الفصل الحادي عشر
خرج عمرو من منزل غانم وقلبه متلهفًا يكاد الشوق والحنين إلى الماضي ان يفتكا بروحه، حيث تذكر زيارته الاولى له وإيثار إلى عائلة غانم بعد زواجهما ب أربعة أسابيع
«إنتبااااااااه»
«عودة إلى الماضي».
ولجت لمنزل أبيها بصحبة زوجها الذي حمل الكثير والكثير من الهدايا الخاصة لأهل المنزل والحلوى والفاكهة ليغمر بهم أهل زوجته تعبيرًا منه عن امتنانه، رحب الجميع بالزوجين السعيدين لتحتضن منيرة إبنتها قائلة بحبورٍ: -نورتي بيت أبوكِ يا إيثار.
تعجبت لتغيُر والدتها الجذري بمعاملتها وابتسامتها الصادقة وحُض. نها التي تتذوقهُ للمرة الأولى بحياتها، تخطت سعادة منيرة بزيجة إبنتها عنان السماء وذلك لما جنته من مالٍ وهدايا ثمينة ومصوغات ذهبية غمرها بها عمرو كتعبيرًا منه عن إمتنانه لمن كانت سببًا لوجود حبيبته التي ذاق على يدها العشق وغرق بشهد الغرام داخل أح. ضانها الحنون، كانت تلك هي المرة الاولى التي ترى إيثار بها معاملة عزيز ووالدتها لها ك إنسانة مستقلة ولها كيان، فقد رحب بها عزيز حتى أنهُ احتضنها وبرغم عدم شعورها بصدق غمرته إلا أنها كانت سعيدة للغاية.
كانت تجاور زوجها الجلوس فوق الأريكة لتتفاجيء ب منيرة تسحبها من كفها وهي تقول: -تعالي يا إيثار معايا جوة، عوزاكِ
ليجذبها ذاك العاشق قبل أن تترك جواره وهو يقول متلهفًا: -وخداها على فين يا خالتي.
اطلقت منيرة ضحكة سعيدة لتقول: -هو أنا هاكلها يا عمرو، هتكلم معاها جوة شوية على ما نسوان إخواتها يجهزوا الغدا.
-ماتتأخريش عليا، نطقها بعينين هائمتين لتهز رأسها بخجلٍ ممزوج بسعادتها التي تخطت عنان السماء بعشق ذاك الحنون الذي غمرها وقدم لها كل ما حُرمت منه وكأن الحياة أدخرت لها سعادتها لتوهبها إياها دفعةً واحدة على يد هذا الحنون، اصطحبتها إلى غرفتها الاولى واجلستها فوق الفراش وجاورتها لتقول باطراء بلمعة بعينيها: -طلعتي شاطرة يا إيثار وعرفتي تخلي جوزك يحبك وميقدرش يبعد عنك.
نكست رأسها بخجل لتستطرد الاولى حديثها: -أنا عوزاكِ كده على طول، تدي له كل اللي يسعده وإوعي في يوم يطلب منك حاجة وترفضيها وخصوصاً الموضوع إياه
تحمحمت ليخرج صوتها مبحوح من جراء خجلها: -حاضر يا ماما
هتفت الأخرى باستفهام: -قولي لي ستهم عاملة إيه معاكِ، بتعاملك حلو؟
مطت شفتيها للامام لترد بلامبالاة: -هي ست شديدة وكلامها صعب، لكن عمرو معايا دايمًا ومبيخليش اي حد يقولي كلمة تضايقني.
لتستطرد متلهفة بعينين ظهر بهما الإنبهار: -تصوري يا ماما، خلاها تغير قوانين البيت علشاني
ضيقت ببن حاجبيها لتتسائل بعدم استيعاب: -قوانين؟!
لتهتف الاخرى بإبانة: -بصي، هي كانت بتاكل هي وعمي نصر و أولادها على السفرة برة، وياسمين ومروة كانوا بياكلوا لوحدهم في المطبخ، بس عمرو قال لها إنه ميقدرش ياكل وأنا بعيدة عنه، وطلب منها تخلينا ناكل كلنا مع بعض، بس هي طبعاً رفضت، ف عمرو قال لها إنه هياكل معايا فوق، وهي طبعاً اتضايقت وقعدت تزعق، بس في الاخر وافقت وبقينا كلنا بناكل مع بعض.
واستطردت بعينين تقطر عشقًا: -عمرو حنين وبيحبني قوي يا ماما.
ردت باستحسان: -شاطرة يا إيثار، شاطرة
واستطردت وهي تنظر ليدها محدقة بالثلاث أساور الذهبية اللواتي أهداهم لها عمرو بثاني أيام زواجه كتعبيرًا منه عن فرحته بعروسه الجميلة: -والله وبقيتي سبب سعدي يا إيثار، لبست الدهب والحرير على إيدين جوزك
ابتسمت بسعادة وهي تربت على يديها بحنو: -تتهني بيهم يا ماما.
خرجت لتجد تلك المتطفلة قد حضرت لتقبل عليها وتحتضنها برياءٍ وهي تقول بنبرة لائمة: -كده يا إيثار، بقى تيجي من غير ما تعرفيني علشان أجي أقعد معاكِ وأشبع منك.
تطلعت عليها باستغراب، فقد كانت ترتدي ثوبًا مجسمًا على ج. سدها وحذاءًا بكعبٍ مرتفع ناهيك عن وجهها الملطخ بجميع أنواع والوان الزينة من يراها يتيقن بأنها ذاهبة لحضور حفل زفاف، أما منيرة فرمقتها بنظرة حادة ترجع لعدم راحتها لشخصها مؤخرًا، وبالاخص فترة خطبة عمرو وابنتها، فقد كانت تتعمد زيارتهم كل خميس أثناء زيارة عمرو لمنزلهم وتحاول جاهدة جذب انظاره بالتطفل بالحديث معه والضحكات الخليعة والملابس الضيقة والمث. يرة لأي رجل، لكن ما كان يجعل منيرة هادئة هو عشق عمرو الظاهر لإبنتها وهذا جعله لا يرى في الوجود سواها، فكانت عينيه لا تفارقها طيلة الزيارة حتى الرحيل، وهذا ما طمأن قلبها وقد حذرت صغيرتها منها وبالفعل إيثار بدأت بأخذ الحيطة والبعد عنها قدر الإستطاع.
لوت منيرة فاهها لتسألها بطريقة توحي بعدم تقبلها وبأنها شخص غير مرغوب بوجوده: -وإنتِ عرفتي منين إنها جاية النهاردة؟
أشارت إلى ياسمين التي كانت تجاورها الوقوف حيث خرجت لاستقبالها بعدما استمعت لصوتها المُنادي: -كلمت نسرين إمبارح وسألتها وهي قالت لي
ابتلعت نسرين ريقها بصعوبة بعد نظرات منيرة النارية التي رمقتها بها لتهتف الاخرى مسترسلة ب سماجة: -هدخل أسلم على عمرو واجي أجهز معاكم الغدا.
بالكاد نطقت كلماتها لتهرول للداخل تحت اتساع أعين إيثار ومنيرة التي لكزت نجلتها بذراعها قائلة: -إدخلي لجوزك ومتسبيهوش لوحده مع العقربة دي.
أما بالداخل، ولجت سريعًا تهرول إليه قائلة وهي تتلمس كف يده بنعومة لإيث. ارته: -إزيك يا عمرو
رمقها بغرابة ليسحب كفه من خاصتها سريعًا وكأن حية تلفحت بيده، أجابها ببرود وهو ينظر إلى غانم وعزيز ووجدي: -الله يسلمك.
وتابع استكمال حديثه لتجلس بجواره دون حياء، اقتربت إيثار ليقوم سريعًا لاستقبالها وهو يتطلع عليها كمن اهتدى لضالته مما أسعد قلب إيثار وأشعل قلب الاخرى، جلست إيثار بالمنتصف لتضع حدًا لتلك الثقيلة لتنسحب بعد قليل للخارج بعدما تجاهلها الجميع حيث اقترب عمرو من إيثار وبات يهمس لها بحديثٍ جانبي يعبر لها من خلاله عن كم اشتياقه لها.
تناولا الزوجان غدائهما بصحبة عائلة غانم ليعود بزوجته من جديد إلى مسكن الزوجية الذي يشهد على أسعد أيام كلاهما معًا، صعد معًا بعدما رمقتها إجلال بسخطٍ تغاضت عنه لاجل عمرو الذي ما أن ولج لمسكنهما حتى حملها واتجه بها سريعًا لفراشهما كي يُشبع قلبهُ ويمنيه بقرب الحبيب، وبعد قليل كانت تقطن بأحضانه الحانية يحتويها بذراعيه وهو يقول بنبرة حنون: -لو أقول لك وحشتيني قد إيه الشوية اللي قعدناهم في بيت عمي غانم مش هتصدقيني.
تبسمت ليزداد جمالها وهي تقول: -هو إحنا لحقنا نبعد يا عمرو، وبعدين هو أنتَ سبتني، ده أنتَ كنت لازق فيا طول الوقت.
-لا وإنتِ الصادقة، صحبتك السخيفة هي اللي كانت لازقة فينا طول الوقت، قالها باعتراض ليسترسل مشمئزًا: -يا ساتر يا إيثار، أنا مش عارف إنتِ إزاي مصاحبة واحدة زي اللي إسمها سُمية دي، فرق كبير قوي بينكم.
أخذت نفسًا عميقًا لتجيبهُ بهدوء: -مكنتش كده الأول، دي اتحولت وتصرفاتها بقت غريبة.
-سيبك من سيرتها اللي تسد النفس وخلينا نكمل، هو أحنا كنا بنقول إيه؟
نطقها بدعابة لتبتسم وتقول بجرأة جديدة عليها: -كنا بنقول إنك حبيبي، وإن ربنا بيحبني علشان كده رزقني بيك
حدقت عينيه ليهتف متلهفًا: -إنتِ قولتي إيه؟، حبيبك، أنا حبيبك يا إيثار؟!
تبسمت لتنطق وهي تداعب وجنته بأناملها الرقيقة: -إنتَ حبيبي وجوزي وصاحبي وكل ما ليا يا عمرو
كان يستمع لحديثها وشعورًا هائلاً من السعادة يجتاحه ليميل عليها لاثمًا ش. فتيها بإثارة وهو يقول: -ربنا يقدرني واخليكي أسعد واحدة في الدنيا كلها.
-إنتَ فعلاً خلتني أسعد واحدة في الدنيا يا عمرو، نطقتها بنبرة حنون ليجذبها إليه ويغوصا معًا من جديد داخل عالمهما.
بعد عدة أسابيع أخرى، تناولا طعام الغداء مع العائلة واصطحبها ليصعدا بعُش الزوجية ليهنيء بالقرب مِن مَن امتلكت القلب والوجدان، هيأت له الاجواء وجلست فوق الاريكة وأشعلت شاشة التلفاز بعدما أحضرت بعضًا من الفاكهة والمسليات وبدأ بمشاهدة أحد الافلام الرومانسية الاجنبية، وضعت رأسه فوق ساقيها وباتت تداعب خصلاته بأناملها الرقيقة مما جعله ينتقل لعالم ساحر من المشاعر المختلطة، أمسك بكف يدها وقبله لتسحبه من جديد ممسكة به قطعة من ثمار الكمثرى لتضعها بفمه ويقتضمها هو بسعادة، انتفض على أثر خبطات مرتفعة فوق الباب لتخرجهما من حالة الوله ليهب منتفضًا من مكانة يتحرك صوب الباب متوعدًا للطارق، فتح الباب وهم بفتح فمه ليبتلع حديثه حينما وجد والدته ليسألها باستغراب: -خير يا ماما، فيه حاجة؟
-فيه حاجات مش حاجة واحدة يا نن عين ماما، قالت كلماتها وهي تجنب ج. سده بذراعها لتلج مهرولة للداخل دون استئذان، ابتسامة ساخرة ارتسمت على جانب فمها وهي ترى تلك الجميلة الجالسة بثوب نومها الرقيق حيث كانت ترتدي قميصًا ناعمًا من الساتان باللون الازرق ليضفي على بياض ج. سدها ويزيدها سحرًا، خجلت لتنكمش على حالها تخبيء فتحة صدرها بيديها تارة وتارة ساقيها العاريتين ليشعر عمرو بارتباكها ويُسرع مُلقيًا عليها عبائته الموضوعه جانبًا لتتنفس هي بعد شعورها ببعض الراحة، أما إجلال فهتفت ساخرة: -وأنا أقول الباشا سايب أبوه وإخواته يراعوا المصالح لوحدهم ولازق فوق ليه، أتاري بنت منيرة لابسة له المحزق والملزق والمفتوح علشان تربطة جنبها، اللي موصيكي واعي يا حبيبتي.
خجلت من تلميحاتها ليهتف عمرو بحدة بعدما شعر بإهانة زوجته: -لازمته إيه الكلام ده يا ستهم.
-لازمته إن أبوك متصل بيا وخارب الدنيا علشان واقف لوحده مع التاجر اللي جاي يشتري محصول جنينة المانجة، وبيتصل بيك بقا له ساعة، بس البيه مش فاضي، وراه حاجات أهم، نطقتها وهي ترمقها باشمئزاز ليهتف عمرو مبررًا: -وأنا هروح اعمله إيه وهو بيتفق مع الراجل، وبعدين أنا مراتي كلها كام يوم وترجع لكليتها وهضطر أقوم كل يوم بدري اوديها وأجيبها يعني هتسحل أنا وهي، ومن حقي أخد الكام يوم دول راحة أتدلع فيهم أنا ومراتي.
رمقتها بنظرة حقودة قبل أن تقول بما يشفي غليل قلبها: -من الناحية دي إطمن يا حبيبي، إنتَ لا هتروح ولا هتيجي.
ضيق بين عينيه لتسترسل وهي تنظر لإيثار بشماتة: -أنا شايفة إن كفاية علام لحد كده على الست إيثار.
ارتجفت أوصالها ليخرج صوتها أخيرًا: -يعني إيه الجملة دي مش فاهمة؟
-إيه اللي مش مفهوم في كلامي يا عنيا، بقولك أنا قررت إنك خلاص مش هتكملي علام، نطقتها بنبرة ساخطة لتهتف الاخرى بارتياب: -مستحيل طبعاً، أنا متفقة مع عمرو قبل الجواز إني هكمل السنة اللي فاضلة لي.
-إتفاقك مع عمرو ده يا حبيبتي تبليه وتشربي ميته، قالتها بسخرية لترفع قامتها لأعلى بتفاخر وصوتِ حاد هز أركان المكان: -أنا هنا الكل فالكل، الكلمة كلمتي والشورة شورتي.
نطقتها بجبروت لتسترسل قبل أن تنسحب للخارج: -قومي غيري المسخرة اللي إنتِ لابساها دي وحصليني على المطبخ علشان تجهزي العشا للرجالة
لتستطرد متهكمة: -أصل الخدامة اللي أبوكِ باعتها وراكي واخدة أجازة النهاردة.
ابتلعت إهانتها بغصة مريرة ولم تستطيع الرد لتحذيرات والدتها الشديدة بعدم الرد وبالاخص على تلك المتجبرة، نظرت ل زوجها الواقف مكتف الأيدي لتهرول عليه قائلة بنبرة مترجية: -عمرو أنتَ ساكت ليه، إنتَ هتسيب مامتك تتحكم في مستقبلي وتنفذ كلامها؟
أخذها بأح. ضانه ليهديء من روعها وهو يقول: -إهدي يا حبيبتي ومتقلقيش، انا هكلمها بس مش الوقت علشان ماتعندش، لما تهدى.
-وعد يا عمرو، نطقتها بعينين متوسلتين ليهز لها رأسهُ بتأكيد، وبالفعل توسط لها عند والدته لتوافق بعد جدالٍ عنيف بينها وبين نجلها المدلل وكالعادة فاز هو بالجولة لكنها اشترطت ان تذهب إيثار إلى كليتها مرتين فقط بالإسبوع، مرت الايام وحملت إيثار بجنينها الاول والذي سعد به الجميع وكانت الفرحة لا تسع قلبي إجلال ونصر عندما علما بأنه ذكرًا، مرت الشهور سريعًا وأنجبت إيثار يوسف ومر عامًا اخر سريعًا ما بين شد وجذب وتهكم إجلال وحقدها الظاهر على من ملكت لُب مدلل قلبها.
وبغروب يومٍ ما، كانت تقبع بمسكنها الخاص، حملت صغيرها الذي أكمل عامًا ونزلت به الدرج لتجد مروة جالسة بمفردها ببهو المنزل، اقترحت عليها مروة بأن يخرجا ليشتما بعض الهواء أمام البوابة الحديدية وبالفعل خرجت بجوارها وأثناء وقوفهم أقبل عليهم أحمد إبن عم زوجها، ألقى عليهم السلام وحمل الصغير وبدأ بمداعبته وطلب من مروة كأسًا من الماء لشدة عطشه، أتي عمرو بتلك اللحظة ليجد أحمد حاملاً صغيره يداعبه ويتحدث إلى إيثار المبتسمة، اشتعلت النار وسرت بأوردته وذلك لشدة ما شعر به من غيرة وشك اقتحم قلبه، تحدث إلى زوجته بنبرة جادة متجاهلاً إبن عمه: -إيه اللي موقفك برة؟
-خرجت أشم هوا أنا ومروة، هكذا أجابته بملامح وجه متعجبة حدته ليهتف أحمد بمداعبة: -يا اخي طب قول السلام عليكم الاول.
بسط يده يتناول صغيره الذي ما أن رأه حتى ابتسم وارتمى عليه، تحدث لابن عمه وهو يشير لها بالدخول: -معلش تعبان شوية.
إعتذر أحمد وذهب بعدما شعر بعدم رغبة عمرو بوجوده ودخلت هي بجواره ليتقابلا بمروة التي تحدثت إليها وهي تشير بكوب الماء: -هو أحمد مشي من غير ما يشرب؟
وقفت ليرتجف ج. سدها حينما صرخ بها قائلاً: -تعالي ورايا.
تعجبت مروة تجهم ملامح عمرو وحدة لهجته مع إيثار وهذا ما لم يحدث من قبل، صعد الدرج وهي خلفه لتسألهُ متعجبة: -مالك يا عمرو، إنتَ إتخانقت مع عمي نصر؟
لم يعير لكلماتها أدنى إهتمام واكمل صعوده وهو يحمل الصغير، وقف أمام باب الشقة ليفتحه وما أن دلفت وقبل أن يُغلق الباب كان صافعًا إياها بقوة جعلت الذهول سيد موقفها، بنفس توقيت سقوط اللطمة على وجنة إيثار كانت إجلال تخرج من الشقة المقابلة حيث تحتفظ داخلها بأشياء ثمينة وكانت تتفقدها، سعد قلبها لهذا المشهد الذي أثلج ص. درها ليغلق عمرو الباب دون أن يرى والدته ليكمل بصوتٍ يحترق من شدة غيرته عليها: -أول واخر مرة أشوفك واقفة مع اللي إسمه أحمد أو أي حد غيره.
ليسترسل بنبرة صارخة: -وإياك أساسًا أشوفك واقفة قدام الباب تاني.
كان يتحدث ويصرخ وهي ساكنة لم تنبس ببنت شفة تنظر للأمام وكأنها أصبحت خارج نطاق الزمن، شعر بالندم الوقتي لكنه أبى الإعتذار، تعالت صرخات الصغير ليلقيه بأحض. انها ويخرج تاركًا المنزل بأكمله تحت صدمة وذهول إيثار التي وعت على صرخات صغيرها، لتبدأ بهدهدته وهنا إنهمرت دموعها بغزارة وكأنها استفاقت ووعت لتستوعب ما حدث للتو من حبيبها، بعد حوالي ثلاثة ساعات، لم تتوقف بهم دموعها ولا صرخات الصغير وكأنهُ يشعر بألم غاليته النفسي، انتبهت لطرقات فوق الباب فجففت دموعها سريعًا واتجهت للباب تفتحه تحت صرخات الصغير التي زادت، وجدت إجلال بوجهها وبدون حديث جذبت الصغير من بين أحض. انها لتهدأته، ثم نظرت لها لتقول بذات مغزى: -أنا هاخد الولد يبات معايا النهاردة، وإنتِ حاولي تراضي جوزك لما يرجع.
-عمرو لو بات زعلان النهاردة أنا اللي هزعلك، نطقتها بتهديد مباشر واستدارت لتهبط الدرج بالصغير، تاركة خلفها تلك التي شعرت بأنها ذليلة ومازاد من شعورها بالمرارة هو إنقلاب زوجها عليها وإهانته القاسية ليتحول لجلادها بعدما كان لها الامان، انسحبت لغرفة صغيرها واوصدت بابها بعدما عقدت النية على الابتعاد عنه كي يشعر بفظاظة ما اقترفه بحقها، دقت الساعة الواحدة ليعود هو بج. سدٍ مترنح نتيجة ما تناوله من مشروب كح. ولي ونوعًا من الحبوب المخ. درة مع أصحاب السوء الذي كان يرافقهم قبل زواجه من إيثار والذي تغير كليًا على يدها لكنه عاد اليوم ليرتمي بين أحض. انهم بعد أول خلاف مع زوجته، ولج للغرفة يبحث عنها ليجن جنونه بعدما تأكد من عدم وجودها، هرول كالمجنون يبحث عنها داخل الحمام والمطبخ وبالاخير وصل لغرفة صغيره ولف مقبضها ليتنفس الصعداء عندما وجده موصود ليتيقن أنها بداخله.
-إفتحي الباب يا إيثار، قالها بثمالة لتغمض عينيها ودموعها تنهمر فوق خديها بغزارة ليصيح بصوتٍ عالي بعدما وجد منها الصمت: -قولت لك إفتحي الباب بدل ما اكسره.
نطقت بدموعها الحزينة: -إمشي يا عمرو، روح نام في أوضتك وسيبني في حالي
لم يتمالك حاله عندما استمع لصوت شهقاتها المتألمة ليهمس بصوتٍ نادم: -إفتحي يا حبيبتي وأنا هنسيكي كل اللي حصل، علشان خاطري إفتحي، والله يا إيثار ماهمد إيدي عليكِ تاني.
-إمشي بقى، قولت لك إمشي، نطقتها بصياحٍ ودموع ليصرخ بقوة بعدما جُن لابتعادها عن أح. ضانه: -إفتحي الباب بقولك
بات يركل الباب بقدمه ويصرخ ليستيقظ جميع من بالمنزل على صرخاته الجنونية وهو يقول بحدة: -إفتحي يا إيثار، مش هعرف أنام وأنا بعيد عن حُض. نك، إسمعي الكلام وافتحي.
نطق الأخيرة بصراخ ليتصنم مكانهُ حينما استمع لصوت نصر الذي جلجل بالمكان ليهتز على أثره أركان المنزل بأكمله وهو يقول: -وطي صوتك يا بقف وداري على خيبتك التقيلة، وبدل ما أنتَ واقف تصرخ زي النسوان إكسر عليها الباب وربيها من جديد
واستطرد نادبًا: -يا خيبتك في ابنك يا نصر، على أخر الزمن إبن نصر البنهاوي واقف يعيط ومذلول على إيد بنت غانم.
وصل حديث نصر المهين لمسامعها ليجعلها تدخل بنوبة من الإنهيار أكثر بعدما شعرت بالإهانة لشخصها والتقليل من شخص أبيها، انتفضت من جلوسها لترتدي عبائة منزليه وتلف حجابها سريعًا لتفتح الباب وتهرول صوب باب الشقة الخارجي متجنبة ذاك المترنح، وقفت بأعلى الدرج لتهتف بدموعها بصوتٍ لائم: -بدل ما حضرتك تتكلم عني وتهيني أنا وابويا بالطريقة دي، كنت تسألني الاول أنا قافلة ليه الباب على نفسي.
رمقها بغضبٍ عارم لتتجاهلهُ مسترسلة بدموعها الحارة بعدما لمست وجنتها بتأثر: -إبنك ضربني بالقلم من غير ما أعمل له أي حاجة.
ابتسم ساخرًا ليصيح بجبروت: -ويضربك بالجزمة كمان
اتسعت عينيها بذهول لتكمل إجلال على حديثه بكبرياءٍ وإهانة: -فوقي لنفسك يا حبيبتي وأعرفي قدرك في البيت ده، أنا مجوزاكِ ليه علشان م. زاجه، م. زاجه وبس، يعني يضربك بالجزمة تناوليها له تاني وتوطي على إيده تبوسيها.
واستطردت وهي تشملها بنظرات إحتقارية: -وتحمدي ربنا إن إبن الحاج نصر وستهم، إتنازل واتجوز بنت عمي غانم الجوهري.
نزلت عليها كلماتهم لتنهي على ما تبقى من كرامتها لتشعر كم هي ذليلة بلا سند أو عون.
صعد طلعت من الطابق الثاني للثالث التي تقطنه وتحدث بهدوء بعدما رأى إنهيارها من حديث والديه المهين لها والذي حدث على مرأى ومسمع أهل المنزل بأكمله: -إدخلي شقتك واستهدي بالله.
بعينين زائغتين نظرت له ليشير لها بكفه للداخل، تحركت بجانبه لتتفاجأ بزوجها مستلقيًا على الأرض بعدما خارت قواه واستسلم للنوم من تأثير المشروب والحبوب التي تناولها بصحبة رفقاء السوء، هرول طلعت على شقيقه ليساعده على النهوض لينضم إليه حسين وحملاه ليضعاه بفراشه ليهتف حسين بسخطٍ وهو ينظر على شقيقه: -بدل ما يشوفوا خيبة إبنهم قاعدين يهينوا في بنات الناس ويذلوا فيهم، ويعايروهم بالأملة اللي بقوا فيها لما نالوا شرف جوازهم من ولاد الحاج نصر.
زفر طلعت ليقول لشقيقه: -ابوك صح، كل واحدة في البيت ده لازم تعرف تمامها علشان ماتسوقش العوج علينا بعد كده.
خرجا من الحجرة ليرا تلك ال إيثار مازالت على حالها وكأنها تعرضت لصدمة قويّة جعلتها تدخل بحالة من اللاوعي، كانت تتطلع أمامها في نقطة اللا شيء ليحزن حُسين لأجلها وهو يقول مشفقًا على حالها: -إدخلي إغسلي وشك ونامي والصباح رباح.
هزت رأسها دون حديث لينسحبا للطابق الاسفل تاركين تلك المتألمة بدوامة أحزانها.
«عودة للحاضر»
بداخل مطبخها الانيق، تقف هي وعزة تعملان على قدمٍ وساق تتسابقا مع الزمن لتجهيز كل ما لذ وطاب قبل حضور والدها الحبيب ونجلها الغالي، هتفت ل عزة قائلة بتسرع: -شوفي صنية المكرونة ل وشها يتحرق يا عزة
أسرعت لتفتح فرن الموقد وتخرجها قائلة بسعادة: -الله أكبر، الصنية زي الفل وشكلها يفتح النفس.
-طب كويس الحمدلله، كملي بقى تقطيع السلطة وحطيها في الثلاجة، قطع حديثها رنين الهاتف الذي صدح بالمكان لتسرع لالتقاطه من فوق رخامة المطبخ وتنظر بشاشته لتقطب جبينها وهي ترى عدم ظهور الرقم، زفرت بضيق عندما تيقنت بشخص المتصل، إنه ذاك المغرور غريب الاطوار لا غير، تحدثت لنفسها بصوتٍ هامس: -مش وقتك خالص إنتَ كمان
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تجيب بصوتٍ صارم ردًا على معاملته السخيفة لها اليوم: -ألو.
كان يقف بشرفة غرفته يحتسي كوبًا من القهوة الساخنة وما أن أتاهُ صوتها الحاد حتى تبسم ليجيبها بصوتٍ مرن: -إزيك يا أستاذة
أشتعل داخلها من بروده لترد سريعًا بعدما عقدت النية على رد الإهانة له بطريقتها حتى تشفي غليلها منه: -مين معايا؟
رفع حاجبهُ باستنكار ثم أخرج لسانهُ ليمرره فوق شفته العلوى بتسلي بعدما فهم بفطانته أن تلك الشرسة تريد اللعب معه، فمرحا بك أيتها المشاكسة داخل عالمي المليء بالمغامرات، فدعينا نلهو ونمرح ونتسلى سويًا، استعاد توازنهُ لينطق بنبرة حنون أربكتها: -معقولة لحقتي تنسي صوتي؟
ليسترد بتسلي: -ده انا حتى نبرة صوتي مميزة.
-ده على أساس إننا كل يوم بنتكلم بالساعات، مكنوش مرتين اللي إتكلمنا فيهم، نطقتها بعفوية لتلعن حالها وغبائها الناتج عن تشتتها وعدم تركيزها لتعلو قهقهاته التي أربكتها وجعلت من قلبها يدق بوتيرة عالية، فقد كانت ضحكاتهُ مثيرة للغاية، لحضوره هيبه وهالة تجعل كل من يراه يُأثر برجولته الطاغية، تكاد تجزم بأن لولا تجربتها المريرة التي جعلتها تعكف عن صنف الرجال بأكمله وتقرر العزوف عنهم والنأي بحالها من براثنهم لكانت وقعت صريعة غرامه بالوهلة الاولى التي رأتهُ بها، لكن ولسوء حظها فقد دخل حياتها بالتوقيت الخطأ، وعت على حالها عند إستماعها لصوته الرجولي وهو يقول بطريقة جعلتها تشعر بالحرج: -طب ما أنتِ عارفاني اهو، لازمتها إيه بقى دخلة الوش الخشب دي.
واستطرد بدعابة جعلتها تضغط بأسنانها فوق شفتها السُفلى: -ولا الاستاذة بترد لي اللي حصل مني النهاردة؟
واسترسل سريعًا قبل أن تسوء فهم حديثه: -واللي كان غصب عني على فكرة
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول بأسف ولأول مرة بحياته ليكسر معها أولى ثوابته: -لو قولت لك أنا أسف هتقبلي؟
إنتفاضة وقشعريرة سرت بجميع ج. سدها لا تعلم مصدرها، بالتأكيد حدثت نتيجة صوته الناعم الذي اسرها، نظرت من حولها لترى عزة منشغلة بالعمل فخرجت منسحبة للخارج لتصل لغرفتها وهي تتلفت من حولها بارتياب: -محصلش حاجة علشان تتأسف.
واستطردت بعدما انتوت مشاكسته: -وبعدين أنا متعودة منك على كدة
كرر ضحكاته من جديد لتغمض على اثرها عينيها وتستمع لصوته المنتعش وهو يقول: -تقصدي إن قلة ذوقي مش جديدة عليكِ؟!
حمحمت لتجيبه بصوتٍ ناعم أثار داخله لينتفض قلبه بهزاتٍ عنيفة تعجب لها: -العفو يا سيادة المستشار، حضرتك شخص ذوق ومحترم.
-حضرتك وسيادة المستشار في جملة واحدة، نطقها بملاطفة لتبتسم بهيام لتنتفض سريعًا بعدما استمعت لصوت عزة التي ولجت إليها قائلة بتعجب: -بتكلمي مين كل ده
حمحمت ليخرج صوتها مرتبكًا وهي تقول بارتياب: -مكالمة خاصة بالشغل.
طب يلا إنجزي علشان تلحقي تاخدي شاور وتغيري هدومك قبل ما أبوكِ ييجي، اتسعت عينيها بذهول وباتت تشير بكفها بأن تصمت لتخرج الاخرى وهي تبرطم بكلماتٍ معترضة: -إنتِ حرة، كله هييجي على دماغك في الاخر
أصيب بنوبة من الضحك الهيستيري مما استمعه من تلك المصيبة المتحركة على الارض ليصل لمسامعه صوت تلك التي شعرت بالخجل يعتريها وهي تقول: -أنا أسفة.
هي دي مامتك؟، نطقها بعفوية لتتنهد بألم حين تذكرت حالتها المريرة لتجيبهُ باقتضاب وضيق شعر هو به: -لا، دي عزة اللي بتساعدني في تربية يوسف.
تعجب لتغيير نبرة صوتها لكنه لم يرد أن يُقخم حاله بحياتها الخاصة أكثر فتحدث بعملية بعدما استمع لحديث المرأة وتيقن تعجلها: -طيب علشان مضيعش وقتك لأن واضح إنك مشغولة، أنا بكلمك علشان أبلغك إني حابب إنك تكوني حاضرة معانا بكرة المقابلة بين أيمن الاباصيري وصلاح عبدالعزيز
قطبت بين عينيها لتسألهُ باستغراب: -وأنا هحضر بصفتي إيه؟
بصفتك إني عاوز ده يحصل، نطقها ببعضًا من الغرور لتجيبهُ متهكمة: -لاااا والله، تصدق أقنعتني
اطلق ضحكة عالية لتتنهد من جديد بعد أن وضعت كف يدها فوق ص. درها وكأنها تهدأ قلبها وتطالبهُ بالتعقل وعدم الإنصياع لتلك الدقات الغبية، لينطق هو بغرورٍ مصطنع: -ده العادي بتاعي على فكرة، شرسبيل بقى.
لمست به حس الفكاهة وتعجبت التغيير الشامل بمعاملتها ليقول هو بجدية بعدما شعر بتلبكها: -نتكلم جد شوية.
-ياريت، نطقتها بهدوء ليكمل هو: -انا بجد محتاجك معايا
نطقها بنبرة ناعمة لتنزل الكلمة على قلبها زلزلته، ليكمل هو بجدية: -انا محتاج لحد عاقل زيك علشان يساعدني في مهمتي، وأهو بالمرة تاخدي ثواب
ابتسمت لتجيبه بصوتٍ متأثر: -تمام، أنا معاك
نطق بصوتٍ هاديء: -إتفقنا، مش هأخرك أكثر من كده
ليسترسل بوقاحة جديدة عليه: -علشان تلحقي تاخدي الشاور بتاعك، نعيمًا مقدمًا
واستطرد بملاطفة: -مش بردوا بيقولوا كده بعد الشاور؟
شعرت وكأن أحدهم قد سكب فوق رأسها دلوٍ من الماء البارد لتهتف بنبرة جادة لتعديه حدود اللباقة والخصوصية: -بعد إذن حضرتك، مضطرة أقفل.
-تمام، مع السلامة، نطقها بهدوء لتغلق وهي تهتف بغضبٍ بصوتٍ مسموع: -واحد قليل الأدب
لتهتف بصوتٍ غاضب وهي تتجه نحو عزة للفتك بها: -إنتِ يا عزة هانم، يومك مش فايت النهاردة.
أما عند فؤاد، الذي ألقى بهاتفه جانبًا ليمسك بكفيه سور الشرفة وبدأ يتنفس بارتياح وهو ينظر للزهور المتواجدة بحديقة القصر قبل أن يقول لحاله بصوتٍ مسموع: -إنتِ هتتشاقى على كَبر وتخيب ولا إيه يا فؤاد
واسترسل بغرور يليقُ به: -رفقًا بقلوب العذارى يا ابن الزين، البت غلبانة ومش قد سحرك.
رواية أنا لها شمس
الجزء الأول
الفصل الثاني عشر
ارتدت أفخم ثيابها استعدادًا لرؤية أبيها العزيز التي حُرمت من رؤياه لمدة تخطت الستة أشهر منذُ أخر زيارة لها إلى البلدة وما حدث بها، حيث اتفق عزيز مع عمرو ووالدهُ وهاتفها أيهم ليبلغها بمرض أبيها الشديد وبأن عليها الحضور الفوري لتهرول لمنزل عائلتها والرُعب يعتريها، دقت فوق الباب بلهفة لتجد ذاك العاشق يقابلها بباقة رائعة من الزهور مع ابتسامتهِ التي باتت تبغضها ك كُل شيئًا يتعلقُ به ويذكرها بماضيها الأليم، تنفست بقوة وكأنها تنفض عنها تلك الذكريات البغيضة لتنتعش روحها وهي تنظر لانعكاس صورتها بالمرأة وتبتسم وكأنها تبث الأمل بداخلها، خرجت من غرفتها لتجد عزة تقابلها حيث ولجت من شرفة البهو بعدما روت الزهور والزرع، لتهتف بانبهار عند رؤيتها لتلك السعيدة: -وشك منور وكأنك بدر في ليلة تمامه، طبعاً حد قدك، هتشوفي اغلى الغوالي، أبوكِ وإبنك.
لم تعير لحديثها إهتمام ولم تلتفت لها من الأساس لتسترسل الأخرى بتقليل من حجم ما اقترفته: -مكنوش كلمتين وقولتهم اللي هتفضلي لويالي بوزك عليهم طول النهار
احتدت ملامح الاخرى وهي ترمقها باشتعال لتستطرد عزة بتطفل كعادتها: -طب هو أنتِ كنتي بتكلمي مين؟
هتفت بحدة بالغة: -كنت بكلم وكيل النيابة المسؤل عن حادثة كريم الله يرحمه، يارب تكوني إرتحتي بعد الرغي والهرتلة اللي قولتيها قدامه.
لوت فاهها لتقول بلامبالاة بعد تفكُر: -وهو يعني وكيل النيابة ده مابيستحماش زينا.
رفعت ساعديها لأعلى وقبضت على كفيها بقوة وهي تغمض عينيها في محاولة منها للسيطرة على كم الغضب الهائل الذي أصابها من أثر لامبالاتها لتصيح وهي تقول بامتعاضٍ ظهر بَين على ملامحها المكفهرة: -عزة، قطع حديثها صوت جرس الباب فهرولت عزة بالمبادرة بفتحه كي تنأى بحالها من إنفجار تلك الغاضبة بها، ولج والدها وهو يحمل صغيرها ويجاوره الحارس الخاص بالبناية يحمل عنه حقيبة كبيرة مليئة بخيرات الريف المصري، انتزعت عزة الصغير من أحض. ان جده لتضمه وتشتم رائحته التي اشتاقتها لمدة يومان، أما إيثار فهرولت لتحتضن والدها وللترحاب به حيث تأثر كلاهما باللقاء للحد الذي جعل دموعهما تسيل فوق وجنة كلًا منهما، تحدثت إليه بدموعها: -وحشتني يا بابا، وحشتني قوي.
بادلها العناق وبعدما فاق من تأثرهما باللقاء تحدث إليها وهو يُشير للحقيبة: -امك باعتة لك دكرين بط وكام فرخة بلدي علشان يوسف
لوت جانب فمها بطريقة ساخرة لتقول بنبرة تحمل الكثير من الألم: -كتر خيرها
تنهد الأب لأجل تلك الموجوعة لتهتف بانتشاء في محاولة منها للخروج من دوامة أحزانها التي لا تنتهي: -تعالى يا بابا إغسل إديك ووشك علشان نتغدا.
واستطردت وهي تحمل صغيرها وتتحرك به للداخل: -أنا وعزة عملنا لكم كل الاكل اللي بتحبوه.
-عملتي لي الفراخ المقرمشة اللي بحبها يا مامي؟
-عملت لك كل الحاجات اللي بتحبها يا قلب مامي، نطقتها بنبرة تفيضُ حنانًا وهي تتطلع لصغيرها التي اشتاقت لرائحته حد الجنون.
جلست بصحبة والدها الحنون وتناولا الغداء فوق الطاولة التي رُص عليها كل ما لذ وطاب من أكلات متنوعة يفضلها والدها ونجلها العزيزان، وبعد انتهاء الطعام جلس الجميع بالبهو وبدأوا بتناول الفاكهة والحلوى ليقضي الجميع سهرة مميزة.
بأخر الليل، بعدما ولجت لداخل حُجرتها لتستريح من عناء اليوم، وجدت من يطرق الباب بخفة فسمحت له ليدخل والدها بابتسامتهُ البشوش التي تعشقها، لتسألهُ بتلهف: -عاوز حاجة يا بابا؟
-عاوز أتكلم معاكِ شوية، قالها بهدوء لتجيبه وهي تُشير إلى حافة الفراش ليقول بتأثر بعدما تجاورا الجلوس: -أنا عارف إني مكنتش الأب الكويس ولا السند الشديد ليكِ، مقدرتش أحميكِ من ظلم اللي حواليكِ واولهم امك وإخواتك
كادت أن تتحدث فطلب منها الصمت حتى ينتهي: -انا خايف عليكِ ليبهدلوكِ من بعدي يا بنتي.
-بعد الشر عليك يا حبيبي، ربنا يطول في عمرك ويبارك لي فيك، نطقتها بفزع ليجيبها بإيمان: -الموت مش شر يا إيثار، الموت علينا حق.
تحدثت بعينين متأثرتين: -أرجوك يا بابا تبطل الكلام ده وبلاش تقلقني عليك.
اجابها بهدوء: -سيبك من الكلام ده وخلينا نتكلم في المهم، أمك واخواتك حب المال عامي عنيهم وعلشان ينوبهم جانب من مال نصر المتلتل مستعدين يعملوا أي حاجة، حتى لو كانت الحاجة دي فيها أذيتك.
توقف ليأخذ نفسًا عميقًا تحت نظراتها المتأثرة ليقول بعزيمة: -علشان كده أنا فكرت في حاجة هتحميك منهم لو جرا لي أي حاجة.
تطلعت بتمعن على تلك الورقة التي أخرجها من بين طيات ملابسه ليتحدث بإبهام: -أمانك منهم موجود في الورقة دي
قطبت جبينها لتسألهُ مستفهمة: -ورقة إيه دي يا بابا؟!
تنفس بهدوء ليخبرها: -ده عقد بيع وشراء مني ليكِ بالبيت والارض اللي حيلتي، خليت محمد ابن عبدالسلام ابو مسعود المحامي يكتبهم لك وبصمت عليهم أنا واتنين شهود، فاضل بس إمضتك، وأمنته مايجيب سيرة لأي مخلوق.
واستطرد تحت ذهولها: -دول اللي هيأمنوكي من غدر إخواتك بيكِ.
هتفت وهي تهز رأسها باستنكار: -لو كنت فاكر بإنك كده بتحميني فاحب أقول لك إنك باللي عملته ده بترميني في نار جهنم باديك.
-عزيز اخويا لو عرف مش بعيد يقتلني فيها، نطقتها بعيونٍ زائغة مرتعبة، لتسترسل برفضٍ تام: -ده غير إني مستحيل أوافق على حاجة زي دي، انا مش عاوزة منهم حاجة غير إنهم يحبوني ويحسسوني إني اختهم، ده غير اللي حضرتك عملته ده حرام شرعًا وانا لا يمكن أوافق عليه.
أخذ نفسًا عميقًا ليتحدث بتفاخر بردة فعلها: -أنا كنت متأكد إنك هترفضي ومستحيل تاخدي حق اخواتك، وعلشان كده كتبت لك كل حاجة وأنا مطمن
ضيقت بين عينيها لتسألهُ: -انا مش فاهمة حاجة؟!
تحدث بإبانة: -بصي يا بنتي، انا عارف إنك مستورة من ورا شغلك، عندك شقتك وعربيتك وقادرة تعيشي وتربي ابنك برغم اللي نصر عامله فيكِ، وإخواتك غلابة محلتهمش حاجة من الدنيا غير حتة البيت والكام قيراط اللي ورثتهم عن أبويا الله يرحمه.
-ولما حضرتك عارف ده كتبت لي كل حاجة ليه؟
اجابها بحكمة رجل اكتسبها عبر سنوات عمره الطوال: -العقود دي هتفضل معاكِ ومش هتطلع إلا لو عزيز حاول يضايقك وياخد حضانة إبنك منك، ساعتها هتخرجيها وتهدديهم بيها، وتحطيها شرط بعادهم عنك، وانا متأكد إن ساعتها عزيز هيختار السكات والبُعد، وبكدة أبقى حميتك من شرهم حتى بعد مماتي.
ترقرقت الدموع بعينيها بعدما اكتملت فكرته ووضحت لها لترتمي بين أحضان غاليها الذي يفكر بحمايتها من أشرار روايتها حتى بعد رحيله، انهمرت دموعها لتغرق ثياب ذاك الطيب مما جعل دموعه هو الاخر تسيلُ تأثرًا بتعلق ابنته بتلايب جلبابه كمن وجدت بعد عناءِ حِصنها.
داخل المطبخ الخاص بسجن القناصر المخصص للنساء، تقف تلك النحيفة القوام بثوبها وحجابها بلونهما الأبيض تزفر وتبرطم ببعض الكلماتٍ الساخطة كعادتها وهي تقوم بتقليب الطعام بالوعاء الكبير لتهتف تلك الموظفة المشرفة عليهم وهي تتنقل بينهُن بجسدها البدين وثيابها الميري: -بطلي برطمة وخلصي اللي في إيدك علشان تلحقوا تطفحوا في الميعاد.
رمقتها بنظرة غاضبة لتهتف الاخرى وهي تشملها بازدراء: -قلبي الأكل كويس يا بِت بدل ما يتحرق منك وتتجازي زي العادة.
لم تجيبها لتسترسل الاخرى متهكمة: -شكلك حبيتي الإنفرادي وبتحرقي الاكل مخصوص علشان تترمي فيه.
انطلقت ضحكات السجينات ساخرين من تلك التي تتعالى على جميعهُن لتصيح السجانة بصوتٍ غليظٍ دب الرُعب بقلوبهن: -إخرسي يا ولية وشوفي شُغلك منك ليها.
ابتعدت السجانة لتقترب سيدة ثلاثينية من نجلا وهي تهمس لها بتودُد: -ولا يهمك منهم، دول شوية غجر ميعرفوش قيمتك يا بنت الأكابر.
تنهدت نجلا بأسى وهي تتطلع على المرأة وعلى المكان التي زَجت بنفسها بداخل براثنه لتتحسر على ما أوت إليه، رفعت ذراعها لتجفف بطرف الجلباب جبهتها المتعرقة من جراء موقد النار الواقفة أمامه لتتابع تقليب ما بداخل القدر بذراعيها وهي تلعن حالها وفؤاد اللذان أوصلاها إلى هنا، اقتربت منها سيدة ببداية عقدها الخامس ويبدوا على وجهها الطيبة لتقول بنبرة هادئة: -لو فضلتي على حالتك دي هتتعبي، حاولي تتقبلي الوضع الجديد لحياتك وبلاش تستفزي الستات بسكاتك ونظراتك ليهم، علشان ميحصلش زي قبل كدة ويتربصوا لك ويضربوكِ.
لم تجيبها لتسترسل الاخرى متعجبة صمودها: -يا بنتي ده أنتِ ليكِ سنتين هنا، مزهقتيش من السُكات!، طب ما وحشكيش الكلام، دي حتى الستات معروفين بالرغي.
أخذت تقلب عينيها بضجر من ثرثرة تلك السيدة التي تصر على إقتحام دائرة الصمت التي صنعتها لحالها لتتحدث بعدما سأمت حديثها: -ممكن تسبيني في حالي؟
تحدثت المرأة بتودد: -يا بنتي أنا خايفة عليكِ، السكات ده مش حلو علشانك.
-غريبة قوي، هو انتِ هتعرفي مصلحتي أكتر مني؟، نطقتها بسأم لتهتف بسخطٍ بعدما احتدت ملامحها: -ممكن تبعدي عني؟
قالتها وهي تُشير بكفها باشمئزاز لتهز السيدة رأسها بأسي وتحركت دون أن تنبس ببنت شفة لتزفر الاخيرة بوجهٍ مكفهر وهي تتطلع من حولها على الجميع باشمئزاز.
انتهى الجميع من تجهيز الطعام وقُمن بسكبه وجلسن ليتناولوه، جلست كعادتها تُقلب بالملعقة داخل صحنها وهي تتطلع على الطعام بتقزز واشمئزاز، تنهدت حين لاحت بمخيلتها طاولة الطعام الخاصة بقصر علام زين الدين، تذكرت ما كان يُرص فوقها من أصناف طعامٍ متعددة وفاخرة، حزنت لما خسرته ولجسدها الذي أصبح نحيفًا وفقد كثيرًا من الوزن لعزوفها عن طعام السجن المقزز ليقطع شرودها دخول الحارسة التي نطقت بصياحٍ حاد: -نجلا جلال السيد منير.
التفت للخلف تتطلع عليها لتسترسل الأخرى بإعلام: -زيارة
انتفضت من جلوسها لتتحرك سريعًا مع السيدة إلى أن وصلت للمكان المقصود، أسرعت لترتمي داخل احضان والدتها التي تحدثت بدموعها المنهمرة ك كل مرة ترى بها فلذة كبدها بهذا الرداء الأبْيض: -وحشتيني يا نجلا.
ارتمت فوق كتف والدتها لتنهمر دموعها الحبيسة وكأنها لا تجد السبيل لأخراجها سوى بداخلها، رفعت وجهها وجففت دموعها سريعًا لتتحدث على عجالة وهي تجاور والدتها الجلوس فوق تلك الأريكة الخشبية: -طمنيني، قابلتي فؤاد؟
تطلعت للحقائب الموضوعة جانبًا وهي تقول بنظرات زائغة لتغيير الموضوع: -جبت لك لبس وأكل وشوية فواكه من اللي بتحبيها.
تعلم أن والدتها تتهرب من الإجابة لذا سألتها من جديد بنبرة جادة: -إتكلمتي مع فؤاد؟!
تنفست لتنظر أرضًا بخيبة أمل وهي تقول: -ملحقتش، أول ما عِرف إني طالبة أقابله خرج لي برة القصر وكلمني بطريقة زي الزفت قدام ال Security، وسابني ودخل بعد ما وصاهم يطردوني.
رفعت رأسها لتزفر بقوة بعد أن أغمضت عينيها وهي تقول بإصرار: -لازم تحاولي تاني يا ماما، أنا مش هقدر أكمل وأضيع خمس سنين من عمري تاني في السجن.
أجابتها بيأسٍ: -مش هقدر أروح القصر تاني يا نجلا، فؤاد وصى ال Security لو شافوني هناك تاني يطلبوا لي الشرطة ويقدموا بلاغ إني بتهجم عليهم، وأول ما روحت اللي إسمها فريال جت لي لحد البيت وهددتني، لو مبعدتش عن فؤاد هتلبسني أنا كمان تهمة وتجبني أقعد جنبك.
احتدت ملامحها وبلحظة اشتعلت مقلتيها وامتلئت بشرارات الغضب وهي تصيحُ بسخطٍ: -يعني إيه!، هتخافي من كلام اللي إسمها فريال ومش هتحاولي علشاني، إنتِ كمان هتتخلي عني زيهم؟
طبعاً، ما إنتِ عايشة حياتك بتاكلي وتشربي وتنامي على سريرك المفروش بالحرير ومش حاسة بالجحيم اللي أنا عايشة فيه هنا.
نطقت الاخيرة بصراخٍ هيستيري وهي تُلقي اللوم على والدتها لتهتف الأخرى بغضبٍ شديد: -إنتِ كمان هتتعصبي عليا، مش كفاية قلة القيمة اللي شفتها على إيديكِ، بعد ما كان بيضرب لي تعظيم سلام لما بدخل قصر علام زين الدين، بقيت بتطرد منه زي المتسولين وكله بسببك.
رمقت والدتها بحدة لتقابل فايزة نظراتها بمثيلتها وهي تصيح بعدما فاض بها الكيل: -إنتِ إزاي بجحة قوي كده ومش حاسة باللي وصلتينا ليه، مش كفاية إن أبوكِ مات بسببك، الراجل متحملش الفضيحة ومات بعد دخولك السجن بشهر واحد من حسرته عليكِ
واستطردت بحسرة: -وأنا مبقتش عارفة اخرج من بيتي، وبعد ما كنت سيدة مجتمع والكل بيتهافت علشان يتقرب مني، بقى كل اللي يشوفني يتهرب وكأني جرثومة خايفين ل اعديهم.
تمسكت بكفيها كطفلة لتقول بتوسل وكأنها لم تستمع لكل ما قيل: -أرجوكِ يا ماما ماتسبنيش، روحي ل فؤاد تاني وأترجيه، فؤاد بيحبني، قولي له إني مستعدة أعمل له أي حاجة يطلبها مني بس يخرجني من هنا.
هزت الأم رأسها بألم، كم كان قاسيًا رؤيتها لابنتها الوحيدة وهي بتلك الحالة المزرية، شعورًا حقًا مميت وبالغ الألم، تنفست لتتحدث بنبرة إنهزامية لإمرأة خسرت كل شيء بدنياها: -يا بنتي فوقي بقى من أوهامك دي، فؤاد مين اللي لسة بيحبك، إنتِ خونتي جوزك وبيعتيه وكنتي هتدمري له مستقبله كله
لتسترسل بتذكير: -لولا الصدفة كنتي قضيتي على سمعة عيلته اللي قعدوا يبنوها في سنين.
انفجرت ببكاءٍ هيستيري لتقول بندمٍ: -غلطة يا ماما، قولي له غلطة ومش هتتكرر
اتسعت عينيها بحقدٍ لتستطرد بنبرة ساخطة: -كله بسبب الشيطان إلى إسمه محسن، هو اللي خلاني أعمل كده يا ماما.
-مبقاش ينفع الندم خلاص يا بنتي، واهو محسن خد جزائه هو كمان، كلمات نطقتها بإحباط لتسترسل بقلبٍ ينزف على فقدانه لجميع أحبائه دفعةً واحدة: -بسببه خسرت أختي الوحيدة بعد ما قاطعتها بسبب اللي حصل لك من ورا إبنها.
قاطع حديثهم دخول الحارسة التي هتفت بحدة: -الزيارة انتهت.
وقفت لتتحرك بجانب السجانة وهي تهتف بتوصية: -روحي ل فؤاد تاني يا ماما واتكلمي معاه، انا لو فضلت هنا أكتر من كدة ممكن أموت، مش هقدر أكمل بالشكل ده يا ماما.
باتت تصيح بهيستريا إلى أن اختفى صوتها خلف الابواب تحت دموع فايزة وحسرة قلبها على نجلتها الوحيدة التي ضيعت حالها وأبيها بتهورها وانجرافها خلف الشيطان، ولجت نجلا لداخل الزنزانة لتتحرك بجسدٍ هزيل نحو التخت المخصص لها لتُلقي بج. سدها فوقه وتتمدد واضعة رأسها فوق الوسادة الصلبة، تنفست وعادت بذاكرتها للوراء.
إنتبااااااه
«عودة لما مضى».
اصطحب محسن تلك التي سلمت حالها للشيطان وذهبت بصحبته للشقة التي أملى عليه الرجل عنوانها وكانت شقة خاصة بتخليص الصفقات المشبوهة، ولجت بجانبه ليستقبلها الرجل بحفاوة، جلست واتفقت مع الرجل على جلبها للورقة المطلوبة ليسلمها حقيبة سوداء بداخلها ثلاثة ملايين من الجنيهات المصرية، تطلعت على المال بنظراتٍ زائغة وكأنها لم ترى مالاً من قبل برغم مستوى والدها الفوق متوسط ومستوى زوجها الملياردير الذي لم يبخل عليها حيث كانت تقتني ثيابها من أفخم الماركات العالمية وتحصل على كل ما تريد من المجوهرات، وتقوم بإرسال الفواتير لزوجها ليقوم بتسديدها عن طيب خاطر، ابتلعت لعابها وكأنها لم ترى مالاً من قبل لتتحدث مستفسرة بنهمٍ: -إمتى هاخد الأتنين مليون الباقيين؟
تبسم الرجل واتكأ للخلف بغرور وهو يدخن سيجاره بتسلي بعدما رأى جشعها للمال ليجيبها: -بمجرد ما رجالتي تستلم الورقة اللي في الملف ونتأكد إنك بدلتيها بورقتنا اللي هتطلع أخويا براءة، هتاخدي فلوسك وفوقيهم بوسة.
أرفق بكلمته الاخيرة بغمزة وقحة من عينيه لترمقه بحدة بعد تعديه حدود الأدب معها لتُمسك الحقيبة وتهب واقفة وهي تتحدث بامتعاض: -انا هسلم الورقة لمحسن وفلوسي توصلي لحد عندي، مش هاجي هنا تاني.
نفخ بدخان سيجاره ناحيتها بصفاقة ليجيبها ببرود: -أوامرك يا مدام، أهم حاجة الورقة بتاعتنا توصل للملف بتاع القضية قبل سيادة المستشار ما يمسكه علشان يدرسه
واستطرد متكأً على الكلمة: -قبل يا مدام، مش بعد.
-ودي تفرق معاك؟، سؤال وجهته إليه لينطق وهو يميل بعنقه للجهة اليسرى بطريقة متهكمة: -إلا تفرق، إحنا عاوزينه يشوف المستند اللي على بنائه هيبني قرار الإفراج عن أخويا ويقدمه للمحكمة
واستطرد بتذكير: -محسن هيبعت لك صورة الورقة المطلوبة على الواتساب علشان ما تعكيش الدنيا وتجيبي أي ورقة غيرها.
أومأت عدة مرات للتأكيد لتتحرك صوب الباب بهرولة، تأكد محسن من إبتعادها ليهمس بتملق للرجل: -اظن انا كدة عداني العيب ونفذت اللي عليا في الإتفاق، ناقص إنتَ كمان تعمل اللي عليك وتديني نصيبي يا باشا.
سحب نفسًا عميقًا من دخان سيجاره لينفثه صوب عينيه وهو يقول: -تجيب لي الورقة تاخد باقي فلوس السنيورة وتاخد التلاتة مليون بتوعك
ليستطرد بنبرة تهديدية: -بس خليك فاكر باقي إتفاقنا علشان متزعلش، لو اخويا مخرجش براءة، هجيبك حتى لو كنت في بلاد الواق واق.
ابتلع لعابه ليستكمل الاخر محذرًا: -لأن ساعتها هتأكد إن الورقة موصلتش للملف في الوقت اللي أنا عاوزة.
-متقلقش يا باشا، أنا هفهمها على كل حاجة، انتفض على صوت نجلا التي هتفت باستعجال: -يلا يا محسن
-بعد إذن سعادتك يا باشا، نطقها وهو يعظم لذاك المنفوخ الخارج عن القانون والذي اتخذ من أذية الشباب كمصدر دخلاً له حيث اتبع الشيطان وخنق ضميره ليسمح لحاله بالإتجار في المواد المخدرة التي تُتلف عقول الشباب وتقضي على مستقبلهم وأعمارهم أيضاً.
خرجت بصحبة محسن لتتحدث بشراهة: -أنا لازم أروح البنك حالاً قبل ما يقفل علشان احط الفلوس في حسابي.
رد الاخر محذرًا: -مينفعش تحطيها في حسابك اللي فؤاد عارفه يا نجلا، إنتِ ناسية إنه حساب مشترك وأكيد هيوصل له إخطار بالمبلغ.
فتحت فاهها ليسترسل هو بدهاء: -الأضمن تعملي حساب جديد في بنك أجنبي.
وافقته الرأي وذهبت بصحبته ووضعت المال وعادت لمنزلها وكأن شيئًا لم يكن، عاد فؤاد من عمله بنفس الموعد اليومي ليصعد لجناحه ويقوم بأخذ حمامًا دافيء ويعود من جديد للاسفل بصحبة تلك التي قابلته بحفاوة، جلسا سويًا بصحبة العائلة وأثناء تبادلهم للاحاديث وقفت ليسألها فؤاد بهدوء: -رايحة فين يا حبيبتي؟
امسكت بجبهتها لتمثل الألم وهي تقول: -جالي صداع مفاجيء يا فؤاد، هطلع أخد له مسكن وانزل علشان أكمل السهرة معاكم
أمسك كفها ليمنعها من التحرك وهو يقول بهدوء: -خليكِ مرتاحة وأنا هبعت أي حد من الشغالين يجيب لك.
تطلعت إليها عصمت لتقول بتطابق مع رأي نجلها: -إقعدي إرتاحي والبنات هيجيبوا لك المُسكن ويعملوا لك أي عصير فريش.
ارتبك داخلها لكنها سرعان ما تماسكت لتنهي تلك المسألة: -أنا هطلع بنفسي يا طنط علشان عاوزة أدخل التواليت.
ترك فؤاد كفها لتنسحب سريعًا إلى الاعلى، باتت تتلفت حولها بارتعابٍ إلى أن وصلت للحقيبة وفتحتها سريعًا لتخرج الملف وتعبث بمحتوياته بيدان مرتعشتان، اتسعت عينيها حين وجدت الورقة المطلوبة لتبتسم بسعادة وكأنها عثرت على كنزٍ ثمين، بعجالة هرولت لخزانتها لتُخرج الورقة البديلة من تحت طيات ملابسها وتضعها بالحقيبة وتغلقها على الفور وتحتفظ بالمستند الأخر بجيب معطفٍ مُعلق، وضعت يدها فوق ص. درها لتهديء ضربات قلبها وأنفاسها اللاهثة وكأنها كانت تجري بأقصي سرعة داخل سباق، نزلت من جديد وانضمت لجلسة العائلة.
بعد قليل صعد فؤاد وبدأ بفتح حقيبته واخراج الملف وجلس طيلة الليل على دراسته، وباليوم التالي سلمت الورقة إلى محسن واستلمت ما تبقى لها وبعد مرور إسبوع كان موعد محاكمة المتهم وقد حصل على البراءة من المحكمة بناءًا على ما تقدم لديها من تحريات وإثباتات تُثبت براءة المتهم، كانت تجلس داخل النادي تستجم مع صديقاتها اللواتي لاحظن تبذيرها بالمال حتى أنها بدأت بدفع جميع الفواتير الخاصة بخروجتهن بدلاً عنهُن، تفاجأت بمحسن يقف أمامها وهو يقول: -إزيك يا نجلا.
تطلعت عليه من تحت نظارتها الشمسية لتقول باسترخاءٍ تام: -إزيك يا محسن، تعالى إقعد معانا.
قالت الاخيرة وهي تُشير له على إحدى المقاعد ليجيبها باعتراض لطيف: -تعالي نقعد على طربيزة تانية، عاوزك في موضوع مهم.
وقفت وجلست حول طاولة اخرى ليتحدث هو بانتشاء: -جايب لك عملية جديدة، بس المرة دي المبلغ أكبر.
جحظت عينيها لتهتف بحدة غاضبة: -إيه الإسلوب الرخيص اللي بتكلمني بيه ده يا محسن، إنتَ ليه محسسني إنك بتكلم تاجرة مخدرات
واستطردت بصرامة: -وبعدين إنتَ بتكلمني على إن خلاص الموضوع بقى شغل بالنسبة لي، دي مرة وما صدقت إنها عدت على خير، وأكيد مش هكرر المخاطرة دي تاني.
أسند ظهرهُ للخلف وأظهر هدوءًا لا يعكس غضبه الداخلي من تلك الغبية التي ستفسد عليه وتُغلق بوجهه كنز على بابا الذي فُتح أمام عينيه ليمد يده ويغرف منه بلا حساب بسبب غبائها ورعبها الشديد: -إنتِ حُرة، انا بس كُنت مستخسر المبلغ الكبير ده يروح لحد غيرك
واستطرد كالشيطان ليسيل لُعابها على المال: -وزي ما قولت لك قبل كده، الناس دي مبتغلبش، وكده كده هيوصلوا للي عاوزينه سواء عن طريقك أو طريقك غيرك.
لعب الشيطان بها وأخذت تقلب الفكرة بعقلها لتسألهُ بتردُد: -هو المبلغ كام؟
-الضعف، نطقها وهو يُشير بكفاه بوجهها لتهتف بعيونٍ جاحظة: -عشرة مليون.
مال برأسه بإيجاب لتضغط هي على شِ. فتها السُفلى بأسنانها وعلى عجالة هتفت بشره: -أوكِ موافقة
واستطردت سريعًا: -بس دي هتكون أخر مرة يا محسن.
-زي ما تحبي، انا تحت أمرك، نطقها بخُبثٍ بعدما بات متيقنًا انها أصبحت عبدة للمال ولن تستطيع التخلص من شراهة سطوته مهما حاولت، مرت الايام وجاء اليوم المتفق عليه، وفعلت كالمرة السابقة حيث استغلت غياب زوجها بالأسفل وانشغاله مع عائلته وقامت بتبديل الأوراق المُدينة وتلك المرة كانت القضية أصعب، حيث كانت قتلٍ عمد مع سبق الإصرار والترصد، باليوم التالي ذهبت مع مُحسن إلى منزلاً هائل بإحدى المناطق الحديثة المصممة على الطراز الإيطالي، دخلت واستقبلها مالك المنزل وجلسوا ليتحدثوا وما ان شرعت بتسليمها المستند واستلام المبلغ المتفق عليه حتى انتفض الجميع رُعبًا حين اقتحمت رجال الشرطة المكان ليصيح مالك المنزل قائلاً بحدة: -إنتوا مين، وإزاي تقتحموا بيتي بالطريقة دي؟!
انتفض ج. سد نجلا وبات يرتعش رُعبًا وهي تُمسك بساعد محسن متشبثة به ليتحدث الشرطي وهو يقوم بإشهار ورقة بوجهه: -معانا أمر من النيابة بالقبض عليكم وتحريز المستند وشنطة الفلوس.
-مستند إيه اللي بتتكلم عنه، نطقها لينفي التهمة عنه لتستمع لأخر صوت تريد الأستماع إليه الأن: -المستند اللي مراتي المحترمة سرقته من شنطة جوزها وكيل النائب العام وجت لك بكل رُخص علشان تقبض الثمن.
عند نطقه لكلماته الاخيرة كان قد وصل ليقابلها الوقوف ينظر لعينيها بجمودٍ واحتقار العالم اجمع تكونت بنظراته لها، خرج صوتها مرتعشًا وهي تقول بتوسُل مدعية الإنكار: -أنا مليش علاقة بأي حاجة يا فؤاد، أنا اتعمل عليا خطة ودخلوني في اللعبة علشان يشوهوا سمعتك عن طريقي.
قالت كلماتها بارتجاف لتستدير تطالع إبن خالتها وهي تُلقي بالتهمة عليه: -محسن، محسن هو اللي عمل كل ده.
ظهر التوتر على ملامح الاخر ليهتف وهو ينظر إلى فؤاد بإرتباك: -متصدقهاش يا سيادة المستشار، دي كذابة، الموضوع كله حصل بموافقتها وبمزاجها
واستطرد متنصلاً: -انا أصلاً معرفش أي حاجة، دي هي اللي اتصلت عليا وقالت لي إنها عوزاني أروح معاها مشوار مهم.
-كذاب، نطقتها بصراخ ليهتف صاحب البيت محتقرًا غباء ذاك الثنائي المنقطع النظير: -إنتَ بتقول إيه إنتَ وهي، هتودونا في داهية الله يخرب بيوتكم.
خرج صوت فؤاد قويٍ حيث قال: -مفيش داعي للإنكار لأنه مش هيفيدكم، العملية كاملة متسجلة صوت وصورة من أول ما المدام سرقت المستند من قلب شنتطي في اوضتي، لحد اللحظة الحلوة اللي إحنا متجمعين فيها دي.
انتهى من حديثه ليُشير بسبابته إلى الاعلى وعيون الجميع معلقه معه باتجاه النجفة المعلقة مرورًا بالحوائط وحتى مزهريات الزهور الموضوعة فوق الطاولات، حيث قامت النيابة العامة بإخراج تصريح يسمح بزرع كاميرات صوت وصورة بداخل جناح فؤاد حيت زرعها هو بنفسه لتصوير زوجته لإثبات التهمة وجعلها قضية مكتملة الأركان، وتواصلت الشرطة مع أحد العاملين بالمنزل ليقوم بزرع الكاميرات بالمنزل الذي سيتم به التسليم والذي تم معرفته حسبما استمعوه من المكالمة التي تمت بين نجلا ومحسن وهما يتفقان، حيث وضعا هاتفهما تحت المراقبة لكشف ملابسات القضية بالكامل.
نظرت إليه بذهول ليبتسم إليها بخيبة أمل ويعود بذاكرته لما قبل الثلاثة أسابيع، حيث كان يجلس بأحد الكافيهات يحتسي كأسًا من العصير الطازچ بعدما شعر لحاجته بتغيير روتينه وقرر الذهاب لذاك الكافية، ليقتحم أحد للرجال خلوته حين تحدث قائلاً بلباقة: -مساء الخير يا سيادة المستشار
رفع بصره يتطلع عليه باستغراب ليسترسل الاخر: -ممكن أخد من وقت سعادتك عشر دقايق.
-حضرتك تعرفني؟!
أجابهُ الرجل بتفخيم: -سيادة المستشار فؤاد زين الدين نار على علم يا باشا، نطقها ثم استطرد: -تسمح لي اقعد
أشار له ليجلس الرجل ويتحدث: -مش هعطل حضرتك وهدخل في الموضوع على طول
تحمحم ليسترسل: -انا عندي قضية خاصة بإبني وهتتقدم لسعادتك الإسبوع الجاي، وكنت طمعان في كرم معاليك وأي مبلغ هتقول عليه إعتبره وصل لحسابك البنكي.
اشتعلت عيونه لتمتليء بشرارات ال?ضب وهو يقول بسخطٍ ارعب الرجل: -إنتَ بتقول إيه يا بني أدم إنتَ، إنتَ بتعرض عليا رشوة؟!
ليسترسل متعجبًا: -منين جت لك الجرأة اللي تخليك تقف قدام فؤاد إبن المستشار علام زين الدين، وبكل وقاحة تعرض عليه رشوة، نطقها بعيون تطلق اسهمة نارية ليهتف الرجل مرتبكًا: -حقك عليا يا باشا، انا والله جيت لك بعد الكلام اللي سمعته مراتي من واحدة صاحبتها.
ضيق فؤاد بين حاجبيه لينتبه جهاز الرادار لديه ملتقطًا تلك الكلمات التي بالطبع لن يمررها مرور الكرام ويدع الغضب يتملك منه، تحدث بنبرة ثابتة وعينين كصقرٍ جريح: -وياترى إيه بقى اللي سمعته مراتك من صاحبتها وخلاك تتجرأ وتيجي لحد عندي.
ابتلع الرجل ريقه ليسترسل فؤاد ما جعل الرجل ينتفض: -تحكي لي حالاً كل اللي تعرفه واتقال لك وبكل صراحة، وإلا مش هتقوم من هنا غير وإنتَ لابس قضية عرض رشوة على وكيل نائب عام وعندي الشهود.
ارتجفت أوصال الرجل وبدأ يخبره بأن صديقة زوجته أتت إليها كي تواسيها حيث تم القبض على نجلها بقضية حيازة قطعة كبيرة من مخدر الحشيش، واثناء تبادلهما للحديث اخبرتها صديقتها ان زوجها قد عثر على أحد وكلاء النيابة بنفس الدائرة يقوم بأخذ مبلغًا من المال مقابل إتلاف الدلائل واعطتها اسمه، كان يستمع للرجل وكل ذرة بج. سده تحترق.
قام بتهديد الرجل إذا علم احدًا بما دار بينهما فسوف يقوم بتقديم بلاغ رسمي يتهمه بتضليل العدالة وعرض رشوة على موظف عام، وطلب منه السرية التامة للإيقاع بهولاء الخارجين عن القانون الذين يحاولون بزج إسمه لتشوية صورته كرجل قانون لديه من النزاهة ما يكفي للحصول على وسام الشرف، وقد عاهده الرجل على ذلك خشيةً الزج به داخل السجن، خرج من المكان كالثور الهائج بات يفكر ويُفكر كيف يبدأ تحرياته لكشف غموض تلك القصة، بالفعل اتفق مع فريق البحث الخاص به وبدأوا بمراقبة الرجل الذي حصل على اسمه من ذاك الشخص، قاموا بمراقبة هواتفه وتتبع الشخص ذاته وجميع أفراد أسرته، وأثناء مراقبتهم وجدوه يتردد على شقة علموا من التحريات انها خاصة بتخليصه لاعماله المخالفة للقانون فامرهم فؤاد بالعثور على الكاميرات الخاصة بالبناية المتواجد بها الشقة وأيضًا الكاميرات الخاصة بالمحال المحاطة بالبناية ومراجعة أخر أربعة أسابيع حيث موعد قضية شقيقه حينها، بالفعل عثر الفريق على تلك التسجيلات وأثناء مراجعته للتسجيلات ذُهل حينما وجد زوجته تدخل البناية بصحبة محسن إبن خالتها وبعد حوالي النصف ساعة كانت تخرج وهي تحمل بكلتا يداها حقيبة سوداء لاول مرة يراها.
تشتت ذهنه ولم يعد يستوعب ما رأته عينيه ليتجاوز الصدمة سريعًا فليس هذا الوقت المناسب للإنهيار، فالأولى إنقاذ سُمعته وسُمعة عائلته وبعد ذلك سيجلس مع حاله ويحاسبها على تقصيرها ومنحها الثقة لغير المستحق، تتبع اسمها بالبنوك حتى وصل لحسابٍ خفي بأحد البنوك الأجنبية وبه مبلغًا من المال وقد علم ان أصل المبلغ الذي قامت بإيداعه خمسة ملايين، على الفور اتجه لوالده وسرد عليه ما حدث ليصطحبه وذهبا للنائب العام وأطلعاه على القصة من جميع الجوانب، وقد أمر النائب العام بتشديد المراقبة على نجلا والمدعو محسن للإيقاع بهما وتم زرع كاميرات بالجناح الخاص ب فؤاد بعدما قام بتفتيش خزانتها وعثر على صورة لسونار كانت قد قامت به للتأكد من الحمل وكيفية التخلص منه ومن سوء حظها غفلت عن التخلص من تلك الورقة ليعثر عليها فؤاد داخل إحدى حقائب يدها الخاصة، وعثر أيضًا على عُلبة تحتوي على نفس نوع الدواء الذي وجده بحوزتها بالسابق والخاص بمنع الح. مل.
فقط الذهول هو من سيطر عليه، لم يستطع عقله استيعاب أن من اختارها من بين كل نساء الدنيا ليسلمها قلبه واسمه واسم عائلته هي من طعنته وبدون رحمة، الأسم الذي بذل أباه الغالي والنفيس وعاش بشرف ونزاهة لبناءه طيلة سنواته التي قضاها في خدمة الوطن وهيئة القضاء، متأملاً أن يتوارثه نجلهُ ومن بعده أحفاده التي قتلتهم تلك الحقيرة بدمٍ بارد ليكتشف كم كان يحيا حياةً زائفة مضللة، سنواتٌ بائسة قضاها داخل احضان تلك الحية الرقطاء ليكتشف بالنهاية أنه رجلاً تم تغفيله على يد إمرأة، وإيه إمرأة يا سادة، إمرأته التي كان يغفو بجانبها معطيًا لها كل الأمان.
«عودة للوقت الحالي»
رمقها بنظرة يملؤها الإشمئزاز لينزل على وجنتها بصفعة جعلت من شعرها يتبعثر ليهتف بنبرة حادة: -دي علشان خيانتك لأمانة شغلي
رفعت وجهها تتطلع عليه بذهول ليباغتها بأخرى أقوى وهو يردد بنبرة يملؤها القهر: -ودي علشان خيانتك لأمانة إبني اللي قتلتيه من غير رحمة ولا إنسانية.
جحظت عينيها بحيرة، كيف علم بأمر الجنين، ليصفعها من جديد قائلاً: -ودي علشان تلويثك لإسم عيلتي اللي عمرك ما كنتِ جديرة بيه.
أمسك شعرها وجذبها مقربًا وجهها له ليسترسل بفحيحًا يشبه الأفعى الغاضبة: -وإدعي لأسم أبويا لأن لولا إني خفت عليه ل يتلوث كنت لبستك قضية زنا مع الرجالة اللي بتدخلي شققهم يا رخيصة، ده غير قضية خيانتك للامانة وسرقة مستند قوي وتضليل العدالة، ده غير قضية قتل إبني.
واسترسل متذكرًا: -على ذكر قتل إبني صحيح، الدكتور الزبالة اللي ساعدك إنك تتخلصي من عار حملك في طفل من عيلة الزين، سبقك على الزنزانة بعد ما العيادة بتاعته اتشمعت، وان شاء الله هشطب إسمه من النقابة علشان لما يخرج من السجن بعد كام سنة ميلاقيش مهنة تلم الحثالة أمثاله.
اقترب عليه الضابط المسؤل عن الحملة ليقول وهو يحاول تخليص خصلات تلك الصارخة من قبضة يده الحديدية: -هدي نفسك يا باشا، سيبها للقانون وهو هيربيها.
-حاجة أخيرة بعد إذنك، نطقها فؤاد ليبتعد الشُرطي ليسترسل الاخر وهو يرمقها بعينين تنطق بجميع عبارات السب والاحتقار: -قبل ما تتحركي خطوة واحدة لطريقك للسجن، لازم انضف إسمي وإسم عيلتي،
0ليسترسل بقوة: -إنتِ طالق.
تساقطت الدموع من عينيها بغزارة لتدوي صرخاتها بالمكان بعدما اصيبت بنوبة هلع هستيرية وهي ترى رجال الأمن يصطحبوها للزج بها داخل السجن: -ما تخليهمش ياخدوني يا فؤاد، أرجوك سامحني وأنا هعيش خدامة تحت رجليك، هخلف لك الولد اللي نفسك فيه، والله هبطل الحبوب وهجيب لك البيبي اللي بتحلم بيه، فؤاااااااد
صرخت بها بجنون وهي تتشبث بذاك الباب الحديدي في مقاومة منها لعدم الخروج.
انتهت التحقيقات وجاء موعد المحاكمة التي زلزلت أركان المحكمة وكتب هذا اليوم بتاريخ المحاكمات ووصفه بعض المهتمين بالشأن بالاكثر تأثيرًا حيث وقف فؤاد كالاسد الجريح يشهد على كل ما اقترفته تلك المجرمة بحقه وحق عائلته من جرائم وأفعال تقشعر لها الأبدان وكل هذا مُثبت بالصوت والصورة مما جعل القاضي ينطق بالحكم عليها بالسجن المشدد لمدة سبعة أعوام مع الشغل والنفاذ.
«عودة للحاضر»
انتفضت جميع السجينات على أثر تلك التي صرخت بعزم ما بصوتها وهي تصيح ودموع الندم تسيل كشلالٍ فوق وجنتيها: -فؤاااااااد
قالتها بصراخ هيستيري لتنتفض من فراشها وتهرول لباب الحجز ممسكة بالسياج الحديدي وهي تصرخ بكامل صوتها: - تعالى خرجني من هنا يا فؤاد، والله ما هزعلك تاني، أنا خلاص إتعلمت الدرس ومش هزعلك تاني، فؤاااااااد.
-ماتتلمي يا بت في ليلة أمك السودة دي، هو أحنا مش هنخلص من جنان اهلك ده، يخربيتك على بيت فؤاد في ليلة واحدة، كلماتٍ حادة صرخت بها إحدى السجينات التي انتفضت من جلوسها على أثر صرخات تلك المرأة العجيبة المتعايشة داخل قوقعة الماضي وترفض الخروج والتعايش مع حاضرها المرير.
مع غروب شمس اليوم التالي.
وقفت أمام خزانة ملابسها لتنتقي ثوبًا يليق بوقارها الذي اتخذته دربًا ونجحت بفرضه على الجميع، عاشت بمدينة لم تكن يومًا بمدينتها وإناسًا لم يشبهونها بشييءٍ، ومع هذا لم يستطع أحدًا تخطي حدود الأدب أو اللباقة معها، تبسمت حين وقعت عينيها على تلك البدلة النسائية الكلاسيكية المكونة من بنطال وبليزر، ابتسمت وشرعت بارتدائها لتقف تتطلع على انعكاسها بالمرأة لتنبهر بجمالها الساحر، فقد منحتها البذلة إطلالة عصرية جذابة لتبدو أنيقة للغاية وبالاخص ذاك اللون القرمذي الذي اضفى على لون بشرتها الفاتحة لتضوي وتشع نورًا، وضعت بعض الرتوش من مساحيق التجميل الخفيفة لتبدو أكثر سحرًا وإشراقا، حملت حقيبة يدها وخرجت من الحجرة لتجد والدها يجلس بجوار صغيرها وهما يشاهدان فيلمًا للرسوم المتحركة، لتفاجيء بعزة خارجة من غرفتها مرتدية ملابس خروج لتقترب عليها وهي تقول: -خديني معاكِ هروح أزور شهيرة وابقي عدي عليا وإنتِ راجعة.
ابتسمت حين تأكدت أن تلك الخلوق لم ترد الجلوس بمفردها مع رجلاً غريب بنفس المكان، لذا قررت الذهاب لصديقتها الماكثة بنفس الشارع والتي تعرفت عليها من خلال زياراتهما للمتجر لشراء احتياجات المنزل، هزت رأسها لتلتفت لوالدها وهي تقول: -أنا خارجة يا بابا، هروح المشوار اللي قولت لك عليه وإن شاء الله مش هتأخر.
أومأ لها بابتسامة واجاب: -ربنا معاكِ ويجعله في ميزان حسناتك يا بنتي.
-مش عاوز حاجة أجيبها لك معايا يا حبيبي، نطقتها بعينين تشعان حنانًا ليجيبها بقلبٍ يرتجف من فيض حنان عيناها: -هو أنتِ مخلياني عاوز حاجة من ساعة ما جيت يا بنتي
تبسمت له وتحركت لتستق سيارتها بطريقها للعنوان.
وصل فؤاد إلى الفندق قبل الموعد بعشرة دقائق ليكون باستقبالهم، دخل بهيبة تدعو كل من يراه للإنبهار، كانت طلته ملفتة للنظر للغاية حيث كان يرتدي بذلة مودرن، بليزر من اللون الأسود وقميصًا لونهُ بينك هاديء وبنطال من الچينز الأزرق مما أعطاه مظهرًا عصريًا وقلل من سنوات عمره فمن يراه لا يعطيه ثلاثون عام?ا على الأكثر، تحرك للمكان الذي احتجزه مسبقًا وجلس بكل وقار واضعًا ساقًا فوق الاخرى وبدون وعيًا منه سلط مقلتيه على مدخل المكان وبات ينظر بتمعُن وجسدٍ مشدود، مرت خمس دقائق وعينيه لم تفارق المدخل إلى أن رأها وهي تدخل من الباب، توسع بؤبؤ عينيه حين رأها بكل تلك الإنوثة، كم كانت رائعة جذابة، لم تدم انتشائت روحه التي شملته لكثير حين انقلب الحال من سعادة وانتشاء ل تعجب وهو ينظر عليها بجبينٍ مُقطب وعلى ذاك المجاور لها والذي كان يتحدث إليها بتودُد تقابله هي بابتسامة هادئة، وقف عند العاملة التي كانت تستقبل الوافدين لتخلع عنه معطفهُ ويبادر هو بالتحرك ليشعر فؤاد باشتعالٍ اقتحم اوردته بل وجسده بالكامل حين لمح أحمد وهو يقف خلفها مباشرةً ليخلع عنها معطفها ويسلمهُ للعاملة التي اصطحبته هو ومعطفه وتحركت لمقر تعليقهما حسب بروتوكول المكان.
مازاد من حدة اشتعاله هو إبتسامتها الساحرة التي اهدتهُ بها ليبادلها الاخر باخرى مثيلتها ويشير لها لتتحرك للامام وبالفعل تحركت ليجاورها الدخول إلى أن وصلا للمكان الذي حجزهُ فؤاد وأصر تحمل جميع المصاريف بأكملها من ماله الخاص، إنبهرت وهي تنظر للمكان والترتيبات فقد كان المكان المخصص لهم أشبه بجلسة للملوك، وقف لاستقبالهما حين اقتربا عليه لتقع عينيها على هيأتهِ لينتفض داخلها، فقد كانت طلتهِ مبهرة وساحرة تسر الناظرين إليه، لم يكن حالهُ بأفضل منها فقد أسرت روحهُ بمظهرها الساحر وذاك اللون القرمذي الذي يراهُ عليها لأول مرة، فمنذ أن رأها وهي تتشح بالسواد.
أقبل عليه أحمد وبسط ذراعه للمصافحة وتحدث بنبرة هادئة: -مساء الخير يا جناب المستشار
بادلهُ السلام لتتحدث هي دون المصافحة مما أثار حفيظته: -إزي حضرتك يا أفندم.
-تمام الحمدلله، نطقها باقتضاب ووجهٍ مُبهم مما دعى لتعجبها لكنها سُرعان ما نفضت عنها ذاك الشعور عندما أشار لهما بالجلوس ليبادر بسؤالٍ ل أحمد: -هو أيمن بيه مجاش معاكم ليه؟!
تحمحم أحمد ليجيبه وهو يعتدل بجلسته: -الباشا جاي في الطريق، دقايق وهيبقى هنا
تعجب ليسأله من جديد وهو يتناقل ببصرهِ بينهما: -هو أنتوا جايين مع بعض؟
تعجبت سؤالهُ المتطفل ليجيبه أحمد بهدوء طمأن قلب الاخر: -أنا جاي من المستشفى على هنا على طول لأن كان عندي عملية مهمة
ثم طالع الاخرى وأجابه مشيرًا بكفه صوبها: -وإتقابلنا انا وإيثار برة عند مدخل الفندق.
أومأ برأسه ليسألهما بلباقة: -تحبوا تشربوا حاجة؟
خرج صوتها متزنًا وهي تقول: -خلينا لما الكل يوصل أفضل
اكتفى بهزة من رأسه ليسألهما من جديد: -بفكر أخليهم يجهزوا لنا عشا، إيه رأيكم.
قال أحمد بتسرع: -انا عن نفسي مابتعشاش غير مع مراتي، لأنها بتستناني واليوم اللي باكل فيه بره لايمكن تدوق الاكل.
لا يعلم لما انتعش قلبه لسماعه لذاك الرجل العاشق لزوجته وما زاد من شعوره بالإطمئنان هو رد تلك الرقيقة عليه حيث قالت: -ربنا يخليكم لبعض، مدام سالي مفيش أطيب منها
لتستطرد هي الاخرى معتذرة: -أنا كمان مابتعشاش غير مع إبني.
اومأ لهما ثم وقف ثلاثتهم لاستقبال أيمن الذي ولج للتو وتلاه صلاح الذي حضر بصحبة نجله هيثم تحدث فؤاد بوقارٍ حيث بدأ حديثه مستشهدًا ببعض الأيات القرأنية عن فضل التسامح والعفو ونشرهما بالمجتمع وبات يتحدث بطريقة سلسة جعلت الجميع منصتون له بتمعُن، وقد تصافا الطرفين وتواعدا ألا يعودا أحدهما لاخلال الوعد واخبرهما فؤاد أن عليهما الذهاب لمبنى النيابة غدًا لإتمام المصالحة من خلال محضر رسمي مثبت به بنود المصالحة ووضع كلًا منهما إمضته عليه للتأكيد، وبعدها اقترح أيمن على صلاح بأن يتشاركا بمشروعٍ جديد يطلقاه معًا لتوطيد العلاقة اكثر، وافق صلاح مرحبًا ليتحدث أيمن موجهًا حديثه للجميع: -على بركة الله، وإن شاء الله هعمل حفلة كبيرة الإسبوع ده وهنعلن فيها عن إطلاق المشروع علشان السوق كله يعرف إن المشاكل اللي بينا إنتهت.
-هايل يا باشمهندس، فكرة الحفلة ممتازة، نطقها باستحسان ليسترسل بإبانة: -هتهدي الدنيا وتوقف إستغلال المنافسين ليكم للموقف واللي كانوا بيحاولوا يولعوا الدنيا بينكم علشان مصالحهم الشخصية.
كانت تستمع إليه بعيون منبهرة بذكائه الحاد وشخصيته المسيطرة التي طغت لتجعل كل الحضور صامتون ينصتون إليه وكأنه ألقى بتعويذة سحرية على الجميع، تطلعت لعينيه بانجذاب وكأنها مسلوبة الإرادة أمام بحر عينيه لتقول بإثناء: -بصراحة أنا مبهورة باللي حضرتك عملته يا سيادة المستشار
ابتسم لها بهدوء وشكرها.
إنتهى الإجتماع وتحرك الجميع متجهين صوب الجراچ الخاص بالفندق استعدادًا للتحرك بسياراتهم كلٍ لوجهته، وقفت بجانب سيارتها وهمت بفتح الباب لكنها توقفت حين استمعت لصوته وهو يسألها: -هتيجي الحفلة؟
التفتت إليه لتجيبه بصوتٍ هاديء: -أكيد، أي حفلة خاصة بالشركة أنا اللي برتبها، ومن الطبيعي أكون موجودة علشان أشرف على كل حاجة بنفسي
هشوفك هناك، نطقها بعينين ساحرتين لتجيبهُ بصوتٍ متأثرًا بشعاع عينيه: -إن شاء الله.
تحرك بطريقه لسيارته لتستقل هي مقعدها استعدادًا لانطلاقها ليباغتها بعدما أدخل رأسهُ من نافذة السيارة مقترب?ا من وجهها لتلفح رائحة نفسه العطرة وجنتها وهو يقول بصوت جعل من قلبها ثائرًا منتفضًا: -على فكرة، اللون النبيتي يجنن عليكِ، ياريت تكتري منه.
انتهى من كلماته الساحرة ليغمز لها بعينيه بطريقه أذابت قلبها وجعلت قشعريرة لذيذة تسري بجسدها بالكامل قبل أن يبتعد ليستقل سيارته منطلقًا بعدما لوح لها بكف يده، يالله، ماذا فعل بها، لقد ألقي بتعويذة سحره الخاصة عليها وانطلق تاركًا إياها غارقة بسحره الذي لا يقاوم، رحل هو بينما رائحة عطره المميز ظلت لتحتويها وتنقلها لعالمٍ أخر جديدًا عليها، استفاقت بعدما استمعت لصوت رجل الامن وهو يسألها باهتمام: -إنتِ كويسة يا هانم؟
هااا، نطقتها ببلاهة لتسترسل بعدما وعت على حالها وبدأت تدير محرك السيارة: -معلش اصلي سرحت شوية.
انطلقت بسيارتها لتقودها بقلبٍ هائم وعينيه الساحرة لم تتركها لتراها تحوم حولها بجميع الزوايا وكأنها تحاصرها، تعالت ضربات قلبها المندفعة حتى أنها كانت تستمع إليها لتتنهدُ بانتشاءٍ وحالة من الوله تسيطر على كل ذرة بكيانها.
