رواية ارواح خفية الفصل الثاني عشر 12 بقلم زارا
شفت طفلة صغيرة مبتسمة ، بتلوح لي بيدها و بتقول لي.. "أرحكِ معانا يا هديل.. أسرعي اتأخرنا شديد"
قربت عليها و وقفت لمسافة ف مكاني ، جاتني جارية مسكتني من يدي ، ابتسمت لي وهزت رأسها ، و فتحت لي الباب.
بمجرد ما الطفلة دي فتحت الباب .. و أول ما عتبت أول خطوة...كل شيء اتغير... الضباب الكنت حاسة بيه بدا يزح.. و الحريق و الخراب الكان في البيت بدأ يتلاشى .. و بقى محلها نور شمس و غمام غريب.
للحظة حسيت بكتمة في صدري ، بس المنظر الشفتو جوا خلاني أتفاجئ..
شفت في الحوش ، و جمب مدخل العمارة تحت اتنين من العساكر ، قاعدين في كراسي ، بس لبسهم كان مختلف تماماً ، لابسين زي عسكري غريب ، و شكلهم كان بوحي بالقوة والغلظة ، معلقين "تمايم" في رقبتهم بشكل مُريب ، جمبهم أسلحه ، و كانوا بتونسوا بلغة ما قدرت أفهمها ، مشيت اتخطيتهم وكأنهم ما شايفني ، لا سألوني لا وقفوني ، كأني نسمة هواء مرت بيهم.
لقيت نفسي بدخل الصالة والطفلة لسه جارااني من يدي.. الصالة كانت مفروشة بشكل عادي ، بس جايطة شديد ، و ريحة البخور الغريبة الكنت بشمها، فايحة شديدلدرجة تلف الراس.
كانت في مجموعة أصواتهم عالية بلعبوا ف أوراق كوتشينة ، و بضحكوا بطريقة تخوف ، و جمبهم كبابي شاي ، طالع منها بخار.
و تلاتة رجال قاعدين ، وقدامهم شنط سفر مفتوحة.. عيوني زغللت وأنا بشوف كمية من الدهب والقروش مرصوصة بكميات كبيرة ، كانوا مشغولين و بعدّوا فيها بجشع ظاهر في عيونهم و هي بتلمع.
ف نص الصالة دي ، لمحت واحد قاعد في الركن بأدب و خوف شديد ماسك تلفونو .. كان لابس عادي ، حتى ملامحو كانت مسالمة و ما بشبههم في قسوتهم ، سمعت واحد من القاعدين بناديه بنبرة أمر ، و لكنة أفريقية متقطعة.. عِيسات! .. عِيسات!.
قام و جا جاري علي بسرعة ، لدرجة إني غمضت عيوني و افتكرتو ح يطقشني ، بس مرّ فيني وكأني خيال ، لا هو حسّ بي، ولا أنا قدرت ألمسو.
كنت كأني براقب في شريط فيديو قديم بتعرض قدام عيني بحذافيره ، بس أنا كنت حاضرة ، و هم ما شايفني.
في نفس اللحظة ديك ، نزلوا نفرين من السلم وهم بضحكوا بخبث ظاهر في وشوشهم ، ورابطين قطع ف رؤوسهم ، مروا بجنبي وأنا واقفة زي الصنم.
الطفلة كانت ساكتة طول الوقت ، م اتكلمت معاي ، فكت يدي فجأة ، وجرت لجهة السلم وهي بتضحك
و بتنادي فيني...
يا هديل.. مالك وقفتي تعالى؟! .. تعالي لي "زامبا"!.. منتظرك!!.
بقيت متفاجئة من الإسم... زامبا!... منو زامبا؟!.
طلعت السلم وراها ، بخطوات تقيلة ، و كأني مغيبة وكل ما أطلع درجة بحس بالهواء بدا يسخن و ريحة البخور بتشتد ، لدرجة حسيت بروحي بتتسحب مني و تنقبض ، حتى البرودة الكانت ف جسمي ، قلبت سخانة لما وصلت الطابق الفوق ، لقيت الطفلة واقفة جمب واحدة من الغرف ، و فجأة عيونها بدت تلمع ببريق غريب ، مسكت يدي وسحبتني لباب الغرفة بقوة.
وقفت جنب الباب ، و بقيت مترددة بين اني ادخل ، و فجأة عيني وقعت في شكل الغرفة من جوا ، بقيت مبهورة من شكلها كانت كبيرة و منظرها يوقف القلب من الرهبة. و كأنها مكان مُخصص للسحر.
كانت مضوية بشموع كتيييرة ف أركانها ، و فيها كمية من جلود الحيوانات معلقة في الحيط بترتيب غريب ، وسائل أحمر يشبه الدم ، مرشوش ف الحيط ، و تلاته جماجم مرصوصة ف الأرض ، و في نصها كتاب كبييير فاتح من النص .. و مرسوم فيه طلاسم.
و جمبو كان في مجمر فخار كبيير ، بطلع منو دخان كتيير ، نفس ريحة البخور الغريبة الكنت بشمها، لدرجة خلت الغرفة عبارة عن ضباب.
في نص الدخان دا ، و جمب الشباك ، كان واقف ولد شاب
مُقبل ضهرو ، و وشو ع الشباك ، براقب ف الشارع ، شعرو أسود نازل لغاية اكتافو ، لابس نفس اللبس العسكري ، و خاتي يديه ورا ضهرو ، بـثبات غريب ، كأنو ملك بـراقب في مملكتو ، و ماسك سيجارة طالع منها دخان ، كان عندو هيبة و حضور غريب ، لدرجة إني كنت برجف من الخوف.
و من غير أي مقدمات ، أصوات الكلام و الضحك الكان جاي من الطابق الأرضي .. كلها اختفت وبقى محلها هدوء قاتل ، لدرجة إني بقيت سامعة صوت دقات قلبي..
و فجأة طلع صوت غليظ بلكنة متقطعة ...
كنت في انتظارك يا هديل.. اتأخرتي شديد!!..
بدأ يلتفت علي ببطء شديد ، كأنو بتحرك بتحكم..
لغاية ما قبل علي ، وشو كان محروق و متآكل تماماً، فكيت صرخة عالية من الصدمة والرعب ، بس ما كانت طالعة بصوت ، كأني فقدت الكلام .. ختيت يدي ف خشمي.
كان هو نفس الولد المحروق ، الكنت بشوفو ف أحلامي... و بلمح ظلو بتحرك ، و من كلام الطفلة عرفت إنو دا هو "زامبا"!!. رجعت خطوة لورا... عايزة أجري ..بس رجلي كانت مثبته ف الأرض تماماً...
فضل واقف يعاين لي مسافة ، عيونو بس كانت الجزء السليم فيه ، بس ما كانت عيون بشر، كانت جمرتين مولعات بـغضب و شرار!.
جسمي كلو بقى يرجف .. منظرو كان أبشع بكتير من الكوابيس الشفتها عنو ، ريحة اللحم المحروق و الشياط بقت تخنقني .. و الطفلة الكانت جنبي ، فكت يدي وبقت تضحك بـصوت عالي وهي بـتتلاشى وسط الدخان ، كأنها سراب!.
أتحرك و خطى خطوة واحدة جهتي ، و عيونو كانت مثبته ف عيوني...
قال لي.. عايزة تعرفي ليه انتي هنا؟!.. و لييه أنا بالهيئة دي؟! .
قبل ما أرد أو أصرخ ، الغرفة بدت تضلم بسرعة ، و فجأة سمعت أصوات جوطة ، وصراخ بدت تظهر حولنا.. وكأنو رجع بي لزمن كانوا قاعدين!!.
كنت واقفة ف ركن الحيطة ، و هو كان واقف جمب الشباك مقبل ضهرو ، و بدخن ببرود ، فجأة دخل عليه واحد غريب لابس سلسل كبير ف رقبتو ما صادفني تحت مع الناس الشفتهم.
جاء وقف بخوف قدامو ، و بقى يتكلم معاه بنبرة أمر من غير ما يلتفت ، الولد بقى يرجف و طلع بسرعة .. نادى الرجال التلاتة الكانوا بـعدّوا القروش تحت و طلع.
دخلوا الغرفة ، اتكلم معاهم بكلمات ما فهمتها، بقوا يعاينوا لبعض بذهول و غضب ، و واحد فيهم مشى نادى النفرين الـشفتهم كانوا نازلين و بضحكوا.
بدوا يتكلموا معاهم بلهجة اتهام ، و هو بس كان بعاين ليهم بنظرات غضب و كره . في اللحظة دي الولد اللابس سلسل ، جاء داخل بشنطة كبيرة وفتحها..
أول ما شافوها ، الصدمة شلتهم ، و فجأة أصواتهم علت وبدوا يتناقشوا بهستبريا ، وتهديد.
ما كنت فاهمة منهم حاجة ، بس عرفت من لغة جسدهم ومن نظراتهم للشنطة ، إن النفرين ديل ، اتفقوا يغدروا بيهم ، ودسوا الشنطة دي كغنائم ليهم براهم.
في نص النقاش ، واحد من الغدارين نطق بكلام ما مفهوم بسرعة شديدة ، وبدأ يضرب رصاص بعشوائية خلت المكان يتقلب ساحة اشتباك !، لدرجة انا بقيت اصرخ كأني عايشة معاهم ، وانكمشت ع ركن الغرفة.
في لحظة الغفلة والجوطة دي ، الحرامي التاني طلع موية غريبة ورشاها بـقوة فيه..
الولد فجأة وقع ف الارض وبقى يفرفر ويتشنج ، بـطريقة مرعبة كأنه الموية دي شلت حركتو تماماً ، كلهم كانوا واقفين بتفرجوا فيه من غير ما يحاولوا ينقذوه.
في الثواني دي ، بدت أصوات رصاص وتفجيرات تجي من تحت العمارة ، كأنهم كانوا مستنيين اللحظة دي عشان يصفّوا بعض ، فجأة النار ولعت من كل مكان بـسرعة ، انا كنت ف نصهم بصرخ من شدة النار بس ما كان في زول منتبه لي.
عيني وقعت على عيسات ، الكان واقف بعيد و مرعوب جرى وشال كمية من القروش والدهب ، ومعاه الولد اللابس سلاسل.
ونطوا من الشباك هربوا ، والباقين كلهم جروا وخلوا النار تأكل الغرفة.
الولد رغم تشنجه دا ، بدا يحاول يقوم بـقوة .. لغاية ما وقف بـصعوبة على الشباك وبقى يعاين للشارع و الناس الهاربة.
النار مسكت في كل جسمه ، ما صرخ ولا طلع منو صوت كان واقف زي الصنم ، كأنو مقيد بالموية الرشوها فيه ، أو النار دي مكانو الطبيعي .. وقف في الشباك لغاية ما النار أكلت ملامحو تماماً ، وهو لسه بـعاين.. فجأة الصورة بدت تتلاشى قدام عيني وسط الدخان..
تاني جاني شكلو المحروق... و هو بقول لي سألتي نفسك.. ليه إنتي يا هديل؟!..
قلت ليه أنت عايز مني شنو؟! .. يا زامبا و لا منو؟!
فجأة الصوت اتغير تماما لصوت غليظ.. و مليان شر وحقد.. ضحك ضحكة مخيفة... و قال لي انتي مفتكرة انا الولد زامبا؟!.. تاني غير صوتو لصوت حزين ، قال لي.. زامبا مات في الحريق بسبب الغدر..
قلت ليه... أنت منو؟! و ليه بتجيني في أحلامي لييه؟!.
رجع لنفس الصوت الغليظ ...
قال لي... أنا روح ليها عهد قديم مع سلالة زامبا من قرون طويلة .. اتوكلت بحماية النسل البجري في دمها السحر الأسود .. كنت ظل زامبا ، ومصدر قوتو ، عشنا في الغابات و قطعت معاه الأميال ونحن جايين لبلدكم عشان أحميه.
بس انتو مفتكرين ، أنا و زامبا خلينا الغابات و جينا بلدكم عشان الدهب و القروش؟! ، زي باقي أفراد المجموعة؟! ، قال لي.... و هو بضحك لااا!!
نحن جينا بأمر من أجداد عشيرة زامبا ، لما سمعنا بحرب بلدكم ، فرحنا شديد ... لأننا عارفين إنو "الأرض" وقت الحرب بتتحول لساحة مذابح حقيقية ، و السحر الأسود بتغذى على ريحة الموت و الدم ، و بلدكم كانت مكانا المثالي عشان نفتح بوابات الطاقة القديمة ، المدفونة تحت بيوتكم ، بوابات ما بتفتح إلا بسحر ودم أبرياء و ضحايا كقرابين ، عشان تسيطر على كل حاجة.
و عشيرة زامبا كانت عايزة تستغل الحرب دي عشان "نشحن" السحر القديم و نرجع بيه لغاباتنا ، و نأسس مملكة سوداء ، و يبقى ابنهم زامبا هو حاكم ليها!.
بس الغدر كان أسرع مننا .. الموية الرشوها فينا قطعت الرابط البيني وبينو ، لدقائق وقبل أرجع ليه و أحميه ، كانت النار أكلت جسمو ، وحبستني أنا.
قرب علي ، وثبت عيونو فيني بحقد...
فضلت محبوس في روحو المحروقة ، و مقيد بالغرفة دي لشهور طويلة.. ما كنت قادر ارجع للغابات ، و لا قادر أرحل ، كنت بستمد جزء من طاقتي على أرواح الناس الماتت في المكان دا ، وفي بيتك بالأخص ، بس أرواح الأموات كانت ضعيفة وباهته .. كنت محتاج لطاقة بشري حي ، طاقة صادقة و نقية ، عشان أقدر أفك السحر وأتحرر من المكان دا ، لغاية ما جيتي إنتي....
