رواية عاشق قهر النساء الفصل الثلاثون30 بقلم صباح عبد الله فتحي

رواية عاشق قهر النساء الفصل الثلاثون30 بقلم صباح عبد الله فتحي
وقف قاسم تحت أشعة شمس حارقة، في ساحة واسعة شبه صحراء، محاطًا برجاله الذين كان كلٌّ منهم يمسك في يده أدوات مخصصة لعملية الحفر والردم. كان حاملًا هاتفه على أذنه يتحدث، وعيناه معلقتان على ساحة صغيرة أمامه، من رآها ظنها قبرًا ولم يجف ترابه المبتل. دموعه تسبق صوته المتجلجل المخنوق بالبكاء وهو يحدث كوثر عبر الهاتف قائلاً معاتبها بحسرة:ليه… ليه… ليه يا كوثر وصلتيني للحالة دي؟ ليه أجبرتيني أصحي الوحش اللي جوايا بعد ما كنت بحاول أقتله للأبد؟ كام مرة حذرتك؟ كام مرة قلتلك مراتي وبنتي خط أحمر؟ ليه يا كوثر ما فهمتيش كلامي؟ ليه دايمًا مصرّين تخلوني أعمل حاجة أنا مش عاوز أعملها؟

كانت كوثر مستلقية داخل التابوت تحت الأرض، محاطة بظلام كحيل، كحالك قلبه المظلم. رفعت يديها تمسح عرقها الذي أغرق وجهها، ودموعها المنهمرة على خديها المحمّرين من شدة البكاء ونقص الأكسجين الذي كان يختفي منها تدريجيًا. خرج صوتها مختنقًا بالبكاء والتعب بسبب نقص الأكسجين: ما… ما… ما كنتش عاوزة حاجة غير ابني. 

أتاها صوت قاسم المختنق عبر سماعة الهاتف: ابنك كان قدام عينيك يا كوثر، أنا عملت المستحيل علشان أحطك قدامه على أمل قلبك يحسّ بيه. مش ذنبي إن الحقد  اللي جواكي قتل قلبك ومشاعرك.

أجابته ببكاء مرير، قائلة بحزن وحسرة شديدة: إنتوا السبب… لو ما كنتش قتلت سيف ما كانش كل ده حصل. كان… كان ممكن حياتنا تكون أحسن من كده. الفلوس والثروة قدّموا لنا إيه غير إنهم حوّلونا من إخوات لأكبر أعداء؟ أنا زيك يا قاسم، ما كنتش عاوزة ده كله يحصل. كنت عاوزة أعيش مع الشخص اللي حبيته، كنت عاوزة علي الأقل أربي ابني آخر ذِكرى من حب عمري.

أغلق قاسم عينيه لتتكاثر دموعه على خديه بحسرة، وظل صامتًا لثوانٍ قبل أن يخرج صوته حزينًا متألمًا:للأسف اللي حصل حصل، وفات الأوان على الندم يا كوثر.

أتاها صوتها مترجيًا باكيًا:أبوس إيدك يا قاسم طلعني من هنا… عيالي هيقتلوا بعض بسبب غبائي. مش عاوزة حاجة غير إني أنقذهم، أبوس إيدك…

وقبل أن يستمع قاسم إلى باقي حديثها، أغلق الهاتف فجأة، وأغلق معه قلبه. ليستمع إلى صوتها المكتوم من أسفل التراب المغطي قبرها تترجاه بصراخ وبكاء مرير: أبوس إيدك يا قاسم، أنقذ عيالي على الأقل، و… وشوق أنا عارفة فين شوووووق… أبوس إيدك طلعني من هنا يا قاسم….
________________

تسارعت أنفاس لين حتى ملأ صوتها السكون المحيط بها، وهي تنظر إلى سامح الذي دلف إلى الغرفة للتو. اتسعت عيناها لتملؤهما الدهشة، وبصعوبة خرج صوتها المختنق بالبكاء وهي تمد ذراعها تشير نحوه، وصورته وهو يُدفن أمام عينيها في الماضي لا تفارق عقلها:ـ ا.. إز.. إزاي؟! لِسّه عايش؟! أنا متأكدة إنك…

لم تقوَ على إكمال كلماتها، إذ انفجرت باكية، وضعت يديها على فمها لتكتم صوت شهقاتها المتعبة. ولما تلاحظ نظرات زين الذي توترت ملامحه بشدة، وهو ينظر إليها تارة وإلى سامح الواقف كالمقيد تارة أخرى. تغلغلت الدموع في عين سامح ولم تخلُ ملامحه من الحزن وهو ينظر ألي لين بصمت مريب. بينما اقترب زين منها بحذر شديد، وهو يقول مترددًا: ـ انتي الذاكرة رجعت لك؟

نظرت إليه بكره وحنق شديد، ثم فجأة بصقت في وجهه، وخرج صوتها عاليًا غاضبًا، كأنها لم تُصب بما أصابها: ـ كنت فاكر إنك تقدر تضحك عليّا بكلمتين؟ البني آدم قبل ما يكون عقل فهو قلب، ولو قدرت تضحك على عقلي، مستحيل تقدر تضحك على قلبي… انت فاهم؟

صمت زين للحظات قبل أن يبتسم فجأة، وهو يمد يداه في جيبه ببرود مريب وأخرج منديلًا ورفعه لمسح آثار بصقتها من علي وجهه ثم قال ساخرًا منها: ـ تصدقي؟ طلعتِ شاطرة أوي في التمثيل. لازم يتعملك عرض… هتبقي ممثلة عالمية، صدقيني.

ثم نظر إلى سامح وأشار نحوه بحركة ساخرة وهو يواصل: ـبس إيه رأيك في المفاجأة دي؟ عجبتك، مش كده؟

فجأة ضحكت لين بقوة. نظر إليها زين وسامح بتعجب. استمرت في الضحك لثوانٍ، ثم صرخت فجأة في وجهه بغضب: ـ انت غبي أوي! معقولة الميت يرجع؟!

نظرت إلى سامح بسخرية: ـ المهرج اللي انت جايبه ده مستحيل يكون بابا سامح.

ثم التفتت إلى زين قائلة بحزن، تحاول إخفاءه خلف قناع الغضب: ـ عارف ليه؟ علشان أنا بنفسي اللي قتلته.

اتسعت عينا زين بدهشة وزبلة ملامح سامح بالحزن اكثر وظل صامتًا ليستمع الي ما يقال بصمت. بينما خرج صوت زين مذهولًا: ـ إنتِ بتقولي إيه؟! إزاي إنتِ اللي قتلتي سامح؟

وضعت يدها على فمها، وانهارت دموعها بلا توقف لثوانٍ، قبل أن تقول: ـ كل حاجة حصلت في لحظة ملعونة… مش قادرة أتخطّاها انا ليه الذكرة رجعتلي انا مش عاوزه افتكر حاجه مش عاوزه افتكر 

اختفى صوتها، ليحل مكانه صوت بكاؤها، وهي تتذكر ذلك اليوم الملعون بعد عودتها إلى منزلها، بعدما حطم حبيبها قلبها وقتل آخر ذرة أمل كانت ستكمل بها ما تبقى من عمرها. لكنها لم تكن تتوقع أن ترى ذلك المشهد المرعب، الذي قلب حياتها رأسًا على عقب…

(ذكريات لين – قبل ستة أشهر)

في تلك الليلة التي استطاعت لين الهروب فيها من بين مخالب زين، وقبل أن تعود إلى أبويها خاسرة أغلى ما تمتلكه أي فتاة عذراء في عمرها، ذهبت إلى حبيبها ليل تطلب منه الستر والعفة بعدما سرقهما منها شقيقه. لكنها عادت خالية اليدين، محطمة من الداخل والخارج، منتظرة موتها على جمرة من لهب، لعلها تتخلص من وصمة العار التي أصابتها.

وقبل أن تدخل إلى منزلها، قابلها عشق الذي كان متوجهًا إلى سيارته، مرت عليه وكأنها لا تراه، وهو أيضًا لم يُبالِ لمرورها ولا لصوت شجار سامح وزوجاته من الداخل.

وعندما دلفت إلى المنزل، وقفت مذهولة عندما رأت سامح يقف رافعًا مسدسًا، ونور متوقفة في منتصف البيت، مصابة برصاصة في منتصف رأسها. هرولت إلى نور التي كانت تسقط على الأرض، والدماء تتسرب من رأسها، بينما وقف سامح مذهولًا ينظر إلى زوجته الملقاة على الأرض، وإلى السلاح الذي لم يستوعب أنه استعمله.

وأثناء ما كانت نور تلفظ أنفاسها الأخيرة بين يدي لين، التي من الصدمة لم تقوَ على الصراخ حتى أفاقت منها على صوت المسدس يسقط من يد سامح مصدرًا ضوضاء كاسر حاجز الصمت الملتف بهم. تذكرت تلك اللحظة التي دخلت فيها وظنت أن والدها قتل أمها، ودون تفكير، وعقلها في حالة صدمة لا يستطيع التفرقة بين الخطأ والصواب، نهضت وتوجهت لتحمل هي السلاح. وقفت أمام سامح رافعة المسدس عليه بملامح جامدة، خالية من أي مشاعر.
لينظر لها سامح بذهول ودموعه تنهمر بدهشة وذهول، وخرج صوته مهزوزًا: ـ لين حبيبتي، صدقيني أنا ما قتلتهاش، أنا… أنا…

صمت فجأة، ليحل مكان صوته صوت إطلاق رصاصة اخترقت صدره. نظر بذهول إلى الدماء التي تسربت من أسفل ملابسه، رفع يده متألمًا يضغط على صدره حيث يتسرب الدم، وخرج صوته بصعوبة من بين أنين الألم الذي أحتل جسده في لحظة: ـ اهربي يا لين، اطلعي من هنا بسرعة قبل ما حد يشوفك… وأنا… وأنا مش زعلان منك يا بنتي…

(الحاضر)

أفاقت من تلك الذكريات التي ظلت تهرب منها طوال تلك الفترة، لكن كان حتمًا عليها أن تظل تتذكرها للأبد، لتظل تذكّرها أنها قاتلة، قتلت أباها بكل دمٍ بارد. انفجرت في بكاءٍ مرير.

وقف زين مذهولًا، لا يصدق أن تلك الفتاة البريئة التي أحبها استطاعت قتل والدها بهذه البساطة، ولم يستوعب أنه هو من حوّلها إلى ما هي عليه الآن.

بينما رفع سامح يديه يمسح دموعه التي أغرقت لحيته ذات الشعر الشايب، واقترب منها بهدوء، ورفع يده ليمسح دموعها برفق، وخرج صوته حزينًا مخنوقًا بالبكاء والحزن: ـ قلتلك وهرجع أقولك، أنا مش زعلان منك يا لين، حتى أنا للحظة فكرت إني اللي قتلت نور، بس أنا ما قتلتهاش، صدقيني مش أنا اللي قتلتها.

نظرت إليه لين بذهول وهي تقول: ـ إنت… إنت… بابا؟

ابتسم لها سامح ابتسامة باهتة وهو يقرصها من أنفها قائلًا: ـ كل مصيبة فيها حكمة، وكل فرج بيجي بعد ضيق.

ظلت صامتة وهي تتذكر لحظات الماضي، فكلما حزنت وضاقت بها الدنيا كان والدها يقول لها تلك الجملة. همست من بين ذهولها قائلة: ـ إنت… إنت إزاي لسه عايش؟

نظر سامح إلى زين للحظات قبل أن يعود بنظره إليها قائلًا: ـ في ناس عاوزاني أفضل عايش، وللأسف أنا لسه عايش بفضلهم، واللي اتدفن ما كانش أنا…

صمت فجأة، والتفت الجميع نحو الخارج حيث يصدر صوت ضوضاء وصياح من خارج الغرفة. عقد زين حاجبيه باستغراب قبل أن يسحب مسدسه من أسفل الجاكيت الذي يرتديه، وتوجه ليغادر ليرى ما يحدث، تاركًا خلفه كلًا من سامح الذي لما تخلو ملامحة من التوتر وكأنه يحمل سرًا يخاف كشفه، ولين المذعورة التي تنظر إلى سامح بأعين مليئة بالتساؤلات والدهشة. 
»»»»»»»»»»»»»»»»

كان حازم متجاهلًا كل تلك المصائب التي تحدث حوله، أو بالأصح يحاول التظاهر بذلك. كان جالس في سيارته، يحمل في يديه هاتفه، وعيناه معلّقتان على الشاشة يتابع حركة جهاز التتبّع المتصل بهاتف ابنته ياري. وبفضل ذلك وصل إلى المستشفى التي هي بداخلها.

ظل ينظر إلى المستشفى باستغراب، يحاول تخمين لماذا ابنته ستأتي إلى مستشفى بسيطة كتلك. وعندما مرّت على مخيلته فكرة أن من الممكن أن تكون ابنته قد أُصيبت بمكروه، لم يستطع الانتظار لحظة أخرى. نزل من السيارة ولم يصبر حتى أن يغلق بابها خلفه، وبدأ يركض مذعورًا يبحث عنها بين المارّة، لعله يراها في مكان ما.

وفجأة، وقف مذهولًا للحظات عندما لمح ابنته في آخر طرقة بالمستشفى داخل أحضان ذلك الخادم الذي يسمي جورج. لم يلاحظ بكاءها ولا نحيبها وخوفها، وكل ما شغل باله هو ابنه نيل الذي تزوّج من راقصة في السرّاء، وهل يُعقل أن تكون ابنته أيضًا قد تزوجت من ذلك الخادم دون علمه؟ فهو، بفضل تلك الثروة والنفوذ، نسي أن له أبناء أصبحوا شبابًا، ويجب عليه الحذر ومراقبة تصرّفاتهم أكثر مما كان يفعل وهم صغار.

أفاق من دوّامته السوداء على أحد الأشخاص المارّة يصطدم به دون قصد. نظر إلى الشخص الذي كان يعتذر له عمّا حدث، ثم عاد لينظر إلى حيث تقف ابنته. إذ رأى جورج ينظر إليه مذهولًا عندما رفع رأسه ولمحه بالصدفة.

ارتخى ذراعا جورج عن خصر ياري، وببطء شديد أزاحها ليبعدها عنه بعد أن كان يتمنى أن يبقيها هكذا لباقي عمره. بينما كان حازم يقترب منهم بملامح غاضبة.

نظرت ياري إلى جورج ولاحظت خوفه المفاجئ، فالتفتت تنظر حيث ينظر وهي تمسح دموعها عن خديها، وقبل أن تستوعب ما يجري، تفاجأت بصفعة قاسية هبطت على وجهها وأسقطتها أرضًا. تدخّل جورج سريعًا محاولًا تبرير الموقف، خرج صوته متوترًا متجلجلًا: — حازم… بيه… صدقني الموضوع…

أوقفه حازم بإشارة غاضبة أخرسته فجأة، فتراجع للخلف بهدوء مريب، منتظرًا حكم الإعدام على تلك الجريمة التي فعلها. أمّا ياري فظلت جالسة على الأرض، تبكي بكاءً مكتومًا، فهي تعرف أنها حكمت على حياتها بالهلاك، ولا مفر من تلك الجريمة التي ارتكبتها في حق نفسها وتلك المسكينة مرام التي خسرت حياتها بسبب غرورها وغيرتها وتصرفاتها الطائشة المتهورة والان بسبب ذلك أصبح طفلين لا يعلمون شيئا عن العالم ايتام الأب والأم أيضاً. 

كسر حاجز الصمت صوت اقتراب ممرضة تحمل طفلة رضيعة تبكي جوعًا. اختلط صوتها بصوت بكاء الطفلة وهي تقول: — لو سمحتم يا جماعة، البنت دي مولود المدام اللي ماتت من شوية… مين هيستلمها ويتكفّل بيها؟

التفت حازم بدهشة إلى مصدر الصوت الآتي من خلفه. تجوّلت عيناه الممتلئتان بالذعرة والتساؤلات بين الطفلة والممرضة، وياري المنهارة في البكاء، وجورج الذي تعرّق جبينه من شدة الخوف.

كان جورج صامتًا، حتى شعر بشيء دافئ يلمس يده. نظر بدهشة ليرى سيف ابن مرام يمسك أحد أصابعه وهو يقول ببراءة لا يستوعب عقله الصغيرة حجم تلك المصيبة التي أصابته وأنه خسر ولديها للأبد:عمو، هي ماما هتيجي إمتى؟ أنا جعان…

ابتلع جورج ريقه بصعوبة، ورفع عينيه إلى حازم الذي بدأ عقله يستوعب ما يجري. خرج صوته متجلجلًا وهو يرمق جورج بنظرات مليئة بالشك: — هي فين أمّه؟
»»»»»»»»»»»»» 

خرج زين من الغرفة التي فيها لين وهو يحمل مسدسًا، ووقف مذهولًا لثوانٍ عندما رأى ثلاثةً من رجاله يدخلون ويمسكون بليل وساهر، اللذين كانا يحاولان الفرار منهم. تبسّم بسخرية على حركاتهم العشوائية وصراخهم غير المبرر، واقترب منهم وهو يضع المسدس من حيث آخره، وهو يقول ساخرًا:ـ يا خطوة عزيزة… ليل باشا والدكتور ساهر بنفسهم جايين لحد عندي

نظر له كلٌّ من ليل وساهر بغضب وحنق، بينما استمر هو في سخريته وهو ينظر إلى رجاله بغضبٍ زائف:ـ ابعد إيدك يا حمار منك له… دول إخواتي حبايبي.

أجاب ساهر بغضب:ـ إنت عار على كلمة إخواتي، وعار عليّا يكون عندي أخ زيك، إنت فاهم؟

مدّ زين شفتيه بحركة طفولية ساخرة وهو يقول:ـ اممم… طيب لما أنا عار عليكم. يا ترى جايين لحد هنا عاوزين إيه؟ حسب علمي ما عزمتكوش على الحفلة.

رفع يده ينظر إلى ساعته وهو يواصل حديثه: ـ اللي فاضل عليها ساعة تقريبًا…

أضاف ليل بغيظ وغضب:ـ فين لين يا زين؟ أقسم بالله لو لمست منها شعرة، لأكون دافنك حي… المرة دي ما هيهمني إنك أخويا الكبير، إنت فاهم؟

اقترب منه زين بحركة ساخرة، وقرصه من خديه ليزيد من غضبه وهو يقول:ـ لولو العسل… يا خلّثي، بقى لك لسان وبتعرف تتكلم زي الرجاله أهو.

وفجأة سقط أرضًا عندما تلقّى لكمة قوية، لا يعرف أحد من أين أتت. التفت كلٌّ من ليل وساهر بدهشة إلى ذلك الذي يقف خلفهما، قبضتا يداه صلبة كالحجارة، ممدودة من بينهما. ابتسم ليل بسعادة وهو يقترب يعانق عشق قائلًا: ـ حبيبي اللي على طول جاي في الوقت المناسب.

»»»»»»»»»» 

كانت نيلي مستلقية على الفراش داخل غرفة المستشفى التي توجد بها. ملامحها متعبة ومتوترة، تشعر بقلقٍ شديد بسبب اختفاء نيل عنها. خائفة من تلك الأفكار التي تحوم حول عقلها، أن تخسر نيل، وتخسر الفرحة والاطمئنان بعد أن وجدتهما. خائفة، لا يتقبل تلك الحادثة المفاجئة التي بسببها لم تعد تستطيع تحقيق رغبة الأبوة له أو لأي رجلٍ آخر.وبعد عناءٍ من التفكير وصمتٍ لا تعرف كم من الوقت طال، نظرت إلى تلك الفتاة التي كانت تقف بجوار الفراش تبدّل لها عبوة المحلول التي فرغة من محتواها وهتفت قائلة:ـ الأستاذ نيل ما جاش برضه؟

نظرت لها الممرضة بحزنٍ لحالها لثوانٍ، فهي كلما رأتها سألت السؤال ذاته. هزّت رأسها بحركة يائسة وهي تقول:ـ لا، لسه الغيب حجته معاه، ما تقلقيش.

أخرجت زفرة يأسٍ قبل أن يخرج صوتها المتعب قائل: ـ طيب، هو أنا ممكن أخرج من هنا إمتى؟

تبسّمت الممرضة لها لتمزحها بخفة، وهي تعود بتركيزها إلى ما كانت تفعله:ـ هو إنتي زهقتي مني ولا إيه؟ ده أنا حتى الكل بيقولي إني عسل ودمي خفيف.

ابتسمت نيلي ابتسامة متعبة عندما تذكّرت شوق، ورأت ملامحها في تلك الفتاة التي تقف أمامها. اختفت ابتسامتها فجأة عندما تذكّرت آخر مرة كانت مع شوق، عندما كانتا في مكتب وكيل النيابة بعد اتهامها بقتل جلال. فزعت وحاولت النهوض، وفجأة صرخت متألمة بسبب حركتها العشوائية، لتنتبه لها الفتاة التي اقتربت منها على الفور وهي تقول بفزع:
ـ إنتي رايحة فين؟ اهدي، الجرح لسه طري، أي حركة هتتعبك.

أجابتها بصوتٍ متعب، ودموعها تنهمر على خديها بقلقٍ شديد:ـ أختي… أختي… أنا سايبة أختي الصغيرة لوحدها في النيابة، متهمة بجريمة قتل. بالله عليكِ ساعديني، هاتي لي أي تليفون أكلمها وأطمن عليها.

أخرجت الفتاة هاتفها على الفور من جيبها وناولته إياه، وهي تقول محاولة تهدئتها:ـ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وأتوب إليه. خدي يا حبيبتي، كلميها براحتك، وحاولي تهدي نفسك علشان جرحك ما يتعبكيش.

أخذت نيلي الهاتف ورفعت يديها تمسح دموعها عن خديها. حاولت تسجيل رقم شوق، لكنها لم تكن تعرفه، ولم يكن مع شوق هاتف من الأساس. حاولت تذكّر رقم زوجها نيل، لكنها لم تهتم لأمره من قبل، فكيف ستتذكر رقم هاتفه؟ لاحظت الفتاة توترها وحالة اليأس التي احتلت ملامحها، اقتربت منها وهي تسأل بحذر:ـ خير يا حبيبتي؟ إنتي كويسة؟

أجابتها بصوتٍ باكٍ:ـ أختي ما معاهاش تليفون، وأنا مش حافظة رقم نيل ولا أي حد منهم.

وقفت الممرضة تفكر للحظات تحاول أجاد طريقة لتساعدة بها قبل أن تبتسم وهي تقول بحماس:ـ استني كده، هشوف لك رقم تليفون في سجل المستشفى، أكيد هيكون في رقم تليفون.

ابتسمت نيلي بامتنان لتلك الفتاة العفوية، التي كلما رأتها تذكّرت فيها شوق الطائشة. بينما توجّهت الفتاة لتغادر الغرفة، ولم تمر دقائق حتى عادت إليها تحمل في يديها ورقة. نظرت إلى نيلي وهي تقول:ـ بصّي، ما عرفتش أوصل لسجل المستشفى، بس جبتلك فاتورة المصاريف، متسجلة باسم واحد اسمه عشق، ورقم تليفونه موجود. مش عارفة هيفيدك ولا إيه؟

أخذت نيلي الورقة منها بلهفة وحماس، وهي تبتسم لها بسعادة وهي تقول:ـ مستحيل كان حد هيقدر يفيدني أكتر من عشق.

تعليقات



<>