رواية ارواح خفية الفصل الثاني 2 بقلم زارا

 

رواية ارواح خفية الفصل الثاني 2 بقلم زارا 
 

مشيت شلت التلفون ، وعيني نزلت للشاشة.. شفت المستحيل ،الاسم الكنت بقراه وأبكي ، الليلة مكتوب عليه "Tariq is calling you"
 صرخت صرخة عالية و مخلوعة ، ما مصدقة!!
رحاب اتخلعت جاتني جارية ، بقيت أقول ليها شوفي! 
دا بروفايل طارق يا رحاب! ، طارق بضرب لي!. 

رحاب اتسمرت ف مكانها ، للحظات ختت يدها على صدرها وهي بتشهق ، سجمي! معقولة يا هديل؟! افتحي الخط سريع!.. 
كنت كلي برجف و يدي بترجف لدرجة إني كنت بضغط على الشاشة وما قادرة أفتح ، كنت بقول يا ربي أكيد دا حلم؟ أنا جنيت؟!.... 
وأخيراً ، سحبت الخط...
ما كنت قادرة اتكلم من الربكة ، حصل صمت لثواني كانت أطول من عمري كلو.. بعدها جاء الصوت الحافظة نبرتو ، في كل خلية في جسمي ، الصوت الـكنت بحلم بيه ، بفتش ليه في وشوش العساكر، وبدسّو في طرف دعواتي..
هديل؟! .. هديل سامعاني؟!. 
يا الله دا ياهو صوتو تماماً! ، بس صوتو كان مُتعب صوت زول جاي من عالم تاني. 

 في اللحظة ديك ، الدنيا دارت بي تماماً ، التلفون قرب يقع من يدي ، دموعي بقت تنزل سيل بقيت اصرخ بإسمو بهسيريا ، ببكي و بضحك ف نفس اللحظة ، و رحاب وراي بتصرخ ، بقيت أقول ليه ، والله دا طارق! ... طارق أنت حي؟! .... رد علي؟! .. قول لي إنك ما موته وإنك رجعت لي؟!.... 

فضل ساكت مسافة.. كان بتنفس بتعب ، بعدها قال لي بصوت مبحوح ، وكأنو الكلمات بتطلع منو بطلوع الروح... 
أنا حي يا هديل.. لسه بتنفس.. حي ما موته.... 
تاني بقنيا نصرخ ، الجيران سمعوا صوتنا اتخلعوا وجونا، ف دقائق الشقة اتملت بالناس... 
كنت قاعدة ف الارض دموعي جارية ، وانا بسمع ليه و بسألو بلهفة ، و بكمية من الأسئلة المتتابعة.. 
كنت وين يا طارق؟ كنت وين والناس كلها بتعزيني فيك؟ قالوا لي محاصر في القيادة، قالوا لي استشهدت في معركة المدرعات، قالوا لي اسمك اتسجل في كشوفات المفقودين ومافي زول عارف ليك طريق! ليه يا طارق؟ ليه خليتني للظنون تنهش فيني؟ ليه ما ضربت لي؟ ليه ما طمنت قلبي الحزين الكان بموت في اليوم ألف مرة وهو بفتش لخبر عنك في وشوش العساكر وفي صفحات الموت؟!. 

سكت لمسافة طويلة ، وكأنو بفتش للكلام الممكن يهدي روحي المُتعبة ، لغاية ما جاني صوتو... 

آسف يا هديل... والله الوجع العشتيه ، أنا عشت ضعفو وأنا بعيد ومكتف ما بيدي ، متذكرة آخر يوم ضربة ليك فيه؟! متذكرة صوت المدفع السمعتيه؟!. 
سكت لحظة وكأنو بستجمع قوتو ، وكمل بصوت مهزوز... 
المدفع داك يا هديل.. وقع في نصنا ، القذيفة حولت المكان لجحيم في ثانية.. دفعتي الكانو معاي قبل دقيقة ، شفتهم بطيروا قدام عيني أشلاء ، اتضربت بشظية في كتفي وراسي ، لقينا نفسنا محاصرين من كل مكان ذخيرتنا انتهت ونقصنا في العدد ، الدنيا اسودت في وشنا ، لا كان في مفر ولا كان في أمل.
واصل بصوت مهزوز وكأنو بعيش اللحظة من تاني
ساعات يا هديل.. كانت ساعات بين الموت والحياة. الانسحاب كان انتحار ، بس كان خيارنا الوحيد ، طلعنا تحت ستر الضلام ، وبدينا نمرق بين البيوت المهدمة والشوارع الكانت عبارة عن مصيدة قناصة. 

كنا بنزحف على بطونا و جرحنا بنزف ، النار والشرار نازل فوقنا زي المطر من كل اتجاه ، اتجاوزنا مربعات كاملة ، كنا بنمرق من بيت لبيت ، وبنسمع صوت خطوات العدو ورا الحيط ، اللحظة الأصعب ، لما القناص لقطنا في شارع مفتوح.. رصاصة واحدة وقعت أحمد دفعتي ميت ف ثانية قدام عيني ، و رصاصة تانية عوقت عسكري من أولادنا في رجلو ، وقع ف الأرض و كان بستنجد بينا وهو بنزف ، بس النار كانت من كل جهة.. كان لازم نتحرك ، لو وقفنا كلنا حنموت ، خليناه ورانا ، وصوتو بتردد في سمعنا ، خلينا ورانا جثث أصحابنا ، وجرحانا البستنجدو و ما قدرنا نشيلهم، رحلة المعاناة في الساعات ديك كانت كأنها سنين ، لغاية ما قدرنا نكسر الحصار ونصل لأطراف الفرقة بطلوع الروح ، لما دخلنا كنت شبه ميت ، وبمجرد ما شفت العساكر بِجروا علينا، الدنيا غابت عني.

صحيت لقيت نفسي في المستشفى الميداني ، الإمكانيات كانت صفر ، المواد الطبية مخلصة ، حتى الشاش كنا بنغسله ونستعمله تاني ، قعدت أسابيع في فترة استشفاء إجبارية ، و تاني رجعت للميدان. 

قلت ليه كل دا مقدر ومكتوب.. بس ما لقيت أي طريقة تطمني عليك؟ ولو بخبر يمرق من بين العساكر أو المواطنين ؟ ليه خليتني قايلة إني خلاص فقدتك للأبد؟!... 

قال لي... يا هديل الموضوع ما كان رغبة في الاختفاء ، نحن كنا في منطقة عمليات حساسة ، و حولنا قناصة وألغام ، زيدي على كدة ، الأوامر كانت بتمنع استخدام اي تلفون لغير العمليات ، لأننا كنا بنعاني من تنصت إلكتروني ، القناصة كانوا بِستهدفوا أي منطقة بِطلع منها تردد ، التواصل الوحيد كان اللاسلكي العسكري ، ودا محصور للبلاغات بس ، رسلت ليكم جواب مع زول بس ما عارف اذا وصلكم.

قلت ليه ، من آخر مكالمة نحن ما عارفين عنك حاجة. 
 قال لي... الفترة دي كلها كنت بفكر فيك انتي وامي ، وقلبي مقطوع عليكم ، أول ما حصارنا فكه ، حاولت في رقمك كتير ، بس كان قافل وأرقام ناس بيتنا قافلة. 

و أول ما اتوفر لينا الستارلينك بروفايلك كان هو وجهتي الأولى والأخيرة... ما كان نفسي اقلقكم كدا ... طمنيني عليكم.. أهلك كيف؟!... 
قلت ليه كلهم كويسين جينا مصر.. بس أنا الليلة يا داب بقيت كويسة يا طارق، الليلة بس حييت من جديد! ، وتاني انفجرت في البكاء. 
و ف عز الجوطة دي مرت خالي و الجيران متلميين فيني ، الباب فتح دخلوا أمي وهبة شافوا جيرانا المصريين و السودانيين في الصالة ، وأنا في الواطة ماسكة التلفون و ببكي. 
وقعوا الشنط من يدينهم برعب، وامي بدت تكورك "سجمي! هديل مالا؟ الحصل شنو؟"
رحاب بقت تزغرد وتقول ليها ، طارق ظهر يا عمتي ، رفعت راسي وعيوني غرقانة دموع قلت ليها... 
طارق.. طارق حي يا يمة! طارق بتكلم معاي هسي ف التلفون.

أمي صرخت بطول حسها ، و هبة بقت تزغرد ، امي خطفت مني التلفون وهي بترجف ، قالت ليه.... 
"طارق ولدي!! دا أنت يا طارق؟!... أنت حي؟!!. 
قال ليها.... "أيوة يا خالتي.. أنا طارق.. أنا حي يا يمة!"
أمي بقت تبكي وتقول "الحمد لله يا ربي.. الحمد لله الجبرت بخاطرنا.. يا حي يا قيوم.."
إلا مالك اختفيت ، قطعت قلبنا وقلب هديل ، وبقت تلومو ، و هو بقول ليها اعفو لي ما بيدي ، سلم عليهم كلهم و لسه بعتذر منها ، تاني شلت من أمي التلفون عشان اتأكد إني ما بحلم... و ياهو صوتو زااتو!. 

قال لي... يا هديل... أنا ح أقفل منك هسي ، بس برجع ليك تاني.. كلامنا ما خلص ، المهم هسي إني اطمئننت عليكم ، خلي بالك من نفسك.
قبل يقفل.. قلت ليه مبروك عليكم الانتصار يا طارق! ، وبركة الرجعت لي طيب ، قال لي بحزن .. قدمنا أبطال وشهداء غاليين يا هديل ربنا يتقبلهم... 

أول ما قفل الخط ، فضلت ضامة التلفون لصدري بقوة كنت حاسة بإنو الأرض ما سايعاني ، لدرجة إني عايزة أطير وأصرخ في وش العالم كله... و اقول ليهم طارق حي.. طارق رجع!.

روحي الكانت ذابلة شهور ، الليلة ارتوت بكلمتين ، الغرفة الكانت بتخنق نفسي ، بقت لي واسعة ومشرقة ، حتى القاهرة الكنت بحس فيها بالغربة والضياع ، فجأة بقت في عيني أجمل مدينة في الدنيا، وكأنو أنوارها الليلة ولعت مخصوص عشان تحتفل بمعجزتي. 
كنت بضحك وببكي ، و بقول الليلة بس ، هديل ح تنوم وهي متأكدة إنو عندها بطل في الميدان ، حي يرزق!. 
 
الناس جات باركت لينا رجوع طارق كأنو ولدهم و بعرفوه ، عدت الليلة ديك وما فينا زول نام ، امي كانت مبسوطة انو بتها ربنا جبر بخاطرها ، كنا بنعيد كلامو و نحلل نبرة صوتو ، وبنتسائل عن الظروف الممكن تكون حصلت ليه ، وخلتو يقطع خبرو كدا. 

كنت حاسة إني بقيت خفيفة زي الفراشة ، الأرق الكان بعذبني اختفى ، و بقى محلو شوق حارق! .. شوق لليوم الح أشوفو فيه قدام عيني وأتأكد إني ما بحلم... 

في الأيام التبعت المكالمة دي ، حياتي اتغيرت ١٨٠ درجة ، هبة ورحاب ، لما شافوني بديت أتنفس من جديد ، بقوا عاملين معاي روتين اهتمام ، عشان يرجعوا هديل البقت شبح ، "لأنثي "حقيقية ، لأني من الهم كبرت عن عمري سنين ، بقينا نطلع بصورة شبه يومية. 
يلبسوا و يقولوا لي... أرح يا هديل ، الليلة ماشين مكان ينسيكِ اسمك. 
بقوا يفسحوني في أماكن أنا أول مرة أسمع بيها ولا أشوفها.. المتاحف ، الحدائق، الكافيهات والمطاعم.. 
كنت بعاين لي رحاب وهبة بذهول وأنا بقول ليهم.. 
انتو متين لحقتوا عرفتوا الأماكن دي كلها؟!. 

ضحكوا بصوت عالي وهم بقولو لي ، نحن بقينا أسياد البلد! ، القاهرة دي عرفناها وحفظناها ، وقت ما كنتي عايشة ف عالم موازي ، و قافلة على نفسك بالمفتاح نحن كنا بنستكشف ف الأماكن ، مشينا ابعد من القاهرة زاتها يابت ، كنت بتصدم فيهم و بضحك بقول ليهم... انتو تاني ما أظن ترجعوا السودان؟!.... 

 وسط الفرحة و الطلعات دي طارق كان هو الغائب الحاضر ، مكالماتنا بقت يومية ، كنت بصور ليه كل خطوة كل مكان وبحكي ليه بإنبهار عن جمال مصر ، وهو بِسمعني بصمت طويل. 

لما اقول ليه طارق أنت معاي؟ ، كان برد علي بصوت حزين ، أو يضحك ضحكة باهتة و يكتفي بانو يقول لي...
 
 استمتعي يا هديل.. عيشي الأيام دي وعوضي الوجع العشتيه.
كنت بقول ليه يا طارق ، مالك؟ صوتك فيه حزن .. إنت تعبان؟ الجرح لسه بوجعك؟!. 

كان بِيجاوبني بصوت مبحوح و يقول لي... 
الجروح الجسدية بتطيب يا هديل.. بس في جروح تانية، شفاها بياخد وقت.. الميدان بِيغير الناس، بِيغيرنا من جوه.
كان بتكلم وكأنو ما طارق الكان بكلمني زمان ، و كأنو زول تاني محمل بتعب السنين ، أو شاف في الميدان حاجات سرقت منو روح صباه والضحكة الكانت بتملا الدنيا ، كان بحكي لي عن أصحابو الماتوا ، وبقوا أرقام في كشوفات الشهداء ، و عن الشافهم بموتوا وما قدر يقدم ليهم غير نظرة وداع ، كان يائس شديد من الدنيا

 كان بِغرق في ذكريات أصحابو وفي الحصار الطويل ، الإنكسار الفي صوتو ، خلاني أحس انو محتاج لي أكتر من أي وقت ، محتاج ليد حقيقية تشد عليه ، لكتف يستند عليه. 

 بقيت أقول بصرامة.. لا.. أنا مكاني ما هنا ، طارق الرجع لي من الموت ، لازم أرجع ليه من الغربة و أداوي روحو الاتكسرت، وامسح من قلبو غبار الحرب ، والذكريات المؤلمة دي ، 
 
بعد تفكير طويل ، وصراع مع نفسي قررت إني أرجع الخرطوم. 

و لما اتصل علي تاني مرة ، ما حكيت ليه عن أي حاجة سألتو بلهفة ، قلت ليه طارق.. الخرطوم وضعها كيف هسي؟ الشوارع و الحياة.. بقت كيف؟!.

قال لي انتهت يا هديل.. ما الخرطوم البنعرفها ، الشوارع ملامحها اتغيرت تماماً ، والبيوت الكانت مليانة حياة بقت مهجورة ، و غارقة في ظلام شديد ، عايزة زمن عشان ترجع..

من غيرمقدمات قلت ليه... طالما هي اتحررت يبقي ماف حاجة تاني ينخاف منها.... أنا عايزة أرجع الخرطوم يا طارق؟!.

رد علي بسرعة وحدة... لا يا هديل!... لسه ما بقت
 مكان للنسوان ، لا في خدمات ، لا في أمان كامل ، أنا ما صدقت إنك بقيتِ في أمان ، ما ح أقدر أتحمل مسؤولية خوفك وقلقك هنا، وأنا لسه ما اتفرغت وأغلب وقتي بكون مشغول ، ح تقعدي مع منو؟ و المكان مهجور ح تكوني محبوسة بين أربعة حيطان؟!. 

قلت ليه بقعد برااي يا طارق ، طالما أنا متأكدة إنك في نهاية اليوم ، ح تجي و تدخل علي بالباب أنا راضية ، قعدة الخرطوم في الضلام وأنا جنبك ، أحسن لي بمليون مرة
 من أكون بعيدة منك.

قال لي... يابت بقول ليك الوضع هنا ما زي ما إنتِ متخيلة ، الخدمات معدومة ، لا موية و لا كهرباء ، والوضع الأمني لسه هش ، إنتِ اتعودتِ على راحة مصر ، ما ح تقدري تستحملي جحيم الخرطوم هسي ، و ذيدي على كدا بيتنا اتحرق كلو وبقى حطام ، فعشان كدا خليكِ في القاهرة لغاية ما الأمور توضح.

رديت ليه بتحدي وإصرار ، أنا ح أجي الخرطوم رغماً عنك ، لو ما جيت برضاك ، ح أركب أول باص وأصلك في محل شغلك ، وماف شي في الدنيا بمنعني ، أنا ما عايزة تاني أصحى وأنا بفتش ليك في التلفونات ، عايزة أصحى وأنا شايفة وشك قدامي ، لو في موت نموت سوا ، ولو في حياة ، نبنيها سوا من نص حطام بيتنا.

سكت مسافة طويلة ، و اتنهيد بضيق ، قال لي... 
طيب يا هديل.. تعالي ، لكن ما تشكي من الوضع بعدين.. وما تلوميني على أي حاجة ، و تقولي لي عايزة أرجع؟! ، قلت ليه ح أبقى قدر قراري ، اتكلم معاي شوية وقفل مني. 

 كانت قدامي المهمة الأصعب ، كيف ح أقنع أمي إني ماشة لمدينة الأشباح الحكي لي عنها طارق ؟!.

استجمعت شجاعتي و دخلت الصالة ، لقيت أمي قاعدة بتسبح، وهبة راقدة جمبها في الكنبة ماسكة تلفونها ، قعدت في الكنبة جمبهم ، قلت ليها أمي أنا عايزة اقول ليك حاجة؟ ، أمي خلت السبحة من يدها وبقت تعاين لي بنظرة فاحصة قالت لي عايزة تقولي شنو يابت خيير؟! ... 

قلت ليها أنا قررت أرجع الخرطوم... لطارق.
امي نزلت السبحة من يدها ، واستعدلت ف قعدتها ، قالت لي ترجعي ويين؟!. 
انتي جنيتي يا هديل؟! خرطوم شنو يا بت؟ ، البلد منتهية و الناس لسه بتهرب.. تقولي لي ترجعي؟ إحنا ما مصدقين طلعنا بيكِ من هناك سالمة! ، عايزة ترجعي للتدوين ، للمكان البضربو فيه بالهاون ليل نهار والناس بتموت ف بيوتها؟! ، انا مستحيل اخليك ترمي نفسك ف التهلكة؟!. 

قلت ليها يمة ، تهلكة شنو؟! وتدوين شنو لي هسي؟! ، الحاجات دي كانت زمان ، هسي الحرب وقفت ، الجيش سيطر عليها و بقت أمان ، طارق حكى لي إنو تاني ماف هاون ولا رصاص بِقع فوق رؤوس الناس ، يمة الخرطوم بدت تتعافى ، طارق هناك براه ، هو محتاج لي وانا محتاجة ليه ، إنتو ما قادرين تفهمو الاحساس الحاسة بيه. 

أمي قالت لي يا بتي ، طارق دا عسكري ودا واجبو ، هو متعود على جو الموت دا ، لكن إنتِ ذنبك شنو ترجعي تعيشي في الرعب دا تاني؟!. 

في اللحظة ديك ، هبة كانت بتسمع فينا من بعيد، ختت تلفونها، وقالت لي... أسمعي يا هديل، طارق دا راجلك وإنتِ حرة فيه ، لكن أنا عن نفسي ، الخرطوم دي لو بقت جنة ما راجعة ليها هسي ، أنا شفت الويل هناك شفت الناس برفعوا فيهم قطع لحم ، شفت الطيران بضرب من فوق لينا ، والمدافع بتقع فينا ، قعدت فترة اتعالج عند دكتور نفسي عشان اقدر انسى الايام العشتها دي ، و أكون طبيعية ، أنا ما مستعدة أرجع للذكريات ديك تاني حتى لو اتحررت ، إنتِ وأمك بطريقتكم... اتفاهموا.. لكن أنا مكاني هنا.

و بعدين يا هديل ، هو لو فعلاً بخاف عليكِ وبحبك، المفروض يمنعك من الرجوع ويصر على قعدتك هنا في الأمان، ما يخليكِ تمشي لقلب النار بيدك!. 

رديت عليها بحدة قلت ليها يا هبة ، أنا ما جبرتكم ترجعوا معاي ، ولا طلبت من زول يرمي نفسو في التهلكة عشاني ، و باين إنكم اتأقلمتوا هنا شديد، ولقيتوا حياتكم .. ودا حقكم ، بس أنا ما زيكم، أنا ما بكلمكم عشان أستأذنكم أو اجبركم ترجعوا معاي ، أنا بكلمكم عشان أعرفكم إني راجعة لراجلي.

سكتت ثانية وعيوني ف عيون امي قلت ليها... 
طارق ده ما مجرد عسكري بيأدي واجب ، هو الحياتي وقفت تماماً يوم ما هو غاب ، وإذا كان هو رجع من تحت الأنقاض عشان يناديني ، يبقى عيب علي أقعد هنا كفاية علينا السنتين المرة دي.. أنا راجعة ، برضاكم أو من غيرو. 
هديل عاينت لي بضيق صرت وشها ومشت ، امي تاني ما زادت علي كلمة. 

بديت أجهز في نفسي للرجوع ، و عرفت إنو في ناس من معارفنا القدام في الخرطوم ، قرروا يرجعوا أمدرمان بعد ما الأوضاع استقرت في حيهم.
مسكت في الخبر دا قوي ، و قلت لأمي شوفي الناس بدت ترجع وأنا ما ح أرجع براي ، ناس خالتو إخلاص راجعين يعني الطريق آمن و ماف حاجة مُخيفة ، من الأوهام الخاتنها ف راسكم.
أمي قالت لي يا هديل ، أنا ما عندي بيهم شغلة، أنا بتهميني أنتِ بس ، خالتك إخلاص بتمثل نفسها ، لكن أنا ما عايزاكِ ترجعي وتعاني تاني . 

خالي قال لي يا بتي ، الخرطوم البتسمعي عنها في الأخبار دي ، غير الـ ح تشوفيها بعينك ، الخراب والدمار في كل مكان ، الجثث لسه ف البيوت و الشوارع ، الناس لسه خايفة ترجع لبيوتها المنهوبة ، حاليا أبسط مقومات الحياة معدومة ، وفوق لدا كلو ، بقت مستنقع للأمراض والأوبئة.. يعني لو مرضتِ هناك، ح تموتي قبل ما تلقي حبة دواء ، إنتِ ماشة تفتشي لشنو في مدينة ريحتها لسه بارود؟!. 

سكت مسافة و قال لي... 
خلي الرؤية توضح والوضع يستقر، وح نرجع كلنا 
في النهاية مهما قعدنا ، غير تراب بلدنا ما بنلقى ، الروح غالية يا هديل، ونحن لما طلعنا، طلعنا للأمان.. قعدنا كتير وفضل القليل أصبري ، وطارق لو هو الجبرك على الرجعة دي ، أنا بتصل بتكلم معاه وبفهمو. 

أول ما قال "اتكلم معاه"، رديت ليه بسرعة.. 
لا لا! ما تتكلم معاه يا خالو ، هو ما عندو ذنب ، 
أنا الأصريت عليه ، و عارفة إنو الخراب كتير، و الوضع مأساوي ، وعارفة إنو الطريق ما مفروش بالورود ، بس المرا تبع رجلها ، وطالما طارق في الخرطوم ، يبقى داك مكاني الطبيعي ، وح اقعد معاه لو ف اي ظروف كانت. 

خالي ف الآخر قال لأمي .. بتك رأسها قوي... خلوها تمشي وتشوف بعينها.....
يتبع.....
               الفصل الثالث من هنا 
تعليقات



<>