رواية ارواح خفية الفصل العاشر 10 بقلم زارا
سألتها بلهفة.. و الحريق حصل كيف يا اكرام؟!.
قالت لي... في ليلة صعبة ، الاشتباكات دورت بينهم ... أصواتهم كانت عالية ، فجروا قرنيت في بعضهم ، وضربوا رصاص تقيل طول الليل ، زول قدر مشى عليهم ماف ولا حتي القوات الكانت مسلحة زيهم.
عيسى حكى لست الشاي إنهم اختلفوا في تقسيم الغنايم الجمعوها ، و الولد دا كان هو السبب ، لأنو كشف ليهم إنو في اتنين منهم دسّوا قروش و دهب وغنائم كتيرة من وراهم!.
الفتنة ولعت بينهم ، كأنو ربنا سلطهم على بعضهم ، و بقوا يتبادلوا الاتهامات ، و يضربوا رصاص ف بعضهم ، واحد من الاتكشفوا ديل بقى يصرخ ويقول تعاويذ و كلام ما مفهوم ، و التاني استغل ربكة الرصاص ورشّ في الولد سائل شكلو غريب ، أول ما السائل دا لمس جسمو ، صرخ صرخة عالية و وقع يتشنج ، زي الضارباه كهرباء ، كأنو السحر الفيه دا انقلب عليه وبقى ينهش في روحو.
الولد فضل يتشنج و يصارع ، ما حاولوا ينقذوه ، و كأنهم كانوا منتظرين اللحظة دي و عايزين يتخلصوا منو ، اي زول اتقلب ف التاني و بقوا يتشاكلو ف الغنائم... و فجأة النار ولعت في الطابق التاني بطريقة مُريبة.. جزء منهم قدروا هربو ، و تلاته منهم ومعاهم الولد اتحرقوا قبلهم..
عيسى قال.. هو نطى من الشباك.. وأثناء ما عايز يطلع شاف الولد دا... قام وقف على حيلو ، رغم السحر و النار المولعة فيه ، عينو كانت بس مثبتة على الشارع من غير اي رد فعل .. وكأنو النار دي مكانو الطبيعي!.
إكرام سكتت مسافة و بعدها وطت صوتها..
باقي المجموعة من وقتها خلت المكان و ما ظهرت ، و عيسى بيت مع ست الشاي ، وهو برجف طول الليل زي المحموم ، الصباح ودعها وقال ليها إنو ح يرجع لي أهلو ويخلي الطريق دا نهائي.. بس يا هديل ، عيسى ما وصل!..
لقوه ميت في طرف الحلة بعد يومين.. ميت بطريقة غريبة ، ما فيه طلقة ولا جرح ، بس عيونو.. كانت مفتوحة لآخرها وناشفة ، كأنو شاف حاجة مُرعبة قطعت قلبو قبل ما روحو تطلع!.
كنت بسمع ليها بين مكذبة ومصدقة! ... و بقول معقولة دا كلو حصل؟! .. بس لو ما كنت بحلم بالولد دا ، ما كنت صدقة كلامها؟!.
واصلت كلامها... بس الغريب يا هديل انو.. الشفع الصغار حلفوا قالوا شافوا الولد واقف بعاين ليهم من الشباك وبشرب سيجارة.
لغاية ما زوجي أكد لي إنو كان راجع في وقت متأخر ، وشاف نفس الولد واقف في الشباك بدخن ، حتى قلت ليه بتكون بتتخيل ، حلف لي بالله إنو دا هو ، و قال لي ياداب صدقت كلام الشفع ، والليل كلو يتخلع بيه.
كنت عايزة أصرخ وأقول ليها.. يا إكرام ، هم ما بكذبوا هو فعلا بظهر ف الشباك ... وأنا كمان بشوفو! ، بشم ريحتو ، وبجيني ف أحلامي .. بس لساني اتربط ، ما قدرت أقول ليها حاجة...
عقلي كان بصرخ بأسئلة كتييرة ... معقولة روحو لسه عالقة و محبوسة في الغرفة دي؟! ، طيب لو عيسي البتقولو دا مات و عيونو ناشفة برعب ، و راجلها قضي ليلو يتخلع عشان شافو من بعيد ..
أنا الفاتحة ليه شباكي و بلكونتي ، والـبدخل لي في أحلامي، حيكون مصيري شنو؟! ، معقولة يكون مراقب بيتي؟!
طيب عايز مني شنو؟! ، لا انا بعرفو لا كنت موجودة فترة كان عايش! ، ياربي هل أنا ضحية ليه بسبب وجودي؟!.
حسيت إنو في حبل بدأ يتربط بيني وبينو ، حبل أنا ما عارفة كيف أقطعو؟!.
إكرام اتنفضت فجأة وكأنها قامت من حلم مُزعج، مسحت وشها بيديها و قالت...
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. يا هديل خلينا نطلع من السيرة دي ، و من ذكرى الناس ديل ، دي حاجات حصلت وانتهت ، كفاية الرعب والأيام الصعبة الكنا عايشين فيها بسببهم ، الله لا عاد أيامهم!.
كنت لسه مصدومة ، قلبي بضرب من الخوف.. قلت ليها بنبرة مهزوزة..
قطعتِ قلبي زيادة.. بحكاويك دي ، أنا البدخلني البيت دا شنو؟! ، و هسي عرفت تاريخو الأسود دا؟!.
ضحكت ضحكة باهتة وحاولت تطبطب على كتفي وهي بتقول...
شوفي يا هديل.. كونك بتحسي بحاجات غريبة ، و ما اذوكِ أو ضروكِ ، فاتحصني كويس واتوكلي ، دا احساس عادي لأنو الناس رجعت ، و هي ماخدة فكرة كعبة عن البيوت ، انها اتسكنت وخربت ، ما تخلي الخوف يتمكن منك..
و كونو زوجك ما بصدقك فما تلوميه.. الرجال ديل ما زينا، قلوبهم قوية و قاسية ، و أحياناً بكونوا مغميين عن الحاجات دي ، وما بصدقوها لأنو بشوفوها أوهام.
و الجن دايما بتمكن من الناس القلوبهم خفيفة و رهيفة زيك كدا ، وعشان كدا إنتي بديتي تتخيلي خيالاتهم..
سكتت شوية و قبل تقوم ، قالت لي....
لكن بيني وبينك ، دي كلها أوهام و خرافات ، اتوكلي على الله ، وإن شاء الله ما بجيكِ إلا الخير.. بس أنا و الله، لو كنت في محلك وكان عندي أهل في مصر، كان من زمان مشيت ليهم! ، عايزة شنو ف الوضع اللسه ما مفهوم دا؟!.
قلت ليها .. تبعت زوجي وجيت يا إكرام!! ... عاينت لي بأسف و قامت ختت الفطور والقهوة ، وغيرت الموضوع تماماً... بدت تسألني عن حياتنا قبل الحرب؟! ، وكيف كان نزوحنا؟! .. كنت بتونس معاها وأنا بضحك مجاملة ليها.
بس من جواي كنت حاسة بقبضة في قلبي ما فارقتني نهائي.. وفي لحظة صمت بينا ، غلبني الصبر ورجعت تاني سألتها..
إكرام.. بجد في رأيك ، الولد دا روحو بتكون لسه معلقة في البيت دا؟!.
ضحكت وهي بتكب القهوة قالت لي...
يا بت ما تختي الكلام دا في رأسك! ، دي كلها مجرد حكاوي ... فعلاً الولد كان غريب في طباعو...
لكن ما لدرجة إنو يرجع من الموت.. كلام ست الشاي دا أنا متأكدة نصو تأليف من عندها... الناس لما تخاف بتألف قصص عشان تبرر خوفها.
أنا زاتي زيك لما حكت لي الكلام دا نوم ما بنوم ، بكون خايفة لاولادي و زوجي ، لانو فعلا كنا عايشين ف غابة مع ناس ما مفهوم ليهم أصل وفصل ، لكن هسي انتي تنومي مطمئنة البلد بقت أمن و أمان ، و رجعت بي قوانينها ، و ياهم الناس البنعرفهم رجعوا ، ماف زول غريب ، و بعدين تشيلي هم كيف وانتي عندك راجلك "ضابط" بحميكِ؟!.
كلامها كان فيه منطق و طمئني شوية ابتسمت ليها ، و حاولت أندمج معاها في الونسة ، لغاية ما الوقت سرقنا والعصر جاء ، و صليت ..
استأذنت منها وقلت ليها... زوجي بجي بعد كدا ، لازم أمشي ، طلعت معاي قريب للبيت ، وقبل ما ترجع
قالت لي... لو بتخافي ما تقعدي براكِ.. تعالي لي طوالي عليكِ الله، اقعدي معاي واتونسي ، أصلا بنكون أنا و أولادي بس زوجي بجي بالليل..
قلت ليها طيب.. ودعتها ولفيت بشارع بيتنا.. بس في لحظة ، قررت أغير الشارع تماماً ومشيت بشارع تاني أبعد ، عشان ما أمر بالعمارة .. كنت عايزة أهرب منها بأي طريقة..
وصلت لقيت عربية طارق ماف... أترددت أدخل و قعدت برا في الشارع .. فتحت تلفوني لقيت الريكوردات الكتيرة السجلتها لي أمي وأنا ببكي .. ما مشت!... قلت ل نفسي... ليه أقلقها معاي و اقطع قلبها و هي بعيدة ، مسحتهم كلهم ف ثانية.. و سبت ليها رسائل عادية اني كويسة ، و مشتاقة ليهم.. انتبهت لرسائل من "أحمد" خالي مرسل لي.. "هديل كيفك .. أنا جيت بحري ونزلت في بيتي" .. أول ما قريت الكلام دا ، ما صدقت! خالي أحمد جاء!.
في لحظة حسيت إنو ربنا رسلو لي طوق نجاة ، و بدون تفكير، بديت أرسل ليه رسائل كتيرة ورا بعض.. "يا خالو حمد لله على السلامة.. نورت بحري والله ، و ح أجي أزورك قريب".
قفلت التلفون وأنا حاسة بروحي رجعت لي.. الفرحة نستني للحظات كلام اكرام ، و قلت لنفسي خلاص يا طارق لقيت سند امشي ليه .. وانا م مجبورة تاني اقعد معاك..
قعدت انتظرت لغاية ما لمحت عربيتو جاية ، فضلت مكاني لما جاء وقفها ، نزل و هو صاري وشو ، عاين لي بطرف عينو.. قال لي ببرود.. مالك قاعدة في الشارع؟ .. في شنو؟!..
قلت ليه.. ماف حاجة .. بس عايزة أشم هواء.. هزه رأسو و فتح الباب دخلت ورااه.. و قلبي في يدي.. بتلفت يمين شمال لغاية ما دخلنا شقتنا..
بعد طلع من الحمام مشى المطبخ.. فتح التلاجة ما لقي حاجة.. سألني عملتي شنو؟!.. قلت ليه ما عملت حاجة!.. اتنهد بضيق .. قعد شوية و طلع من غير ما يكلمني.. و هو عارف إني بخااف ، و ما قاعد يخليني الا يكون مضطر.. بس كأنو عايز يعاقبني.
دخلت الغرفة و قفلت الباب علي بالمفتاح ، قعدت في نص السرير وأنا منهارة تماماً.. دموعي بقت تجري و بقيت أبكي بصوت عالي ، كنت حاسة بغصة في حلقي من حركاتو البعملها لي دي .. و أقول لنفسي بحرقة ... دا الخليت عشانو ناس أمي ، وقلت أجي أقيف جنبو؟! ، و أنا هسي في قمة خوفي ، ما معبرني وعامل فيها زعلان و مكذبني؟!.
في عز بكائي دا ، سمعت صوت باب الشقة بفتح ببطء شديد .. افتكرتو رجع عشاني وحسه بـغلطو ، مسحت دموعي ، و بقيت منتظرة أسمع صوت خطواتو أو صوتو ، بس ما كان في أي حركة ، غير الهدوء.
قلبي قرب يقيف من الخوف ، قلت منو ف الباب؟! بس ما سمعت رد ، بقيت أردد آية الكرسي بصوت عالي ، و جسمي كلو برجف ، في اللحظة ديك ، جاتني ريحة بخور قوية و غريبة.. المره دي ما كانت ريحة بخور الجاولي ، كانت حاجة كدا كريهة وما مفهومة ، لدرجة حسيت بصدري بضيق ، و راسي لفه ، قفلت أنفي بطرف توبي ، و فضلت اردد ف الأذكار بصوت عالي ، عشان اهدي نفسي واطرد الخوف.
فجأة.. نور الغرفة بقى يفتح ويقفل بصورة سريعة ، كأنو في زول واقف في الكوبس بلعب بيه!.
انكمشت في طرف السرير وبقيت أبكي بطول حسي، كنت عايزة أصرخ و أنادي ، بس صوتي كان مبحوح وكأني فقدت حاسة النطق تماماً ، أو في يد ضاغطه ع حبالي الصوتية.
شلت تلفوني من جنبي و أنا برجف ، شغلت سورة البقرة بأعلى صوت.. أول ما صوت القرآن اشتغل ، النور وقف و الريحة اختفت ، الهدوء رجع كأنو ما حصلت حاجة قبل ثواني .. قعدت أشهق و أبلع ريقي بصعوبة ، ما قدرت أهدئ نفسي نهائي.. كنت مستسلمة تماماً لفكرة إني ح أفقد عقلي.
مرت علي ساعتين و أنا قاعدة في طرف السرير ، حاضنة تلفوني و القرآن شغال .. لغاية ما المرة دي سمعت الباب بفتح ، و صوت خطوات بتتحرك في الصالة ، و قربت من غرفتي ، بعدها الباب ضرب بقوة و سمعت صوت طارق بـناديني.. هديل! هديل.. قافلة الباب عليكِ مالك؟!.
لما اتأكدت إنو دا هو ، قمت فتحت الباب .. أول ما شافني، عاين لوشي المخطوف ، وصوت القرآن عالي.. قال لي ببرود.. في شنو؟! ، قافلة الباب بالمفتاح و مشغلة القرآن بالصوت دا كلو ، لزومو شنو؟! ، إنتي لسه في الحالة دي؟!
انفجرت فيه.. قلت ليه .. أنا كنت ح أموت هنا
النور بفتح وبقفل ، و الباب بفتح براه .. إنت وين كنت وخليتني لـ شنو؟!.
رد لي بضيق.. هديل.. أنا طلعت من البيت دا.. عشان أهرب من قصصك دي ، أجي ألقاكِ لسه غرقانة فيها؟!.
قلت ف نفسي لازم أكون حاسمة.. مسحت دموعي ، ولأول مرة أعلي عليه صوتي قلت ليه...
اسمع يا طارق ، لو إنت مُصر تقعد في البيت دا و شايفني بمثل ، بكرة دي توديني لخالي أحمد ف بحري ، هو جاء قاعد ف بيتو ، و ح اكلمو يسفرني لي أهلي.. أنا ما مجبورة أعيش في الرعب.
قبل علي و عيونو مليانة شرر وصدمة من الجرأة النزلت فيني.. قال لي ...
إنتي بتهدديني بخالك و اهلك يا هديل؟ عايزة تحسسيني إني ما قادر أحميكِ ؟!.
رديت عليه بقوة... أيوا بهددك.. بخالي و أهلي ، و أنت بسلاحك دا م ح تقدر تحميني ، لانو البحصل دا أكبر مني ومنك بكتير .. و أنا ما مستعدة اخسر نفسي و عقلي بسبب مكابرتك دي ، و بكلمك من الآخر.. لأني صبرت كتير.. و دي آخر لي ليلة هنا.. يا ترحل بي من هنا ، أو أمشي أقعد مع خالي؟!.
و عشان أوريه اني المرة دي جادة ، وما بتكلم بس ، نزلت شنطتي ، وبديت استف ف ملابسي ، فضل قاعد في طرف السرير، مربّع يدينو ، بعاين لي بكل ببرود و غضب ، ولا حاول يقول لي حاجة ، لما خلصت ودخلت الحمام اتوضيت وصليت ، جيت لقيتو رقد نام.
اتمددت جمبو ، بقيت أستغفر في سري ، عشان ما انوم و تاني احلم بالكوابيس ، ومن جهة بفكر في بكرة الما معروف ح يحصل فيه شنو ، مرت الساعات ببطء تقيل.
انتبهت لطارق ، بدا يتململ بضيق ، و يطلع في أصوات مكتومة كأنو بتصارع مع زول ، و فجأة بدا يهضرب بصوت واضح... لأ.. لأ.. زح منها .. أنت عايز منها شنو؟!.
لثواني أتجمدت في مكاني ، وبقيت أعاين ليه بزهول..من غير ما أقدر اصحيه..
وفجأة ... صرخ صرخة عالية ، هزت المكان و بـرعب حقيقي..
هديييييييييل... لاااااااااااااا!!.......
