت في الحفلة إمبارح؟!
تلاقت أعينهم لتتمعن عزة بالتعمق قابلته إيثار بالصمت فعلمت الأخرى أن بها شيئًا ما لتهتف بقلبٍ مرتعب: -إيه اللي حصل يا بنتي؟
-مفيش حاجة صدقيني
تنهدت عزة لتُمسك إيثار بكوب قهوتها ترتشف ما تبقى منه لتهب واقفة وهي تقول على عجالة: -يلا يا چو علشان اوصلك للمدرسة.
-هو أنا مش هروح بالباص؟، نطقها ببراءة لتشملهُ بنظراتٍ حنون قبل ان  تُجيبهُ بما أسعد قلب الصغير: -حابة اوصلك بنفسي علشان نعدي على محل  الحلويات أجيب لك الكرواسون اللي بتحبه تاخده معاك
-ياسلااااام، إنتِ أحلا مامي في الدنيا، نطقها بتصفيقٍ حاد تحت بادرة سعادة  تشق قلبها لتخرج من تحت الركام، ساعدت عزة الصغير والبسته المعطف لتمسك  إيثار بكف الصغير استعدادًا للتحرك لتهتف عزة قائلة: -هتحكي لي لما تيجي.
-خلاص بقى يا عزة، نطقتها بضجر بعدما نفذ صبرها من تلك الفضولية، تحركت  بجانب الصغير ورافقتهما عزة حتى استقلا المصعد الكهربائي ليهبطا، تحركت  ممسكة بكف صغيرها وما أن خرجت من باب البناية حتى اتسعت عينيها وتحول  داخلها لمشتعل، وكأن ما كان ينقصها هو رؤية ذاك الشخص الذي ما كرهت بحياتها  مثله، إنه عمرو الواقف وبجانبه سيارة تشبه تلك التي جلبها لصغيره في ذكرى  يوم ميلاده بعدما قرر إصلاح ما أفسداه والديه ولكن بعد ماذا، فدائمًا ما  يصحو متأخرًا ويأتي بعد فوات الاوان، هتف الصغير باسم أبيه وهو يهرول إليه  ليُقابلهُ الاخر بحفاوة حاملاً إياه وبدأ يدور به بعدما غمرهُ داخل أحض.  انه الحنون، زفرت بسأم حين وجدته يغمرها بنظراته الهائمة التي ما عادت تبغض  أكثر منها، جاهدت حالها لضبط الإنفعال كي لا تفقد ثباتها وتقوم بتوبيخه  وإبلاغه عن مدى كرهها الشديد له ولروئة وجهه البغيض، وما منعها عن ذاك إلا  هذا الصغير الذي لا ذنب له سوى انه وُلد ونُسب لأبٍ حقير خائن بائع الود  والعهود حيث ضرب بجميع المباديء والاخلاق عرض الحائط لينساق وراء غرائزه  الحيوانية دون أدنى تفكير في من أودعته حياتها وحياة صغيرها بين يداه،  وللأسف فاقت على كابوس قلب حياتها رأسًا على عقب، اقترب عليها وهو يحمل  صغيره ليقول بنبرة تفيضُ عِشقًا: -إزيك يا إيثار.
قالها وهو يشملها بنظراتٍ يملؤها الحنين لتشمئز وهي تقول بنفور وملامح وجه مكفهرة: -إيه اللي جابك؟
التف لخلفه يُشير إلى تلك السيارة الموضوعة بجانب سيارته والمزينة بأشرطة حمراء: -جيت علشان أجيب ل يوسف العربية اللي كانت عجباه.
ابتسمت ساخره لتقول بتهكم: -قصدك العربية اللي جيبتوها له ومنعتوه ياخدها علشان تجبروه يضغط عليا بيها؟!
-مامي جابت لي العربية خلاص يا بابي، نطقها الصغير ليسترسل بنبرة  حماسية وهو ينظر لوالدته بسعادة: -أخدتني محل الالعاب وخلتني أختار العربية  اللي عجبتني.
شعورّا بالخزي اعتراه بعدما تيقن صغر حجمه بأعين صغيره والمرأة التي لم  يعشق سواها بهذا الكون ليهمس لصغيره بنبرة يملؤها الندم: -حقك عليا يا  حبيبي، أنا عارف إني إتأخرت عليك وإني كان لازم أجيب لك العربية من زمان
ليسترسل بابتسامة اصطنعها بإعجوبة: -بس ده ميمنعش إنك لازم تفرح علشان بدل ما كان نفسك في عربية بقى عندك إتنين.
-معندناش مكان غير لعربية واحدة، نطقتها بحدة لتستطرد بذات مغزى: -مبحبش احتفظ في شقتي ب كراكيب وحاجات ملهاش لا لازمة ولا قيمة.
يعلم انها تقصده بحديثها لكنه والله لم ولن ييأس وسيظل يسترضيها حتى  يُعيدها لحياته من جديد لينعم بقربها داخل أحض. انه، ابتسم وتحدث بصوتٍ  حنون في محاولة للتأثير عليها كما كان يحدث بالماضي لكنه غفل عن موت الماضي  بالنسبة لتلك التي لم تعد كما السابق: -معلش يا إيثار، خليها علشان يوسف  ميزعلش.
نظرت لصغيرها لتقول له بابتسامة حنون كي لا يستمع لما سيقال ويخلق لديه  عقدة: -إستناني في العربية علشان عاوزة بابي في موضوع مهم يا چو، هتف  الصغير وهو يستعد للإفلات من داخل احضان والده: -حاضر يا مامي.
قبل صغيره بوجنته قبل أن يُفلته ليهرول الصغير إلى السيارة مستقلاً  مقعده المجاور لوالدته لتقول هي: -يوسف زعل لما إتمنع واتحرم من إنه يحتفظ  بحاجة عجبته وحبها، قالتها لإشارة لما حدث من إجلال لتستطرد بابتسامة  متهكمة: -لكن إيه اللي هيزعله لما يستغنى عن حاجة هي بقت موجودة عنده  أصلاً، وصلت متأخر كالعادة
ياريت تكون فهمت قصدي يا أستاذ عمرو.
ابتلع لعابه خجلاً ليتحدث بنظرات توسلية: -طب علشان خاطري خليها للولد،  أنا خلاص إشتريتها، وإنتِ عارفة إن الحاجات دي مش بترجع، هرميها في الشارع  يعني؟
هتفت بقوة بذات مغزى: -وترميها ليه، إديها لبنتك اللي خلفتها من صاحبة الصون والعفاف.
انتابه شعورًا باليأس والخجل بعدما ضغطت على الماضي بكل قوتها وهي  تذكره بذلته اللعينة، أنزل بصره لتهتف وهي تنظر له بقوة: -أكيد المحامي  بلغكم بقراري بخصوص رؤية يوسف، ومش بعيد تكون الست إجلال هي اللي باعتاك  لحد هنا بالعربية علشان إيثار الهبلة تتنازل وتبعت لكم الولد تاني
لتسترسل بنبرة تملؤها القوة والصمود: -بس ده مش هيحصل، أنا مش مستعدة أهد  كل اللي ببنيه وانا بحاول اصنع من إبني بني أدم بنفسية سوية.
ثم أشارت بأصبع يدها السبابة وهي تقول بنبرة تهديدية: -مش هسمح لأي  مخلوق يأذي إبني ويفقده سلامه النفسي لمجرد إنه ينفذ تخطيط حقير لتركيعي
رمقته بنظراتٍ كارهة وهي تتابع بتهديدًا مباشر: -ياريت ما تضطرنيش أقول  الكلام ده تاني لأن المرة الجاية مش هيبقى مجرد كلام، ده هيبقى بلاغ رسمى  للمجلس القومي للطفولة والأمومة وكل المنظمات المسؤلة عن حماية الطفل.
واستطردت بنبرة مبطنة بتهديدٍ قوي: -وأظن الحاج نصر في غنى عن كل ده،  الراجل داخل على إنتخابات ومحتاج السمعة الكويسة، متنساش تبقى توصل له  الكلمتين دول هو والست الوالدة.
-ليه كل ده يا إيثار، إنتِ عارفة إن مفيش أغلى منك إنتِ ويوسف في  حياتي، وعمري ما هسمح لحد يأذيه بأي شكل، نطقها بضعفٍ وعيون متوسلة لتهتف  بقوة ونظراتٍ نارية: -مجرد إنه منسوب لإسمك ده لوحده بيأذيه، ومرة تانية لو  سمعتك بتجيب سيرة غلاوتي ههينك أكتر من كده.
رمقته بحدة أكثر لتسترسل بنبرة يملؤها الغضب: -إبعد عني واحمد ربنا إني  مشوهتش صورتك قدام إبنك وده مش علشانك، لا، ده علشان مصلحة إبني، علشان  مخرجش للمجتمع بني أدم مشوه
ثم استرسلت بتهديد: -وإحمد كمان ربنا إن إبنك معايا الوقت، مرة تانية لو  شفتك قدام العمارة هبلغ البوليس، وأظن إنتَ فاكر إني عاملة لك محضر عدم  تعرض
واسترسلت بابتسامة ساخرة: -يعني هتتروق في القسم لو بلغت فيك يا عمور.
نطقت كلماتها المقللة لشأنه لتسترسل وهي تتحرك صوب سيارتها: -قول لبابي  باي يا يوسف علشان مضطرين نتحرك علشان ألحق أوصلك للمدرسة قبل ما اروح  شغلي.
رد عليها بدلاً من صغيره وهو يلهث خلفها: -خليني أوصله وإنتِ روحي شُغلك علشان ماتتأخريش.
ابتسمت ساخرة لتجيبه بعدما التفت لتواجهه: -تفتكر انا ممكن أأمنك عليه بعد اللي شفته على اديك؟
تنهد بألم لعلمه مدى غضبها منه ليقترب منها قائلاً بنبرة حنون: -أنا  عارف إنك محبتيش حد في الدنيا كلها غيري، وإن كل كلامك الجارح ده خارج من  ورا قلبك، علشان كده مش زعلان منك بالعكس، أنا نفسي تديني فرصة تانية علشان  أنسيكِ اللي حصل، هعيشك ولا البرنسيسات يا إيثار.
واستطرد بحماس وانتشاء: -أنا بقى معايا فلوس كتير قوي بعيد عن فلوس  ابويا، هعيشك إنتِ ويوسف ملوك على الارض، بس إنتِ وافقي وارجعي لحُضني  تاني، نطق كلماته الاخيرة باستعطاف لتبتسم ساخرة وهي تقول: -مسكين، لا وغبي  كمان
نطقت كلماتها لتستقل السيارة فأشار الصغير قائلاً ل أبيه: -باي باي يا بابي.
أشار للصغير ووقف بقلبٍ يتمزق ألمًا وندمًا يتابع حبيبته وهي تنطلق  بسيارتها حتى اختفت عن عينيه، اعتدل ليستقل سيارته فوجد سيارة الصغير مما  جعله يزفر بقوة ويتلفت حوله ليجد حارس البناية فأشار له ليأتي الرجل  مهرولاً وهو يقول: -نعم يا بيه.
-خد العربية دي إديها لعيالك لو عندك أو إديها لأي حد، نطقها وهو يستقل  مقعده لينطلق مسرعًا تاركًا خلفه الرجل مذبهلاً لارتفاع سعر تلك العربة.
ظهرًا.
إنتهى من التحقيق بإحدى البلاغات ثم أشار لكاتب النيابة ليخرج وألقى  برأسه للخلف مغمضًا عينيه لأخذ قسطًا من الراحة، لاحت بمخيلته دموعها وهي  تنظر له بعينيها لائمتين، زفر بقوة فمنذ ما حدث بالامس وطيفها لم يفارق  خياله حتى بنومه، اعتدل ليسحب الهاتف بعدما عزم أمره على أن يكرر إعتذاره  من جديد، سحب نفسًا عميقًا ليضغط زر الهاتف برقم تلك التي كانت منكبة على  مكتبها تتابع عملها على جهاز الحاسوب الخاص بها ليصلها صدوح رنين الهاتف،  استدارت برأسها لترى من المتصل فزفرت حين وجدت رقم خاص، عادت ببصرها من  جديد إلى شاشة الحاسوب تتابع ما تعمل حتى انقطع الاتصال لتتطلع إليه من  جديد وغصة مرة وقفت بحلقها حين تذكرت كلماته المهينة وهي تنزل على كرامتها  كالسوط، أما هو فاستشاط داخله وغضب من تجاهلها له، فقد عذر تصرفها بالأمس  وعدم إجابتها على إتصالاته ولكن ما يمنعها الأن من الرد، كم تمنى أن يستمع  لصوتها حتى يستريح ضميره الذي بات يجلده منذ ما حدث وللأن، حتى ولو هاجت  ولامته مثلما فعلت بالامس، نهض وإلتف حول مكتبه ليقف أمام النافذة يتطلع  إلى الخارج ثم زفر بقوة عله يُخرج ما بصدره من ضيق.
أما هي فقد هبت من جلستها بحدة بعدما انتوت حظر رقمه فذهبت إلى هانيا  لتسألها بملامح وجه متجهمة: -هانيا، هو أنا ينفع أعمل بلوك لرقم برايفت؟
هو فيه طريقة كده سمعت عنها ممكن نجربها ونشوف، وريني أخر مكالمة، مدت  يدها وناولتها الهاتف وبلحظة حسمت أمرها كأن قلبها ثار عليها لتسحب الهاتف  من جديد وهي تقول بصوتٍ مرتبك: -خلاص يا هانيا، مش مهم.
اختطفت هاتفها وانسحبت سريعًا للداخل مما جعل هانيا تلوي زاوية فمها  متعجبة تصرفها، ولجت لمكتبها وتحركت سريعًا لترتمي فوق مقعدها وجسدها  بالكامل يرتجف لتهمس بسريرتها: -ماذا أصابك يا فتاة، أما زلتي تشعرين  تجاههُ بذاك الإحساس اللعين؟
وضعت كفها على موضع القلب لتحدثه بعتاب: -ما بالك أيها العاصي العنيد،  أما اتفقنا أن تكون لي دِرعًا أتوارى خلفه وأصد به ضربات الهوى الموجعة!،  لقد عاهدتني بأن تُلقي في غياهب الجُب دقاتك ووعد الحر دينًا، لما الأن  تتخلى عني وتُلقي بوعودك عرض الحائط لأجل عيناه، عُد سالمًا إلى قواعدكَ  ولا تخذلني ولا تكن مثلك مثل الجميع.
تنهدت بعمق ليخرجها صوت رنين جرس أيمن لتضغط مجيبة: -ايوا يا افندم.
-تعالي لي حالاً يا إيثار وهاتي معاكِ ملف الصفقة الاخيرة، نطقها فانسحبت بعدما أخذت الملف المطلوب.
مساء اليوم التالي.
طلب من إحدى العاملات أن تصنع لهُ كوبًا من عصير البرتقال الطازج وتخرجه  له بالحديقة حيث اتخذ مقعدًا وجلس للاسترخاء أمام حوض المسبح، أخذ يفكر في  من شغلت حيزًا كبيرًا من تفكيره وهذا ما جعله ينفر من حاله وبات يؤرقه  مؤخرًا، ماباله هو ببنات حواء، ألم يعاهد حاله بالبعد عنهُن، فقد كره  النساءَ وقرر مقاطعتهُن والنأي بحالهِ من براثن ألاعيبهُن بعدما عاشر تلك  الحقيرة وأزاح الستارُ ليظهر وجهها القبيح، ترسخت بلُب عقلهِ فكرة أن  جميعهُن فارغات عقلٍ وطامعات وجُل ما يدور بمخيلتهُن هو الحصول على المال  بأية وسيلة وفقط، فهل حضرت تلك ال إيثار لتقوم بتغيير تلك الفكرة الراسخة  وتُخرجهُ من ظُلماتِ أفكاره إلى نور جنتها! زفر بقوة وهز رأسهُ وكأنهُ ينفض  تلك الأفكار الشاذة عن مخيلته، لا ينكر حزنهُ الشديد وسوء حالته المزاجية  منذ ما حدث بينهما بالأمس، يكادُ يجزم بأن رؤية دموعها هي الأسوء على  الإطلاق، فقد نزلت على قلبه ك سياطٍ ألهبت بجلداتها كل ما قابلته وكانت  كفيلة بأن تسحبه بدوامة الحزن إلى الان لم يستطع الخروج منها.
فاق من شروده على صوت والدته حيث أقبلت عليه لتميل منحنية للأمام وهي  تضع حاملاً به كأس العصير خاصته ليقول بابتسامة: -دكتورة عصمت بنفسها جايبة  لي العصير، ده إيه الرضا ده كله يا دكتور.
-طول عمري وأنا راضية عنك، إنتَ اللي عامل زي القطط، قالتها بمزاح  لترتفع قهقهاته العالية، جلست بمقعدٍ مقابل له وتمعنت بعينيه لتسأله  باستفهام: -مالك يا حبيبي؟
-مالي يا ماما!، نطقها بعينين متعجبة لتجيبه الاخرى بريبة: -مش عارفة  من ساعة ما رجعت من الحفلة إمبارح وإنتَ متغير، حتى على الغدا ما نطقتش  بكلمة واحدة
زفر بعمقٍ لتسترسل هي بمداعبة: -هو الموضوع عميق قوي كده؟!
ضحك لمشاكسة والدته له وبسط ذراعه يلتقط به كأس العصير ليرتشف منه القليل  ثم نظر لها بتمعن قائلاً: -إنتِ عاوزة توصلي لإيه بالظبط يا دكتور؟
عاوزة أعرف إبني حبيبي ماله، نطقتها بجدية ليجيبها بنبرة يُغلفها  الندم: -زعلت حد مني قوي، أهانته بدون وجه حق وبعدها إكتشفت إنه كان مظلوم  وأنا اتسرعت في حُكمي عليه من غير ما أفهم الموضوع صح.
تحدثت بعقلانية: -بسيطة، كلمه واعتذر له
لوى جانب فمه ليجيبها بنبرة حزينة: -حاولت أتصل بيه، بس رفض المكالمة.
اعتدلت بجلستها لتقول بنبرة أكثر تعقلاً: -سيبه يومين يهدى وبعدها حاول  تتصل بيه تاني، لما بنتجرح قوي بنحب نختلي بحالنا ونبعد عن كل الناس.
-عندك حق، قالها بموائمة لرأيها لتسألهُ بمكرٍ: -مش هتقولي مين اللي إنتَ زعلتها ومش قادر على بعدها دي؟
أطلق ضحكاتٍ عالية لتسترسل هي بدهاء: -مهو متحاولش تقنعني إن كل الزعل والحزن اللي ناطط من عينك وإنتَ بتكلمني ده علشان راجل!
توقف عن قهقهاته ليجيبها بابتسامة ماكرة: -واحد صاحبي صدقيني.
رفعت حاجبها باستنكار ثم أجابته بمشاكسة: -ماشي يا أبن سيادة المستشار،  هعمل نفسي مصدقاك، بس هستنى اليوم اللي تيجي لحد عندي وتحكي لي فيه عن كل  حاجة.
لتسترسل بغمزة من عينيها: -وقلبي بيقول لي إن اليوم ده مش بعيد.
تطلع أمامه وبلحظة احتدت ملامحه وتحولت لقاسية ليقول بصرامة: -مش  دايمًا إحساسنا بيكون صح، ساعات القلوب بتخدع وتظهر لنا صورة مُغايرة  للواقع وبعدها نفوق على كابوس عمرنا.
-إنسي يا فؤاد، إنسى وحاول تلحق اللي فاضل من حياتك، مش كل الستات  نجلا، دور على واحدة بنت حلال تكمل معاها مشوارك، قالتها بتأثر لتسترسل  برجاء وقد لمعت عينيها من إثر الدموع: -نفسي أشوف لك طفل يا ابني، متحرمنيش  من إني أشوف ولادك بيتحركوا قدام عنيا يا فؤاد.
وما أن نطقت بكلماتها حتى هاجمت تلك الذكرى المؤلمة عقله ولاحت صورة  جنينه التي قت. لته تلك المجرمة بدون رحمة، إنه لشعورًا قاتلاً أن يصلك رفض  امرأتك بل واشمئزازها من الإحتفاظ بقطعة منك داخل رحمها، وبلحظة احتدم  غيظًا وهو يقول بصوتٍ حاد: -ماما أرجوكِ، أنا مية مرة قولت لك إني مبحبش  السيرة دي، وإنت مصممة في كل مرة بنقعد فيها مع بعض إنك تفتحي الموضوع.
انتفض واقفًا ليصيح مسترسلاً وسهام الغضب تُطلق من عينيه: -زي ما يكون بيصعب عليكِ أكون عايش رايق.
قال كلماته وانطلق مسرعًا صوب الداخل لتتنهد وهي تتحدث بقلب إمٍ مقهور  لأجل نجلها: -حسبنا الله ونعم الوكيل، ربنا ينتقم منك يا نجلا على اللي  عملتيه في إبني
وكررت دعوتها بصوتٍ يصرخ ألمًا: -ربنا ينتقم منك.
بعد يومان
ارتدى ثيابه بالكامل إستعدادًا لمغادرته والعودة لبلده بعدما قضى يومان  داخل أحض. ان زوجته السرية شذى ليستعيد رونق حياته التي سرقتها منه تلك  المتجبرة سليطة اللسان الملقبة ب إجلال، تحركت تلك الفتاة اليافعة بجواره ل  إيصاله إلى الباب لتقول بنبرة دلالية: -بقولك إيه يا بيبي، كنت محتاجة منك  شوية فلوس.
عيني ليكِ، نطقها بهيام ليسترسل بإبانة: -شوفي عاوزة كام وهحولهم لك على حسابك في البنك.
-ربنا يخليك ليا يا حبيبي، نطقتها بدلال وهي تتحس. س ص. دره ليقول  بنبرة حماسية: -إصرفي على كيف كيفك واللي تعوزيه كله بإشارة واحدة يبقى تحت  رجليكِ.
ضحكت بسعادة لتقول بصوتٍ متردد: -طب كنت عاوزة اكلمك في موضوع تاني.
وقف يقابلها ليستفسر: -خير
زاغت بعينيها لعلمها رفضه للموضوع لكنها قررت ان تتجرأ وتطلبه منه مرةً اخرى: -انا نفسي أرجع الشغل قوي، زهقت من قعدة البيت.
-شكلك إتجنيتي يا شذى، عاوزة ترجعي الكبارية تاني؟!، نطقها بحدة  ليسترسل بغضبٍ عارم: -مبقاش إلا كده كمان، مرات نصر البنهاوي عضو مجلس  الشعب تقف تخدم على الزباين وتفتح لهم قزايز القرف اللي بيطفحوه.
ربعت ذراعيها فوق صدرها لتهدر غاضبة باكفهرار: -وهو أنتَ يعني كنت عرفتني منين يا سيادة النائب؟!
-عرفتك من شقة في حفلة خاصة كنتي واقفة تخدمي علينا، ولما دخلتي دماغي  ونغششتي جواه عرضت عليكِ الجواز، وكان شرطي وقتها إنك تبطلي شغل وتبقي  بتاعتي، وقصاد كده قولت لك إن كل الفلوس اللي هتطلبيها هتبقى تحت جزمتك،  قالها بغضب ليسترسل بإبانة: -وأظن انا وفيت بوعدي معاكِ، ولا إيه يا بنت  الناس؟!
-يعني مفيش فايدة، قالتها بيأس ليقول بنبرة صارمة: -لو الكلام مش عاجبك نفضها سيرة وكل واحد يروح لحاله.
ارتبكت وبسرعة البرق تغيرت لهجتها لتبتسم قائلة وهي تقترب ملتصقة به بدلال: -هو أنتَ محدش يعرف يهزر معاك خالص.
-مليش في الهزار والكلام المايع، بحب اقطع عرق واسيح دم، كلمات حادة  ذات مغزى نطقها لتبتسم وتميل عليه تضع قبلة مراضاة قبل ان يرحل، ابتسم  بخباثة لعلمه كيفية التعامل مع تلك الطامعة.
بعد مرور إسبوع ليلاً داخل مسكن عزيز الخاص، استغلت غياب عزيز خارج  المنزل حيث ذهب هو وأبيه و وجدي لأداء واجب عزاء بأحد ساكني القرية، أمسكت  هاتفها وضغطت زر الهاتف ليأتيها صوت تلك التي زفرت قبل أن تسألها بحدة:  -عاوزة إيه يا نسرين؟
-هكون عاوزة إيه غير سلامتك يا حبيبتي، نطقتها بذات مغزى لتهتف متسائلة بسخطٍ ظهر بصوتها: -جهزتي لي العشر ألاف اللي طلبتهم منك؟
بنبرة ساخطة هتفت بحدة متهكمة: -ده على أساس إني ماكينة فلوس ومسخرة نفسي ل تحقيق أحلام الاميرة نسرين؟!
زفرت الاخرى بقوة قبل أن تهتف بضجر: -بلاش تستفزيني بكلامك زي كل مرة  يا سُمية، مش كل ما أطلب منك قرشين مزنوقة فيهم هتفتحي لي تحقيق وتقعدي  تقطمي فيا
لتسترسل لائمة: -أمال لو مكنتش أنا السبب في الخير اللي بقيتي فيه ده كله.
هتفت باستنكار: -خير إيه يا حبيبتي، محسساني إني غرقانة في فلوس نصر  البنهاوي وبغرف منها، يا حسرة ده أنا بالعافية بجيب طلباتي الشخصية، هي  اللي إسمها إجلال مدية فرصة لواحدة فينا تتنفس بعيد عن سيطرتها، دي حتى  الهدوم بتخلينا نروح نشتريها ومعانا الولية أم سلامة، بتستأمنها على الفلوس  وتخليها تحاسب لنا على اللي بنختاره.
صاحت نسرين بنبرة غاضبة: -سُمية، بلاش تتلائمي عليا وتقعدي تصيحي زي كل  مرة، عاوزة تفهميني إنك مابتلهفيش من فلوس عمرو المتلتلة واللي أكيد مرمية  عندك في كل حتة.
إنتِ عاوزة إيه في ليلتك اللي مش فايتة يا نسرين، نطقتها بسأم لتصيح  الأخرى غاضبة: -عاوزة العشر ألاف جنية يكونوا عندي بكرة، وإلا والله  العظيم، أروح أفتن لعمرو وأقول له إنك كنتي بتستغليني علشان تعرفي كل  تحركاته وتحاصريه لحد ما خربتي بيته
واسترسلت بتهديدًا مباشر: -ولا تحبي أقول له على الرسالة اللي وصلت ل إيثار على تليفونها اليوم إياه؟!
ابتلعت لعابها وصمتت لتهتف الاخرى بغضب: -مش كفاية إنك استغلتيني وكنتي  كل شوية تسأليني على أخبارها واخبار جوزها وأنا ماشية وراكِ زي الغبية، ده  أنا كنت بخلي حماتي تتصل ببنتها تسألها أحوالكم إيه وجوزها فين وكنت  بقنعها إن ده لمصلحتها علشان تاخد بالها منه، واخد منها الكلام واجري  ابلغهولك.
بصوتٍ حاد هتفت سمية: -نسرين يا حبيبتي، بلاش تعملي فيها البريئة أم  جناحين وتحسسيني إن أنا الشيطان الأعظم، أنا من أول ما اتفقت معاكِ قولت لك  وصليني بأخبارها مع جوزها أول بأول والباقي عليا، ولما عرفتي إني ناوية  على جواز من عمرو الفرحة مكنتش سيعاكِ، أنا عارفة إنك بتكرهيها وكان مُنى  عينك تكسريها، فبلاش تجي لي الوقت وتعملي فيها البريئة اللي انضحك عليها من  سُمية.
هتفت بإبانة: -مش هنكر إني خططت معاكِ على كسرة إيثار علشان أشوفها  مذلولة وأشفي غليلي، بس مش طلاقها وخراب بيتنا أحنا يا حبيبتي، إحنا خططنا  سوا أه، بس إنتِ خططتي ولا الشياطين وكنتي متأكدة إن إيثار لما تشوفك في  الوضع الزبالة ده وعلى سريرها لا يمكن ترجع تاني لعمرو.
واستطردت بندم: - وأنا اللي طلعت غبية وخسرت كل حاجة، خسرت العز اللي  عمرو كان معيشنا فيه أيام ما كانت البرنسيسة في بيته، ده حتى الشغلانة اللي  ربنا مَن علينا بيها من ورا نصر، رجع وحط لنا العقدة في المنشار وربط  تمامها برجوع السنيورة.
-قصدك إيه بالكلام ده يا نسرين، شغلانة إيه ورجوع مين، أنا مش فاهمة  حاجة؟!، نطقتها ببلاهة لتهتف الاخرى بغضب: -لو فاكراني غبية وهبلغك بكل  حاجة زي زمان تبقى غلطانة، والفلوس لو موصلتنيش على بكرة بالكتير هكون  متصلة بعمرو وحاكية له على كل حاجة، وساعتها مش هيطيقك أكتر ما هو، ومش  بعيد يطلقك فيها.
-خلاص بطلي رغي، هبعت لك الفلوس بكرة مع اختي الصغيرة عند أمك، قالتها  تحت جشع وراحة قلب الأخرى التي أغلقت لتتنفس براحة وهتفت لنفسها: -حلو قوي،  كدة يبقى معايا تلاتين ألف قلبتها فيهم في ست شهور، أروح اجيب لي بيهم  غوشتين واشيلهم عند أمي جنب إخواتهم الحلوين.
انتهت لتطلق ضحكة سعيدة أما الاخرة فقد زفرت بعدما أنهت الإتصال لتهتف  غاضبة بحدة وسخط: -ماشي يا نسرين الكل، ، مسيرك تقعي تحت إيدي وساعتها  واللي خلق الكون ما هرحمك.
مر عشرة أيام وظل الأمر كما هو عليه، فقد أخذ ما حدث على محمل كبريائه  وقرر عدم مهاتفتها منذ أخر مرة حاول بها التواصل معها ولم تعيره الإهتمام  وهذا ما أغضبهُ وأرغمه على عدم محاولة الإتصال بها مرةً اخرى لكي لا يخسر  كرامته أكثر من ذلك، فقد تصرف عكس طبيعته وتنازل وقدم لها الإعتذار لأكثر  من مرة بعدما كسر جميع قواعده لأجلها ومازال حائرًا كلما فكر بالأمر، لما  ولماذا هي عن غيرها من النساء الذي بدأ يفقد قناع جموده أمامها.
بعد مرور شهرين اخرين على ما حدث بالحفل
داخل دار الأوبرا المصرية، ولج هو وعائلته خلف العامل الذي يصطحبهم للمكان  المخصص لجلوسهم لحضور الحفل، استقر بجلوسه بعدما جلس والداه وشقيقته التي  جاورت زوجها الجلوس ليسأله والده بهدوء: -هي الحفلة هتبتدي إمتى يا فؤاد؟
-ربع ساعة بالظبط وتبدأ يا باشا، قالها برصانة قبل أن تتسع عينيه بدهشة  وهو يراها تجلس بالبلكون المقابل لهم، لا يدري ما حدث له من انتفاضة شديدة  تابعتها رعشة لذيذة سرت بجميع جسده وكأنهما يثوران عليه، فبرغم انه كابر  وعاند شعوره بعدما اتخذ قرار البُعد إلا أن عينيها لم تفارقه وكأن لها  سحرًا تلبسهُ، وعلى العكس، بدلاً من ان ينساها استفحلت مشاعره تجاهها لدرجة  جعلت من طيفها ملازمًا له كظله أينما ذهب ذهبت، أما هي فقد حضرت بدعوة من  نيللي التي قررت الإحتفال بيوم ميلاد إيثار بطريقة مختلفة ليظل راسخًا  بعقلها، حيث قامت بدعوتها بصحبة عائلة أيمن لتناول العشاء بمطعمًا فاخر  وبعدها انضموا للإستمتاع بإحدى حفلات دار الاوبرا المعروفة بالرُقي، تطلعت  إلى تلك المرأة النبيلة التي تشملها بعطفها الدائم هي وصغيرها في محاولة  نبيلة منها بتعويضها للاسرة التي افتقدتها لتقول بنبرة ممتنة: -مش عارفة  أشكر حضرتك إزاي يا مدام نيللي على اليوم الحلو ده، بصراحة فاجأتيني بحفلة  الأوبرا.
ابتسمت لتجيبها بحنوٍ ظهر بصوتها: -إيه متشكرة دي كمان، إنتِ زيك زي لارا ومفيش فرق بينكم
ابتسمت لارا لتقول بنبرة حنون: -كل سنة وإنتِ طيبة يا إيثو.
شكرتها لتقول سالي بنبرة حماسية: -بعت لك هديتك على البيت يا إيثار علشان صندوق كبير ومكنش ينفع اجيبه معايا هنا.
لتهتف لارا بمشاكسة: -أفتن عليكِ وأقولها على الهدية؟
لتصيح الاخرى محذرة: -بطلي سخافة يا لارا، أحلى ما في الهدية مفاجأتها
واسترسلت بابتسامة وهي تتطلع على إيثار: -يارب تعجبك
اثنت عليها قائلة بعرفان للجميع: -ليه تعبتي نفسك، بجد كتير عليا اللي بتعملوه معايا ده كله.
زفر أيمن ليقول بتعنيفًا مفتعل كي يعفي عنها الحرج: -يادي كتير عليا  اللي كل شوية تقوليها دي، وبعدين معاكِ يا بنت، فيه واحدة كل شوية تقول ل  اهلها اللي بتعملوه معايا ده كتير عليا؟!
ابتسمت بإحراج ليقول أحمد بنبرة هادئة: -إسكتوا بقى علشان العرض هيبدأ.
ثم التف يتطلع إلى إيثار وهو يقول بابتسامة هادئة: -كل سنة وإنتِ طيبة يا إيثار.
-وحضرتك طيب يا دكتور، قالتها بسعادة لتنظر أمامها بعدما خُففت الإضائة  إستعدادًا للبدأ، خرجت الفرقة التمثيلية ليبدأ العرض الشهير، عرض باليه  بحيرة البجع،.
اندمجت مع العرض لأبعد حد، فقد كانت الموسيقى رائعة أما الراقصون  فكانوا يتحركون بطريقة إستعراضية بمنتهى الحرفية جعلتها تسرح بخيالها  وكأنها تحولت لفراشة راقصة، أثناء إندماجها تطلعت تتفقد المكان لتجحظ  عينيها وتعود لنقطة معينة من جديد، نعم هو هي أكيدة من نظراته المسلطة  عليها، الاضواء خافتة لكنها تستطيع تحديد هوية الاشخاص وما جعلها تتأكد هي  تحيته حيث مال برأسهِ ك تحيةً منه قابلتها بتجاهل تام فهي مازالت غاضبة منه  برغم مرور الوقت، هز رأسهُ بيأسٍ مع خروج إبتسامة خفيفة على تلك العنيدة،  برغم غضبها الذي مازال قائمًا إلا أن قلبها قد خانها وثار عليها منتفضًا  لتعلو دقاتهُ وكأنها طبولِ حربٍ، باتت تتطلع على العرض بتمعن لتظهر له عدم  إهتمامها بحضوره لكنها لم تستطع الصمود فانهارت قواها الواهية لتتسحب  ببصرها كي تسترق النظر لهيأته بعدما توقعت صرف نظره عنها لكنه باغتها  بنظراته المسلطة فوقها وكأنه لم يرى من العرض سواها، خجلت وسحبت عينيها  سريعًا وبدأت تلعنُ حالها وغبائها الذي صور لها بأنها أذكى من ذاك الداهي،  أتى وقت الإستراحة لتضوي الانوار داخل الساحة من جديد، همس ل عائلته  معتذرًا: -هروح أسلم على أيمن الأباصيري.
نظر والده نحو الإتجاه الذي اشار ناحيته نجله ليهز رأسه بموافقة ويتحرك  الاخر بالممر إلا أن وصل لمقصده، كانت تلتزم الصمت التام وجسدها متخشبًا  تنظر تحت قدميها من جراء ما حدث لتنتفض من جديد حين استمعت لصوته يأتي من  خلفها، فقد وقف خلفها مباشرةً ليقول بصوتٍ رزين واثق: -مساء الخير.
مساء النور، رددها الجميع ليتحدث إلى أيمن: -منور الاوبرا يا أيمن بيه.
-ده إيه المفاجأة الحلوة دي يا سيادة المستشار، نطقها أيمن ليجيبه فؤاد بلباقة: -هي مفاجأة حلوة وغير متوقعة
واسترسل وهو يُشير إلى البلكون المتواجد به عائلته: -أنا كنت قاعد انا والباشا والعيلة ولقيت حضرتك مع عيلتك قولت لازم اجي أسلم.
نظر أيمن إلى علام ومال برأسه بتحية ردها الأخر ليُلقي السلام على  نيللى وأحمد وأشار بتحية صامتة ل سالي ولارا وجاء دور سلام تلك التي اشرفت  على لفظ أنفاسها الاخيرة من شدة توترها ليقول بصوتٍ بات هادئًا: -إزيك يا  أستاذة إيثار.
-الحمدلله، نطقتها بجمود عكس ما يدور بداخلها من توتر وارتباك لا تدري  سببهما ليلتف إلى أن وقف امامها وبكل بسالة تحدث دون خجل: -أنا أسف، عارف  إن الموضوع عدى عليه وقت طويل، بس أنا مدين ليكِ باعتذار قدام الكل
واستطرد تحت ذهولها وذهول الجميع من موقفه: -ياريت تقبلي أسفي.
إبتلعت لعابها من هيأته التي تنطقُ بالرجولة والبسالة ومازادها تلبكًا  هي عينيه التي تشملها وكأنها تحتضنها، بالكاد استطاعت إخراج صوتها لتقول  بنبرة تبدو متوترة: -حصل خير يا سيادة المستشار، نطقتها بهدوء ليقاطعها  معترضًا: -اللي حصل مكانش خير خالص، أنا فقدت أعصابي في اليوم ده وكان لازم  أكون اهدى من كده، بس صدقيني أنا كنت متضايق علشانك مش منك.
كانت تستمع إلى كلماته الاسفة بصوتهِ الواثق أما عن عيناه فلا تسألني،  فقد كانت تفيض حنانًا ممزوجًا بالإعتذار مما أدخلها بحالة لا تحسد عليها،  توترت لتبتعد بعينيها وهي تقول: -متشكرة لذوقك
لم تستطع نطق اكثر من كلتا الكلمتان لتضع نيللي كفها على خاصتها وهي تبتسم  لها بحنان وسعادة لأجل كرامتها التي رُدت إليها بعدما سُلبت امامهم.
مالت سالي بجانب أذن لارا لتهمس باستغراب يرجع لعدم علمهما بما حدث: -إنتِ فاهمة حاجة من اللي بتتقال؟!
رفعت الفتاه كتفيها للأعلى وهي تمط شفتاها للامام بعدم معرفة لتسترسل  الاخرى بمشاكسة: -سيبك إنتِ من الحوار ده وخلينا في البرنس اللي واقف  قدامنا، بذمتك مش شبه أبطال الأفلام الفرنسية القديمة
سخيفة، نطقتها باستخفاف لترد الاخرى: -يا بنتي ده قمر، فرصة كبيرة بلاش تضيعيها من إيدك.
أما أيمن فتحدث بمشاكسة لمديرة مكتبه: -أظن دي أحلا هدية إتقدمت لك النهاردة في عيد ميلادك.
-هو عيد ميلادك النهاردة، إجابته بهزت رأس ونظراتٍ خجلة ليسترسل بنبرة هادئة: -كل سنة وإنتِ طيبة
متشكرة لذوقك، قالتها بصوتٍ خافت لتتحدث نيللي: -إحنا خارجين النهاردة نحتفل بيها، يعنى كلنا هنا النهاردة على شرف الإستاذة إيثار.
-ميرسي بجد يا مدام نيللي، ربنا يخليكم ليا، كلمات نطقتها بعيني متأثرة  مع إبتسامة جذابة سرقت بها لُب ذاك الواقف يتطلع على حُسنها بإنبهار.
-مش تسلم على لارا بنت الباشمهندس أيمن يا سيادة المستشار، جملة نطقتها  سالي لينتبه ويتطلع عليهما لتسترسل بابتسامة هادئة: -شكلك مكنتش تعرفها.
-أهلاً وسهلاً، نطقها وهو يميل برأسه للفتاة برسمية قابلتها الاخرى  بابتسامة هادئة وهي تلكز زوجة اخيها بفخدها ليسترسل مستئذنًا: -العرض دقايق  وهيبدأ، أسيبكم تستمتعوا بيه،.
واسترسل بلباقة وهو يمرر عينيه على الجميع: -اتمنى لكم سهرة سعيدة
وتوقف ببصرهِ فوق عينيها ليكمل بابتسامة حنون: -مرة تانية كل سنة وإنتِ طيبة
أومأت بملامح وجه زادتها كلماته العطرة نورًا وابتهاجًا.
انسحب عائدًا لمكانه ليبدأ العرض بالمواصلة بعد إنتهاء الإستراحة  ليتابعاه كلاهما بقلوبٍ ومشاعر مختلفة عن ذي قبل، فقد بات يتطلع عليها  بنظراتٍ أقوى لتسحب هي عنه بصرها بخجل إلى ان انتهى الحفل وذهب الجميع إلى  وجهته بعدما شكرت إيثار عائلة أيمن على هذا اليوم الجميل والمميز، وعاد  كلاً منهما يفكر بالأخر وتوقعت أن يهاتفها لكن خاب ظنها.
عصر اليوم التالي
كانت تجلس بصحبة عزة والصغير داخل الشرفة يتحدثون سويًا فاستمعوا لرنين جرس  الباب لتنهض عزة متجهة صوب الباب وبعد قليل استمعت لصوت تلك المزعجة  يناديها فاتجهت للخارج لتجد رجل يحمل إحدى باقات الزهور النادرة، تمعنت  بوجه الرجل باستغراب لتهتف عزة قائلة: -واحد جايب ورد وبيقول علشانك.
علشاني أنا!، نطقتها باستغراب ليسألها الرجل باهتمام: -حضرتك الأستاذة إيثار غانم الجوهري.
-أيوا أنا، رد عليها: -فيه هدية وبوكية ورد علشانك.
قطبت جبينها واقبلت عليه تسألهُ: -مين اللي باعتهم؟
اجابها بعملية: -معنديش معلومات، بس الكارت مكتوب عليه
أخذت الكارت وقرأت ما عليه وكان كالأتي: -«برغم إنك عملتي معايا اللي مفيش  مخلوق في الكون قدر يعمله، ومع ذلك مقدرتش أفوت مناسبة مهمة زي دي، كل سنة  وإنتِ طيبة، مع تحياتي، شرشبيل».
إبتسامة عريضة ارتسمت لتُزين ثغرها تحت استغراب عزة التي هزتها لتسألها بفضول: -مين اللي باعت لك الورد؟
استفاقت من حالة الهيام التي سحبتها كلماته داخلها لترد على عزة: -هقول لك بعدين
تنهدت لتقول للعامل بجدية: -أنا أسفة لتعبك بس أنا مش هقدر أقبل الهدية، ياريت ترجعها لصاحبها.
أجابها بجدية: -مش هينفع يا افندم، إحنا مجرد شركة توصيل ملناش علاقة  باللي بعت الهدية ولا عندنا أي معلومات عنه، يعني لو حضرتك رجعتيني  بالاوردر مش هعرف أرجعه لصاحبه.
زفرت لتسألهُ بحدة: -والحل!
رفع الرجل كتفيه للاعلى ليقول بهدوء: -اتفضلي حضرتك استلمي الاوردر وإبقى رجعيه لصاحبه بنفسك.
زفرت بضيق لتقول لعزة: - خدي منه الحاجة ودخليها جوة يا عزة
قدم لها الوصل لتضع إمضائها عليه ثم ناولته بعض النقود ليرحل لتلج للداخل  من جديد لتجد عزة ممسكة بذاك الصندوق الملفوف بشريطًا صغير باللون الاحمر،  زفرت بعمق لتسألها عزة مستفسرة: -مين اللي باعت لك الحاجات دي يا إيثار؟!
اخذت نفسًا عميقًا وأخرجته بهدوء وهي تقول: -وكيل النيابة اللي كان ماسك قضية كريم الله يرحمه.
قطبت الأخرى جبينها وهي تسألها باستغراب: -ووكيل النيابة يبعت لك هدية بتاع إيه؟!
لتشهق وهي تتحدث وكأنها تذكرت: -مش ده اللي كان بيكلمك من ييجي تلات أسابيع ساعة ما خدتي التليفون واتسحبتي وكلمتيه من أوضتك؟!
هي إيه الحكاية بالظبط، متفهميني يا بنت عم غانم! نطقت كلماتها الاخيرة  بغمزة من عينيها لتزفر الأخرى بضيق وهي تقول: -هيكون إيه اللي بينه وبيني  بعقلك يا ست عزة.
واستطردت بألم وهي تتذكر الفارق الإجتماعي الكبير بينهما: -ده راجل  مستشار قد الدنيا وأبوه يتعد من أبرز رجال الدولة، ده غير عيلته الكبيرة
واسترسلت بصوتٍ مختنق بالدموع: -تفتكري إيه اللي ممكن يجمعه ببنت عم غانم الغلبان.
هتفت سريعًا بتفاخر: -فشر، ده أنتِ ست البنات كلهم، ووكيل النيابة ده لو لف الدنيا كلها لا هيلاقي في عقلك ولا أخلاقك ولا طيبة قلبك
استمعت لصوت رنين هاتفها لينتفض قلبها حين رأت رقمه الخاص لتبتسم تلقائيًا  وبلحظة ضغطت زر الإجابة لتستمع لصوته الرجولي المؤثر: -إزيك.
-الحمدلله، سألها بابتسامة هادئة: -عجبتك الهدية؟
-مشفتهاش علشان احكم، قالتها بهدوء ليسألها مداعبًا إياها: -معقولة لحد الوقت مافتحتيهاش؟!
انا سبت لك ربع ساعة بحالها وبعدها رنيت.
ضيقت بين عينيها لتسألهُ باستغراب وهي تتجه صوب غرفتها لتغلق بابها عليها: -وإنتَ عرفت منين إن فات ربع ساعة؟!
السؤال ده عيب يتسأل لواحد زيي، نطقها بغرور ليسألها من جديد: -مقولتليش، مفتحتيش الهدية ليه لحد الوقت؟
-كون إني افتحها معناها إني قبلتها، قالتها بجدية ليسألها باستغراب: -وليه ترفضيها؟!
وليه اقبلها!، قالتها بثبات فأجابها بنبرة هادئة: -تقبليها لسببين، أولهم  بمناسبة عيد ميلادك، ثانيًا الهدية دي ك اعتذار مني ليكِ بسبب اللي حصل في  الحفلة.
اجابته بثبات: -أنا أسفة في اللي هقوله، بس أنا مفيش بيني وبينك اللي  يخليني اقبل هدية منك ده أولاً، ثانيًا اللي حصل في الحفلة مفيش أي حاجة في  الدنيا تمحي الالم والإهانة اللي حسيت بيهم وقتها.
-على فكرة، إنتِ كمان هنتيني ومش عارف إزاي قبلتها على نفسي واتصلت  بيكِ تاني، نطقها مشيرًا لعدم إجابتها على مكالماته السابقة ليتابع  مسترسلاً: -أنا مفيش مخلوق على وجه الأرض قدر يعمل معايا اللي إنتِ عملتيه.
-وانا عمري ما حد إتكلم معايا بالطريقة البشعة اللي إتكلمت معايا بيها،  قالتها باستنكار ليقول سريعًا بمداعبة: -كده نبقى خالصين ونقطة ومن أول  السطر.
-بمعنى؟
أجابها بذكاء: -أقصد إن إحنا الإتنين تجاوزنا في حق بعض، فكده نبقى خالصين
واستطرد بدهاء: -بس أنا ليا شرط علشان أقدر أتجاوز إهانتك ليا
رفعت حاجبها متعجبة لتسأله ساخرة: -كمان! وياترى إيه بقى شرط جنابك؟!
إنك تقبلي هديتي، قالها بصوتٍ راجي لتجيبه باحراج: -معلش تعفيني من الطلب ده لاني حقيقي مش هينفع
عندما وجدت منه الصمت استرسلت كي لا يحزن: -أنا ممكن أخد الورد وده كفاية جداً بالنسبة لي، بس الهدية أنا أسفة.
باغتها بطلبه: -طب مش تفتحيها وتشوفيها الاول، مش يمكن تعجبك وتحبيها؟!
بنبرة هادئة وواثقة أجابته: -أيًا كان نوع الهدية فأنا متأكدة إن ذوقها هيكون هايل وراقي، لكن الموضوع بالنسبة لي مسألة مبدأ.
سألها باستفسار: -هو أيمن الاباصيري مجابلكيش هدية؟
أجابته بهدوء: -جاب لي طبعاً، بس الموضوع هنا مختلف، الباشمهندس أيمن  بيعتبرني زي لارا بنته، ده غير إن أنا بردها له في اعياد ميلاده وأي حد من  العيلة.
-خلاص كده إتحلت، قالها بدهاء لتسأله مستغربة: -إزاي؟
اجابها: -ترديها لي في عيد ميلادي
للأسف، مش هقدر، قالتها بحزم ليسألها: -ليه؟!
-علشان زي ما قولت لك من شوية، مفيش بيني وبينك اللي يخليني اقبل هدية  منك، نطقتها بحسم ليقول ما جعل قلبها ينتفض ويثورُ عليها: -طب ولو قولت لك  علشان خاطري، بردوا هترفضي!
أرجوك بلاش تصعبها عليا، نطقتها بصوتٍ راجي ليجيبها بدهاء: -لو ده هيريحك خلاص، خلينا نتفق على ميعاد ترجعيها لي فيه
قطبت جبينها ليسترسل هو: -إيه رأيك لو نتعشى مع بعض بكرة، أنا عارف مطعم بيعمل أكل إيطالي تحفة، متأكد إنه هيعجبك
تنهدت بعمق قبل ان تقول له: -أنا أسفة، بس حقيقي مش هينفع.
سأم رفضها المتكرر ليقول متعجبًا: -طب أعمل إيه تاني علشان أريحك؟
-متعملش حاجة، أنا بكرة هبعتها لحضرتك مع ساعي الشركة لحد مكتبك،  قالتها بعد تفكير، ليجيبها بمكر: -أكيد بتهزري، معقولة هتبعتي لي هدية على  مقر النيابة؟!
ليسترسل لإقناعها: -مقر النيابة ليه قدسيته، ولا إيه يا استاذة؟
-طب هنعمل إيه؟، قالتها بعدما انتهت حلولها ليجيبها بمراوغة: -خلينا  نتقابل بعد ما تخلصي شعلك قدام كافية لؤلؤة، المكان قريب منك يعني مش  هتتأخري.
بعد تفكيرٍ دام أكثر من عشرون ثانية أجابته باستسلام: -أوكِ.
-عندي طلب أخير لو أمكن، قالها برجاء ليستطرد سريعًا: -ممكن تعتبريه رجاء.
اجابتهُ بترقب: -لو هقدر أعمله أكيد مش هتأخر
-هتقدري لأنه بسيط جدًا، قالها بهدوء ليستطرد بتمني: -عاوزك تفتحي الهدية وتقولي لي رأيك فيها
وقبل أن تعترض تابع مسترسلاً: -يهمني جداً إني أعرف رأيك في ذوقي، ياريت مترفضيش
لم تستطع الرفض بعد إلحاحه الشديد لتقول له بنبرة مستسلمة: -حاضر.
ابتسم ليقول بمشاكسة: -يا سلام لما بتبقي مطيعة، بتبقى تجنني
خجلت من كلماته لتقول باستئذان: -أنا مضطرة أقفل، بعد إذنك.
-قبل ما تقفلي عاوزة اقول لك على حاجة، نطقها لتستمع بتمعن وهو يقول  بنبرة صادقة: -أنا مستغرب نفسي قوي معاكِ، تعرفي إني عمري ما اتأسفت لحد،  مش تكبر ولا غرور أكثر من إنه إنضباط نفسي لأبعد الحدود بيمنعني إني أغلط،  ولو فلتت وغلطت مبحبش أعتذر مباشر، ممكن أعمل للشخص اللي غلطت في حقه حاجة  توصله لمعنى الإعتذار بس من غير ما انطقها مباشر.
أخذ نفسًا عميقًا ليسترسل بنبرة صادقة: -معاكِ مش بس إعتذرت بالكلام،  لا، ده الامر وصل إني ارن عليكِ يومين ورا بعض وسيادتك تطنشيني لا وأرجع  أكلمك تاني النهاردة
تنهد قبل أن يقول بما دغدغ مشاعرها: -معاكِ فؤاد علام بيكسر كل قواعده اللي  وضعها في التعامل بينه وبين الناس وبقى لي سنين ماشي على نهجها، إنتِ  الوحيدة اللي انا سمحت لك بتحطيم أسواري والدخول لأعماقي، إنتِ وبس يا  إيثار.
نزلت كلماته الصادقة على البريءُ قلبها فزلزلته وضربت بجميع تحذيراته  عرض الحائط، أغمضت عينيها لتسرح بمعاني كلماته الرائعة لتنسى وتتناسى معه  ما مرت به من عواصف زلزلت بكيانها ومازالت توابعها تلاحقها للأن.


 الفصل السادس عشر

انهت محادثتها معه بقلبٍ منتشي تشعر بعالمها قد تغير وكأن خريفها  بلحظة تحول لربيعًا وتفتحت زهورهُ لتُضيء ألوانها الزاهية عالمها، كل هذا  بفضل كلماته التي حملتها إلى أعناق السماء لتسبح بروحها داخلها، حتى أن  قلبها كاد أن ينسى كل مامر به من ألام طيلة الفترة المنصرمة، تشعر لأول مرة  مُنذ ما حدث لها بالماضي أنها تريد ترك العنان لقلبها يتحكم بمصيرها وتدع  عقلها الذي يؤرق نفسها جانبًا، هرولت إلى المراة لتنظر لإنعكاس صورتها فرأت  وجنتيها قد أُلتهبت بنار الهوى وتحول لونهما للأحمر الداكن بفضل حبورها  الشديد الذي شملها من مجرد بضع كلماتٍ، فمابالك بنظرة من ساحرتيه أو همسة  أماميهما، تنهدت وأخذت نفسًا عميقًا وزفرته في محاولة منها لتهدأ من حالة  الوله التي أصابتها، باتت تكرر عملية الشهيق والزفير لتنظيم ضربات قلبها  السريعة ثم خرجت بعدما هدأت بعض الشيء لتجد عزة تجلس بجوار الفتى يتطلعون  على ذاك الصندوق الصغير بفضولٍ ليقول يوسف بصوتٍ حماسي: -تعالى إفتحي  الهدية يا مامي علشان نشوف فيها إيه.
حولت بصرها في التو لتلك التي سحبته عنها سريعًا قبل أن ينكشف أمرها  بأنها من حرضت الصغير، تنهدت لتقترب منحنية على الصندوق استعدادًا لفتحه  ليباغتها سؤال عزة التي قالت بتعجب: -إنتِ هتاخديها؟!
نظرت لها باستنكار لترد نافية: -لا طبعاً، انا رفضتها وهرجعها له بكرة
-أُمال بتفتحيها ليه؟!
تنهدت قبل أن تجيبها وهي ترفع كتفيها مدعية اللامبالاة: -هو طلب مني أشوفها وأقول له رأيي فيها.
قطبت عزة جبينها وهي تقول متعجبة: -امره غريب قوي الجدع ده
فتحت الصندوق لتجد مجسمًا صغيرًا لشخصية شرشبيل الكرتونية لتضحك بصوتٍ عالِ  جعل من عزة ويوسف يهرولان لمكانها ليشاهدا ما يضحكها بهذه الطريقة  الهستيرية، أخرجت المجسم بيدها بطريقة إستعراضية لتمررهُ أمام أعينهم ليشهق  الصغير متمتمًا بذهول: -شرشبيل الشرير!
أما عزة فلوت فاهها لتقول وهي تضع كفها فوق فكها بتعجب: -يخيبه راجل، هو جايب لك لعبة؟!
لتشب برأسها داخل الصندوق وتصيح وهي تشير بأصبعها بفضول: -فيه علبة تانية أهي، يظهر فيها حاجة دهب.
أعادت إيثار المجسم داخل الصندوق ووضعته فوق الطاولة واستقامت بعدما  أخذت العُلبة وبدأت بفتحها لتُذهل من شدة ضوء تلك الإسورة المرصعة بالاحجار  الألماسية بإطلالة مبهرة تسحر ناظريها، تمعنت بجمال صنعها المُتقن وكأنها  صُنعت بمنتهى الحرفية لتبدو قطعة فنية مضيئة مُزينة بفصوص الألماس  المتلألئة وكأنها تعزف سيمفونية من الرقي والفخامة لتهتف عزة بعينين  مسحورتين: -إيه الجمال ده كله، دي حلوة قوي يا إيثار.
لم تنكر إنجذابها لتلك القطعة النادرة وبرغم هذا الإنبهار إلا أنها  مازالت عند قرارها التي اتخذته، الأن وفقط فهمت مغزى إصراره على رؤيتها،  كان على يقينٍ بأن هديتهُ نادرة وتُسحر ومن تلك الغبية التي ترفض هدية بهذه  الاناقة وبالتأكيد ثمنها باهظ، استفاقت على صوت التي قالت وهي تشير بكفها  أمام عينيها: -روحتي لحد فين
تنهدت وأعادت غلق العُلبة من جديد لتسألها الاخرى بتعجب: -مش هتلبسيها علشان تشوفيها على إيدك؟!
أعادت وضعها داخل الصندوق لتقول وهي تجذب كف إبنها لتجلسهُ على ساقيها: -وألبسها ليه طالما هرجعها؟!
تطلعت لها لتسألها بتشكيك: -هو أنتِ هترجعيها بجد، دي شكلها غالي قوي.
علي عجالة نطقت بتأكيد: -وللسبب ده بالذات لازم ترجع
واسترسلت بنبرة جادة: -انا مستغربة هو إزاي يجيب لي هدية غالية بالشكل ده وهو ميعرفنيش أصلاً
-مش يمكن بيحاول يتعرف، قالتها بابتسامة خبيثة لترمقها الاخرى بتحذيرًا وهي  تنظر للصغير لتجده ممسكًا بالمجسم وسارحًا بتفاصيله المتقنة بعدما أفلت  حاله من فوق ساقيها وتوجه صوب الصندوق لتسألهُ هي بابتسامة: -عجبك يا چو؟
وضعه بداخل الصندوق وتوجه صوبها من جديد وهو يقول بوجهٍ كاشر: -مش بحب شرشبيل لأنه شرير وبيحارب السنافر.
إبتسامة عريضة زينت ثغرها عندما تذكرت إمضاء ذاك المخادع ب شرشبيل،  تمدد الصغير فوق الاريكة ليضع رأسهُ فوق ساقي غاليته لتعبث بحنان بأناملها  الرقيقة داخل خصلاته الناعمة ليتدلل مبتسمًا وهو يضم ساقها بأحضانه بدلال  تعبيرًا عن مدى شعوره بالأمان والإرتياح، وقفت عزة لتسألها باهتمام: -اعمل  لك حاجة تشربيها معايا؟
-ياريت فنجان قهوة.
أومأت وانسحبت للمطبخ لتنظر هي لصغيرها وباتت تدغدغه بأناملها في بطنه  مما جعل صوت قهقهاته تعلو وتصدح بالمكان لتجلجل أركانه تحت ابتهاج روحها.
ليلاً، كان يجلس بصحبة عائلته ببهو قصرهم الفخم، الجميع يتبادلون فيما  بينهم الأحاديث عدا ذاك الشارد الذهن حيث كان سارحًا في تلك الساحرة التي  استطاعت خطف لُبهُ بجميع تفاصيلها حتى تلك البسمه التي كانت تشع من عينيها  وهي تتطلعُ عليه مازالت مرتسمة بذهنه، صوتها الهامس الأشبهُ بسيمفونية  رائعة مازال عالقًا يترددُ رنينهُ بأذنيه، جديدة عليه تلك المشاعر التي  يحياها لأول مرة حتى مع تلك الخائنة التي غربت شمس سعادته على يدها وتسببت  له بجرحٍ غائر بجبين كبريائه كرجل لم يحدث وعاش بحضرتها مثل هذه المشاعر  الخصبة، إبتسامة رائعة زينت ثغرهُ دون وعيًا منه كانت كفيلة لسعادة قلب  علام الذي نطق لمشاكسته: -اللي واخد عقل سيادة المستشار.
-يتهنى به، قالتها عصمت بمزاحٍ ليرفع حاجبهُ متعجبًا وهو يتحدث لوالداه:  -ده إيه الروقان ده كله، الباشا الكبير والدكتورة بنفسهم بيقسموا عليا
تعالت ضحكات الجميع ليقول ماجد: -على فكرة يا سيادة المستشار، إنتَ فيك حاجة متغيرة النهاردة.
هب واقفًا ليقول وهو يستعد للخروج إلى الحديقة: -ده الكل مركز معايا بقى، أنا احسن حاجة أطلع أتمشى شوية في الجنينة.
-خلي بالك، إنتَ كل مرة تتزنق فيها ومتعرفش تجاوب تهرب، قالتها فريال ليرمقها باستغراب قائلاً: -كُلي سناكس يا فيري.
هزت رأسها وهي تمط شفتاها لإغاظته ليضحك على شقيقته المشاكسة وينسحب  للخارج، تحرك إلى أن وصل للحديقة الخلفية وأخرج هاتفة وقبل أن يطلب رقمها  لغى خاصية عدم ظهور الرقم ليظهر على شاشة تلك التي كانت تتوسط فراشها وهي  تقرأ كتابًا بيدها عن تعديل السلوك الإنساني، لتنتبه على صوت الهاتف وما أن  نظرت إلى الشاشة وجدتها مزينة بحروف إسمه، فؤاد علام زين الدين فقد ظهر  إسمه عن طريق برنامج ال TrueCaller لتبتسم تلقائيًا وتضغط زر الإجابة لتقول  بصوتٍ هاديء كنسيم البحر: -تنازل كبير من سيادة المستشار إنه يمنحني شرف  ظهور رقمه على تليفوني.
قابل كلماتها المشاكسة بقهقهة تفيضُ منها الرجولة لتداعب الفراشات  معدتها على الفور مع إرتعاشة لذيذة سرت بجسدها ليتوقف عن قهقهاته ويقول  بكبرياءٍ مصطنع: -أبشري يا أستاذة، إنتِ دخلتي التاريخ من أوسع أبوابه.
ابتسمت وهزت رأسها من أفعال ذاك المغرور لترد بعدما انتوت مشاكسته: -دخلت التاريخ علشان رقم تليفونك ظهر عندي!
بثقة عالية أجابها: -آه طبعاً، إنتِ عارفة الرقم اللي سيادتك مستهونة بيه ده كام حد في مصر يتمنى يعرفه؟!
ضحكت بسعادة ليتنهد بعمق ثم زفر بهدوء ليتحكم بحاله بعدما اذابتهُ برقة ضحكتها، تحمحم ليسألها بترقُب: -فتحتي الهدية؟
وقبل أن تجيبه شاكسها مسترسلاً: -أظن أديتك وقت كفاية، كده ملكيش حجة
ابتسمت لتجيبهُ بهدوء: -شفتها
وإيه رأيك؟، سألها مترقبًا لتجيبه بصوتٍ مبتسم: -لذيذ شرشبيل.
ابتسم بخفوت لتيقنهُ من أن الفكرة ستنال استحسانها ليسألها من جديد: -طب  كويس إن شرشبيل باشا نال الرضا، طب ده بالنسبة لشرشبيل، إيه أخبار الهدية  التانية معاكِ؟
بهدوء ورزانة اجابته: -أنا قولت لك من قبل ما اشوفها إنها اكيد هتعجبني، وبالمناسبة، حابة أهنيك على ذوقك المميز.
-طب إيه؟، قالها باستفهام لتقابلهُ بابتسامة وهي تقول: -هو أحنا مش إتفقنا خلاص
ليجيبها سريعًا: -لسة ما اتفقناش، إحنا قولنا نشوف الهدية الأول وبعدها هنحكم
قالها بصوتٍ حنون وكأنهُ يترجاها مما جعلها تبتلع ريقها تأثرًا وتجيبهُ  بنبرة حاسمة خرجت مرتبكة بعض الشيء: -أنا بالنسبة لي حسمت قراري من وقتها  وبلغتك بيه
واسترسلت بصوتٍ راجي أثارهُ: -أرجوك ما تضغطش عليا.
انتعش داخلهُ ولم يدري بما تفعلُ به نبراتِ صوتها الناعمة، كل ما  يعلمهُ أنه يشعر بحالة من الإنجذاب القوي لكل ما بتلك المبهرة، نبرات صوتها  بكل حالاته، جديتها، نعومتها، حتى بثورتها تثورهُ وتجعله يريد الوقوف أمام  طلتها ساعاتٍ وساعات، تجذبهُ نظراتُ عينيها المتنوعة ما بين خجلة وسعيدة  وحزينة وحتى الغاضبةِ منها، طلتها، جمالها الساحر برغم هدوئه وبرغم عدم  بذلها لمجهودٍ كي يظهر، حقًا أصبح سعيدًا بحضرتها، وضع كفهُ فوق شعر رأسهِ  ليسحبهُ للخلف بنعومة وهو يبتسم قائلاً: -مقدرش أضغط عليكِ يا إيثار، أنا  لما فكرت في الهدية كان علشان أسعدك بيها وكانت بمثابة إعتذار مني.
-كلامك ليا قدام الباشمهندس وعيلته كان كفيل يمسح أي حزن حضرتك إتسببت  لي فيه، قالتها بكثيرًا من الصدق والعرفان جعل قلبهُ يرتجف فابتسم قائلاً  بعدما انتوى على ان يشاكسها: -على فكرة، مفيش داعي كل شوية حضرتك وجنابك  والكلام الكبير ده، إحنا بنتكلم الوقت ك أصحاب، يعني زي ما أنا بقول لك  إيثار، تقولي لي يا فؤاد.
ارتبكت لسرعة وتيرته بتطور العلاقة بينهما لذا تلبكت وهي تقول على عُجالة: -لا طبعاً مينفعش.
-ليه مينفعش؟، نطقها بهدوء لتجيبهُ بجدية: -علشان حضرتك ليك وضعك ومركزك.
-طب ماحضرتك بردوا ليكِ وضعك ومركزك الكبير قوي في عنيا، وإلى هُنا  وكفا، فقد إنصهرت مشاعر الفتاة وذابت روحها وانتهى الأمر، فكلماتُ ذاك  الماكر قد أصابت هدفها واخترقت كيان تلك التي كانت تدعي الصمود لتكتشف أنه  مجرد صورة واهية إنهارت أمام كلمات ذاك الساحر، اتخذت من الصمت ملاذًا فمن  أين تأتي بكلماتٍ وإذا وجدتها كيف تُخرجها وقد إندثر صوتها تحت ما خلفهُ  دمار كلماته، ابتسم واسترسل ليخرجها من تلك الحالة التي أدخلها بها: -تعرفي  إن إسمك حلو قوي ومميز.
واستطرد بما نهى عليها: -زي كل حاجة فيكِ
أغمضت عينيها وباتت تتنهد وهي تضع كفها على موضع صدرها كي تهدئ من ضربات  القلب التي ثارت وأصبحت كصوت طبول الحرب وكأنها تتمردُ عليها، سألها بنبرة  أكثر حِنوًا: -إنتَ ساكتة ليه يا إيثار، أنا عاوز أسمع صوتك.
بصعوبة أخرجت صوتها المرتعش والذي دل على حالتها لتقول: -هتكلم أقول إيه؟
-أي حاجة منك هتبقى حلوة، وحلوة قوي كمان، قالها بصوتٍ ناعم أقرب  لهائمٌ لتبتلع لُعابها وهي تقول متهربة: -أنا مضطرة أقفل علشان أروح أطمن  على يوسف
ابتسم لخجلها الزائد وتحدث كي لا يزيدها عليها: -أوكِ، إبقى بوسي لي يوسف
نطقها بهيام ارتجف على اثره ج. سدها ليسترسل مذكرًا إياها بجدية: -آه، متنسيش ميعادنا بكرة، الساعة خمسة مناسب ليكِ؟
نطقت بصوتٍ مازال متأثرًا: -مناسب جدًا.
-إتفقنا، تصبحي على خير، نطقها بصوتٍ ناعم لترد بهدوء: -وحضرتك من اهله
زام مهمهمًا باعتراض: -إممممممم، إحنا قولنا إيه؟
إبتسمت لتجيبه: -وإنتَ من أهله
إيثار، قالها بإحساس لترد متأثرة بعد أن سحبها لدوامة عالمه الساحر: -نعم
-خليكِ كده دايمًا، لقد خُلقت السعادة من أجل إزدهار روحك وإنارت وجهك، مابالك أنتِ بالحُزن يا فتاة.
شعورًا هائلاً بالسعادة إحتل مدينتها لتجيبهُ بصوتٍ يفيضُ فرحًا: -يظهر إن الباشا ليه في الشعر كمان.
-أنا ليا في كل حاجة، محتاج بس اللي يكتشفني، قالها بمشاكسة لتبتسم قائلة بهدوء: -بعد إذنك.
أغلقت سريعًا لتأخذ نفسًا بعمقٍ وكأنها كانت تكظم أنفاسها، بلا وعيٍ  ضمت الهاتف إلى صدرها لتغمض عينيها وهي تُطلق تنهيداتٍ عميقة، شعورًا  حُلوًا ولأول مرة تصل إليه وتتعايش داخله، نعم حصلت على بعض المشاعر في  بدايات قصتها المأساوية مع المدعو عمرو، لكنها الأن تيقنت أنها لم تكن أكثر  من ردة فعل على مشاعره الفياضة تجاهها، لقد احبت حبهُ لها وأثارها  إهتمامهُ الزائد وغمرها بحنانه واهتمامه المُبالغ به، لكنه أبدًا لم يكُن  عشقًا من النوع المتعارف عليه.
أما ذاك الماكر الذي تبسم بارتياح بعدما رفضت وبشدة هديتهُ القيمة  والتي أختارها بعناية فائقة بحيث تسحر من تراها ومن الوهلة الأولى تتمناها  ويصعب على أي أنثى رفضها، لكنها مقابل كل هذا الإغراء رفضتها لتريح قلب ذاك  المجروح الذي طُعن بظهرهِ على يد مَن سلمها حياته وكان يغفو بجانبها  مطمأنًا، لذا سيكون حذرًا إلى أبعد الحدود مع تلك ال إيثار وخصوصًا بعدما  استمع إليه من صديقه وكيل النائب العام بشأن أقوال والد طليقها عن إبتزازها  لنجله واستغلال الصغير من أجل الحصول على المال مقابل رؤيته، سيضع جميع  الإحتمالات ولم ولن يعطي الأمان بسهولة، وضع يديه بداخل بنطالهِ القطني  ليفرد قامتهُ لأعلى وبدأ يتنفسُ بانتشاء وهو مغمض العينين والسعادة تغمر  وجههُ ليظهر بوسامة أُضيفت لوسامتهِ الطبيعية ليجعلا منهُ اكثر جاذبية  ورجولة.
صباحًا
داخل منزل أيمن الاباصيري وبالتحديد بغرفة الطعام كانوا يصطفون حول المائدة  يتناولون وجبة فطارهم الصباحي، لتقول لارا بنبرة هادئة: -بابي، كنت عاوزة  أروح أقعد مع إيثار شوية بالليل، يوسف وحشني قوي ونفسي أشوفه.
اشتدت سعادته لرؤية غالية قلبه وهي تطلب الخروج بعدما حكمت على حالها  بالعُزلة منذ ذاك اليوم المشؤوم، ليهتف بنبرة سعيدة: -روحي يا قلبي، خلي  السواق يوصلك الساعة ثمانية، وإن شاء الله في الويك إند هنعزمها هي ويوسف  وعزة ييجوا يقضوه معانا، وممكن نعمل باربكيو.
-حلو قوي الإقتراح ده يا بابي، نطقتها بانتشاء لينظر لها بسعادة وتتنهد  نيللي براحة لتسألها سالي باهتمام: -إبقي إسأليها على رأيها في الفستان يا  لارا، أصلها مكلمتنيش وقالت لي رأيها فيه، وخايفة يكون ذوقي معجبهاش
أمسك أحمد كف زوجته وطبع قُبلة فوقه ليقول مدللاً إياها: -ذوق مين ده اللي ميعجبهاش، أنا مراتي ذوقها يعجب الباشا.
اتسعت ابتسامتها لترد بسعادة: -ميرسي يا حبيبي
أجابها أيمن بهدوء: -أكيد إنشغلت لأن كان عندنا شغل كتير متأخر وكان فيه إجتماع مهم جدًا إمبارح، هتكلمك النهاردة أكيد.
-عادي يا اونكل براحتها، أنا بس إستغربت لأن أي هدية بجيبها لها  بتكلمني بعدها على طول وتشكرني، قالتها بهدوء ليقف ايمن بعدما جفف فمه  بالمحرمة الورقية وهو يقول: -أنا ماشي، عاوزة حاجة يا حبيبتي؟
ميرسي يا حبيبي، نطقتها نيللي براحة ليقف أحمد وهو يقول: -أنا كمان لازم أتحرك حالاً علشان عندي عملية بدري
هبت سالي من مقعدها لتجاور زوجها الوقوف قائلة باهتمام: -هوصلك يا حبيبي.
قاطعتها نيللي بهدوء: -إقعدي يا سالي علشان عاوزة أخد رأيك في حاجة مهمة
واستطردت بعدما وجدت منها نظرات متعجبة: -أحمد خارج مع بباه فمفيش داعي توصليه.
قبل أحمد جبهة زوجته ليتحرك بجانب ابيه تحت تعجب سالي لتقف لارا قائلة:  -أنا هروح أبلغ إيثار في التليفون إني هزورها، وكمان اختار من على النت  كام هدية ليوسف علشان يلحقوا يوصلوا.
ابتسمت لها نيللي لتنسحب الفتاة منطلقة للأعلى لتتطلع نيللي لتلك التي  مازالت متسمرة بوقفتها لتشير لها وهي تقول باستغراب: -ماتقعدي يا سالي
جلست لتسألها بارتياب: -خير يا طنط؟
نظرت لها بحزم لتتحدث بصوتٍ صارم وكأنها تحولت لأخرى: -ياريت اللي حصل  في دار الأوبرا أول إمبارح ما يتكررش تاني، لانه لو إتكرر هزعل منك، وانا  زعلي وحش وإنتِ لسة مجربتيهوش، واتمنى إنك متجربهوش أبداً.
قطبت جبينها متعجبة لهجة نيللي الحادة والتي تراها لأول مرة لتسألها  بتوجس: -حضرتك تقصدي إيه، أنا مش فاهمة حاجة، وإيه اللي أنا عملته زعلك مني  بالشكل ده؟!
رفعت رأسها لتتحدث بكبرياء وتعالي: -غلطة كبيرة قوي منك إنك تعرضي بنت أيمن الاباصيري على المستشار فؤاد علام.
ابتلعت لعابها وانتابتها حالة من الخجل من حِدة نيللي لتقول بدفاعٍ عن  حالها: -أنا مقصدتش خالص من تصرفي المعنى اللي وصل لحضرتك يا طنط.
-كلامك ملوش تفسير عندي غير كده يا سالي، أنا كنت في منتهى الحرج،  الراجل يقول علينا إيه؟، قالتها بنبرة غاضبة لتسترسل بتنبيه: -ثم أنتِ  ناسية الحالة النفسية اللي لارا بتمر بيها؟
وإلى هنا قررت مصارحتها لتقول مبررة تفكيرها: -بصراحة يا طنط انا مش  هكذب عليكِ، أنا فعلاً فكرت إننا ممكن نقربهم من بعض علشان لارا تحاول تخرج  من اللي هي فيه
واسترسلت وهي تهز كتفها: -وبعدين أنا شيفاه مناسب جدًا ليها، وكمان هيبقى إضافة لإسم عمو في السوق.
هتفت بحدة واعتراض: -إسم أيمن الأباصيري مش محتاج حد يسنده ده أولاً،  ثانيًا لارا لازم اللي يختارها يكون بإرادته ويتعب علشان نوافق عليه كمان،  مش إحنا اللي نرمي بنتنا ونعرضها عليه بالشكل المهين اللي عملتيه ده
واستطردت بنبرة جادة: -وبعدين مناسب ل لارا من أي إتجاه، ده عمره ضعف عمرها، واصلاً تلاقيه متجوز.
بلهفة أجابتها بنفي: -لا مش متجوز، أنا شفت إيديه الإتنين مفهومش دبلة.
قالت نيللي بنبرة حاسمة: -إنسي الموضوع ده خالص وخرجيه من دماغك يا  سالي، وإوعي تفتحيه قدام لارا، البنت مش ناقصة إنتكاسات في حياتها، كفاية  اللي حصل لها من الزفت اللي إسمه بسام.
-أنا شايفة إن عامل السن مش مهم، وخصوصًا إنه مش باين عليه خالص  بالعكس، ده غير وضع عيلته ومنصب بباه الكبير وكمان ثروتهم، قالتها بمحاولة  لإقناع الاخرى لتستطرد بانبهار: -ده أنا لما سألت عنهم لقيت ثروتهم كبيرة  جدًا، يعتبر من أكبر أثرياء البلد.
رفعت كفها لتخبرها بما لاحظته بخبرة إكتسبتها عبر سنوات عمرها الطويلة:  -طب ريحي نفسك وبطلي تدعبسي وراه لأن الراجل عقله مشغول وشكله كده بيفكر  يرتبط.
فتحت فاهها لتسألها بفضول: -يرتبط، حضرتك عرفتي منين؟
اجابتها بذكاء: -مهو لو سيادتك ركزتي شوية كنتي عرفتي إنه مهتم ب إيثار ومعجب بيها
فتحت عينيها باتساع وفغر فاهها لتقول بذهول: -نعم، حضرتك بتقولي إيه يا طنط، فؤاد علام هيبص لواحدة زي إيثار!
نطقتها باستنكار لتجيبها الاخرى باستغراب: -ومالها إيثار!، إيه اللي ناقصها علشان واحد زي فؤاد يفكر فيه؟
علي عجالة تراجعت لعلمها محبة تلك المرأة لهذه الفتاة وما تكنه لها من  غلاوة: -ملهاش، ولعلم حضرتك، أنا بحب إيثار جدًا وبحترم كفاحها، أنا حتى  جبت لها هدية عيد ميلادها فستان من نفس الأتيليه اللي بشترى منه لنفسي
واستطردت بأيضاح: -بس ده إبن علام زين الدين بجلالة قدره، والإسم لوحده  يخض، واكيد يوم ما يفكر يختار هيختار إسم عيلة يناسب عيلته قبل أي حاجة  تانية.
وضعت نيللي كفها فوق فكها وهي تقول بدهاء: -وتفسري بإيه وقوف إبن علام زين الدين بجلالة قدره وهو واقف قدامنا كلنا وبيعتذر ل إيثار؟
زاغت عينيها لتقول وهي تمط شفتيها بلامبالاة: -عادي، إنسان محترم وشكله غلط  في حقها وإعتذر لها، الموضوع بسيط ومش محتاج يتفسر بطريقة تانية.
ابتسمت نيللي لتسألها من جديد: -طب ونظرات الإشتياق اللي كانت بتنط من  عنيه وهو بيبص عليها، دي عنيه كانت بتمر على كل ملامح وشها وكأنه بيصورها  علشان يحتفظ بيها ذكري في دماغه.
باذبهلال نطقت: -معقولة يكون كلامك صح!
واسترسلت ببعضًا من الكبرياء: -ده يبقى الزمن جاب أخره على رأي مامي.
قالتها بشرود لتتطلع سريعًا إلى نيللي وهي تسألها بتمعن لردها: -طب تفتكري لو كلامك صح، واحد زي علام زين الدين هيوافق بالمهزلة دي؟
-ده شيء ميخصناش، اللي يخصنا قولتهولك، وياريت دي تكون أخر مرة نتكلم  في الموضوع ده، بنتي خط أحمر بالنسبة لك يا سالي، قالتها بلهجة حادة شبه  تهديدية لترد الأخرى بخجل: -اوكِ يا طنط، اوعدك.
وقفت أمام خزانة ملابسها كي تنتقي ثوبًا يليق برؤياه، فمنذ مكالمة  الأمس وقد تغيرت لتصبح أكثر إهتمامًا بحالها، ابتسمت بحياء حين وقعت  عينينها على ثوبًا رقيقًا باللون النبيذي يختلف عن سابقهُ، تذكرت كلماته  الجريئة عندما أخبرها عن طلتها الهائلة وبأن هذا اللون يليق بها وعليها  الإكثار من إرتدائه، وضعت يدها تتلمس هذا الثوب وبعد قليل كانت ترتديه وتقف  أمام مرأتها تتطلع على الثوب برضا كامل، فقد كان مفصلاً بأناقة من الأعلى  حيث ياقتهُ العريضة والمصنوعة بدقة مرورً بتجسيم خصرهِ المحاط بحزامًا  باللون الأسود تتوسطهُ حلقة مرصعة بحباتٍ من اللون الأسود لينتهي بذيلٍ  واسع ليعطيها مظهرًا خاطف، لفت حجابًا باللون البيچ ليضفي لمسة أنوثة جذابة  على مظهرها، ابتسمت وخرجت من غرفتها ممسكة بحقيبة صغيرة وضعت داخلها عُلبة  الإسوارة لتشهق عزة من جمالها اللافت وهي تقول: -بسم الله ماشاء الله،  شوفتي، كنتي مخبية الجمال ده كله تحت بدلة الرجالة اللي لازقة لي فيها.
-وبعدين معاكِ يا عزة، نطقتها بجدية وهي تزوغ بعينيها متهربة من تفحص  الاخرى لها لتأخذ صغيرها وتهرول للخارج دون أن تتناول فطارها لتنأى من  محاصرة عزة لها.
أما هو فانتقى أفضل بذلة لديه ووضع عطره المميز ثم مرر يده على ذقنه  النابته يتتطلع عليها بتدقيق وكأنهُ ذاهبًا لعرسه وليس مجرد مقابلة.
ظهرًا
بمنزل نصر البنهاوي
الجميع يجتمع على الطاولة الممتدة بطول الغرفة بأكملها كي تكفي هذا العدد  المهول من الابناء والاحفاد، هتفت إبنة طلعت الصغيرة وهي تسأل جدها ببراءة:  -هو يوسف هييجي يوم الخميس يا جدي؟
استشاط داخلهُ حينما ذكرته الصغيرة بما فعلته إبنة غانم التي أصبح ما  يبغض أحدًا بقدر ما يحمل لها من ضغينة داخل قلبهُ المليء بالشر، ليهتف من  بين أسنانه متوعدًا بشر ظهر بعينيه: -يوسف مش هييجي الكام شهر اللي جايين،  بس فترة الإنتخابات تعدي وهييجي يعييش معايا على طول
واستطرد وهو ينظر لعين الصغيرة: -وأمه هتبقى خدامة للكل، مرمطون البيت للصغير فيه قبل الكبير.
تبسمت بشماتة وهي تستمع لما يطرب أذنيها ويبرد نار قلبها الشاعلة تجاه  تلك الإيثار، فبرغم انها حصلت على مرادها وتزوجت من عمرو بل وتخلصت من  إيثار إلى الأبد، إلا انها مازالت عالقة بذهن ذاك المعتوه بعشقها وتقف  حائلاً بينها وبين سعادتها من جميع الجهات، فبرغم ثروة عمرو التي كونها إلا  أنه لا يعطيها المال إلا للضرورة القصوى كنوعًا من العقاب لها كي لا تتنعم  وهي التي منعت حبيبتهُ بالتنعم بماله وعزه، وأكثر ما جعلها تحقد عليها هو  وقوفها حائلاً بينها وبين الطفل التي تتمناه كي تتملك به وتقف على أرضٍ  صلبة في هذا المنزل الذي يحبذ جميع من به الذكور ويفضلوهم على الإناث،  والثالث وهذا الاضعف لديها، وهو عزوف عمرو عن الوقوع بعشقها كما فعل مع  الاخرى.
لتفيق من سعادتها على صوت مروة الشامت وهي تقول بابتسامة لإغاظتها أثناء تطلعها عليها: -هو عمرو هيرد إيثار بعد الإنتخابات يا عمي؟
برغم كلمات والده التي أوقدت بقلبه نارًا مستعرة غيرةً على المرأة التي  لم يعشق غيرها بحياته إلا أن كلمات مروة نزلت على قلبهِ ك قطراتٍ من ندى  الصباح على الزهور بينما أشعلت النيران بقلب الأخرى حين أجاب نصر ببرود:  -هترجع في نفس اليوم اللي هتظهر فيه النتيجة واخد الكرسي، نصر البنهاوي  مبيقولش كلمة إلا لما يكون متأكد منها.
رمقته إجلال بابتسامة ساخرة منه ليتحدث حسين لتهدأت الأوضاع قائلاً  بصوتٍ يتغلب عليه العقل: -خلينا نتفاهم معاها بالعقل يا حاج، في النهاية هي  أم إبننا ومش عاوزين نخسره، خليني اروح لحد عندها اكلمها وأشوف إيه اللي  مزعلها.
برعونة هتف ذاك الأبله متناسيًا أمر والده ليقول: -إيثار مش هتسمع لحد  يا حسين، هي غضبانة قوي من الكلام اللي يوسف بلغهولها عن لسان أمك، قالت لي  لو حد قرب من الولد تاني هتشتكي علينا في مجلس الطفولة.
إحمرت عيني سمية المستعيرة لتهتف بنبرة ساخطة: - وإنت إيه اللي بيوديك عند العقربة دي تاني؟
لتخرسها لهجة إجلال الغاضبة حيث صاحت وهي ترمقها بنظراتٍ ساخطة: -إنتِ  إتجننتي يا بت، شكلك نسيتي نفسك وأصلك الواطي وقاعدة تتكلمي وعملالي فيها  ست، وفين، على سفرة ستهم، قالت كلماتها الأخيرة وهي تدق الطاولة بكفها لتهز  ما عليها من صحون مما أحدث ضجيجًا أرعب الجميع لتبتلع الاخرى ريقها برعبٍ  لينقذها صياح نصر الذي هتف ناهرًا نجله: -هي اللي إتجننت بردوا ولا البقف  إبنك اللي ناوي على موتي بجلطة.
ليسترسل بتوبيخ: -إنتَ إيه اللي وداك عندها تاني يا بني أدم، مكفكش اللي حصل المرة اللي فاتت؟!
ولا ناسي إن بنت غانم عاملة لك محضر بعدم التعرض يا بيه؟
ليستطرد صارخًا بندب: -أنا عارف إن خروجي من المجلس ونهايتي هتكون على أديك.
ليكمل على حديثه طلعت الذي استغل الوضع ليثور ويوبخ مدلل أمه: -هو أنتَ  يا ابني ما بتتعلمش، ده انتَ اتحبست وكلت علقة موت على إيد شوية بلطجية  مايساووش وبرده محرمتش.
هتف نصر متسائلاً باستفهام: -وروحت لها ليه يا خلفة الشوم؟!
-روحت علشان أحاول اتفاهم مع إيثار علشان تخليني أشوف إبني بالنظام  اللي ماشيين بيه يا حاج، ولا عاوزني أقف متكتف وأتحرم من إني أخد إبني  وانيمه في حضني زي اي أب، قالها بنبرة متأثرة شقت صدر إجلال لتهتف بصياحٍ  كي تطمئن عزيزُ عينيها: -لا عشت ولا بقيت لو بنت غانم إتحكمت فيك وحرمتك من  يوسف.
أدارت وجهها لنصر لترمقهُ بنارٍ مستعرة ستحرق الأخضر واليابس: -ولو  سيادة النايب مش عارف يتصرف، أنا اللي هتصرف وهجيب لك إبنك في حُضنك وهرجع  لك بنت منيرة زاحفة وأرميها لك تحت رجليك.
ابتسم ساخرًا ليقول بتهكم: -روحي هاتيها للمحروس علشان تبردي نار قلبه وتولعي فينا كلنا.
صاحت بصوتٍ أرعب الاطفال وعينين تطلق سهامًا لو خرجت لأسقطت الجميع  صرعى: -أُمال عاوزني أشوف بنت منيرة قاعدة تبيع وتشتري فينا وأعمل زيك واقف  أتفرج؟
-لو على بنت منيرة كنت فعصتها تحت جذمتي هي وعيلتها كلها، بس الخوف من  الشوشرة اللي هيعملوها الكبرات اللي البت بتتحامي فيهم، قال كلماته بإبانة  ليسترسل بحدة: -والكلام ده قولته قبل كده ييجي خمسين مرة، كبري دماغك بقي  وإهدي لحد ما اظبط دنيتي.
لوت فاهها بتهكم ليصمت الجميع أمام جبروت تلك المتسلطة التي لم يستطيع أحدًا مجابهتها حتى نصر بذاته.
إنتهت من ساعات الدوام الرسمية لتلج إلى الحمام الخاص بها داخل العمل  واعادت ظبط حجابها والتأكد من كامل هيأتها وبعد مدة كانت تستقل سيارتها  متجهة للعنوان الذي اتفق معها على أن يلتقيا أمامهُ، نظرت على الحقيبة  الموضوعة بالمقعد المجاور وابتسمت لتعود بنظرها لمتابعة الطريق، إنتابها  بعض الإرتياب والتلبك حين شارفت على الوصول للمكان، لكنها تنفست بعمق لطرد  ذاك الشعور السلبي كي تقوي حالها بتلك الكلمات: -ما بكِ إيثار، لما كل هذا  الإرتياب، الامر بسيط ولا يحتاج لكل هذا التعقيد، ستلتقين به وتسلمينه  هديتهُ وأنتهى الامر، إهدأي يا فتاة.
بالكاد انتهت من حديثها مع النفس، لتجد نفسها أمام المكان، صفت سيارتها  وحملت حقيبة الهدية وما أن ترجلت حتى تفاجأت به يترجل من سيارته الفخمة  ويغلق بابها، وما أن اعتدل لينظر عليها حتى تسمر كلاهما
هي: تسمرت بوقوفها وباتت تتطلع على هيأته الرجولية بأنفاسٍ متقطعة، فقد كان  وسيمًا للغاية ببذلته ونظارته الشمسية التي ضاعفت وسامتهُ.
هو: إنبهر بسحرها وجمالها المضاعف وشعر بقلبهُ يتراقص حينما رأها  باللون الذي أخبرها سابقًا بأنهُ عشقهُ عليها، إذًا فقد إرتدته خصيصًا لأجل  إرضائه، هكذا حدثتهُ نفسه ليشعر بتفاخر مضاعف، إقترب عليها كالمسحور ليخرج  صوتهُ قائلاً بعذوبة أذابتها: -إيثار؟
نطقها بمشاكسة لتبتسم وتجيبه بمراوغة: -بيقولوا.
ابتسم ونظر لها كالمسحور ليبتلع لعابه وهو ينطق بكلماتٍ أشعلت كامل حواسها: -إنتِ حلوة قوي النهاردة.
اشتعلت وجنتيها خجلاً لكلماتهِ الصريحة ليسترسل بلباقة: -ده ميمنعش إنك حلوة على طول، بس النهاردة جمالك زايد، مميز شويتين
تطلعت إليه لتقول بإبتسامة: -متشكرة
واستطردت وهي تناولهُ هديته قائلة باحترام: -ميرسي بجد على ذوقك وأسفة مرة تانية
مش هتراجعي نفسك، قالها برجاء مفتعل ليتابع: -ده أنا منقيها على ذوقي وأول ما شفتها حسيت إنها إتعملت لك مخصوص.
تطلعت بعينيه وهي تقول بلوْمٍ ممتزج برجاء: - وبعدين، هنفضل نعيد في نفس الكلام كتير، انا بزهق بسرعة
ابتسم ليمد يده متناولاً منها الهدية وهو يقول: -لا وعلى إيه
تنهدت لتقول بنبرة تحمل الكثير من الإمتنان والإحترام: -متشكرة بجد على اللفتة الجميلة، وارجو إنك تكون مقدر موقفي.
اخذ نفسًا عميقًا ليقول اسفًا: -مع إني كنت اتمنى تقبليها، لكن اهم حاجة إنك تكوني مرتاحة
هتفت بنبرة حماسية: -قبل ما انسى، أنا احتفظت بشرشبيل
-كنت متأكد، قالها بابتسامة جذابة.
تأسفت بعينيها مرةً أخرى ليسود الصمت لعدة ثواني لتقطعة قائلة: -طيب، بعد إذنك وفرصة سعيدة.
انتفض حين وجدها تستعد للرحيل لينطق سريعًا وهو يشير إلى الكافية: -خلينا نشرب فنجانين قهوة مع بعض
مالت برأسها للجانب الأيمن وقبل أن تعترض باغتها بعينية المترجية: -يعني مش  كفاية رجعتي لي الهدية، كمان هتكسفيني وترفضي عزومتي على فنجان قهوة؟
تطلعت إليه بكثيرًا من الحيرة والتردُد ليسترسل مستغلاً ترددها: -علشان خاطري.
قالها بعينين تفيض من الحنان والهيام ما جعلها تهز رأسها بطاعة عمياء  وكأنها منساقة، اشتدت سعادته ليقترب من سيارته ليضع بداخلها الهدية ويستقيم  مشيرًا لها لتتقدمهُ، وصلا للداخل وقادهما المسؤل عن تنظيم المكان  لطاولتهما فاقترب على المقعد وقام بسحبهِ لها في حركة أثبتت مدى رُقيه  وتحضرهُ، جلست ومال عليها ليعدل لها المقعد وأثناء إنحنائه وصلهُ رائحة  عطرها الهاديء ليُسطلهُ، أخذ نفسًا بعميقٍ شديد ليحتفظ داخل رأتيه بأكبر  كمية من رائحتها المُسكرة ثم اعتدل من جديد ليلف حول الطاولة متخذًا مقعده.
أتى إليهما النادل ليسألهما فاختارت قهوة ليسألها هو باهتمام: -تاخدي حاجة حلوة مع القهوة؟
-لا متشكرة، نطقتها بتوتر ليسألها باهتمام: -أنا هاخد قهوتي مع قطعة تشيز كيك بطعم التوت، إيه رأيك أطلب لك معايا؟
قالها بنبرة حنون لتهز رأسها بإيجاب سريع أظهر كم إرتباكها ليُملي هو على  النادل قائمة إختيارهما وينصرف، تنفس كي يضبط نبضات قلبه المتدافعة  ليباغتها بكلماتهِ الراقية: -شكلك حلو قوي النهاردة، مميزة.
إبتسمت بخجل دون أن تجيبه ليسترسل بمداعبة: -قولت لك قبل كده أنا إن النبيتي حلو عليكِ.
تهربت بعينيها وباتت تفرك أصابع كفيها ببعضيهما بتوتر ظهر بَين على ملامحها ليضحك وهو يسألها: -مالك، إهدي شوية
تلفتت من حولها وهي تقول: -دي أول مرة أقعد فيها مع حد لوحدنا وخايفة حد يشوفني.
-هو أنتِ دايمًا خايفة كده، قالها باستغراب لتأخذ نفسًا بعمقٍ يدل على  مدى ما بداخل قلبها وهي تقول بتأثر: -أنا عُمري ما خفت على نفسي، كل خوفي  دايمًا على يوسف.
تبسم ليقول بعينين تلتمعان بمزيجًا من الإعجاب والإنبهار: -تعرفي إن يوسف محظوظ قوي، عنده أم قلبها مليان بحبه.
-أنا اللي محظوظة بيه، يوسف ده أحلا حاجة حصلت لي في حياتي، ألطف ولد  ممكن تشوفه، قالت كلماتها بعينين سعيدتين لتسترسل سريعًا: -مبقولش كده  علشان هو إبني على فكرة.
جاء النادل وأنزل ما بيده ليبدأَ بتناول الحلوى مع إرتشافهما للقهوة ذات المذاق الممتع.
إبتسم سعيدًا بالحديث معها ليباغتها بسؤالهُ المتشوق لمعرفة المزيد عن تفاصيل حياتها: -هو إنتِ منفصلة بالسكن عن أهلك ليه؟
امتعضت ملامحها ليشعر بها سريعًا ويقول مفسرًا سبب سؤاله: -أصل لاحظت  وانا بكلمك فون إن دايمًا يوسف هو اللي حواليكِ والمربية بتاعته.
ضيق عينيه ليسترسل متسائلاً كي يشتت تركيزها ليبعدها عن سؤالهُ بعدما تيقن من عدم إرتياحها لدخوله بتلك المنطقة: -إسمها عزة، صح؟
ابتسمت لتذكره وهي تسألهُ بسعادة: -إنتَ لسه فاكر إسمها، مع إني على ما أتذكر قولته قدامك مرة واحدة!
تعمق بعينيها لينطق بنظرات تقول من حديث العشق ما لم ينطقه اللسان: -أي تفصيلة تخصك مهما كانت صغيرة بتتحفر في عقلي.
هامت عينيها بنظراته لتنزل كلماتهُ على قلبها ك غيثٍ هطل على أرضٍ  تشققت من جراء الجفاف الملازم لها منذ سنواتٍ لترتوي وتنهي عطش السنين،  لتشق الزهور طريقها وتخرج ومن جديدٍ تزدهر، تمادى بكلماته الساحرة حيث  أخبرها بأكثر جُرأة: -تعرفي إن عيونك حلوين قوي.
خجلت كثيرًا ليقول مسترسلاً بنبرة متأثرة بسحرها: -ليهم سحر بيجذبني  وكل ما أدقق النظر فيهم بحس إني عاوز أتعمق وأسيب نفسي أغرق فيهم أكتر  وأكتر.
مجاملة لطيفة منك، قالتها بهدوء ليقاطعها مذكرًا إياها: -قولت لك قبل كده مليش في المجاملات ولا بحبها
-فؤاد علام لسانه مبينطقش غير باللي بيحسه، نطقها بقوة لتسألهُ بجراءة كي  تستشف من عينيه ماذا يريد منها: -وإيه بقى اللي حاسه فؤاد علام؟!
-إنك إتخلقتي في الدنيا دي علشاني، كلمات نارية صادقة نطق بها بكل ثقة  وعينين تترقبان ردة فعلها، إرتجافة قوية أُصيب بها ج. سدها وكأن صاعقة  كهربائية صدمته، تعمقت بعينيه لترى نورًا ساطعًا كسطوع الشمس يسحبها لداخله  وكأن به الخلاص، خلاصها الذي سينتشلها من حالة التخبط والضياع التي تحياها  وصغيرها، سرحت بعينيه لترى طريقًا مرسومًا ومزينًا بالعشق ينتظرها،  لتستفيق على صوتهِ الجذاب وهو يسألها بابتسامة ساحرة: -سرحتي لحد فين؟
تنهدت لتبتسم له وهي تقول بعدما عقدت النية على العودة إلى أرض الواقع  من جديد، فليس للأحلام مكانًا بدنياها المظلمة: -أنا فعلاً سرحت، بس رجعت  تاني للواقع، أصلي مبحبش الأحلام
نطقتها بلامبالاة لتسترسل بقوة وذات مغزى: -أصلها بتعيشك حالة حلوة قوي لحد  ما تصدق نفسك وتفرح وتبني قصور في الهوا، وبعدها تصحى على كابوس عمرك اللي  بيفضل مكمل معاك وطابق على نفسك، ويا تخلص منه، يا يخلص هو عليك.
تعمق بعينيها ليقول بثقة وقوة: -معايا الأحلام بتتحول لحقيقة، الكوابيس ملهاش وجود في حياتي.
تطلعت عليه لتسألهُ بحيرة: -إنتَ عاوز مني إيه بالظبط؟
أجابها بصلابة متعمقًا بعينيها كي يصل لأعماقها: -عاوز أوصل لأحلامك علشان أحققها لك وأخليكِ تعيشي معايا فيها على أرض واقعنا.
يعني إيه؟!، نطقتها بحيرة ليجيبها بثقة: -خلي كل حاجة لوقتها، بلاش  نتسرع ونتخطى خطوات كبيرة، المتعة الحقيقية دايمًا بتكون في الرحلة مش في  الوصول.
فهمتيني يا إيثار؟، نطقها ببحة متأثرًا بشعاع عينيها لتهز رأسها بإيجاب بعدما وصلها معزى كلماته.


تعليقات



<>