رواية ارواح خفية الفصل التاسع 9 بقلم زارا
قبل وشو الناحية التانية ورجع نام ، فضلت ابكي لغاية ما غفيت من شدة التعب والارهاق ، صحيت لقيت الشمس طلعت ، ومكان طارق فاضي وبارد.
قمت مشيت المطبخ ، لقيت كباية الشاي ف الصفرة
عرفتو مشى شغلو من غير ما يصحيني ، أو حتى يطمئن علي.
قررت إني ما ح أتصل عليه ، و أخليه على راحتو طال ما شايفني بمثل ومستهبلة ، و حلفت اني ما ح أقعد ثانية واحدة براي في البيت ، لبست توبي ، و قفلت الأبواب طلعت ع طول للشارع ، كنت ماشة من غير هدف، بس عايزة أكون وسط الناس ، وسط أي حياة بعيد عن العزلة العايشة فيها دي.
الشوارع كانت فاضية وموحشة ، بعد أربعة شوارع مننا، حتى لقيت مجموعة أطفال بلعبوا في التراب و بضحكوا ، وقفت أعاين ليهم ، و أنا بقول.. ياريتني لو كنت بريئة زيهم و ما عندي هم ولا غم! ، سلمت عليهم و بقيت أتونس معاهم شوية ، قلت ليهم بابتسامة باهتة.. يا أولاد، أمكم وين؟!.
أشروا لي على بيت بسيط فاتح فيهم ، قام واحد من الأطفال ساقني من يدي وفتح لي الباب وهو بقول ماما تعالي في خالتو جاتك ..
بعد مسافة جات مرا في نص الثلاثينات ، استقبلتني بوش بشوش ، سلمت علي و فضلتني .. بدت تتونس معاي
سألتني من اسمي قلت ليها هديل! .. قالت لي أنا اسمي إكرام!!.
سألتها بفضول... إنتو قاعدين هنا من زمان ولا طلعتوا ورجعتوا؟!.
قالت لي.. نحن من جات الحرب ما طلعنا مكان ، بس دخلنا ف العمارة الجمبنا دي من الروائش و الرصاص ، و هسي رجعنا بيتنا..
قلت ليها بفضول..
طيب كيف قعدتوا وسطهم براكم ، بالكلام البنسمعوا عنهم دا؟!.. ليه ما طلعتو زي باقي الناس؟!..
قالت لي والله يا هديل اتجبرنا ، ما كان عندنا قروش في يدنا ، ظروفنا كانت صعبة ، و السفر و النزوح عايزين قروش وميزانية ونحن حق الاكل دا ما عندنا ، و ياهو سيد العمارة دي ، كتر خيرو كان برسل لينا كل شهر وبنتصرف منها.
اتوكلنا على الله قعدنا ، كنا ٣ أسر ف الحي من السكان الاصليين ، و الباقيين نزحوا من أماكن تانية ، ومع دخول الجيش كلهم طلعوا ..
هزيت ليها راسي بأسف شديد .. وجعني حالهم و أنا بقول كم أسرة زيهم عانت وقعدت نص الخراب دا ، و رغم دا كلو كانوا راضيين ومبسوطين بحالهم..
قالت لي.. بس انتي يا هديل ساكنة وين بالضبط؟! ، ما صادفتك قبل كدة!.
قلت ليها... نحن سكنا هنا جديد ، في العمارة الفاتحة في المقابر.
أول ما قلت.. العمارة الفاتحة في المقابر ، إكرام سكتت مسااافة ، ملامحها اتغيرت فجأة ، و بقت تعاين لي بنظرة غريبة ما قدرت أفسرها ، كأنها عايزة تقول حاجة و خايفة ، فجأة.. ولدها الصغير الكان واقف جنبنا ردا لي بكل براءة قال لي...
انتي ساكنة في العمارة المسكونة ، المسكو فيها عبدو دي؟!.
الولد الصغير.. لما قال كدا ، حسيت بجسمي برد تماماً، صدمتي كانت إنو الطفل أكد لي.. إني ما مجنونة و لا بتخيل، و لا مهلوسة بكلام أمي.. فعلاً البيت مسكون.
قلت ليها عبدو دا منو؟! ، وحصل ليه شنو؟!..
امو صرخت فيه بحدة وهي بتجرو من يدو..
يا ولد أقفل خشمك دا ، أنا موش قلت ليك ما تقعد تسمع كلام الناس الكبار ، خلي قلة الأدب دي؟!.
الطفل جرا فات من غير ما يلتفت ، قبلت علي و هي بتحاول ترسم ابتسامة مصطنعة و هي بتقول لي... ما تركزي معاه.. ولدي دا كلامو كتير و بسمع قصص الشارع وبجي يكررها.. ما تشغلي بالك.
كنت بعاين في عيونها وهي بتهرب بنظراتها مني ، و عارفاها داسة مني حاجة ، و خايفة تتكلم ، حاولت استعطفها بدموعي واخليها تكلمني بالشيء العارفاه.
قلت ليها.. يا إكرام .. عليك الله ما تدسي عني حاجة ، أنا من دخلت البيت دا وحياتي اتقلبت جحيم ، دايماً بتحصل لي فيه حاجات غريبة ، شايفة دموعي دي؟! يومي ببكي لزوجي إنو نرحل من البيت ، بس ما صدقني و مفتكرني بمثل ، و ما عندي زول هنا امشي ليه ، اهلي كلهم ف مصر .. لو بتعرفي حاجة قوليها لي اعتبريني زي أختك وأنقذيني ، الله يرضى عليك و يخلي ليك عيالك.
لما شافت حالتي و دموعي ، ملامحها لانت ، اتنهدت بصوت واطي..
و قالت لي يا هديل .. أنا ما كنت عايزة أخوفك ، و لا بحب اسمع كلام الأطفال الصغار لأنهم بتكلموا سااي ، بس ما دام اصريتي و بتحصل ليكِ حاجات ، يبقى لازم تعرفي.
العمارة الانتي ساكنة فيها هسي دي.. ما حصل اتسكنت و لا اتسرقت ف بداية الحرب ، بس في الفترة الأخيرة سكنت فيها مجموعة حولوها لـ معتقل..
بمسكوا الناس يعذبوهم و يطلبوا فدية من أهلهم ، كنا بنسمع أصوات صرااخهم ، و غالباً كانوا بصفوهم بدم بارد حتى بعد يستلموا القروش ، لدرجة نحن خوفنا بقينا ما بنطلع من كمية الإرهاب العاملنوا ، بس فجأة لقيناهم اختفوا و خلوها فاضية.
بلعت ريقي وأنا بتذكر الكرسي والحبال الجوه المخزن و الراجل المربوط ف الحلم وبقول لي ساعديني...
واصلت كلامها.. من بعدها و البيت قعد تاني فااضي لغاية دخول الجيش ، في نسوان ما من هنا ، حاولوا يدخلوا يسرقوا بس طلعوا يصرخوا زي المجانين وما قدروا يحكوا شافوا شنو من الخوف.
قلنا يكونوا شافوا زول ميت ولا حاجة ، بس ماف زول اتجرأ ودخل فيها ، لأننا كنا بنخاف و لسه الخوف ما طلع مننا.
قبل تجوا تسكنوا انتوا و قبل يعملوا الارتكاز الفي الحلة دا ، في يوم ولدي الصغير دا و اخوه الأكبر منو ، ومعاه أولاد جارتنا، شالوا كورتهم ومشوا يلعبوا في الميدان الوراكم.. كورتهم طارت ودخلت حوشكم ، واحد منهم اسمو "عبدو" دخل يشيلها.. وأول ما خطى جوا البيت ، الباب اترزع بقوة واتقفل عليه!.
بقى يصرخ بطول حسو و يضرب الباب ، و اخوانو برا يصرخوا ويبكوا...
و كانوا شايفين ولد واقف ف العمارة المحروقة جمبكم دي ، بسجر و بعاين ليهم و ببتسم... ودا قصتو براه...
أول ما قالت كدا حسيت قلبي وقف تماماً ، وجسمي كلو بدا يعرق بس ما اتكلمت خليتها تواصل...
و فجأة الباب فتح براهُ بالراحة ، كأنو في زول فتحو ليهم ، و حلفوا إنهم سمعوا صوت راجل بقول ليهم... "تاني لو جيتوا هنا.. بشيلكم يا أولاد!".. الولد طلع جاري و وشو مرعوب و بصرخ ، واخوانو و أولادي جاريين وراه..
رجعوا البيت وهم ببكوا ومخلوعين.. بعد مسافة حتى هديناهم.. عبدو قال .. إنو كان في زول ماسكو من يدو بقوة وعايز يجرو جوا العمارة... بس ما شايفو..
طبعاً نحن ما صدقناهم وقتها وقلنا ليهم دا خيالكم.. ابو الأولاد و معاه زوجي مشوا فتشوا العمارة دخلوا ما لقو زول ، و جابوا ليهم كورتهم..
بس من اليوم داك ، خافوا بقوا ما بمشوا أي محل بعيد يلعبوا جمب البيت بس ، ولا عتبوا الميدان الوراكم داك نهائي.
إكرام سكتت مسافة ، وكأنها بتجمع شجاعتها عشان تديني الضربة القاضية ، قالت لي بصوت واطي..
يا هديل .. أنا خوفي ما من العمارة الانتي ساكنة فيها
خوفي من العمارة المحروقة القصادكم دي...
أول ما قالت كدا.. لما حسيت بجسمي برد ، عرفت انهم شافوا حاجة فيها ، قلت ليها بخوف ولهفة .. فيها شنو يا إكرام ليه تخافي منها.. و الحرقها شنو العمارة دي..
اتنهدت ببطء ، و قالت لي...
العمارة دي بالذات.. من بداية الحرب ، سكنت فيها مجموعة غريبة من المُسلحين ، ناس عابرين الحدود ، ما بشبهونا في أي حاجة.. لا أشكالهم سودانية ، ولا لبسهم بشبه لبس قواتنا المعروفة ، و لا لبس المتمردين المغبش دا.. ما كانوا بتكلموا لغتنا و حتى لغتهم زاتها غريبة...
و كان معاهم واحد سوداني "مُتعاون" ، اسمو "عيسى " هو البفهم لغتهم ، و بتعامل مع الناس و بخلص ليهم أمورهم.
بس أغرب وأخوف حاجة فيهم ، إنهم كانوا بكرهوا صوت الصلاة ، أول ما الأذان يأذن ، كانوا ببدوا يضربوا رصاص ف السماء ، بشكل هيستيري ، كأنهم قاصدين يغطوا صوت التكبير ، أو بحاربوا في الصلاة زاتها! ، لدرجة رسلو عيسى للمؤذن... و هددوه بوضوح.. "تاني لو أذنت ، ح نقتلك ونعلق راسك في المئذنة دي".
بس من بين دا كلو... كان في واحد منهم ولد شاب ف منتصف العشرينات كان مختلف منهم ، و ما بشبهم ، ملامحو كانت حادة ، و شعرو أسود و طويل ، طول الوقت بكون واقف ف شباك الطابق التاني ، بدخن و دايما بخت مسدس صغير في حزامو ، و بِفْضل يعاين للشارع و الناس المارين ، و يرصد حركتهم بطريقة باردة و مخيفة كأنو قناص ، بس ما كان بسأل زول ، لدرجة إنو بقى مصدر فضول وخوف للناس الكانت قاعدة.
بس قدرنا نعرف قصتهم من واحدة ست شاي ، كنت بعرفها و بتجي تتونس معاي ، عيسى كان دايماً بمشي يشرب عندها القهوة بقى مصاحبها شديد ، و عمل معاها علاقة حب.
في يوم سألتو بفضول... إنت يا عيسى ، الناس ديل لميت فيهم وين؟! ، واللبسك لبسهم شنو؟! ، انت سوداني ود بلد.. و هم اجانب... و العسكري المعاكم دا مالو؟!.. وقتو كلو ف الشباك لا بتحرك لا بفك سيجارتو، ولا بنزل عينو من الناس ، هو أصلا كدا ، ولا عندو حاجة.
عيسى قال ليها اتكلمي براحة انتي عايزة تجيبي لي و لنفسك الموت؟! ، في الأول اتردد و تاني عاين يمين وشمال ، و بعدها وطى صوتو ، وقال ليها كلام خلاها تفكر تخلي الشاي و الحلة من الخوف...
قال ليها... الجمعني بيهم الشغل ، أنا أصلا كنت شغال "خبير طرق و تعدين" في المناطق الحدودية بين أفريقيا الوسطى وتشاد ، وقابلت المجموعة دي هناك.. كانوا جايين السودان مع بداية الحرب ، وطلبوا مني أشتغل معاهم مُترجم ومُرشد ، لأنهم غرباء م بعرفوا الطريق وأغروني بمبالغ كبيرة بالدولار، فوافقت أجي معاهم.. المجموعة دي أصلا جات تقاتل و لما لقت الفوضى وماف حرب حقيقية ، غيروا رأيهم وقرروا يسرقوا ويجمعوا الدهب والقروش و العربات...
و الولد البتتكلمي عنو دا بالذات.. كان أمان المجموعة حقتنا!!.
ست الشاي سألتو بخلعة... يعني شنو أمانهم؟، قال ليها.. الولد دا كان راصد ، وظيفتو الأساسية هي المراقبة و الحماية ، يعني ما كان مجرد مرتزق بس ، كان عندو القدرة يعرف مكان الغنايم و البيوت و الأماكن المليانة من الفاضية ، بس بإحساسو وعيونو ، و نهائي ما بغلط.
كان بقعد ف مكان عالي ، يراقب الشارع عشان يحمي مجموعتو البتنهب ، و ما كان بثق في زول ، براقبهم و هم بنهبوا عشان ماف زول يغدر بالتاني أو يدس حاجة ، يعني براقبهم هم قبل ما يراقبكم إنتو!.
و عندو القدرة يحس بالخوف و مكان الروح قبل ما يشوف الجسد.. عشان كدا قعدتو في الشباك دي ما عبث ، برصد المكان و أي زول بدخل و يمرق ، يعني ماف حاجة بتفوت عليه.
بس الولد دا كان غريب شديد م إنسان طبيعي.. لا بياكل أكلنا، ولا بنوم زينا ، و لا برمش زينا ، عيونو بتفضل ثابتة ف نقطة واحدة لساعات م برمش نهائي ، وحتى نحن المعاهُ بنخاف منو! ، و فوق لي دا ، كان بتعامل ب"السحر الأسود" ، سحر مستورد جاي من أفريقيا ، و هو البحمي ممتلكاتنا و غانئمنا بسحروا دا..
بس اكتر حاجة كان بكرها صوت "الذكر والتكبير" كانو نقطة ضعفو ، بشتتوه ويخلوه يتشنج ، و بأذوا الحاجة المعاه دي ، وعشان كدا أول ما الأذان يأذن ، نحن بنضرب رصاص تقيل مخصوص عشان نغطي على الصوت دا...
في الأول كنت بقول دا شاب غريب..بس في ليلة صحيت على صوت همهمة غريبة ، وريحة بخور تقييلة تلف الرأس وتخنق النفس. الفضول قتلني ، قمت مشيت تجاه غرفتو بالراحة.. الهمهمة بقت أوضح ، و كلام ما مفهوم بلغة أفريقية زي فحيح الثعابين!
و فجأة.. شفت ظل حاجة كبيرة وضخمة مغطية المكان و الحيطة ، و الولد كان ساجد في الأرض بطريقة غريبة.. و أول ما رفع رأسو و عاين بجهة الباب ، عيونو دي كانت حمراء ، كأنها جمر ، أنا من الخوف جريت ما وقفت إلا وأنا جوه غرفتنا.
تاني يوم الصباح ، أول ما شافني ، ابتسم لي ابتسامة باردة .. عرفت إنو شافني ، بس ما اتكلم! ، من اليوم داك اتاكدت إنو البحرسنا دا ما زول طبيعي.. دا شيطان في شكل بشر!.
إكرام قالت لي... ف الأول كنت بضحك ف ست الشاي دي ، و بقول ليها خلاص قعادك مع الناس ديل ، اثر فيكِ بقيتي تسمعي حكاويهم و تصدقي كلامهم..
لغاية ما ف مرة بتذكر.. كنت راجعة من السوق ، و اختصرت بشارعهم ، أول ما وصلت جمبهم رفعت عيني لقيتو واقف بعاين لي بكل برود ، نهائي ما نزل عينو ، من خوفي لما اتعترت و قربت أقع ، اتذكرت كلامها .. سرعت خطواتي لما وصلت نهاية اللفة عاينت ليه بنظرة أخيرة ، شفتو ابتسم لي ابتسامة خفيفة كأنو شمه ريحة خوفي ، دمي نشف ف عروقي ، و اتأكدت فعلا انو الولد دا ما طبيعي ، فيه حاجة غريبة ما بتشبهنا كـ بشر .. ولا نظراتو كانت نظرات عسكري ولا شاب طايش ، كانت خالية من أي روح ... كأنك بتعايني في عيون جثة واقفة على رجليها!
وقتها رجعت البيت وأنا بتلفت وخايفة يكون لاحقني بـ خطوات خفية ، أول ما وصلت قفلت علي الأبواب، ومن يومها خليت شارعهم نهائي لغاية ما العمارة اتحرقت بيهم.
كنت بسمع كلامها دا ، وجسمي برجف.. و بردد ف سري يعني أنا ما مجنونة!... الولد الشفتو بعاين لي من الشباك حقيقة ، و ريحة السجائر البشمها ، و الابتسامة الباردة الحكت عنها هي نفس الشفتها في كوابيسي ، للحظة حسيت برعشة و برودة ف أطرافي ، بس ما جبت ليها سيرة انو وصفها دا انا عايشه نصو ، كنت عايزة اعرف أكتر.
تاني سألتها بلهفة.. و الحريق حصل ليهم كيف يا اكرام؟!...
يتبع......
