رواية وكفي بها فتنة الفصل السادس 6 والسابع 7 بقلم مريم غريب
الفصل ( 6 )
~¤ شرارة ! ¤~
مرت الأيام و كانت إلي حد ما يسيرة بالنسبة إلي "سلاف" ..
حيث قضتها ما بين الدراسة بعد أن تم قبولها بالجامعة ، و بين العائلة التي غدت أحد أفرادها منذ وطأت قدماها هذا البيت الكبير
كانت "سلاف" سعيدة جدا ، بعد وقت تخيلت فيه أن البسمة فارقت حياتها إكتشفت أنها كانت مخطئة ، خاصة عندما رأت حسن تعامل عمتها و جدتها معها ، و رفقة "عائشة" و "حلا" الممتعة ، لقد نجحوا جميعا في جعلها تشعر بالمحبة و الحنان يكتنفاها بينهم
بإستثناء بعض الأشخاص الذين أظهروا لها قدر من العدائية الواضحة .. في الواقع الإشارة إليهم ليست صعبة جدا
السيدة "راجية" و إبنتها "مايا" ... حتي الآن لم تفهم "سلاف" سبب سوء التعامل بينها و بينهما ، إنها تتعامل مع الجميع بلطف و دائما تظهر أخلاقها الرفيعة ، لكن تلك السيدة و إبنتها لم تظهرا لها سوي كل بغض و نفور ..
أما بالنسبة لـ"أدهم" فهو وحده حالة من نوع خاص .. منذ أول لقاء و هي تلاحظ أنه متخذا منها موقف ما ، و لكن الغريب أن سلوكه معها بدأ يتحسن تدريجيا !
و لكن الأمر ليس أبعد من المجاملات ، حيث إعتاد أن يلقي السلام عليها شخصيا ما إذا قابلها في طريقه ، لكنه ما زال لا ينظر إليها بتاتا و هذا شئ أغاظها جدا و كاد يزحزح ثقتها بنفسها
لولا بقية شباب العائلة .. فجميعهم يتهافتون عليها ، يتمنون نظرة منها و قد أكثروا أيضا من التردد علي شقة "أدهم" فقط ليروها هي و يحظوا برفقتها لبعض الوقت ..
و في إحدي الأمسيات ..
صعدت "سلاف" إلي شقة "لبنة عمران" لكي تدرس مع "حلا" قرابة الساعتين كعادة كل يوم ... و بينما كانت "حلا" مستغرقة في الشرح لها ، لمحتها و هي شاردة
فدقت علي يدها قائلة :
-إيـــه يابنتي ؟ سرحانة في إيه بس يا سلاف ؟
أومال أنا بشرح لمين من الصبح ؟!
أفاقت "سلاف" من شرودها و ردت بأسف :
-معلش يا حلا أنا آسفة . سرحت غصب عني
كنتي بتقولي إيه ؟
حلا : يابنتي إنتي مش معايا خالص
و بعدين شكلك غريب كده من أول ما طلعتيلي و إنتي مش مظبوطة . مالك ؟؟!!
سلاف بإبتسامة مصطنعة :
-أنا كويسة يا حلا مافيش حاجة
حلا بتشكك :
-مش مصداقي . علي فكرة أنا عندي نظرة ثاقبة
شايفة العنتين دول ؟ .. ثم أشارت بإصبعيها إلي عيناها و أكملت :
-فيهم جهاز كشف الكدب
سلاف و هي تضحك :
-لا بجد !
إنتي فظيعة و الله يا حلا . بس بعيدا عن جهاز كشف الكدب بتاعك أنا أصلا فاشلة في الكدب و مابعرفش أكدب أبدا
حلا : طيب كويس . إديكي إعترفتي إنك مش بتقولي الحقيقة . ها بقي ! هسألك تاني
مالك ؟
تنهدت "سلاف" و قالت بشئ من التوتر :
-هي حاجة تافهة . و يمكن ماتكونش صح
يمكن أكون فاهمة غلط !
حلا بإستغراب :
-إيه ؟ إيه الإلغاز دي يا سلاف ؟!
ما تتكلمي بوضوح أكتر عشان أفهم
نظرت لها "سلاف" صامتة لثوان .. ثم قالت بتردد :
-مـايا
-مايا ! .. قالت "حلا" بدهشة ، و أدرفت بتساؤل :
-مالها مايا يا سلاف ؟؟؟
سلاف بتقطيبة حزينة :
-قابلتها علي السلم و أنا طلعالك . سلمت عليها عملت نفسها مش سمعاني .. ثم أطلقت زفرة حارة و قالت :
-أنا مش عارفة هي بتعاملني كده ليه يا حلا !
هي و مامتها من يوم ما وصلت و هما مش بيحبوا يشوفوني و لا يكلموني . أنا محتارة و الله مش عارفة أنا عملتهلم إيه !!
حلا و هي تربت علي كتفها بعطف :
-إهدي يا سلاف . إنتي مالكيش علاقة بحاجة يا حبيبتي
و ماعملتيش حاجة لحد . هي دي طبعيتهم ماتاخديش في بالك أنهم قاصدينك إنتي بالذات
لأ هما دايما بياخدوا نفس الموقف من أي بنت ممكن تقرب من البيت أو من أدهم تحديدا
عقدت "سلاف" حاجباها متمتمة :
-أدهــم !
مش فاهمة . ليه يا حلا ؟
حلا بإبتسامة خبيثة :
-أصل بيني و بينك . خالتو راجية من زمان و هي حاطة عينها علي أدهم
سلاف بإستغراب :
-حاطة عينها علي أدهم إزاي يعني ؟!!
حلا بنبرة خفيضة :
-خالتو راجية منمرة علي أدهم يا سلاف . عايزاه يتجوز مايا و أي بنت تحاول تقرب لأدهم بتاكلها بس ماتخافيش
إنتي عمتك تبقي طنط أمينة يعني حماية .. و ضحكت بمرح
سلاف بدهشة :
-طيب و أنا مالي بحاجة زي دي يا حلا ؟ هي فكراني ممكن أبص لأدهم ؟!
حلا بسخرية :
-مش فكراكي هتبصيله و بس . دي متأكدة إنك هتفضلي وراه لحد ما توقعيه و تخليه يتجوزك عشان كده لا هي و لا مايا طايقينك
رمقتها "سلاف" بذهول كبير و قالت :
-و الله يا حلا أنا مش بفكر في أي حاجة من دي
مش بفكر في أدهم أصلا ده أنا حتي مش بشوفه خالص و لا بكلمه و لا آ ...
-إيه إيه يا بنتي إهدي شوية .. قاطعتها "حلا" بضحك و أكملت :
-أنا عارفة منغير ما تقولي و ده لأني مقتنعة بإستنتاج مايا عن أدهم
سلاف : و إيه هو الإستنتاج ده ؟!
حلا : هي دايما بتقول عليه معقد و بيكره البنات . بصراحة أنا موافقها في الرأي و أعتقد بل أنا واثقة إن مسألة جوازه هتبقي صعبة جدا . مافتكرش إنه ممكن يتجوز أصلا .. ثم قالت بجدية :
-المهم يعني عايزة أقولك كبري دماغك مهما تشوفي منهم هما الإتنين نفضي . ركزي في الدراسة و بس و إنتي يعني مش هتفضلي قاعدة هنا طول عمرك مسيرك تقابلي إنسان مناسب تحبيه و يحبك و تتجوزي و تمشي من البيت ده
سلاف بإبتسامة :
-صح . يا حلا
حلا و هي ترد لها الإبتسامة :
-طيب يا ستي . نرجع نكمل مذاكرة بقي ؟ و لا إيه رأيك !
سلاف بحماسة :
-يلا طبعا
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في شقة "أدهـم عمـران" ...
تتآفف "عائشة" بسأم و هي تغلق التلفاز عندما شعرت بالصداع جراء حديث أختها الممل
و نبرة صوتها المرتفعة ..
-بس بقي يا إيمان .. غمغمت "أمينة" بحدة و أكملت :
-ماتزوديهاش و خليكي واثقة في نفسك شوية . بنت خالك ذنبها إيه ؟ روحي صلحي حالك ماتعلقيش مشاكلك عليها هي لحقت تقعد معانا عشان تعمل مشاكل
إيمان صائحة بغضب :
-يعني إنتي بتفضليها عليا و علي مصلحتي يا ماما ؟ هي مين فينا إللي بنتك ؟ أنا و لا هي ؟!
أمينة بحدة :
-وطي صوتك يا بنت . جدتك ماينفعش تسمع منك الكلام ده
إيمان : خلاص ييقي تشوفيلها حتة تانية تقعد فيها أهم حاجة عندي تبعد عن هنا و خلاص أنا مش مستعدة أخسر جوزي بسببها
أمينة و هي تضرب كفيها بتعجب :
-لا حول و لا قوة إلا بالله !
و هي سلاف مالها و مال جوزك يابنتي ؟ البنت مابتتحركش من مكانها من ساعة ما جت عمرها ما إختلطت بحد هنا غير حلا عشان بيروحوا الكلية مع بعض و كمان بيذاكرو مع بعض
إيمان بغيظ :
-و من إمتي سيف بيعدي عليكوا في الطلعة و النزلة ؟ مش هي السبب ؟ من ساعة ما جت و هي قالبة البيت كله و هو بالذات كيانه مقلوب
أمينة : طيب هي إيه علاقتها ؟ جوزك كيانه مقلوب هي مالهاش دعوة روحي شوفيه ماله بعيد عنها
إيمان : بس آ ..
-مابسش .. قاطعتها "أمينة" بصرامة و تابعت :
-إقفلي علي الموضوع ده و إوعي تفتحيه تاني
سلاف بقت زيها زيكوا بالظبط مستحيل أفرط فيها هتفضل معايا و هفضل أرعاها لحد ما تروح بيت جوزها خلاص إنتهي
إنفتح باب الشقة في هذه اللحظة ، و دخلت "سلاف" ..
سلاف و هي تقترب منهم مبتسمة :
-مساء الخير يا جماعة
أمينة / عائشة :
-مساء النور يا حبيبتي
نظرت "سلاف" نحو "إيمان" بقلق و قالت بإرتباك :
-إزيك يا إيمان !
إيمان بفظاظة :
-أهـلا
رأت "سلاف" عمتها و هي تزجرها بغضب ، لتزفر "إيمان" بضيق و تنهض قائلة :
-أنا طالعة أحضر العشا . سيف زمانه جاي
تصبحوا علي خير .. و غادرت
عقدت "سلاف" حاجبيها بأستغراب و تساءلت :
-هي إيمان مالها يا عمتو ؟!
أمينة بإبتسامة :
-مافيهاش حاجة يا حبيبتي . تعبانة شوية بس
إنتي عارفة ظروف حملها و هي عشان أول مرة فتلاقيها مزاجية كده و كل ساعة بحالة
أومأت "سلاف" بتفهم ، لتتجه "عائشة" صوبها و هي تقول بمرحها المعتاد :
-تعاليلي بقي يا أبلة يا إللي مش عارفة أتلم عليكي إنتي
خلاص حلا إستحوذت عليكي برا البيت و جوا البيت و لا إيه !!
سلاف و هي تضحك :
-حبيبتي يا شوشو أنا معاكي علي طول يا قلبي
عائشة بنصف عين :
-أيوه ياختي ماهو باين . يلا قدامي علي الأوضة عشان عوزة أرغي معاكي حبة قبل ما أنام
سلاف بإبتسامتها العذبة :
-يلا يا حبيبتي !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
بعد إسبوع ...
كانت "سلاف" جالسة مع جدتها في الغرفة ، خرجت بعد أن نامت الجدة علي صوت حفيدتها و هي تقرأ لها
قابلت "عائشة" في الردهة ..
سلاف : إيه يا شوشو رايحة فين ؟
عائشة بضجر :
-رايحة أعمل قهوة لسي أدهم ياختي . ما أنا ماليش لازمة في البيت ده بالنسبة له غير إني بعرف أعمل قهوة حلوه
ضحكت "سلاف" و قالت :
-طيب ماتزعليش ياستي . روحي إنتي شوفي حاجة تانية أعمليها و أنا هعمله القهوة
-إنتي تعمليله القهوة ؟! .. قالتها "عائشة" بإضطراب
سلاف : أيوه
عائشة بعدم ثقة :
-و إنتي إللي هدخليهاله يعني ؟
سلاف بجدية :
-أيوه يا بنتي . يلا بقي روحي شوفي إللي وراكي
بس قوليلي الأول قهوته إيه ؟
عائشة بتردد :
-مـ مظبوطة !
سلاف : أووك تمام . عن إذنك بقي .. و توجهت إلي المطبخ
بينما وقفت "عائشة" تحدق في إثرها الفارغ و هي تتمتم بخوف :
-ربنا يستر !!
أعدت "سلاف" القهوة و مضت بها إلي غرفة "أدهم" ... دقت علي الباب ، فسمعت صوته الرجولي يقول :
-إدخلي يا عائشة
إبتسمت "سلاف" ثم أدارت المقبض و ولجت و هي تقول :
-أنا سلاف !
تجمد "أدهم" في هذه اللحظة و شخص ببصره ..
كان جالسا خلف مكتب صغير ، و بدا منهمك في عمل ما .. لكنه توقف عن كل شئ لحظة سماع صوتها
إقتربت "سلاف" منه مكملة :
-أنا بقالي كذا يوم مش بشوفك . فقلت أجي أسلم عليك
إزيك يا أدهم ؟
هز "أدهم" رأسه مجيبا بصوت مهزوز :
-الحمدلله كويس
و هنا وصلت عنده و وضعت فنجان القهوة أمامه و هي تقول بإبتسامة لطيفة :
-القهوة المظبوطة يافندم . أنا عملتهالك بإيديا علي فكرة
أدهم و هو يشيح بوجهه عنها بتوتر شديد :
-شـ شكرا . تقدري تتفضلي دلوقتي
عبست "سلاف" و هي تنظر له بإستغراب سرعان ما تحول إلي نفاذ صبر ، فقررت أن تواجهه الآن ..
دنت منه ببطء و هي تقول بصوتها الرقيق الخافت :
-ممكن أعرف إنت ليه مش بتبصلي و أنا بكلمك ؟
و دايما بتحط وشك في الأرض لما بتشوفني !
أدهم متململا بإرتباك :
-أنا مش قصدك إنتي علي وجه الخصوص يا سلاف
هي دي شخصيتي . أنا مابتعاملش مع ستات أصلا غير أمي و إخواتي و تيتة حليمة
لوت "سلاف" فمها بإمتعاض و قالت :
-بس ده مش صح يا أدهم . إنت إنسان متعلم و مثقف
دكتور . لازم تكون Open Minded أكتر من كده .. و حطت بيدها علي كتفه بحركة عفوية
إنتفض "أدهم" بقوة كمن لدغه العقرب ، ثم هب واقفا و هو يدفع يدها بعنف صائحا :
-من فضــلك . الحركة دي ماتتكرش تاني . إوعي تلمسيني مرة تانية إلزمي حدودك .. ثم مد ذراعه بإتجاه الباب و جأر بصوت أكثر غلظة :
-إتفضلي إطلعي بـرآاا . و أوضتي دي ماتدخليهاش تاني أبدا
و تخليكي في حالك من هنا و رايح ماتتكلميش معايا نهائي و لا تسلمي عليا حتي سـآامعة ؟؟؟
يتبـــــع .....
الفصل ( 7 )
~¤ ساحرة ! ¤~
كانت "أمينة" مستغرقة في النوم ... عندما سمعت ذلك الطرق العنيف علي باب غرفتها
إستفاقت فزعة و قامت من سريرها في لحظة و هي تهتف بذعر :
-إيــه ! ميــن ؟ في إيــــه ؟؟؟ .. و فتحت الباب ، لتري عائشة أمامها
أمينة بإنفعال :
-في إيه يابنتي ؟ بترزعي علي الباب كده ليه ؟ إيه إللي حصل ؟؟؟
عائشة بملامح متوترة :
-إلحقي يا ماما أدهم و سلاف !
أمينة و قد جحظت عيناها فجأة :
-أدهم و سلاف مالهم ؟؟؟
عائشة موبخة نفسها :
-أنا ماكنش لازم أخليها تدخله
أنا الغلطانة
أمينة بنفاذ صبر ممزوج بالعصبية :
-ما تنطقي يابت إنتي
قوليلي إيه إللي حصل ؟؟؟!!!
أجفلت "عائشة" و قالت بإسراع :
-حاضر يا ماما هقولك .. و حكت لها ما حدث ، و أضافت :
-هي دلوقتي في أوضتها . جريت و سابته و هي يا قلبي مفحومة من العياط بخبط عليها مش بتفتحلي أنا قلقانة عليها أووي
زمت "أمينة" شفتاها بحنق و قالت :
-أخوكي زودها أوي . ماشي يا أدهم حسابك معايا
ثم مضت نحو غرفة "سلاف" و راحت تدق بابها و هي تسمع صوت نشيجها المرتفع الحار بوضوح شديد ..
-سلاف ! إفتحي يا حبيبتي .. هتفت "أمينة" بصوتها اللطيف ، ثم تابعت وقد شعرت بسوء وضعها :
-يا سلاف . إفتحي الباب يا سلاف . إفتحيلي يابنتي
يا ســلآااف
و لكن من غير طائل ، لم تستجيب "سلاف" لنداء عمتها أبدا و واصلت بكائها الذي إزداد حدة الآن ..
أمينة و هي تلتفت إلي إبنتها :
-هو عملها إيه بالظبط ؟ .. كان صوتها متآججا
عائشة : زي ما قولتلك زعقلها جامد و طردها من الأوضة
كلامه كان صعب فعلا الله يكون في عونها
زمجرت "أمينة" بغضب و فورا توجهت إلي غرفة إبنها ...
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان "أدهم" منذ خروجها جالسا علي هذه الأريكة ، دافنا وجهه في كفيه .. صوتها يصل إلي مسامعه الآن
ما زالت تبكي ، ما زال يسمع عويلها الصادح الذي هو كفيلا بإذابة الحجر ..
ضغط "أدهم" بأصابعه علي وجهه و هو يطلق أنينا مخنوقا
هو يعرف تماما مدي تأثيرها عليه .. يعرف أن حاله كحال كل من رآها حتي الآن ، يعرف حق المعرفة و يعترف أيضا بأنه لا حول له و لا قوة أمام سحرها
لذلك كان يجب أن يفعل هذا معها ، نعم لقد فعل الصواب .. فإذا زل أو ضعف للحظة واحدة ستتمكن تلك الفتنة منه و تغويه شر غواية
إنه يبذل قصاري جهده ليتجنبها و يتعامل مع الأمر كما لو أنها ليست هنا أصلا ، في حين تطارده هي و تظهر أمامه في كل مكان كجنية
ماذا لو كان تصرف و كأن شيئاً لم يكن عندما وضعت يدها علي كتفه ؟ ماذا لو سار خلف شيطانه
لكان سينهار حتما و تنهار معه جميع مبادئه و أخلاقه و كل شئ ...
في هذه اللحظة دخلت "أمينة" و إنفجرت هادرة بصوت خشن :
-أستاذ أدهــم ! يا دكتـوور . بصلي يا ولد و كلمني
مالك و مال بنت خالك ؟ قولي عملتلها إيـــه ؟؟؟
رفع "أدهم" وجهه عند ذلك ، لتجلل الصدمة وجه "أمينة" و فجأة يتلاشي غضبها كما لو أنه نور و إنطفأ ..
صعقتها تعابيره ... كانت عيناه العسليتان تحترقان في محجريهما .. خطوط وجهه متقلصة تعبر عن عمق العذاب الذي يعانيه
لوهلة إنفتح فمه كأنه موشك علي قول شيء ما .. لكن صوته لم يخرج ، فأغلق فمه و أطرق رأسه من جديد و هو يزفر بحرارة شديدة
-أدهم ! .. تمتمت "أمينة" بدهشة و مشت ناحيته
لمست جبينه الملتهب بظاهر يدها و قالت بصوت هادئ :
-مالك يا أدهم ؟ فيك إيه ؟ إنت تعبان ؟!
همس بنبرة متشنجة : مافيش حاجة يا أمي
أنا كويس
أمينة بإنفعال :
-طيب طالما كويس فهمني
ليه زعقت في بنت خالك ؟؟
أدهم مزمجرا بخشونة :
-أنا مش غلطان . أنا ماعملتش حاجة
هي مش أنا !
أمينة و هي تعقد حاجبيها بعدم فهم :
-بتقول إيه ؟!
قام "أدهم" من مكانه فجأة و إتجه صوب خزانته .. أخذ معطفه الجلدي و إرتداه ، ثم مضي إلي الخارج
أمينة و هي تركض خلفه :
-إنت رايح فين يابني ؟
أدهم بصوت آجش :
-خارج شوية و راجع تاني .. و غادر
لتعود "أمينة" عند غرفة "سلاف" مرة أخري ... كانت "عائشة" مستمرة في الطرق عليها و كانت تستجديها لتفتح و لكن دون فائدة ..
حاولت "أمينة" من جديد :
-يا سلاف . يابنتي إفتحي بقي ماتتعبنيش . و رحمة أبوكي لتفتحي . يابنتي قلبي وجعني حرام عليكي
أخيرا فتحت "سلاف" .. و كان شكلها فظيعا
كان وجهها أحمر ، و عينيها منتفختان من كثرة البكاء ، و جسدها ينتفض كله من حين لأخر نتيجة شهقاتها العنيفة ..
تركت "سلاف" عمتها و "عائشة" عند عتبة الباب و دخلت لتغلق سحاب هذه الحقيبة الصغيرة ..
بينما تبعتها "أمينة" و هي تقول بإستغراب :
-بتعملي إيه يا سلاف ؟!
سلاف بصوت يمزقه البكاء :
-بلم هدومي عشان أمشي يا عمتو
أمينة بإستنكار و هي تحاول إبعاد الحقيبة عنها :
-تمشي فين يا سلاف . إستهدي بالله يا حبيبتي مش هتمشي طبعا
سلاف بتصميم :
-لأ يا عمتو همشي و دلوقتي حالا . مستحيل أقعد هنا ثانية واحدة كمان
أمينة : طيب ليه كده بس يابنتي ؟ قوليلي طيب إيه إللي حصل ؟ أدهم عملك إيه بالظبط ؟؟؟
سلاف : ماعملش حاجة يا عمتو . هو ماغلطش فيا خالص علي فكرة
بالعكس أنا إللي غلط
أمينة و هي تمسح علي ظهرها بلطف :
-طيب ماتزعليش نفسك . ده سوء تفاهم و هيتحل
و حتي لو إنتي غلطانة أنا هجيبلك أدهم لحد عندك و هخليه يتعذرلك و يستسمحك كمان بس كله إلا خروجك من هنا
سلاف بصوت مهزوز :
-يا عمتو قولتلك هو ماغلطش و ماينفعش يعتذر . لو لازم حد فينا يعتذر فأنا
و حكاية خروجي أنا آسفة إني بقولك مش هقدر أسمع كلامك . أنا همشي خلاص قررت
أمينة بعصبية :
-تمشي فين بس الساعة دي و هتروحي فين ؟؟؟
ده أحنا نص الليل !!
سلاف نائحة بضيق :
-أنا لو فضلت قاعدة هنا هتعب جامد . بجد مش طايقة نفسي محتاجة أخرج من البيت ده
أمينة بحيرة ممزوجة بالحزن :
-ياينتي ماينفعش إللي بتقوليه ده . إنتي فيكي الطمع هتروحي فين بس ؟ أنا مقدرش أسيبك تمشي
سلاف و هي تفرك عيناها بقبضتي يدها :
-هبات الليلة دي في أي أوتيل و بكره هقدم في السكن الجامعي إن شاء الله
أمينة : إيه ! أوتيل و سكن جامعي ؟ مافيش حاجة من دي هتحصل يا سلاف . أنا مش هاسيبك تمشي من هنا و الله ما هسيبك
سلاف بنبرة معذبة :
-يا عمتو ريحيني من فضلك . سيبيني أمشي !
نظرت لها "أمينة" بحزن و لم ترد ... لتتدخل "عائشة" ملطفة كعادتها :
-يا سلاف يا حبيبتي إحنا خايفين عليكي . فعلا مستحيل نسيبك تمشي . ماينفعش تمشي
لو حاسة إنك مخنوقة تعالي معايا نقعد أنا و إنتي شوية في جنينة البيت تحت لحد ما تهدي لكن مشي لأ طبعا مش هنسيبك تمشي
تنهدت "سلاف" بيأس و تدفقت الدموع أكثر من عيناها ..
إقتربت "أمينة" منها و مسحت لها الدموع بإبهامها و هي تقول بحنان :
-دموعك غالية عليا يا حبيبتي . و الله لولا خايفة جدتك تصحى و تعرف بإللي حصل أنا كنت عليت صوتي علي أدهم و بهدلته . بس بردو لما يجيلي
لازم أخليه يعتذرلك
رمقتها "سلافة" بإبتسامتها الرقيقة الممتزجة بدموعها ، ثم إرتمت بأحضانها و هي تطلق تنهيدة حارة مطولة
لتربت "أمينة" علي كتفها برفق قائلة :
-حبيبتي و بنتي . أوعدك إنها هتكون أول و أخر مرة دموعك تنزل بسبب حد في البيت ده . مش هسمح لمخلوق هنا يزعلك . أوعدك !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
صباح يوم جديد ...
و "أدهم" يجلس صامتا واجما علي مائدة الفطور ، يترقب مجيئها في أي لحظة .. و لكنه لن يعتذر كما طلبت منه أمه
و إذا قامت بفتح الموضوع سيترك المكان فورا و يذهب إلي عمله ..
-هي سلاف لسا ماصحيتش يا عائشة ؟ .. قالتها "أمينة" بتساؤل
عائشة : مش عارفة يا ماما جايز تكون لسا نايمة
أصلنا سهرنا إمبارح و هي شكلها كانت تعبانة و مرهقة أوي
أومأت "أمينة" بتفهم و قالت :
-طيب قومي شوفيها لو لسا نايمة صحيها و هاتيها عشان تفطر معانا
عائشة : حاضر .. ثم قامت و توجهت إلي غرفة "سلاف"
أمينة و هي تميل صوب إبنها هامسة بصرامة :
-أدهم . زي ما قولتلك هتعتذر لبنت خالك و تطيب بخاطرها
أدهم بغضب دفين :
-يا أمي قولتلك أنا مش غلطان . الإعتذار معناه إني غلط فيها و ده ماحصلش
أمينة بحدة :
-البنت كويسة و مؤدبة يا أدهم ماكنش قصدها تعمل حاجة
إنت إللي مزودها بس و طلعت فيها لاهيتها لحد ما إتفحمت من العياط . إنت لو كنت شوفتها إمبارح كانت منهارة إزاي كنت كرهت نفسك بسبب إللي عملته
أدهم بإصرار :
-مـــش هعتذر إنتهي الكلام يا أمي من فضلك ماتفتحيش الموضوع تاني لو مش حابة تزعليها مرة كمان
نظرت له أمه بحنق شديد ، بينما جاءت "عائشة" مهرولة صوبهما و هي تصيح :
-إلحقي يا ماما . سلاف مش موجودة في أوضتها و دولابها كله فاضي ........ !!!!!!!
