رواية ارواح خفية الفصل الاول 1 بقلم زارا

 

رواية ارواح خفية الفصل الاول 1 بقلم زارا 


الساعة اتنين صباحاً.. الدنيا كلها سكنت ، والهدوء ملى المكان ، إلا قلبي و أفكاري كانوا ضاجين بشدة ، الأرق كان مسيطر علي ، وكل ما أغمض عيني ، بتظهر لي صورة "طارق" ، ببدلتو العسكرية الـفارقني بيها من أول طلقة في الخرطوم ، و انا بقول ياربي حالو كيف؟! والحاصل عليه شنو؟! ، كنا يا داب كملنا شهرين من اتزوجنا! .


الحرب جات وخطفتنا من بعض وإحنا لسه عرسان بنبني ف أحلامنا ، و لسه بنقرر شكل حياتنا الجاية ح يكون كيف؟! . بس الفرحة استخسرت فيني ، و الحرب قامت مخصوص عشان تفرقنا ، كنت بقول يا رب أنا ما لحقت أشبع منه.. ما لحقت أتهنى ببيتي! ، شهرين بس! حسيت فيها بطعم الأمان معاه ، وفجأة لقيت نفسي "نازحة" في الولايات ، وهو "مشروع شهيد" في الخرطوم. 


 رغم انو كان بتصل علي من فترة لفترة يطمئن علي و يطمئني انو هو كويس ، ومن المفترض أنا الكنت ادعمو وأقويه ، بس كنت منتكسة شديد و شايلة همو فهو الكان بصبرني و يقول لي فترة وتعدي ، وح نرجع لحضن بعض ، بس انتي كتري لي دعواتك ، كان جواي خوف كبير إني افقدو في اي لحظة ، بس ما كان بيدي حاجة غير إني ادسو في طرف ادعيتي و اقول يارب "استودعتك زوجي فاحفظو لي!... 

كنت بحاول اتصل عليه طول اليوم عشان اكلمو إننا ح نمشي مصر لخالي ، بس تلفونو كان قافل ، في عز تفكيري تلفوني اتصل ، عاينت للشاشة طارق يتصل!.... 

قلبي انقبض وأنا بقول يارب خير ، اتصال الزمن دا؟! فتحت الخط بسرعة و بقيت أقول ليه طارق؟ طارق أنت كويس؟!. 

قبل يرد علي سمعت أصوات رصاص ، وضرب نار عالي وقريب شديد ، بقيت ارجف من الخوف وأنا متأكدة أنو المكالمة دي ما لخير ، قال لي بصوت مكسور... 


هديل.. اسمعيني كويس .. أنا في نص اشتباك تقيل.. و شبه اتحاصرنا و الوضع ما مفهوم ، عليك الله لو حصلت لي حاجة... 

 اعفي لي.. اعفي لي دنيا وآخره.. وكان ما ظهرت ليك تاني، احتسبيني شهيد.. استودعتك الله.


قبل ما استوعب اي حاجة سمعت صوت انفجار عالي

بوووووم...... لما صرخت من الرعب بعدها سمعت صوت خشخشة .... و الخط فصل . 


رجعت ليه مرتين و تلاته تلفونو قافل تماماً ، الدنيا ضلمت في وشي ، و بقيت ما فاهمة أي حاجة غير إني ببكي بصوت عالي و صوت شهقاتي بقت مالية المكان ، دي أول مرة يتصل عليّ ويودعني بطريقة زي دي ، وداع زول شاف الموت قدام عينو. 


أمي وأختي صحوا على صوت بكاي و هم بيسمّوا..

بسم الله يا هديل ! في شنو يا بتي؟ مالك بتبكي كدة؟

رفعت راسي و انا برجف وبتنهد بصوت عالي ، قلت ليهم بصوت مقطوع ، طارق يا يمة.. ودعني.. قال لي احتسبيني شهيد ، وسمعت صوت مدفع عالي ضرب بعدها الخط قطع.. طارق في نص النار يا يمة!.. ما معروف حي ولا ميت... 

ارتميت في حضن أمي وأنا ببكي و هي بتحاول تصبر فيني ، انو ح يكون كويس ، وقدر ما حاولنا نرجع ليه التلفون قاافل. 


الجيران اتلمو ف الليل داك ، عايزين يعرفو الحاصل علينا؟! وبقو يصبروا فينا ، لما الواطة أصبحت ، وانا ما وقفت بكاء ما كنت حاسة بأي حاجة وكأنو الدنيا اتوقفت بعد المكالمة دي. 


مرت الايام علي كأنها سنين ، الأكل بقى لي زي الحنضل ، والنوم فارق عيوني ، حاولت أصل ليه كتير بس تلفونو مازال مغلق ، أصحابو المعاه ما قدرت أصل ليهم ، و جزء منهم قالوا ، كانوا محاصرين وتاني أصوات اللاسلكي اتقطعت منهم ، و ناس تقول اتأسر ، وتاني يقولو استشهد ، ما لقيت خبر مأكد. 


بقيت متابعة أخبار الاشتباكات و الحرب ، تلفوني بقى من يدي ما بزح مني ، مع كل خبر عن "شهداء" أو "مفقودين"، كنت بحس بروحي بتطلع مني وبفضل ابكي بالساعات ، و اقيم الليل ، وانا بدعي ليه و بردد.... 

يا ربي هسي هو وين؟ هل هو تحت التراب؟ هل هو أسير؟ هل هو مجروح وما لقي الزول الـيسقيه موية؟، هل هو مات وما لقى الزول اليسترو؟!. 


أصعب شي في الدنيا هو "الانتظار المجهول" ، لا إنتِ عارفة تلبسي الأبيض وتحدي، ولا إنتِ قادرة تعيشي ، كنت معلقة في برزخ بين الحياة والموت.


أخبار الحرب بقت زي النار في الهشيم ، كل يوم منطقة بتسقط وكل يوم الخوف بيكبر ، والناس كلها في حالة ترقب وهلع. 


خالي ضرب لأمي من الصباح ، و قال ليها يا سعدية... انتي لي هسي قاعدة بالبنات ديل بتعملي شنو؟! ، البلد دي كلها بقت مهددة وما أمان ، بكرا من الصباح تسُوقي البنات ديل و تتحركوا.. انا قاعد هنا شايل همكم انتوا ، وقلبي معاكم ، أمي قالت ليه... هديل ما عايزة تسافر معانا و هي الموقفانا ، خالي قال ليها اديها التلفون.. 

جابت لي التلفون ، قال لي... يا هديل يا بتي ، العاطفة ما بتنفع في وقت الحرب ، طارق لو حي بظهر، ولو كان نصيبو الشهادة فدعوِتك بتوصلو في أي مكان ، قعادك ف حلفا ما ح يغير من واقعو شي ، قلت ليه.. ما عايزة اسافر يا خالو عايزة اقعد هنا ، قال لي بحدة يا بت ، خلي قوة الراس ، انتي حاليا راجلك مفقود وأنا المسؤول منك ، و بكرا دي تتحركوا مع الباصات انا مُرتب ليكم اي حاجة ، كلامي انتهى وقفل الخط. 

قعدت بكيت ، لما حسيت دموعي كملت.. 

 

خالي دا كان مسؤول مننا من ونحن صغار ، اتكفل بمعيشتنا وتعليمنا ، بعد ما ابوي انفصل من أمي شاف حياتو ، و قطع أخبارو ، كأنو ما عندو بنتين مسؤول منهم ، اتربينا وسط حبوبتي وخيلاني ، لغاية 

ما كبرنا. 


أمي وأختي بقوا يجهزوا ف شنطهم ، وبجهزو لي معاهم شنطتي ، فكرة السفر كانت ليهم زي طوق النجاة ، وكأنها المخرج الوحيد من ضيق الحرب والخنقة العايشين فيها ، وفرصة يبدوا من جديد بعيد من أخبار القتل والدمار.


بس أنا؟ أنا كنت بموت في اليوم مية مرة ، كنت بصرخ من جواي ودموعي حارقة خدودي "أمشـي وأسيب روحي معلقة في الخرطوم؟ أمشي وأنا ما عارفة قبر طارق وين؟". 

السفر بالنسبة لي كان استسلام رسمي لفكره إنو طارق خلاص بقى "ماضي" ، كنت خايفة أخلي الأرض البتذكرني بيه ، خايفة أبعد من المكان الـممكن يظهر لي فيه ف أي لحظة.

لكن قدام إصرار خالي ، و دموع أمي وخوفها علينا ، و أنها عايزاني اطلع من النفسيات دي وانسى شوية ، لقيت نفسي "مُجبرة" ، استسلمت وقررت أسافر معاهم بجسدي ، أما قلبي؟ فخليتو مدفون تحت ركام بيتنا.


يوم الوداع والسفر ، كنت بعاين للبلد لآخر مرة بنظرات باهتة ، ودعت التراب و ريحة السودان الـكانت بتذكرني بطارق ، و مع كل خطوة ناحية المعبر ، كنت بحس إنو الحبل البربطني بالأمل بتقطع ، لما وصلنا الحدود وعبرنا "بوابة الخروج" ، لفيت راسي و عاينت لوراء لآخر مرة.. للسودان.. للأرض الخليت فيها روحي وقلبي ، حسيت بغصة في حلقي خنقتني ، دموعي نزلت تلقائيا. 


 أمي حست بي ، ضمتني عليها وهي بتمسح راسي قالت لي... كفاية بكاء يا بتي.. استودعناه الله ، والبركة في الروح.. بكرة نرجع والبلد أحسن من أول.


بس قلبي كان بقول لي ، وكيف يرجع الساب روحو تحت الأنقاض؟!....


وصلنا القاهرة.. و كانت عالم تاني خالص ، المدينة المزدحمة ، الأضواء الما بتنطفي ، والحياة الما بتعرف السكون. 

صدمتي الكبيرة ما كانت في القاهرة نفسها ، صدمتي كانت في "السودانيين" هناك. 


ف فيصل ، و المهندسين ، و ف القهاوي.. الضحك العالي ، والونسة في المطاعم السودانية الملت الشوارع ، و كأنو ما عندهم إخوانهم عايشين في جحيم حرب. 

كنت بمشي وسطهم وبقول في سري... 

يا ربي... الناس دي نست؟ كيف قادرين يضحكوا بالصورة دي وإخوانهم بموتوا كل ثانية؟ كيف نسوا التدوين ريحة البارود والدم؟!.

كيف رموا كل حاجة وراهم ، وكأنو الخرطوم بقت ذكرى بعيدة من القرن الماضي... 


خالي أجر لينا شقة معاه ف نفس العمارة ، قعدنا فيها ، أمي وأختي سبحان الله، كأنهم اتولدوا من جديد. بدوا يندمجوا في الحياة ، وكأنهم "نسوا" أو "تناسوا" إنو في حرب كانت حاصرة أرواحنا، ونسوا إنو في "طارق" مفقود، لا ميت نبكي عليه، ولا حي ننتظرو ، كنت بحس بـ "عُزلة" رهيبة وسطهم ، غريبة وسط الزحمة. 

أمي كانت بتقول لي... يا بتي، الناس لازم تعيش، والحزن ما بيوقف الحرب. بس أنا كنت بشوف إنو "النسيان" دا خيانة.


كنت جثة بتمشي على رجلين ، الكل اقتنع إنو طارق خلاص مشى ، و إنو الدنيا ماشة وما بتقيف على زول والناس بتنسي عادي. 

إلا أنا.. الوحيدة الـ لسه كنت واقفة في محطة الوداع ، على صوتو وهو بقول لي.. "اعفي لي" ، واقفة في اتنين صباحاً يوم داك... واقفة في صوت المدفع القفل عليه الخط... مستنية "مُعجزة".  


هبة نزلت جامعتها ، وأمي بقت تطلع وتقابل الجيران السودانيين ، كنت بقعد في البلكونة بعاين للسماء البعيدة، وبقول في سري... يا طارق.. أنا هنا.. بس أنت وين؟ ، حرقت قلبي ، بس اديني إشارة؟!.... 


مرت سنة وشهور... كانت فترة كافية لتغيير حياة الناس بس كنت لسه في صراعي النفسي ، ما قادرة أفقد الأمل ، و لا أتجاوز و أواصل حياتي ، ملامحي اتغيرت ، وشي بقي شاحب ، وعيونو بريقها طفى من الإنتظار ، فقدت نص وزني ، وكأني ح عايزة أموت وبقول.. لعل وعسى أقدر ألمح طارق في عالم غير عالمنا دا. 

حتى في البيت ، بقت ف فجوة بيني و بين أمي و هديل البقوا مصريات أكتر من المصريين ، أمي بقت تتونس مع الجيران عن أسعار الخضار ، و هبة أختي بقت تتكلم بلهجة مختلطة ، يومي طلعات مع رحاب بت خالي و عُزومات مع صحباتها الاتعرفت عليهم جديد. 

إلا أنا.. أنا "السودانية" الوحيدة الفضلت في البيت

أصحى.. أصلي ، أفتح التلفزيون على قناة "السودان"، أمسك التلفون ، أحدث صفحتي في الفيس بوك مية مرة ف الساعة ، وأقعد في البلكونة أراقب الناس وهم ماشين وجايين، وأنا ثابته في مكاني. 


خالي بقى يعاين لي بأسف، وأمي بطلت تحنسني أطلع، كأنهم اقتنعوا ، إنو هديل "ماتت" مع طارق ، وفضل منها بس نفسها الطالع و نازل.... 


من جانب... الأخبار بدت تسخن ف السودان ، و الأمل بقى يرجع للناس ، بانتصارات الجيش لغاية ما سمعنا بتحرير "سنار" و "مدني ".

 الناس بدت تفرح ، والزغاريد في الشوارع كانت بتملأ الدنيا... 

ما كنت قادرة اشاركهم الفرحة ، كنت بعااين ليهم من البلكونة ، و بقول متين الفرحة دي ح تدخل قلبي ؟!. 


كنت بسجد في نص الليل وسجادة الصلاة مبلولة بدموعي، بقول.. يا رب.. أنت عارف حشاي محروق ، وريني فيه أمارة! ، حي ولا ميت بس برّد ناري!...


مرت شهور وبدت أخبار "الخرطوم" تسيطر على الجو تقدم الجيش في بحري وشرق النيل ، الجيش يعبر الكباري.. الكلمات دي كانت بتعمل لي "نفضة" في جسمي ، الخرطوم بدت ترجع! ، وبدا الأمل يرجع لقلبي وانا بردد... لو الخرطوم نضفت ، اكيد طارق ح يرجع. 

هو مستحيل يسيبني كدا ، طارق حي في مكان!. 


بقيت أقعد قدام التلفزيون ، و أشاهد أخبار القنوات ، وتلفوني ما بفارق صفحات "الإعلام العسكري" . 

بفتش في فيديوهات "العمليات" الـبتنزل في التليجرام والفيس بوك ، بدقق في كل عسكري لابس "كاكي"، بكبّر الصورة في وشوشهم ، لعل وعسى ألمح خيالو ، ألمح الـبدلة المموهة الـفارقني بيها ، أو وقفتو الواثقة الـبعرفها وسط مليون راجل ، بفتش في وشوش الناس الكانو محبوسين أمكن يكون معاهم ، أو كشوفات المساجين الكانو في المعتقلات امكن ألمح اسمو بالصدفة!. 


في يوم بالمساء ، أمي و هبة طلعوا زيارة لاهلنا ، خلوني ف البيت كالعادة ، صليت ركعتين و فضلت ساجدة مسافة طويلة ، دموعي بلت المصلاية وأنا بدعي من قلبي... 

يا رب، أرِح قلبي.. يا رب اجمعني بيه ، وريني فيه خبر؟!.


سمعت صوت الجرس برن مشيت فتحتو ، لقيتها رحاب بت خالي ، شافت وشي محمر ، وعيوني مورمة من البكاء ، مسكتني من يدي ، وقالت لي... 

متين ح تبطلي بكاء يا هديل؟!، والله قطعتي قلبنا خليكِ مؤمنة بقضاء ربنا وقدره.. الدنيا دار ابتلاء ، ولو كل الناس الفقدوا بيوتهم وأهلهم فضلوا يبكوا كدا ما كان فضل زول طبيعي فينا. الناس بتموت كل يوم يا هديل ، والبلد راحت ، استودعيه الله ، وقولي يا رب الصبر ، كان حي بظهر.

 قلت ليها.... 

يا رحاب.. الواجعني ما الموت، الموت حق وكلنا ماشين ليه. الواجعني إنو "مجهول" .. لو متأكدة إنو مات ، كنت رضيت ، كنت حزنت و اتصبرت بالدعاء ، لكن الوجع الحقيقي هو لا حي لا ميت.. فجأة يختفي من الوجود كأنو فص ملح وداب.. لا جثة نكفنها، ولا صوت يطمئنا. الانتظار دا هو البقتل الزول حي كل يوم ألف مرة ، ما قادرة انسى ما قادرة اتخطي ، ياريتني موته انا ودخلت في نوبة بكاء ، رحاب ما عرفت تقول لي شنو ، حتى الكلام ما كان بواسي الوجع الأنا فيه ، ف النهاية مسكتني وبقت تبكي معااي..


ف عز ما نحن بنبكي قطع صوت بكانا ، صوت نغمة مكالمة الماسنجر جاية من تلفوني ، مسحت دموعي بسرعة و جريت عليه....

يتبع......

             الفصل الثاني من هنا 

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا

تعليقات



<>