رواية انا لها شمس الفصل الاول 1 والثاني 2بقلم روز امين
شخصيات رواية أنا لها شمس
عائلة غانم الجوهري
- البطلة: إيثار غانم الجوهري، تبلغ من العمر ثمانيةً وعشرون عامًا، ممشوقة القوام تمتلك جسدًا أنثويًا تُخفي معالمهُ خلف الثياب العملية التي ترتديها دائمًا والمكونة من بِذَل نسائية كلاسيكية مما أعطاها مظهرًا جادًا أكدته تلك النظارة الطبية التي ترتديها بجانب رسمها للجدية فوق ملامحها، تمتلكُ عينين واسعتين ذات أهدابٍ كثيفة مما جعل من عسليتيها ساحرة لمن ينظر بهما رغم إكفهرار ملامحها طيلة الوقت، تخرجت من كلية التجارة قسم إدارة أعمال لتعمل مديرة مكتب لشركة عريقة في مجال الإستيراد والتصدير، مُطلقة ولديها طفل يُدعى يوسف في السادسة من عمره
- والدها: غانم محمد الجوهري، رجل بسيط أمّي، فلاح مكافح يمتلك قطعة أرض صغيرة استطاع من خلالها تربية أولاده الأربع بشرف ونزاهة، ضعيف الشخصية أمام ابناءه وزوجته لذا اختار الصمت للنأي بحاله من المناوشات والجدل الذي لا يجدي نفعًا معهم
- الأم: منيرة عبدالحليم، إمرأة في بداية عقدها السادس بسيطة التفكير تعشق أبناءها الذكور وتفعل كل ما بوسعها لأجلهم وتضحي بالغالي والنفيس حتى بإبنتها الوحيدة في سبيل مستقبل أفضل لذكورها
- الشقيق الأكبر: عزيز غانم، في نهاية العقد الثالث من عمره متسلط جشع يحقد على شقيقته كونها استطاعت إكمال دراستها الجامعية بينما هو حصل على مؤهل متوسط
- نسرين: زوجة "عزيز" البالغة من العمر الثانية والثلاثون عامًا لديهم ثلاثة أبناء، غانم البالغ من العمر الثانية عشر و جودي ثمانية أعوام والإبنة الصغرى سما ذات الخمس سنوات.
- الإبن الثالث: وجدي البالغ من العمر الخامس والثلاثون، حنون لكنه يتحرك باتجاه التيار وللمصلحة العامة يشبه أبيه كثيرًا بطباعه، متزوج من نوارة التي تصغر إيثار بثلاثة أعوام، لديه ولدان، خالد وأيهم
عائلة علام زين الدين
- البطل: فؤاد علام زين الدين
وكيل للنائب العام، ذو الستةُ والثلاثون عامًا، يتمتع بملامح رجولية جذابة، شخصية قيادية صارمة يمتلك كاريزما ولباقة وقدرة فائقة على إدارة الحديث بشكل لافت للاهتمام، ممشوق القوام يتمتع بجسد رياضي جذاب، بشرته حنطية وجههُ مستطيل يمتلك عينين حادتين سوداويتين ورموشٍ كثيفة، ولحية نامية محددة يعتليها شارب خفيف زاد من وسامته، مغرور بعض الشيء، كاره للنساء نتيجة لتجربة مر بها هدمت كيانه وهزت ثقتهُ بحاله حينها ولولا قوته وقوة عائلته التي ساندته بكل ما لديها من قوة لتدمر كُليًا وما عاد كما رأيناه مجددًا
- والدهُ: سيادة المستشار "علام زين الدين"أحد أعضاء هيئة المحكمة الدستورية العليا، رجل حكيم رصين يمتلك من القلب والعقل ما أوصلاه لذاك المنصب الراقي
- والدته: دكتورة" عصمت الدويري" أستاذ القانون الجنائي بكلية الحقوق جامعة القاهرة، إمرأة راقية عاقلة حكيمة تعشق نجلاها
- شقيقته: "فريال"إبنة الثانية والثلاثون عامًا، فقد إختار علام اسماء نجله وابنته تيمنًا بأسماء ملوك مصر السابقين لكي يصبح شأنهم بأهمية اسمائهم
متزوجة من"ماجد "المعيد بكلية الحقوق ذاتها التي تعمل بها والدة زوجته، يسكن معهم بنفس القصر ولديه طفلان، بيسان وفؤاد.
عائلة نصر البنهاوي
- طليق إيثار: عمرو أصغر أبناء نصر البنهاوي والمدلل لدى العائلة، يبلغ من العمر الخامس والثلاثون متزوج من"سُمية"ذات الثمانية والعشرون عامًا ولديهما طفلة وحيدة تُدعى"زينة "ذات الأربع سنوات
- الاب: نصر البنهاوي رجل ظالم، ترشح ليُصبح عضوًا بمجلس الشعب ليتخذ من عضويته تلك ستارًا لتجارته الغير مشروعة بتهريب الأثار
- زوجته: إجلال ناصف، إمرأة قوية لا تملك قلبًا وتعشق عمرو لكونه الوحيد الذي ورث ملامح والدها الحاج ناصف التي تعتز بكونها ابنة ذاك الاسطورة من خلال وجهة نظرها
- الشقيق الأكبر لعمرو: طلعت الذي تخطى عامه الاربعون، زوجته ياسمين ولدية ثلاثة فتيات
- الشقيق الاوسط: حسين وزوجته"مروة"ولديهما طفل وطفلة
عائلة أيمن الاباصيري
- أيمن الأباصيري: مدير الشركة التي تعمل بها إيثار والذي تخطي عامه الستون بخمسة أعوام، يمتلك قلبًا حنون مما جعله يتخذ من إيثار كإبنة له نظرًا لظروفها الخاصة
- زوجته" نيلي" إمرأة جميلة مدللة، لديه إبن يُدعى أحمد طبيب جراح ويمتلك مشفى استثماري خاص به أسسها له والده، زوجته "سالي"
- لارا إبنة أيمن سنتعرف على قصتها لاحقًا.
اقتباس من الرواية
جحظت عينيها بعدما وجدت ذاك المسكين مُلقى على الأرض غارقًا وسط دمائه البريئة التي سالت بدون ذنب، لتصرخ بكامل صوتها ناطقتًا باسمه وهي تنطلق إلى موضع رقوده: -كرررررريم.
هرول رجال الحراسة التابعة للشركة إلى أيمن كي يؤمنوه من أية محاولاتٍ لاعتداءاتٍ أخرى محتملة، قاموا بإحاطته جيدًا كسياجٍ بحيث لا يُخترق حتى من نملةٍ ثم أنزلوه ليحتمي خلف السيارة، بطريقةٍ تلقائية وضع أيمن كفي يديه فوق رأسه ليحتمي من تلك الطلقات المتراشقة بين رجال الحراسة التابعين له وبين هؤلاء المُقنعين الذين خرجوا من العدم، أما هي فلن تكترث لتلك الطلقات وبشجاعةٍ تُحسد عليها هرولت لذاك المسكين وباتت تتفحصهُ بعينيها لتهتف متلهفة: -رد عليا يا كريم، رد عليا ارجوك.
تأملت أن يُطمئنها ولو بكلمة بسيطة منه ولكنها صُعقت بعدما تحدث أحد الرجال الذي تشجع وإنضم إليها كي يفحص ذاك الكريم متجاهلاً تراشق الطلقات التي قد تصيبهُ: -لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، النفس إنقطع، الظاهر إن الطلقة جت له في مقتل
هزت رأسها بعدم تصديق وهي تنظر إليه لتهتف بذهولٍ: -إنتَ بتقول ايه، اكيد ما متش، ده كان لسة بيكلمني وإحنا فوق، مستحيل
لتصرخ في محاولة بائسة منها علهُ يستفيق وينتبه لصرخاتها: - كررررريم.
وبرغم رُعب أيمن مما حدث معهُ للتو من محاولة إغتيال دنيئة إلا أنهُ نظر إلى تلك الصارخة بعدما انتبه لصرخاتها المتوالية ليتحدث بأمرٍ إلى بعض رجاله المحاطين له بعدما انتهى صوت إطلاق الرصاص وتيقن من هروب المعتدين بعدما فشلوا في إتمام مهمتهم: -روحوا ل إيثار وأحموها وهاتوها لعندي حالاً، وحد فيكم يتصل بالشُرطة ويبلغها بالهجوم اللي حصل
نطق كلماته قبل أن يفرد قامتهُ معتدلاً ليتحرك سريعًا لداخل مقر الشركة وحولهُ حائطًا بشريًا مكون من رجال الأمن الشخصي ذوات الأجساد الضخمة يتحركوا بحذرٍ وهم يحملون اسلحتهم المشهرة لمواجهة أي هجومٍ أخر.
هرول رجلين إليها ليتحدث أحدهم وهو يتلفت حولهُ بعينين كالصقر حاملاً سلاحهُ بوضع الإستعداد: -إتفضلي معانا جوة الشركة لحد ما ننشط المكان ونأمنه يا افندم
إتصل بالإسعاف بسرعة، كريم بيموت، كانت تلك كلماتها المتوسلة لذاك الشخص قبل أن يتحدث الشخص الأول مرةً أخرى: -للاسف يا أستاذة، كريم مات خلاص
ليُكمل بعينين أسفتين: -البقية في حياتك
اتسعت عينيها وهي تنظر إليه لتهتف بقلبٍ صارخ متألم لأجل ذاك الخلوق: -إسكت حرام عليك، أكيد لسة عايش، الدكاترة أكيد هيسعفوه وهيبقى كويس
بسط أحد رجال الحراسة يدهُ وتحدث إليها باقتضاب: -اتفضلي معايا يا أستاذة إيثار، الباشا مستنيكِ جوة وميصحش نتأخر عليه.
رمقتهُ بحِدة وبطريقة عنيفة نفضت يده بعيدًا لتهتف حانقة: -أنا مش هتحرك من هنا قبل الإسعاف ماتيجي.
الباشا أمر إنك لازم تدخلي حالاً، فأحسن لك تسمعي الكلام وتقومي معايا وما تضطرنيش اتعامل معاكِ بالقوة، هكذا تحدث أحد الشخصين بحِدة وفظاظة وهو يجذبها من رسغها قبل أن تدفعهُ بعيدًا عنها نافضة يدها من لمسته لتنظر إليه بعينين حادتين كنظرات الصقر وهي تهتف بسُبابٍ: -إبعد إيدك عني يا حيوان
كاد أن يقترب ويجذبها مرةً أخرى ليتحرك بها إلى الداخل عنوةً عنها لولا صديقه الذي اقترب منه وجذبهُ ليبتعدا قليلاً ثم هتف ناهرًا إياه بحدة: -إنتَ إتجننت يا بني أدم، إيه اللي بتهببه ده؟
ليستطرد بتنبيهٍ: -إنتَ عارف ايمن باشا لو عرف إنك ضايقتها هيعمل فيك إيه، ده مش بعيد يدفنك مكانك وإنتَ واقف
ليه يعني، تبقى مين بسلامتها، هكذا تحدث متذمرًا ليهتف الأخر بإعلامٍ: -تبقى إيثار غانم الجوهري يا غبي
داخل مدينة كفر الشيخ تحديدًا بإحدى قراها المتمدنة بحكم قُربها من المدينة، تجلس تلك السيدة الخمسينية أمام أحد مواقد الغاز لتخبز خُبزها بيداها وتُلقيه فوق الساج الساخن ليتم عملية خبزه قبل أن يفيق زوجها وابنائها ليتناولوا طعام إفطارهم منه، أقبلت عليها زوجة ولدها الأوسط وتُدعى نوارة تبلغ من العمر الخامسة والعشرون لتتحدث بتثاؤب: -صباح الخير يا ماما، مخبطيش عليا ليه علشان أساعدك في الخبيز؟
تحدثت السيدة بأنفاسٍ لاهثة نتيجة مجهودها المبذول: -خفت ل وجدي يصحى وأقلق نومه، ده يا حبة عيني راجع من الجبل وش الفجر هو وعزيز
تنهدت نوارة لتتحدث بإِسْتِياء: - والله يا ماما ما عارفة أخرت اللي بيعملوه ده إيه، اللي إسمه عمرو وابوه دول مبيجيش من وراهم خير، واللي بيعملوه ده غلط ولو اتقفشوا هيروحوا في سين وجيم.
إلتفت سريعًا نحوها لترمقها بازدراء ونظراتٍ نارية لتهتف بحِدة ناهرة إياها: -تفي من بقك يا غراب البين إنتِ، جاية من صباحية ربنا تفقرى على ولادي زي البومة؟
اهتزت بوقفتها لتتحدث بارتباك ظهر بصوتها: -والله مااقصد يا ماما، أنا بتكلم من خوفي عليهم.
حولت المرأة سريعًا وجهها للموقد لتهتف غاضبة بعد أن اشتمت رائحة قوية لحريق الخبز: -وادي الرغيف إتحرق من كلامك اللي زي السِم
لتستطرد حانقة: -إخفي من خلقتي وانجري على المطبخ حضري الفطار قبل الرجالة ماتصحى، ومتنسيش تصحي المعدولة التانية.
حاضر، نطقتها بتوتر قبل أن تنسحب هاربة من بطش تلك التي تتحول لغول عندما يخص الأمر بأولادها، أو بالأدق أنجالها الذكور التي تعشقهم وتضحي لاجلهم بالغالي والنفيس، فهم أغلى ما لديها وحسب ما تربت أن الذكر لابد أن يحظى بكل الرعاية وجميع الحقوق، تلك هي أفكارها السوداء وقناعاتها الخاطئة.
بعد مدة كانت تُلقي بأخر قطعة من العجين داخل الموقد لتتفاجيء بنجلها البكري وأول من رأت عيناها المسمى ب عزيز والبالغ من العمر التاسعة والثلاثون ليقترب عليها وهو يتحدث بنبرة جادة: -صباح الخير يا أم عزيز
صبحك بكل خير يا عزيز، نطقتها منيرة بابتسامة سعيدة لتستكمل حديثها بلهفة واشتهاء: -ها، طمني، عملتوا إيه إمبارح؟
لسة شوية يا أما، دعواتك بالتساهيل، نطقها بهدوء ليسترسل بنبرة جادة: -المهم طمنيني، عملتي إيه في الموضوع إياه، عمرو مش مبطل زن
أغلقت زرائر الموقد لتقف تُلملم ما حولها من فوضى وهي تحدثه بطمأنة: -حاضر يا عزيز، النهاردة هكلمها وربنا يسهل ودماغها تلين.
-لازم تلين يا أما، وإلا ورحمة الغاليين أكسرلها دماغها الناشفة ولا هيهمني زعل أبويا ولا كلمته، زفر ليستطرد: -ما أنتِ عارفة اللي إسمه عمرو وجنانه، ده مش بعيد لو المصلحة طلعت قبل ما موضوعه يتم يتحجج وميديناش حقنا ولو عطانا أكيد مش هيدينا النسبة اللي إتفقنا عليها
الواد شاري يا أما، يا ريت تعقليها بدل ما أفقد أنا عقلي وأروح أجيبها لك من شعرها.
-ربنا يسهل يا ابني، نطقتها بعدما حملت بعضًا من الخبز داخل سلة وتركت المتبقي مفرودًا ليهدأ لتتحرك نحو بهو المنزل لتضع السلة أرضًا بجانب منضدة الطعام الأرضية وتتحدث لزوجها الجالس أرضًا بجانب تلك المنضدة: -صباح الخير يا أبو عزيز.
ردد بهدوء دون ان ينظر لها: -صباح النور يا منيرة
هتفت تصيح لزوجتي نجليها نسرين زوجة عزيز البالغة من العمر الثانية والثلاثون عامًا وأيضًا نوارة زوجة وجدي: -هاتوا الاكل وحطوه على الطبلية على ما أصحى أيهم علشان يلحق شغله هو كمان
تحركت وجلس عزيز بجانب والده الذي تحدث باستنكار: -مش هتبطل جري إنتَ وأخوك ورا إبن نصر البنهاوي يا عزيز.
استاء عزيز واكفهرت ملامحه ليستكمل الأب بتوجس: -بطل الطمع اللي فيك ده وارضى باللي ربنا رزقك بيه.
—البحر يحب الزيادة يا حاج، نطقها باقتضاب ليجيبه الاخر: -ده لما تكون زيادة حلال، مش سرقة أثار البلد
قالها بارتياب ليجيبه الاخر بلامبالاة واطمئنان ظهر فوق ملامحهُ الساكنة: -دي مش سرقة، دي لقية يا حاج يعني حلال مية في المية، وبعدين أنا هخرج مبلغ لله من نصيبي اللي هيطلع لي
رمقه بازدراء ليتحدث بيقين: -الله طيب لا يقبل إلا طيب يا متعلم يا بتاع المدارس.
تملل بجلسته لتتحدث منيرة التي انتوت مساندة نجلها والدفاع عنه كما دائمًا تفعل: -مالك بس يا حاج، متروق كدة يا اخويا وادعي لهم بالتساهيل، خير ورزق ربنا بعتهُ لهم علشان يوسعوا على عيالهم وعلينا
لتستطرد باستنكار: -نقوم إحنا نقول له لاء ونقفل بابنا في وشه!
-إنتوا الكلام معاكم زي قلته، وجع قلب على الفاضي، نطقها بقلة حيلة وضعف كعادته ليقطع حديثهم وجدي الإبن الثاني البالغ من العُمر الخامسة والثلاثون قائلاً: -صباح الخير
رد الجميع الصباح وتلاه الدخول الإبن الثالث أيهم البالغ من العمر الرابعة والعشرون حيث تحدث بصياح كعادته: -فين الفطار إتأخرت على شغلي
وجه الأب اليه حديثه الهاديء: -استهدى بالله يا ابني واصبر لما يجيبوا الأكل من المطبخ.
جلس الأبناء الثلاث والتف الأحفاد حول الطاولة، أولاد عزيز الثلاث، غانم البالغ من العمر الثانية عشر و جودي ثمانية أعوام والإبنة الصغرى سما ذات الخمس سنوات، وأبناء وجدي الذكرين، خالد وأيهم، بدأ الجميع بتناول الطعام قبل أن ينصرف كُلٍ إلى وجهته.
بالجهة الاخرى بنفس القرية.
يجلس رجلاً ذو هيبة على رأس طاولة كبيرة مرصوص فوقها الكثير من الأصناف التي تدل على ثراء ساكني هذا المنزل، تجاوره زوجته قاسية الملامح والتي يبدوا عليها القوة من إكفهرار وجهها وصلابة جسدها، يقابلها بالجلوس نجلها الاكبر طلعت ويجاورهُ الشقيق الأوسط حسين حضرت زوجتيهما ياسمين ومروة بعدما اتموا جلب جميع الطعام من المطبخ بجانب الخادمة وجلستا استعدادًا لتناول وجبة الفطار، بعد قليل دخلت من باب الحجرة سمية زوجة عمرو الإبن الأصغر ممسكة بيدها إبنتها الوحيدة زينة صاحبة الأربع سنوات والتي لم تنجب بعدها وهذا ما جعلها تتردد على الاطباء كثيرًا كي تتعجل بالحمل بطفلٍ أخر، اقتربت وهي تقول بابتسامة زائفة: -صباح الخير.
رد الجميع الصباح عدا ذاك ال نصر الذي هتف بملامح مقتضبة: -البيه جوزك منزلش علشان يفطر ليه؟
تحمحمت لتجيبهُ بصوتٍ مرتبك لقوة ذاك الرجل وتجبره: -عمرو لسة نايم يا عمي، وجيت أصحيه رفض، أصله جه متأخر إمبارح كان سهران مع الرجالة في مزرعة المواشي.
بعينين كالصقر هتف بما جعلها تنكمش على حالها: -اللي يسمعك بتقولي كدة يقول سهران بيشتغل، مش بيحشش هو وشوية الصيع اللي ملموم عليهم.
نظرة مشتعلة شملته بها تلك المتجبرة المدعوة ب إجلال لتزمجر باستياء وهي تنظر لزوجات أبناءها في مغزى: -مش وقت الكلام ده يا حاج نصر، وبرغم جبروته مع الجميع إلا أنها الوحيدة التي لا يستطيع مجابهتها ولا مراجعة قراراتها ويرجع ذلك لقوة عائلتها التي منحته جميع الصلاحيات ليصبح على ما هو عليه الأن، فقد تزوجها وهو موظف إداري بسيط في وزارة الزراعة فسحبه والدها معه إلى التنقيب في الجبال والبحث عن الاثار الفرعونية لبيعها حال العثور عليها للتجار المختصين ليقوموا بتهريبها بطريقة غير شرعية خارج البلاد مما يضر باقتصاد البلد واثارها التي لا تقدر بثمن، اتقن نصر العمل ونال شهرة كبيرة بعدما تمرس بالموضوع واصبح ذو شهرة عالية بين لصوص الاثار، ثم ساعدهُ عمها في الدخول إلى عالم السياسة عن طريق ترشحهُ لمجلس الشعب ليُصبح سيادة النائب وينال من السلطة والنفوذ ما يكفي ليحمي به تجارته القذرة وتجارة عائلة زوجته، لذا فهو لا يجرؤ على إغضابها كي لا ينال عقاب أسياده وأصحاب الفضل عليه، وتلك هي نقطة الضعف التي استغلتها إجلال لصالحها طيلة سنوات زواجها به وللأن.
وإنتِ، نطقتها بحدة موجهة حديثها إلى سمية لتسترسل أمرة: -إطلعي صحي جوزك وقولي له ينزل حالاً
بس يا مرات عمي، توقفت لتبلع باقي حديثها عندما زمجرت الأخرى هاتفة بعينين تقطرُ شرًا: -أنا قولت لك قبل كدة ألف مرة إني مبحبش أعيد كلامي، الكلمة اللي اقولها تتنفذ من سكات.
أطرقت برأسها برعبٍ لتترك إبنتها لزوجة عمها الكُبرى منى وتنسحب سريعًا عائدة للأعلى لتدخل مسكنها وتتجه صوب غرفة النوم حتى اقتربت من ذاك الممدد بطريقة عشوائية فوق التخت لتهتف بنبرة غاضبة وهي تلكزهُ بكتفه بطريقة حادّة: -قوم يا عمرو بيه كلم أبوك تحت، مخدتش من وراك غير التهزيق على الصبح.
اتتفض من نومه بفزع لينظر إليها بعينين جاحظتين مستفسرًا: -فيه إيه يا سمية في ليلتك اللي مش فايتة؟!
أبوك مستنيك تحت على الفطار، رمقها بازدراء قبل أن ينزل بجسده ليتمدد من جديد ويسحب الغطاء عليه قائلاً بلامبالاة: -قوليله كان سهران في المزرعة ونايم.
جذبت من فوقه الغطاء بحدة لتردف باستنكار: -قولت له يا بيه، واتمسخر عليا وعليك قدام إخواتك ونسوانهم العقارب، والست أمك بهدلتني ليه وليه اللي بقولها ده نايم وتعبان، قالت لي تطلعي تصحيه وتخليه ينزل حالاً.
هتف رامقًا إياها بنظرة غاضبة: -إحترمي نفسك وإنتِ بتتكلمي عن الست إجلال بنت الحاج ناصف سِيد البلد كلها
واستطرد مهددًا بابتسامة ساخرة: -ولا تحبي اقولها عن الطريقة اللي إتكلمتي بيها عنها واسلمك ليها تسليم أهالي؟
ابتلعت ريقها ونظرت إليه قائلة بصوت مضطرب لتجنب بطش تلك الحية ولتيقنها من تفاهة زوجها: -وتهون عليك سمية يا عمورتي، ده أنا حُب العمر ولا نسيت؟
-أيوة كدة إظبطي، نطقها بابتسامة نصر ليسترسل: -جهزي لي الغيار اللي هنزل به على ما أدخل الحمام ارش وشي بشوية ماية عشان أفوق.
بعد مدة قصيرة كان يجلس بجوار شقيقاه يتناول طعامه بتملل وضيق شعر بهما والده ليتحدث بذات مغزى: -عملت إيه في الموضوع اللي اتكلمنا فيه من إسبوع؟
رفع رأسه ليتطلع عليه قائلاً بعينين ملتمعتان بزهو الامل: -بدأت اتصرف يا حاج، وقريب قوي هتسمع الاخبار الحلوة.
-أما اشوف هتفلح المرة دي ولا هترجع لي إيدك فاضية زي كل مرة، قالها باستهجان ليهتف الاخر بعدما شع الامل بعينيه اكثر: -المرة دي غير كل مرة يا حاج، أنا اتبعت مقولة الزن على الودان أمر من السِحر
قطبت جبينها لتهمس بجانب أذن زوجها تجنبًا لسماع والداه: -موضوع إيه اللي عمي طالبه منك يا عمرو؟
ابتسم ساخرًا على فضول تلك المتحشرة ليجيبها بتسلي: -مهو قدامك اهو، ماتسأليه؟
زفرت بضيق من طريقته المستفزة التي دائمًا ما يتبعها معها لتعود لتناول طعامها بضيق والفضول يكاد ان يقتلها، نظرت إجلال لذاك المقابل لها بالجلوس، نجلها المدلل والأقرب لقلبها لما يمتلك من ملامح ورثها عن والدها والتي تعتز بكونها إبنة لذاك الإسطورة من وجهة نظرها، لذا فهي تعشق عمرو ويظل الأقرب لها وكل ما يتمناه ويطرأ بباله ينفذ في الحال، بسطت يدها بصَحن معجون ثمار الفراولة لتقول بابتسامة حانية: -خد يا حبيبي المربى اللي بتحبها، خليت فتحي الغفير ينزل المركز مخصوص وقلب لي الدنيا على الفراولة لحد ما لقاها.
تناول منها الصحن ينظر له بشهية مفتوحة ليتحدث بابتسامة واسعة وهو يُلقبها بلقبها المحبب لديها والذي يُشعرها بقيمة حالها والغرور: -تسلم إيدك يا ستهم.
ابتسامة ساخرة خرجت من جانب ثغر طلعت الإبن الاكبر ليهتف متهكمًا: - شوفت يا سيدي غلاوتك عند الست إجلال بجلالة قدرها، مهنش عليها إنك سألت على المربي إمبارح ومكنتش موجوده، بعتت الغفير اتشقلب في المركز وطلع بالفراولة مع إنه مش أوانها، وكل ده علشان خاطر عيون مدلل عيلة البنهاوي
واستطرد بنبرة عاتبة: -مع إني قايل لها إن نفسي في الكوارع ليا شهر ولا عبرتني.
تحدثت بابتسامة باردة لامرأة لا تمتلك قلب: -نسيت يا سي طلعت، إيه، هتعلق لي المشانق؟!
-العفو يا ستهم، ماعاش ولا كان اللي يقدر يحاسب ست البلد والمركز كله، رفعت قامتها بخيلاء ليتحدث نصر قائلاً: -عاوزك تتابعي مع عمرو في الموضوع إياه يا إجلال
بابتسامة شامتة حولت بصرها لتلك الجالسة بجوار زوجها لتتحدث بذات مغزى: -متقلقش يا سيادة النايب، مسافة شهر بالكتير وكل اللي أمرت بيه هيتنفذ
لتسترسل بغرور: -ما أنتَ عارف لما ستهم بتحط حاجة في دماغها.
ابتسامة تفاخر ارتسمت فوق ثغره ليقرب كفه من خاصتها الموضوع فوق الطاولة ليربت عليه قائلاً بامتنان: -طول عمرك سدادة وبميت راجل يا بنت الحاج ناصف.
ابتلعت ما في جوفها من طعامٍ بصعوبة بالغة لاستشعارها أن هذا الحديث يخص غريمتها الحقيرة لتبتسم مروة زوجة الإبن الأصغر وهي تنظر عليها بشماتة مما جعل داخل الاخرى يشتعل لترمقها بازدراء، انتهى الفطور وانسحبت النساء إلى المطبخ ليصنعن مشروب الشاي لوالداي ازواجهن وللجميع، لتبدأ العاملات بجمع بقايا الطعام من فوق الطاولة وتنظيف المنزل.
-مقولتليش يا ست مروة، كنتي بتضحكي على إيه وإحنا على الفطار؟، سؤالاً حادًا وجهته لها لتقول الاخرى بذات مغزى مما زاد من اشتعالها: -على نفس السبب اللي خلى اللقمة وقفت في زورك وكنتي هتفطسي.
-بلاش تتلائمي عليا يا مروة، إنتِ مش قد اذيتي، أنا قرصتي والقبر، نطقت جملتها بنبرة تهديدية لتبتسم الاخرى مجيبة بتهكم: -مش هينفع تقرصيني يا سلفتي، لايجوز شرعًا، قالت جملتها الاخيرة وهي تحرك عُنقها لتهتز رأسها بطريقة ساخرة مع إطلاقها لضحكة استهزائية ليشتعل وجه الأخرى مما جعلها تهجم عليها بدون عقل وكادت أن تجذبها من تلابيبها لتكيل لها الضربات قبل أن تقف ياسمين زوجة طلعت حائلاً بينهما لتقول بعنف: -ماتتلمي ياختي منك ليها، إنتوا إتجننتوا، هتضربوا بعض وحماكم ورجالتكم قاعدين برة!
هتفت سمية وهي تحاول الفكاك من بين قبضتي ياسمين: -سبيني عليها المرة السو دي وأنا أعرفها مقامها صح.
أفلتت ياسمين يداها لتهتف مشيرة إلى مروة: -شكلك ناوية على طلاقك النهاردة يا سلفتي، وأدي مروة قدامك إعملي فيها ما بدالك، علشان ستهم تيجي على حِسك العالي وتطين عيشتك، وبدل ما أنتِ خايفة وقاعدة منتظرة البلا ليحصل، تبقى سهلتي عليهم المهمة والبلا فعلاً هيحصل، بس وإنتِ قاعدة زي البيت الوقف في بيت أبوكِ.
لتبتسم ساخرة مستطردة بذات مغزى: -ما أنتِ عارفة قانون نصر البنهاوي، اللي تتجوز عيل من عيالة يحرم عليها صنف الرجالة من بعده، وكأن اللي بيدخل عليها واحد منهم بتتوشم بوشمه اللي لا تقدر تمحيه حتى النار.
ابتلعت ريقها بازدراء وتراجعت للخلف لتذهب الاخرى إلى الموقد وتبدأ بسكب المشروب داخل الكؤوس مسترسلة: -أيوة كدة إعقلى
لتتحرك بالصنية وتناولها إياها بحدة قائلة: -خدي يا حبيبتي الشاي طلعيه برة.
كان صدرها يعلو ويهبط بفضل شعورها العظيم بالغضب، حولت بصرها لترمق تلك المروة المبتسمة بشماتة قبل أن تتناول الصينية الممدودة متحركة للخارج بغضب، اتجهت ياسمين بنظرها إلى مروة لتقول بنبرة حانقة: -وإنتِ يا مروة، مش هتبطلي كيد النسا اللي فيكِ ده؟
بررت الأخرى موقفها قائلة بتنصُل: -وأنا كنت جيت جنبها يا ياسمين ، ما اللي حصل كله كان على يدك، دي واحدة مجنونة وعلى راسها بطحة.
زفرت الأخرى لتهتف بحِدة: -بلاش تستفزيها أحسن لك، وإديكي قولتيها بنفسك، واحدة مجنونة، والجنان بيزيد عليها لما الموضوع يخص عمرو وحكايته القديمة، فياريت تخليكِ إنتِ الأعقل وبلاش تجُري شكلها
اكتفت مروة بنفس الابتسامة الساخرة لتنسحب إلى حوض المطبخ لتتابع جلي الصحون تحت غضب الاخرى من كلتا الغبيتان اللتان تعيشا معها بنفس المنزل.
بالقاهرة الكُبرى.
إنتهى من ارتداء رابطة عنقه وعقدها بتمرس ورتابة ليجذب بحِلة بدلته السوداء من فوق عليقة الملابس مرتديًا إياها ليتحرك صوب مرأة زينته ممسكًا بفرشاة شعره ليصففهُ بعناية، أعاد الفرشاة إلى موضعها ليلتقط قنينة عطره المميز وبدأ ينثر فوق ذقنه وعنقه، بات ينظر لهيئته الجذابة برضا تام، تحسس ذقنه النابته ثم نظر لشعر رأسه الفحمي مرورًا بعينيه السوداويتين كثيفة الأهداب وبشرته الحنطية التي جعلت منه جذابًا عن المعتاد، ثم نزل بنظره على صدره العريض وتقسيمات جسده الرياضية ليبتسم بمرارة حينما تذكر ماضيه الأليم، قطع شروده استماعه لبعض الطرقات الخفيفة فوق باب جناحه ليهتف برزانة مخاطبًا الطارق: -إدخل.
فُتح الباب لتظهر منه سيدة أنيقة ترتدي بذلة نسائية تدل على وقار تلك المرأة بعامها التاسع والخمسون ذات الشعر البُني القصير المظهر التي وما أن رأها حتى ظهرت إبتسامة سعيدة على محياه لتتحدث هي بنبرة حنون: -صباح الخير يا سيادة المستشار.
-صباح النور يا حبيبتي، نطقها صاحب السادسة والثلاثون عامًا بابتسامة وهو يقترب عليها ليقوم بتقبيل رأسها بوقار، تحدثت باعجاب: -ده إيه الشياكة دي كلها
-أنا إبن دكتورة عصمت الدويري أستاذ القانون الجنائي، فطبيعي أكون شيك ومميز زيها، نطقها باعتزاز لتضحك بسعادة قائلة: -طول عمرك شاطر في الكلام وبتعرف تغلب بيه اللي قدامك.
نظر لها ليقول بثقة: -بس ده مش كلام يا ماما، أنا حقيقي طول عمري فخور بيكِ وواخدك مثال وقدوة للست الناجحة من وجهة نظري
واستطرد بإطراء: - ست بيت وزوجة وأم عظيمة، وفي نفس الوقت أستاذة جامعية شاطرة، قدرت توصل لإنها تكون من أكبر الاساتذة في مادة القانون الجنائي على مستوى جامعات الحقوق في مصر كلها.
تنهدت بهدوء لتتحدث بتمنى: -فاضل لي أمنية واحدة وأكون حققت كل أحلامي يا فؤاد، وإنتَ الوحيد اللي قادر تحققها لي.
-ومع ذلك مستخسرها فيا زي ما تكون صعبان عليك راحة قلبي، قالت كلماتها الأخيرة بكثيرًا من التأثر والألم لينسحب من أمامها متجهاً صوب تلك المنضدة الجانبية جاذبًا من فوقها حقيبة جلدية باللون الأسود تحتوي على أوراق هامة خاصة بعمله كنائب في النيابة العامة ليتحدث متهكمًا: -إبتدينا الوصلة الصباحية اللي مبتخلصش، كنت عارف إن زيارتك لأوضتي مش مجرد زيارة عادية، واللي توقعته حصل يا دكتورة.
قالت بنبرة متأثرة: -بتلومني علشان خايفة على مصلحتك يا فؤاد؟
واستطردت بنظراتٍ جالدة لذاته: -إمتى بقيت أناني كدة، هو أنا مبصعبش عليك؟!
طب بلاش أنا، بباك اللي عاش عمرة كله يبني في إسمه وتاريخه ويجمع في ثروته وجيت إنتَ علشان تكمل مسيرته، مش شايف إن من أبسط حقوقه يكون له إمتداد لإسمه؟!
هتف بحنقٍ بعدما تحولت ملامحهُ لشرسة: -سبق وإتكلمنا في الموضوع ده وقولت لحضرتك إن موضوع الجواز والخلفة شيلتهم من حساباتي نهائي، كفاية عليا اللي شفته من تجربتي المُرة اللي عيشتها
تعمق بمقلتيها ليستطرد لائمًا بملامح مكفهرة: - ليه عوزاني أعيش نفس الأذى تاني؟!
-مش كل الستات زي، كادت أن تكمل لولا تحركه السريع نحو الباب وهو يتحدث متمللاً: -نفس الإسطوانة المشروخة بتاعت كل يوم، ياريت توفري على نفسك وعليا الكلام وتسيبيني أتحرك علشان أشوف شغلي، وحضرتك كمان لازم تتحركي علشان تلحقي طلابك بدل ما تتأخري عليهم يا دكتورة.
-إهرب زي كل مرّة، هي عادتك ولا هتشتريها، نطقت بها بحدة ليتابع هو مروره بالممر المؤدي للدرج دون تعليق، بعد قليل ولج إلى غرفة الطعام، وجد والدهُ سيادة المستشار علام زين الدين أحد أعضاء هيئة المحكمة الدستورية العليا، مترأسًا الطاولة تجاوره نجلته فريال إبنة الثانية والثلاثون عامًا، فقد إختار علام اسماء نجله وابنته تيمنًا بأسماء ملوك مصر السابقين لكي يصبح شأنهم بأهمية اسمائهم، يجاور فريال زوجها ماجد المعيد بكلية الحقوق ذاتها التي تعمل بها والدة زوجته ولقد تعرف عليها من خلال زياراتها المتكررة لوالدتها بعملها وأُعجب بها وطلبها للزواج وكان شرط علام الوحيد للموافقة على تلك الزيجة هو مكوث ماجد معهما بالمنزل ويرجع هذا لحب وتعلق علام بنجليه، يليهما بالجلوس إبنتهما بيسان ذات الاعوام الست ولديها أيضًا طفل رضيع أطلقت عليه اسم فؤاد لتُدخل السرور على قلب والديها اللذان حرما من حفيد لنجليهما الوحيد ليسرا به نظريهما.
تحدث وهو يقترب من مقعده المجاور لوالده: -صباح الخير يا باشا
أجاب بوجهٍ مقتضب كعادته يرجع لجديته في الحياة: -صباح الخير يا سيادة المستشار
ألقي تحية الصباح على شقيقته وزوجها ليسأله علام بعدما رأي دخول عصمت وملامحها التي توحي بمدى غضبها: -مالكم على الصبح، أصواتكم عالية ليه؟
-مفيش حاجة سيادتك، دي دكتورة عصمت كانت بتصبح عليا كعادتها، جملة ساخرة نطقها وهو يغرس شوكته بأحد صحون الجُبن لينقل منها بداخل صَحنه، تنهدت عصت وجلست بجواره لتبدأ بتناول طعام فطورها باقتضاب، تحدثت فريال إلى شقيقها: -إنتَ مبقاش نافع معاك أي كلام يا فؤاد، لحد إمتى هتفضل تاعب قلوبنا معاك بالشكل ده؟
-أكلي جوزك واهتمي بيه يا حبيبتي، وياريت تصُبي كل تركيزك عليه، الرجالة بتزهق من عدم الإهتمام وبتطلع تدور عليه برة لو نقص جوة، نطق بها متعمدًا تغيير الموضوع لتهتف فريال بتذمر تشتكي لوالدها: -شايف يا بابا كلامه
-كبري عقلك يا فريال، اخوكِ بيهزر معاكِ، هكذا أجابها والدها بتعقل لتتحدث بعناد: -لو فاكر إن كلامك ده هيخليني أبطل أخاف على مصلحتك تبقى غلطان، وهفضل وراك لحد ما دماغك تلين وتتجوز يا فؤاد.
ابتسم ليتحدث بملاطفة: -قول لمراتك تخليها في حالها وبلاش تحشر مناخيرها في حياة غيرها يا دكتور.
تحدث ماجد مبتسمًا بلباقة: -خرجني انا من بينكم يا سيادة المستشار، إنتوا عيلة واحدة والداخل بينكم خارج
تحدث علام بصدقٍ: -إنتَ كمان من العيلة يا ابني، من يوم ما اتجوزت فريال وأنا بعتبرك إبن تالت ليا.
-متشكر يا باشا، ده شرف كبير ليا سعادتك، جملة نطق بها ماجد لتستكمل على حديث زوجها عصمت قائلة بتهكم على نجلها: -سيادة المستشار عنده حق يا ماجد، على الأقل إنتَ مريحنا مش واجع قلوبنا زي ناس.
ابتسم بجانب فمه ليرتشف أخر رشفة من فنجان الشاى وتحدث وهو يهم بالوقوف: -أنا شايف إن انا انسحب علشان حرب الكلام بتاعة كل يوم شكلها هتبتدي، وأنا بصراحة عندي قضية مهمة ومحتاجة ذهن صافي
تحدث علام برزانة: -أقعد كمل فطارك يا فؤاد.
أمسك بمحرمة ورقية وقام بتجفيف فمه ثم أجاب والدهُ بوقار: -أكلت الحمدلله يا باشا، لازم أتحرك حالاً علشان عندي تحقيق في قضية مهمة ولازم أجهز لها
وقبل أن يتحرك تمسكت بكفه لتتحدث بحنان: -من إمتى وإنتَ بتروح شغلك قبل ما تشرب قهوتك؟
لتستطرد بعينين مترجيتين بعدما شعرت بأنه ينسحب بفضل ضغطهم عليه: -أقعد كمل فطارك على ما سعاد تعمل لك القهوة.
ربت فوق كفها وتحدث بابتسامة هادئة: -صدقيني يا حبيبتي معنديش وقت للقهوة، هبقى أشربها في المكتب.
نطقها وتحرك للخارج تحت شعور عصمت بالذنب لتتحدث نادمة: -شكله زعل من كلامنا
تحدث ماجد باستحياء: -بصراحة يا دكتورة حضرتك وفريال تقريبًا بتكلموه يومياً في موضوع الجواز وأكيد حاجة زي دي بدأت تضايقه وتخنقه
لف وجههُ لزوجته واستطرد لائمًا: -وأنا أكتر من مرة لفت نظر فريال بإنها حتى لو هتفاتحه فميكنش قدامنا.
زفرت فريال بضيق لشعورها بالندم وأيضًا والدتها التي نكست رأسها ليتحدث علام بنبرة هادئة: - يا جماعة فؤاد عقله مش صغير علشان يزعل من كلامكم، هو أكيد عنده شغل مهم
واستطرد عاتبًا: -بس ده ميمنعش إن ماجد عنده حق في كلامه.
تنهدت عصت لتهم بالوقوف وتحدثت: -أنا رايحة الكلية، عندي محاضرة الساعة عشرة
أنا جاي مع حضرتك، نطق بها ماجد ليقف ويقبل رأس زوجته ونجليه ثم تحركا معاً وبعدها ذهب علام لعمله وظلت فريال بمفردها بصحبة طفليها والعاملين حيث أنها لم تعمل بشهادة بكالوريوس العلوم الحاصلة عليه وفضلت المكوث بالمنزل لرعاية صغيريها والاهتمام بنفسها وزوجها وكل ما يخص عائلتها الكبيرة.
بمحافظة القاهرة الكُبرى
في تمام الساعة الرابعة مساءًا.
بأعلى واجهة مبنى زُجاجيًا ضخمٍ، ناطحة سحاب مثلما يطلقون عليه، توجد لافتة كبيرة كُتب عليها إسم شركة الأباصيري للأستيراد والتصدير باللون الذهبي ليدل على فخامة وعظمة الإسم وصاحبه، نتجه داخل المبني وتحديداً داخل مكتب مدير الشَركة أيمن عزمي الأباصيري البالغ من العُمر الخامسة والخمسون من عُمره، يبدو على هيئته الهيبة، يرتدي حلة ذات ماركة عالمية تدل على ثراءه الفاحش، تقف بجوار مقعد مكتبه شابة بعمر السابعة والعشرون، ترتدي بدلة سوداء عملية أشبه بلباس الرجال لتتناسب مع شخصيتها الجادة بنظارتها الحافظة لنظرها ليكتمل وقارها وشخصيتها الحادة التي اتخذتها نهجًا لها منذ أن قررت الإستقلال بذاتها، يعتلي رأسها حجاباً أنيقًا وبسيط.
تنظر بترقُب من خلف نظارتها الطبية على قلم مديرها الذي يتحرك بخفة فوق الأوراق المطلوب توقيعها وتُقلبها له واحدة تلو الأخرى، تحدث الرجُل بتملُل بعدما أصابهُ الضجر من كثرة عدد الأوراق: -وبعدين يا إيثار، أنا زهقت، هو الورق ده ناوي مش يخلص النهاردة ولا إيه؟
أجابتهُ بنبرة جادة كعادتها مُنذ أن عملت معهُ قبل الثلاثة سنوات: -مش فاضل غير ورقتين بس يا أفندم.
بالفعل وضع إمضاءه على تلك الورقتين ليقوم بارجاع ظهره الى الخلف مغمضاً عيناه كي يحصُل على قسطٍ بسيط من الراحة قبل مغادرتهُ للشركة، أغلقت هي ملف الأوراق وأحتفظت به بيدها وبكل حرفية أمسكت باليد الأخرى الهاتف الموضوع فوق المكتب وتحدثت قائلة بنبرة صارمة: -كريم، تعالى حالاً على مكتب ايمن باشا علشان تاخد الشنطة.
أغلقت ثم نظرت إلى أيمن لتتحدث بوقارٍ واحترام: -أي أوامر تانية يا أفندم؟
أجابها بوجهٍ بدا عليه الإرهاق: -متشكر يا إيثار، تقدري تروحي لمكتبك علشان تجهزي نفسك وتروحي.
أومأت له لتتحدث برصانة وهي تتأهب للإنسحاب خارج حُجرة المكتب: -بعد إذن حضرتك
استدارت وتحركت صوب الباب ليوقفها صوتها الهاديء: -أخبار يوسف إيه يا إيثار؟
إستدارت لتجيبهُ بابتسامة خافتة: -بخير يا أفندم الحمدلله
سألها باهتمام: -اللي اسمه عمرو ده لسة بيضايقك؟
تنفست بهدوء لتجيبه بملامح وجه مبهمة: -أخر مرة شوفته فيها كان من إسبوعين، لقيته مستنيني تحت العمارة وأنا راجعة من الشغل، هددته لو ما ممشيش هتصل بالبوليس ومن وقتها مشفتوش تاني
لتكمل بنبرة بائسة: -للأسف، مش مبطل إسلوب الضغط عليا بكل الطرق المشروعة والغير مشروعة.
اجابها وهو يحمل أشياءه الخاصة: -منصب أبوه مقوي قلبه، لو اتعرض لك تاني واتجنن وجالك إتصلي بيا وانا هعرف اتصرف معاه، الاشكال اللي زي دي محتاجة تتعامل بشدة علشان تحترم نفسها.
تنهدت بأسى وهي تومي برأسها بموافقة ثم تحركت للخارج ولملمت أشيائها وقامت بوضعها داخل حقيبة يدها، صدح صوت جوالها لترفعه لمستوى عينيها وما ان رأت نقش اسم المتصلة حتى زفرت بقوة واكفهرت ملامح وجهها بامتعاض، تجاهلت الرنين لتخفيه بداخل حقيبتها، تحرك إليها كريم ذاك الشاب العشريني الذي تعين سائقًا لصاحب الشركة منذ ما يقارب من العام وقد حظي بثقة إيثار به وهذا ما جعل الجميع يتعجب حتى إيثار بذاتها استغربت لكونها رسمت الجمود فوق ملامحها وارتدت شخصية جدية لتضع حدودًا بينها وبين الجميع لم يستطع أحدهم تخطيها، لكنها سمحت لذاك الكريم بكسرها ربما لظروفهُ التي تشبهها حيث تخلى عنه جميع اهله ليشق طريقه ويفحر بالصخر كي يستطيع العيش بكرامة، مثلما فعلت تمامًا، تحرك صوبها ليتحدث بابتسامتهُ البشوشة كعادته: -أزيك يا استاذة إيثار.
بهدوء أجابت: -الحمدلله يا كريم، أخبارك وأخبار خطيبتك إيه، لسة محددتوش ميعاد الفرح؟
تحدث بنبرة حماسية: -قريب إن شاءالله، فاضل لنا الغسالة والبوتجاز وكدة الشقة ميبقاش ناقصها حاجة.
بابتسامة خافتة تحدثت: -لو ده اللي معطلك تقدر تحدد ميعاد الفرح مع حماك، ولو على الغسالة والبوتجاز إعتبرهم جم، خد أماني بكرة وانزل أشتريهم وخلي صاحب المحل يبعت الفاتورة على مكتبي.
-بس ده كتير قوي يا استاذة، مش كفاية ساعدتيني في أوضة السُفرة، نطقها باستحياء وخجل لتتحدث في محاولة منها للتخفيف عنه: -إبقى ردها لي في جوازة يوسف يا سيدي.
ربنا يفرحك بيه، نطقها لتهتف بنبرة جادة: -بسرعة روح للباشا زمانه جهز.
حمل كريم الحقيبة الجلدية الخاصة برئيسه وتحركا لتتحرك هي الاخرى خلف سيدها بالعمل حتى وصلا إلى المصعد الكهربائي لينزلا للطابق الأسفل ومنهُ إلى خارج المبني بصحبة كريم، تحرك أيمن في طريقهُ لسيارته الفارهة، واتجهت هي نحو سيارتها المتواضعة كي تستقلها لتعود إلى منزلها، وقبل أن تقوم بوضع ساقها داخلها إلتفتت لتنتظر مديرها كي يتحرك أولاً لتجحظ عينيها فور رؤيتها لظهور مُقنعان يستقلان دراجة بخارية الأول يقودها بهدوء والأخر أخرج رشاشاً وقام بتفريغ محتوياتهُ من الطلقات الرصاصية بعشوائية متفرقة مما أحدث فوضي داخل المكان وباتت أصوات الصرخات المستنجدة تتعالي.
جحظت عينيها بعدما لاحظت أحد المهاجمين وهو يضغط على زيناد سلاحه الناري لتنطلق إحدى الرصاصات من فوهة السلاح بسرعة فائقة وتستقر بموضع قلب ذاك الذي وقف امام سيدهُ ليتلقى الرصاصة بدلاً عنه وكأنهُ جندي يدافع عن وطنهُ بكل بسالة، إهتز بدنها بالكامل لتفتح فاهها بذهول بعدما رأت ذاك الخلوق مُلقى على الأرض غارقًا وسط بركة من دمائه البريئة التي سالت بدون ذنب، لتصرخ بكامل صوتها ناطقتًا باسمه وهي تنطلق إلى موضع رقوده: -كرررررريم.
هرول رجال الحراسة التابعة للشركة إلى أيمن كي يؤمنوه من أية محاولاتٍ لاعتداءاتٍ أخرى محتملة وقاموا بإحاطته جيدًا كسياجٍ بحيث لا يُخترق حتى من نملةٍ ثم أنزلوه ليحتمي خلف السيارة، بطريقةٍ تلقائية وضع أيمن كفي يديه فوق رأسه ليحتمي من تلك الطلقات المتراشقة بين رجال الحراسة التابعين له وبين هؤلاء المُقنعين الذين خرجوا من العدم، من يستمع لصوت الطلقات يعتقد أن حربًا شرسة وقعت للتو، أما هي فلن تكترث لتلك الطلقات وبشجاعةٍ تُحسد عليها هرولت لذاك المسكين وباتت تتفحصهُ بعينيها لتهتف متلهفة: -رد عليا يا كريم، رد عليا ارجوك.
تأملت أن يُطمئنها ولو بكلمة بسيطة منه ولكنها صُعقت بعدما تحدث أحد الرجال الذي تشجع وإنضم إليها كي يفحص ذاك الكريم متجاهلاً تراشق الطلقات التي قد تصيبهُ: -لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، النفس إنقطع، الظاهر إن الطلقة جت له في مقتل
هزت رأسها بعدم تصديق وهي تنظر إليه لتهتف بذهولٍ: -إنتَ بتقول ايه، اكيد ما متش، ده كان لسة بيكلمني وإحنا فوق، مستحيل.
لتصرخ في محاولة بائسة منها علهُ يستفيق وينتبه لصرخاتها: - كررررريم.
وبرغم رُعب أيمن مما حدث معهُ للتو من محاولة إغتيال دنيئة إلا أنهُ نظر إلى تلك الصارخة بعدما انتبه لصرخاتها المتوالية ليتحدث بأمرٍ إلى بعض رجاله المحاطين له بعدما انتهى صوت إطلاق الرصاص وتيقن من هروب المعتدين بعدما فشلوا في إتمام مهمتهم: -روحوا ل إيثار وأحموها وهاتوها لعندي حالاً، وحد فيكم يتصل بالشُرطة ويبلغها بالهجوم اللي حصل.
نطق كلماته قبل أن يفرد قامتهُ معتدلاً ليتحرك سريعًا لداخل مقر الشركة وحولهُ حائطًا بشريًا مكون من رجال الأمن الشخصي ذوات الأجساد الضخمة يتحركوا بحذرٍ وهم يحملون اسلحتهم المشهرة لمواجهة أي هجومٍ أخر.
هرول رجلين إليها ليتحدث أحدهم وهو يتلفت حولهُ بعينين كالصقر حاملاً سلاحهُ بوضع الإستعداد: -إتفضلي معانا جوة الشركة لحد ما ننشط المكان ونأمنه يا افندم.
إتصل بالإسعاف بسرعة، كريم بيموت، كانت تلك كلماتها المتوسلة لذاك الشخص قبل أن يتحدث الشخص الأول مرةً أخرى: -للاسف يا أستاذة، كريم مات خلاص
ليُكمل بعينين أسفتين: -البقية في حياتك
اتسعت عينيها وهي تنظر إليه لتهتف بقلبٍ صارخ متألم لأجل ذاك الخلوق: -إسكت حرام عليك، أكيد لسة عايش، الدكاترة أكيد هيسعفوه وهيبقى كويس.
بسط أحد رجال الحراسة يدهُ وتحدث إليها باقتضاب وهو يجذبها من كف يدها: -اتفضلي معايا يا أستاذة إيثار، الباشا مستنيكِ جوة وميصحش نتأخر عليه.
رمقتهُ بحِدة وبطريقة عنيفة نفضت يده بعيدًا لتهتف حانقة: -أنا مش هتحرك من هنا قبل الإسعاف ماتيجي.
-الباشا أمر إنك لازم تدخلي حالاً، فأحسن لك تسمعي الكلام وتقومي معايا وما تضطرنيش اتعامل معاكِ بالقوة، هكذا تحدث أحد الشخصين بحِدة وفظاظة وهو يجذبها من رسغها قبل أن تدفعهُ بعيدًا عنها نافضة يدها من لمسته لتنظر إليه بعينين حادتين كنظرات الصقر وهي تهتف بسُبابٍ: -إبعد إيدك عني يا حيوان.
كاد أن يقترب ويجذبها مرةً أخرى ليتحرك بها إلى الداخل عنوةً عنها لولا صديقه الذي اقترب منه وجذبهُ ليبتعدا قليلاً ثم هتف ناهرًا إياه بحدة: -إنتَ إتجننت يا بني أدم، إيه اللي بتهببه ده؟
ليستطرد بتنبيهٍ: -إنتَ عارف ايمن باشا لو عرف إنك ضايقتها هيعمل فيك إيه، ده مش بعيد يدفنك مكانك وإنتَ واقف.
ليه يعني، تبقى مين بسلامتها، هكذا تحدث متذمرًا وذلك لحداثة تعيينه ليهتف الأخر بإعلامٍ: -تبقى إيثار غانم الجوهري يا غبي.
ليستكمل بإبانة: -مديرة مكتبه واللي مبيتحركش خطوة من غيرها، كل خبايا الشركة في عبها ومفيش صغيرة ولا كبيرة بتحصل إلا بعلمها
اشار الرجل بكفه ليتحدث مستنكرًا: -طظ، إيه يعني مديرة مكتبه، ده أنا قولت بنته ولا قريبته من تفخيمك فيها.
هز الاخر رأسه باستسلام وبصعوبة اصطحباها الرجلان للداخل تحت اعتراضها بالأول لكنهما أخذا الأوامر بإحضارها ولابد من التنفيذ، ولجت بدموعها وانهيارها لتجد أيمن يجلس فوق مقعدًا مُلقي برأسهُ للخلف ويبدوا من مظهره أن نوبة فرط ضغط الدم ستهاجمه من جديد حيث كان يتنفس بصعوبة واضعًا كف يدهُ فوق صدره ويقوم بتدليكهُ بوجهٍ شاحب، وبرغم ما تعانيه من تمزق للروح وتيهة بسبب فقدانها لذاك الخلوق إلا أنها استعادت لمهنيتها وهرولت إليه وهي تتفحصه بهلعٍ ظهر بعينيها: -مالك يا أيمن بيه، إنتَ تعبان.
ليجيبها بانفاسٍ متقطعة: -إتصلي لي ب أحمد بسرعة يا إيثار.
علي عجالة هتفت وهي تبحث بحقيبة يدها التي أحضرها أحد الرجال حيث كانت ملقاه بجوار سيارتها بالخارج: -هكلمه حالاً يا أفندم، بس حاول تتنفس بانتظام وتهدى.
بالفعل هاتفت أحمد الإبن الأكبر ل أيمن والذي يمتلك مشفى إستثماري كبير قد أعدها لهُ أبيه ليمارس بها مهنة الطب الذي درسهُ بالخارج، بسرعة البرق حضرت قوة من رجال الداخلية وانتشر رجالها محاوطين سياج الشركة وحضر أحمد بسيارة إسعاف مجهزة طبيًا بعدما اخبرته إيثار وعلم أنها حالة ضغط الدم التي تهاجم والده عندما يتعرض لحالة من الصدمة أو الحزن الشديد، تحرك الشرطي إلى أيمن المتواجد بعربة الإسعاف يتلقى الإسعافات الأولية وتحدث بوقار: -حمدالله على سلامتك يا أيمن بيه.
-الله يسلمك يا حضرة الظابط. ليتحدث الضابط من جديد: -حضرتك بتتهم حد بالهجوم المسلح؟
تذكر ذاك الرجل الذي حضر ليقوم بتهديده وهاجمه في عُقْر داره ولم يخشى رجال الحراسة المسلحين، نظر له ليجيبه: -مفيش غيره، صلاح عبدالعزيز، هو اللي هددني من يومين لما اتهجم عليا في قلب بيتي وكان موقف رجالته بالسلاح بره
سألهُ الضابط: -عملت محضر بالواقعة دي؟
هز رأسه باعياء ظهر على ملامحه: -محبتش اكبر الموضوع، قولت راجل موجوع على إبنه وجاي يفش غله بكلمتين فارغين، بس متوقعتش إنه هيطلع مجنون زي إبنه وينفذ تهديده.
لاحظ أحمد شحوب وجه والده فهتف بشدة: -لو سمحت يا افندم، يا ريت تأجل التحقيق لوقت تاني لأن زي ما حضرتك شايف، والدي تعبان ولازم يتنقل المستشفى حالاً قبل ما حالته تتأثر وتسوء
اومأ الشرطي وانتقل للشهود في حين تساءل أحمد بنبرة لائمة: -ليه مبلغتنيش إن صلاح عبدالعزيز جه هددك في البيت؟
ليستطرد لائمًا على زوجته بجبينٍ مُقطب: -وازاي سالي متقوليش على حاجة زي دي؟!
بنبراتٍ متقطعة نتيجة حالة الاعياء تحدث بضعفٍ: -محبتش اشغلك يا ابني، كفاية عليك شغل المستشفى اللي واخد كل وقتك
ليستطرد بإبانة: -وانا اللي قولت لمراتك بلاش تبلغك علشان متقلقش.
-ريح نفسك ومتتكلمش يا بابا، إحنا لازم نتحرك حالاً، نطقها وهو ينظر للضجيج من حولة أنوارًا ساطعة لسيارات الشرطة التي انتشرت بالمكان وفريق من النيابة العامة التي حضرت لتعاين جثة كريم، وتلك المسكينة التي تقف تتابع بدموعٍ منهمرة ذاك البريء الملقى أرضًا غارقًا بدمائه الطاهرة، لقد دفع حياته ثمنًا وهو يحمي رب عمله، مشهد درامي يدمي القلوب وتقشعر له الأبدان، أشار للضابط ليفسح لسيارة الإسعاف كي تتحرك بوالده الذي وما أن رأى الضابط يقترب من إيثار ورأى إنهيارها حتى تحدث وهو يشير لنجله: -روح لحضرة الظابط وخليه يأجل استجواب إيثار معايا لبكرة هنا في الشركة، وخلي حد من رجالتنا يتابع موضوع كريم ويفضل مع جثته لحد ما يطلع له تصريح الدفن.
ليستطرد بتأثر وصوتٍ متقطع: -الولد ملوش حد في الدنيا غير خطيبته واهلها.
بالفعل تحرك الشاب للضابط وقص ما املاه عليه والده ليقتنع الضابط بحديثه بعدما رأى ارتعاشة جسد تلك المرعوبة ليسألها أحمد عن حالها: -إنتِ كويسة؟
هزت رأسها بإيماءة لتتطاير دمعاتها ليسألها متأثرًا بحالتها: -هتقدري تسوقي ولا اخلي حد من الحرس يوصلك؟
هسوق بنفسي، اتفضل حضرتك خد الباشا على المستشفى وياريت تبقى تطمني عليه، اومى لها وتحرك بأبيه على المشفى، ألقت نظرة وداع على صديقها لتخرج منها إبتسامة مريرة وهي تحدث حالها وكأنها ترثي روحه: -يا لحظك التعيس أيها الرفيق، ماذا فعلت يا صديقي لكي تجني كل هذا البؤس من الحياة، لقد تلقيت صفعتك الاولى عندما ترككَ أباكَ وانتقل للحياة الأبدية بينما لاتزال جنينًا بأحشاء والدتك، وقبل أن تتم عامك الثاني ابتعدت الاخرى بعدما تقدم لخطبتها ثري عربيًا وكان شرطه الأول هو التخلي عنك حتى يحظى بكل اهتمام تلك فائقة الجمال له، لتوافق في الحال وتترككَ في رعاية جدتك لأبيك، هذه السيدة المسنة التي غمرتك بحنانها الفياض كتعويضًا عن التي اختارت أن تعيش لأجل حالها ودلالها وتنعمها بثروة زوجها وفقط، حتى أنها لم تطرأ برأسها فكرة النزول إلى مصر منذ أن غادرتها وهي عروس لتطمئن على صغيرها، وما أن وصلت لسن السادسة حتى تركتك تلك العجوز لتضل بجسدك النحيل بلا عون، بلا سند، لتتلقى لطمتك الكُبرى من الحياة، إجتمع بعضًا من الجيران وتناقشوا بامرك حتى وصلوا إلى حلاً، وهو ان يضعوك داخل الْمَيْتَم دار لإيواء الأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية، ترعرعت بداخله حتى أصبحت شابًا واتممت دراستك الجامعية لتخرج للحياة من جديد لتشق طريقك وتلتقي بحب العمر ويتم الإرتباط بشكلٍ رسمي إلى أن وصلت إلى هنا، جثة هامدة، يبدوا أن الله قد احبك كثيرًا لذا أراد أن يحمي روحك الطاهرة قبل أن تتدنس في خطايا الحياة.
ابتسمت بدموعها المنسدلة لتحدث حالها بصوت باكٍ يملؤه القهر وهي تُلقي على جثمانه نظرتها الاخيرة: -وداعًا يا صديقي الصغير، فلتتنعم روحك الطاهرة في الفردوس الأعلى، سلامًا لروحك النقية وإلى أن نلتق
الفصل الثاني
عادت إلى منزلها لا تعلم كيف قادت سيارتها وقطعت تلك المسافة وهي تذرف دموعها تلك التي لم تنقطع ولو للحظة، فتحت الباب ودخلت لتجد عزة باستقبالها، تلك السيدة الأربعينية التي تهتم بصغير إيثار يوسف ذو الأعوام الست، والتي لم تحظى بفرصة للزواج ليضعها القدر بطريق إيثار عن طريق الصدفة لتطلب منها بأن تمكث معها بنفس المنزل لتهتم بصغيرها مقابل مبلغ مادي تتلقاه شهريًا، تحركت صوبها لتقول بنبرة لائمة: -إتاخرتي كدة ليه يا إيثار، وبعدين مبترديش على تليفونك ليه، ده أنا متصلة بيكِ أربع مرات.
واستكملت بثرثرة استدعت استياء الاخرى: -وأمك صدعتني من الصبح، مبطلتش رن على التليفون الأرضي لحد مزهقتني في عيشتي، بتقول إنها كلمتك كتير ومبترديش عليها، وأكدت عليا أول متوصلي لازم تكلميها علشان عوزاكي في موضوع ضروري.
-خلاص يا عزة، إرحميني بقى من رغيك، أنا لا نقصاكي ولا نقصاها، نطقت كلماتها بهتافٍ حاد لتسترسل بصراخٍ هيستيري جعل عيني الاخرى تتسع على مصراعيها: -ولو اتصلت تاني مترديش عليها، قولي لها تنساني وترحمني بقي، هي إيه، مكفهاش كل اللي حصل لي بسببها هي وولادها، سبتلهم دنيتهم بحالها، عاوزة مني إيه تاني؟
بملامح وجه قلقة سألتها بخفوت: -مالك يا بنتي، فيكِ إيه، إنتِ معيطة يا إيثار؟
بسيقان مهتزة وصلت إلى أقرب مقعد ورمت حالها فوقه باستسلام ثم رفعت رأسها ناظرة بعيني عزة لتنطق بألم بعدما تركت العنان لدموعها أن تنهمر من جديد: -كريم إتقتل يا عزة، إتقتل قدام عنيا، راح في لحظة، مسافة غمضة عين روحه فارقت جسمه.
-يلهوي، كريم السواق، مين اللي قتله؟ بدموعها الغزيرة قصت عليها ما حدث لتهتف الاخرى بحِدة وقد ظهر الرعب بمقلتيها وكأنها قطعة من روحها: -لاااا، الحكاية دي ميتسكتش عليها، إنتِ لازم تسيبي الشغل عند اللي إسمه أيمن ده، مهو أنا مش مستغنية عنك، المرة دي الطلقة جت في المسكين كريم يا عالم المرة الجاية هتيجي في مين.
واستطردت بهلع: -أبو الواد اللي قتله أيمن مش هيسكت، وهيحاول مرة واتنين وعشرة لحد ماياخد تار إبنه اللي دمه ساح في بيت اللي إسمه أيمن
نظرت لها لتتحدث بيأسٍ: -ولما أسيب الشغل هنعيش أنا وإنتِ منين يا عزة، والمسكين اللي جوة ده هجيب مصاريف مدرسته منين؟!
-من الموكوس أبوه، هو ملزوم غصب عنه يصرف على ابنه وعلى تعليمه، هو فقير، دي الفلوس بالكوم على قلبه وقلب أبوه، كلمات نطقتها بهتافٍ غاضب لتجيبها الاخري بألم: -وهو ده اللي عاوزه، أتذل له واطلب فلوس لإبني وساعتها هيبيع ويشتري فيا ويحط شرط رجوعي قصاد الفلوس
ثم نظرت أمامها في نقطة اللاشيء لتهتف بعزيمة واصرار: -وده اللي عمري ما هعمله حتى لو هموت أنا وابني من الجوع.
دارت عزة حول نفسها لتهتف بحماس وهي تدق على كفيها: -خلاص، دوري على شغل جديد، يعني هو اللي خلق شركة الأباصيري مخلقش غيرها؟
وتفتكري الشغل الجديد هيدوني نفس المرتب اللي أيمن بيدهولي، ولا هيدوني منصب زي اللي وصلت له عند أيمن، أنا مديرة مكتب أيمن الاباصيري واللي مبيتحركش خطوة من غيري، لتستطرد بامتنان: -ده غير إن أيمن بيه بيعتبرني زي بنته ومديني برستيچي في الشركة، معقولة هسيب كل ده واروح ابدأ من الصفر في مكان تاني؟
تنهيدة استسلام خرجت من صدر تلك الصادقة والتي اتخذت من إيثار إبنة لها ومن يوسف حفيدًا وحمدت الله على تعويضها بهما بديلاً عن الاسرة التي حُرمت من تكوينها، تحدثت بأسى: -سبيها على الله وهو هيحلها، أنا هدخل املى لك البانيو ماية سخنة واحط لك فيه شوية زيوت عطرية تهدي لك جسمك
واقتربت لتمسك بيدها لتساعدها على الوقوف لتستطرد: -قومي يلا معايا.
وقفت تنظر بعينيها ثم امسكت كفاي يداها لتتحدث شاكرة: -ربنا يخليكي ليا يا عزة، مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه، الدنيا كلها باعتني وإنتِ الوحيدة اللي اشترتيني
بابتسامة خافتة تحدثت: -بتشكريني على إيه يا عبيطة، ده أنتِ ربنا بعتك ليا هدية من السما إنتِ ويوسف، اللي ربنا يعلم لو كان عندي حفيد مكنتش هحبه زيه
ابتسمت لها وسألتها باهتمام وكأنها للتو تذكرت صغيرها: -هو يوسف نام؟
من بدري، لتسالها من جديد: -إتعشى؟
اجابتها لتطمأنها: -طمني بالك من ناحية يوسف خالص، إنتِ عارفة إنه في عنيا، اومأت بتطابق وبعد قليل كانت تغمر جسدها داخل حوض الإستحمام، شهقة عالية خرجت منها لتنهمر دموعها من جديد وتختلطُ بمياه المغطس، تألمت حين تذكرت جسد كريم وعينيه وهي تُغلق للمرة الأخيرة، ظلت تبكي عل دموعها تغسل همومها وتمحي ما يؤرق روحها، خرجت من المغطس عندما شعرت ببعضًا من الراحة بفضل بكائها، ارتدت ثيابها وتحركت لغرفة صغيرها لتمدد جسدها بجواره بالفراش، تأملت ملامحه البريئة لتمرر أصابعها حيث تخللت خصلات شعره بحب وتميل على وجنته تطبع بها قُبلة حنون، تنفست براحة وحاوطت جسده الصغير لتضمهُ إلى صدرها بحنو، كم كانت تحتاج لهذا العناق لينسيها ما عاشته بيومها الصعب، شددت من عناقه في غفوة منها ليحرك الصغير أهدابه ويفتحهما عدة مرات لينطق بابتسامة صافية: -ماما.
قابلت ابتسامتهُ بأخرى وبعينين تقطرُ حنانًا تحدثت وهي تشدد من عناقه: -حبيبي، وحشتني
-إنتِ كمان وحشتيني يا مامي
تنهدت وسحبت جسدها للاسفل لتضع رأسه فوق ذراعها وهي تقول: -يلا نام يا حبيبي.
إنتِ هتنامي معايا؟، هزت رأسها بإيجاب مما ادخل السرور لقلب الصبي الذي لف ذراعه الصغير حول خصر والدته وغط في سباتٍ عميق بعدما شعر بالامان في حضرت مصدر أمانه الوحيد بجانب عزة، تنفست وحاولت جاهدة الدخول في النوم لتنجح بعد كثيرًا من الوقت لتسقط بدوامة النوم وتغرق بها علها تخفف عنها وطأة ذاك الكابوس الموجع التي عاشته.
صباح اليوم التالي
استيقظت وساعدت صغيرها على ارتداء ثيابه الخاصة بالمدرسة ثم اصطحبته وخرجا متجهين للمطبخ لتجد عزة تقف أمام موقد الغاز لمباشرة تجهيز طعام الفطار، تحدثت وهي تُجلس صغيرها: -صباح الخير يا عزة
صباح الفل على عيونك، واستطردت بعدما تحركت إلى الصغير لتميل على وجنته طابعة قُبلة به: -صباح الخير يا حبيب قلبي.
صباح الخير يا زوزة، نطقها الصغير بطلاقة، جلبت عزة الطعام ورصته فوق الطاولة وجلست لتتحدث لتلك التي تُطعم صغيرها بذهنٍ شارد: -مبتاكليش ليه يا حبيبتي؟ ده انا عملالك الأومليت اللي بتحبيه
تنهدت لتجيبها بألم: -وهجيب النفس اللي أكل بيها منين يا عزة
-وحدي الله وهوني على نفسك وإدعي له بالرحمة، تحدثت بيقين لتجيبها الأخرى: -لا إله إلا الله محمد رسول الله.
مدت يدها وناولت صغيرها كأس الحليب لتتحدث: -إشرب اللبن بسرعة قبل الباص ما ييجي يا يوسف
تناوله منها وبدأ بارتشافه، بسطت عزة ذراعها بشطيرة لتتحدث برجاء: -طب خدي ساندوتش الرومي ده كليه علشان يسندك
اجابتها بملامح متأثرة: -مش قادرة أحط أي حاجة في بُقي
كادت ان تضغط عليها من جديد لولا مقاطعة رنين الهاتف الارضي لتهتف عزة قائلة: -دي أكيد امك اللي بتتصل على الصبح كدة.
سيبك منها ومترديش، هي رنت على فوني من شوية وانا كنسلت، ثم نهضت وتحدثت وهي تضع صندوق الطعام داخل حقيبة الصغير: -يلا يا حبيبي علشان نلحق الباص تحت، ومتنساش تاكل كل اكلك، عاوزة اللانش بوكس يرجع فاضي مش زي كل يوم، مفهوم يا چو
حاضر يا مامي، تمسكت بكف صغيرها وجذبت حقيبتها لتتحدث بهدوء: -أنا ماشية يا عزة، سألتها باستغراب: -مش لسة بدري؟
أجابت بإبانة: -هروح ارتب الشغل وألغي موعيد أيمن بيه، اكيد لسة تعبان ومش هييجي الشركة النهاردة
سألتها مستفسرة: -ولو أمك إتصلت أقولها إيه؟
هتفت بضَجر: -إتصرفي يا عزة، ولا أقولك، أنا هرد عليها لو اتصلت بيا علشان أرحمك من زنها، تحركت بجانب طفلها حيث أودعته داخل الباص وتحركت بسيارتها باتجاه الشركة، أمسكت هاتفها وطلبت رقم أيمن ليُجيبها بعد قليل بصوتٍ واهن وهو يقبع فوق أحد أسِرة المشفي المملوك لنجله: -أهلاً يا إيثار
تحدثت بتأثر: -أهلاً بيك يا أفندم، طمني على صحتك، يارب تكون بقيت أحسن.
-أنا بخير الحمدلله، طمنيني، روحتي الشركة، نطقها مستفسرًا لتجيبه بإبانة: -أنا في الطريق، وهلغي لحضرتك كل مواعيد النهاردة لحد ما ترجع بالسلامة
بصوتٍ ضعيف املى عليها: -إقعدي مع المهندس عدنان وتابعي معاه أخبار الصفقة الجديدة
كاد أن يُكمل فهتفت تلك الجالسة بجواره: -كفاية كلام ومتتعبش نفسك يا أيمن، إيثار فاهمة شغلها كويس واكيد هتعمل كل ده من نفسها.
واستطردت بملامة: - ما هي ياما مشت أمور الشركة لما كنت بتاخد أجازات ونسافر
نظر بعينيه لتلك الجميلة ذات الاعوام الخمسون ليتحدث بعينين راجيتين: -معلش يا حبيبتي، هبلغها كام نقطة بس وهقفل على طول، قطع حديثه نجله الذي ولج للتو لينظر بحدة بالغة إلى الهاتف متحدثًا وهو يجذب الهاتف من يده: -هو ده اللي اتفقنا عليه يا بابا، مش قولت لك بلاش الموبايل وحاول تسترخي.
واسترسل بعتاب وهو يتطلع لوالدته: -وحضرتك قاعدة تتفرجي عليه يا ماما؟
أنا حاولت يا أحمد بس بباك هو اللي صمم يرد لما عرف إن إيثار هي اللي على التليفون، هكذا أجابته فوضع أحمد الهاتف وتحدث لتلك التي تستمع لحديثهم عبر سماعة البلوتوث الموضوعة بداخل أذنها حيث تتابع القيادة: -تابعي الشُغل بنفسك وبلاش ترجعي للباشا يا إيثار، هو محتاج راحة تامة إسبوع على الأقل.
بهدوء أجابته: -أنا مكلمتش الباشا علشان الشُغل يا دكتور، أنا كنت بكلمه اطمن على صحته، لكن أنا عارفة هتصرف إزاي في المواقف اللي زي دي، أصلها مش أول مرة الباشا يسيب لي الشركة تحت تصرفي، اجابها بتأكيد: - علشان كدة بقول لك إتصرفي ومترجعلوش، ولو فيه حاجة ضروري كلميني أنا.
-تمام، هقفل علشان معطلش حضرتك، نطقتها باقتضاب ليتحدث باحترام: -تمام يا إيثار، مع السلامة.
اغلق معها ليتحدث إلى أبيه: -مش ممكن يا بابا اللي بتعمله في نفسك ده، معقولة الشغل عندك أهم من صحتك!
نظر لتلك الأسلاك المعلقة بيده ليتحدث بتملل وهو يعتدل جالسًا: -تعالى شيل البتاع اللي مركبهولي ده علشان أروح بيتي أرتاح فيه
نهضت نيلي لتقترب من زوجها قائلة بقلق: -بيت إيه اللي عاوز ترجعه وإنتَ تعبان بالشكل ده يا أيمن!
-زهقان يا نيلي، مش طايق منظر المحاليل ولا ريحة الأدوية والتعقيم، كلمات قالها باقتضاب ليكمل وهو يتزحزح لينزل قدميه من فوق السرير ليهتف نجله: -يا بابا مينفعش اللي إنتَ بتعمله ده، على الأقل خليك هنا يومين كمان لحد ماترتاح
نطق بضَجَر: -مش هرتاح طول ما أنا في المكان ده يا أحمد، روحني يا أبني، نفسي أنام على سريري.
لم يكن بمقدور نجله فعل شيء سوى الانصياع لرغبة أبيه، بالفعل تحركوا به إلى المنزل وما أن دخل من الباب حتى وجد من تهرول من فوق الدرج لتسرع إليه لترتمي داخل أحضانه ليهتف شقيقها محذرًا: -حاسبي يا لارا، بالراحة بابا لسة تعبان
ابتسم هو ووضع كف يده ليمررهُ فوق شعرها قائلاً بحنان: -سيبها يا أحمد، دي اللي حضنها فيه الشفا لقلبي.
التصقت به أكثر وباتت تتمسح بصدره قائلة بدموعها التي انهمرت: -أنا أسفة يا بابي، انا السبب في كل اللي حصل ده
ابتسم لها وتحدث نافيًا كي يمحي عنها شعور الذنب الذي بات ملازمًا لها منذ تلك الليلة المشؤمة: -إنتِ ملكيش ذنب في أي حاجة حصلت، كل اللي حصل من أول حادثة بسام لحد حادثة الإغتيال بتاعة إمبارح مكتوب ومقدر.
اقتربت نيلي من نجلتها وبدأت بسحبها لتحثها بالإبتعاد عن والدها لتقول: -مش وقت الكلام ده يا لارا، بابي لسة تعبان ولازم يطلع يرتاح في أوضته.
لا يطلع إيه، بابا مش لازم يطلع سلالم ويجهد قلبه، نطقها أحمد باعتراض واسترسل مفسرًا: -أنا كلمت الشغالين خليتهم جهزوا أوضة الضيوف علشان الباشا يرتاح فيها لحد ماصحته تتحسن
وافقه الجميع وتحرك أيمن صوبها بصحبة زوجته ونجلاه.
بالشركة.
بعد قليل كانت داخل مكتبها تجفف أثر دموعها التي انهمرت عندما وصلت لمقر الشركة وشاهدت تجمع بعض رجال الشرطة المتواجدون لاستكمال التحقيق مع جميع الموظفين، تذكرت ما حدث بالأمس لذاك المسكين وكأنهُ شريط سينمائي يُعاد أمام عينيها من جديد، حاولت جاهدة تجاوز ما حدث والتغلب على الألم الساكن قلبها لتتحرك إلى مكتبها وترتمي فوق مقعدها باستسلام، دلفت فتاة رشيقة تمتلك جسدًا ممشوقًا ترتدي تنورة قصيرة تكشف عن ساقيها البض تعتليها كنزة ضيقة بأكمام تاركة العنان لشعرها الأصفر مما جعلها صارخة الجمال، اقتربت من إيثار وتحدثت باحترام: -صباح الخير يا أستاذة إيثار.
لتجيبها الأخرى بعملية: -صباح النور يا هانيا
واستطردت وهي تناولها ملفًا: -إتصلى بأسماء العملة إلى موجودين في الملف ده واعتذري لهم وإلغي مواعيد النهاردة، وبلغيهم إن حالة أيمن بيه الصحية متسمحش وإننا هنبلغهم بالمواعيد الجديدة أول ما حالته تتحسن ويرجع لشركته.
تحدثت هانيا مستفسرة: -هو أيمن بيه كويس؟
اجابت باقتضاب: -الحمدلله، هو بخير بس طبعاً مش هيقدر ينزل الشركة قبل إسبوع على الأقل
واسترسلت: -من فضلك خلي البوفيه يعمل لي قهوتي
أومأت الفتاة وتحركت للخارج.
داخل مبني النيابة العامة بالقاهرة الكبرى
كان يجلس فوق مقعده الخاص بمكتبه، منشغلاً بتخليص أحد الأوراق المتواجدة أمامه ليقطع تواصله رنين الهاتف الأرضي الموضوع جانبًا، أمسك بالسماعة ليجيب بوقار يليق به: -ألو
إستمع للطرف الأخر وكان رئيسه المباشر حيث تحدث قائلاً: -أزيك يا فؤاد.
-بخير يا باشا، إتفضل معاليك، نطقها بعملية ليقول الأخر بتفسير: -فيه حادثة محاولة إغتيال حصلت إمبارح لرجل الأعمال أيمن الأباصيري قدام شركته، رجل الأعمال فلت من ضرب النار، والسواق بتاعه هو اللي دفع حياته تمن حمايته ل أيمن.
أومأ فؤاد متحدثًا: -قريت عن الحادثة في صفحات التواصل الإجتماعي وعندي فكرة عنها.
-طب كويس، وفرت عليا شرح التفاصيل، القضية دي من النهاردة قضيتك يا سيادة المستشار، لأنها متشعبة وفيه قضية مرتبطة بيها، قضية قتل إبن رجل أعمال شهير إتقتل في فيلا ايمن الاباصيري، وعلى فكرة، أيمن قدم بلاغ رسمي النهاردة بيتهم فيه رجل الاعمال صلاح عبدالعزيز بمحاولة قتله، القضية صعبة ومحتاجة مجهود ذهني جبار، واسترسل باستحسان: -أنا قُلت لسيادة الريس إن محدش هيخلص القضية دي ويقفلها غير فؤاد زين الدين.
-متشكر لثقة سعادتك يا باشا وربنا يقدرني واكون قدها، نطقها برزانة ليتحدث الاخر: -هبعت لك ملف القضية اللي إتحول لنا من قسم الشرطة اللي حقق في الواقعة، ومعلش يا سيادة النائب، هتضر تروح ل أيمن الأباصيري المستشفى بنفسك علشان تاخد أقواله.
وإلى هنا فقد تحول داخله من السكون إلى الاشتعال، نهض وإلتف حول مكتبه ليقف أمام النافذة يتطلع إلى الخارج ليتحدث في جمود: -بس جنابك عارف إني رافض مبدأ خروج وكيل النيابة من مقره مهما كان مين الشخص اللي هيتاخد أقواله، إحنا المفروض بنفذ القانون يا أفندم والقانون ده يمشي على الكل من أصغر مواطن لأكبر راس في البلد.
تنفس قبل ان يُجيبه مفسرًا: - أنا فاهم الكلام ده كويس ومقدر موقفك وبحترمه يا فؤاد، لكن هنعمل إيه، لازم نبدأ في التحقيق، والراجل من ساعة اللي حصل له وهو مرمي في المستشفي وتعبان، معندناش رفاهية الوقت اللي هنستناه لحد ما يخرج من المستشفى، الراجل إسمه كبير وليه وزنه في البلد، ممكن جداً اللي حاولوا يقتلوه يكرروا المحاولة ولا قدر الله تنجح والراجل يتقتل بجد المرة دي، ساعتها الرأي العام هيتقلب علينا ويتهمونا إننا تقاعسنا عن شُغلنا.
-تمام معاليك، بس إديني فرصة لحد بكرة، معايا قضية سالم الحسيني ولازم اقفلها النهاردة، هكذا اجابه ليوافقه الاخر الرأي تحت ضيق فؤاد من تلك التنازلات التي يوافق عيها مضطرًا في بعض الأحيان.
مر اليوم على الجميع بسلام، كانت تقود سيارتها قاصدة العودة لمنزلها، ممسكة بطارة القيادة وهي شاردة الذهن تفكر بذاك ال كريم الذي فقد حياته بلمح البصر، قطع شرودها رنين هاتفها، نظرت بشاشته لتزفر بضيق حين رأت نقش اسم والدتها، ردت باقتضاب وبصوتٍ خالي من المشاعر: -نعم يا ماما، خير!
تنهدت منيرة بضيق ثم تحدثت بصوتٍ حزين متصنع: -هو ده ردك على أمك يا إيثار!
زفرت بقوة لتهتف بضجر: -هاتي من الاخر وقولي عاوزة إيه يا ماما، أنا سايقة العربية وممكن أخد مخالفة، فانجزي.
تنهيدة حارة خرجت من صدر منيرة لتقول باندفاع: -عمرو كلم عزيز تاني وعاوز يرجعك
لتستطرد بنبرة طامعة: -بس المرة دي غير كل مرة، ده هيحط لك نص مليون جنيه في البنك بإسمك، وهيجيب لك شبكة جديدة والذهب اللي إنتِ هتنقيه كله هيشتريهولك، وكل اللي تقولي عليه هينفذه من غير كلام
سألتها متهكمة: -وياترى ولادك الرجالة هياخدوا كام من ورا الثفقة الجامدة دي يا أم عزيز؟
ارتبكت وتحدثت نافية بتلعثم: -إخص عليكِ يا إيثار، هو ده ظنك في إخواتك، طب دول يا حبة عيني كل مناهم إنهم يشوفوكي متسترة ومتستتة في بيتك وفي ضل راجل
هتفت ساخرة: -راجل! هو مين ده اللي راجل، عمرو إبن إجلال!
-عيب تتكلمي كدة على الراجل يا بنتي، طب على الأقل إعملي حساب ل يوسف، وكأنها بمجرد نطقها لتلك الكلمات قد فتحت عليها بابًا من أبواب جهنم لتهتف الأخرى بقوة بكلماتٍ لازعة: -عيب دي تقوليها لولادك اللي عاوزين يبيعوني ويرموني لراجل زبالة علشان خاطر مصالحهم، وتقوليها لنفسك قبلهم
شعرت بغصة مرة بحلقها لتقول مسترسلة: - إنتِ إيه يا شيخة، هو أنا مش بنتك أنا كمان، بتعملي فيا كدة ليه!
من المتوقع أن تتألم أية أم لنطق إبنتها لتلك الكلمات اللائمة لكن الامر يختلف مع تلك المنعدمة المشاعر لتتحدث بنبرة تهديدية صريحة: -بلاش الكلمتين الماسخين بتوع كل مرة دول واسمعيني كويس، أنا حايشة عنك عزيز بالعافية، فمتسوقيش فيها عشان اخوكِ مستني يشوفني هعمل إيه معاكِ، وإنتِ عارفة عزيز كويس، لو اللي في دماغه ممشيش هيهد الدنيا على دماغك.
واستطردت لتخيفها علها تتراجع: -ده مش بعيد ييجي ياخدك من قلب الشُغل مجرورة من شعرك ويفرج عليكِ الناس، فخديها من قصيرها وتلمي هدومك إنتِ وإبنك وترجعي وتتقي شر إخواتك.
-رجوع مش هرجع، وأعلى ما في خيلكم إركبوه، وخلي رجالتك يوروني هيعملوا إيه، نطقت كلماتها بحدة لتسترسل بتهديد: -وأقسم بالله العظيم، لو حد فيهم قرب لي أنا ولا إبني لانهشه بسناني والبسه قضية ميطلع منها أبداً.
قالت كلماتها التحذيرية واغلقت الهاتف قبل أن تنطق الاخرى بحرفٍ واحد، ظلت تنظر أمامها وبدون سابق إنذار خانتها دموعها لتنهمر على وجنتيها كشلالٍ، تركت لها العنان لتتخلى عن وجه القوة التي رسمته باحترافية شديدة وباتت تصدره للجميع وتتوارى خلفه، بكت بحُرقة حتى انتفض جسدها أثر بكائها الشديد، لقد قررت الإبتعاد عن عائلتها وقررت الهروب والعيش وحيدة هي وصغيرها في تلك المدينة الواسعة لتنأى من بطش جميع ذكورها، فلقد ابتُليت بكثرة الذكور بحياتها وإلى الأن لم تجد ذاك الرجل التي تستطيع الإستناد والإعتماد عليه، لذا قررت الإنسحاب والبدأ من جديد ولتكن هي السد المنيع لها ولصغيرها بهذه الحياة.
ليلاً داخل قصر سيادة المستشار علام زين الدين
ولج فؤاد بسيارته من بوابة القصر ليترجل بعدما صفها بمكانها المعتاد، تطلع بعينيه يتفقد المكان ليبتسم حين رأى شقيقته تجاور زوجها الجلوس فوق الأريكة الموجودة أمام حمام السباحة وسط أجواء هادئة تدعو للإستجمام، تحرك صوبهما ليقول بوجهٍ بشوش: -مساء الخير
-مساء النور يا فؤاد، أخبارك إيه، قالها ماجد بهدوء ليجيبه الاخر برزانة: -أنا تمام إنتَ كويس؟
-ماشي الحال، قالها وهو يهز رأسه لتقول فريال بحنو: -تعالى إقعد معانا يافؤاد
تنهد ليجيبها باعتذار: -معلش يا حبيبتي، يومي كان طويل وعندي شغل كتير بكرة، يادوب أطلع أخد شاور وأنام.
وقفت لتتحدث باهتمام كعادتها مع شقيقها التي تعتبره نجلها برغم أنهُ يكبرها بعدة أعوام: -هخلي سعاد تجهز لك العشا حالاً علشان تتعشى قبل ما تطلع اوضتك
أوقفها وهو يمسك رسغها برفقٍ ليقول: -متتعبيش نفسك يا رولا، أنا اتعشيت مع واحد صاحبي.
قطب ماجد جبينهُ واحاط ذقنهُ بأصابع يده ليقول بمداعبة: -مش عارف ليه عندي إحساس إن صاحبك اللي بتتعشى معاه من وقت للتاني ده هتطلع في الاخر مُزة وهتطلع سيادتك مغفلنا كلنا وعايش لنا فيها دور عدو المرأة وإنتَ مقضيها جولات مع الفاتنات.
انطلقت ضحكة مرتفعة منه وصلت حد القهقهة ليضحكا الزوجان على ضحكاته ليتوقف بعد ثواني وهو يقول: -ضحكتني يا دكتور والله، بس تعرف يا ماجد، مش إنتَ متجوز اختي من أكتر من خمس سنين، بس شكلك لسة متعرفش مين هو فؤاد زين الدين
قطب ماجد جبينه ليرفع الاخر قامته للأعلى وبقوة استطرد بإبانة: -أنا زي الشمس، مبستخباش ورا عمايلي، ولسة متخلقش اللي يجبرني أكدب أو أخبي حاجة.
-مالك قلبتها جد كدة يا سيادة المستشار، أنا بهزر معاك، نطقها ملتمسًا العذر ليقول الاخر: -عارف إنك بتهزر يا دكتور، أنا حبيت بس أوضح لك نقطة اتذكرت في سياق الكلام
وهم سريعًا بالانسحاب قائلاً كي لا يعطي المجال للحديث أكثر: -تصبحوا على خير
نظر بشرود في أثره ليقول متوجسًا: -هو زعل ولا إيه، أنا كنت بهزر والله.
جلست من جديد لتقول بأسى وهي تتابع انسحاب شقيقها للداخل: -هو عارف كويس إنك بتهزر يا حبيبي، بس الموضوع القديم شكله أخد محور جديد في حياته
زفر بضيق وتحدث بتأنيب ضمير: -الظاهر إننا لازم ناخد بالنا أكتر من كدة وإحنا بنتكلم معاه.
تطلعت لعينيه وتحدثت بعينين شبه دامعتين: -أنا حاسة إني عاجزة قدام مشكلة أخويا يا ماجد، مش عارفة أعمله إيه علشان أخرجه من الدايرة دي
تنهد بأسى لأجل حبيبته ثم قال بإبانة علها تقتنع وتترك شقيقها وشأنه: -ريحي نفسك يا رولا، أخوكِ مش صُغير ومش محتاج وصي في حياته، ده راجل معدي ستة وثلاثين سنة يعني ناضج كفاية بإنه يعرف مصلحته، ولو هو مقتنعش بفكرة الجواز مرة تانية مفيش مخلوق هيقدر يفرض عليه الفكرة.
أطرقت برأسها قائلة بحزن: -للاسف كلامك صح
سحبها لداخل أحضانه كي يخفف عنها ثم تحدث بمداعبة: -إحنا كُنا بنقول إيه قبل فؤاد ما ييجي؟
ضحكت لتذكرها مداعبات زوجها لها قبل ولوج شقيقها واندمجت معه مرةً اخرى.
صباح اليوم التالي.
كانت متواجدة بمكتبها عندما ولجت إليها هانيا وابلغتها بحضور رب عملهما إلى الشركة لتنهض سريعًا وتتحرك متجهة صوب مكتب أيمن والذي يفصل بينهما بابًا داخليًا حيث أن مكتب أيمن يوجد له بابان بابًا خارجي منفتح على حجرة مكتب السكيرتارية والأخر على الحجرة الخاصة بمديرة مكتبه إيثار، خطت للداخل لتقول بذهول: -ده حضرتك هنا بجد، أنا مصدقتش هانيا وهي بتقول لي إنك وصلت لمكتبك وعاوزني، معقولة تنزل الشركة وإنتَ لسة تعبان!
-طب قولي لي حمدالله على السلامة الاول وبعدين حققي، وبعدين مش كفاية عليا تحقيق دكتور أحمد ونيللي، هيبقى هما في البيت وإنتِ هنا يا إيثار، نطق كلماته لائمًا لترد باستغراب: -أنا بصراحة مستغربة ومش عارفة دكتور أحمد ساب حضرتك تخرج إزاي؟!
تنهد ليتراجع بمقعده للخلف وقد بدا عليه التعب وعدم التعافى الكامل ليقول بإبانة: -أنا خرجت منهم بإعجوبة، بعد ما أقنعتهم إني لو فضلت قاعد في البيت ممكن يجرى لي حاجة
واستطرد بجدية: -خلينا في المهم، إتصلي بشركة طارق الرفاعي وخليه ييجي علشان نعقد الإجتماع اللي إتأجل إمبارح
تحدثت باعتراض لطيف: -يا باشمهندس حضرتك لسة تعبان، حرام عليك اللي بتعمله في نفسك ده.
أجابها بابانة: -أنا كويس يا إيثار، وهقول لك اللي قولته لولادي ونيللي، اللي زيي مبيتعبش من الشغل، اللي زيي بيموت لو بِعد عن شغله وشركته يا بنتي
استطرد ليحثها على التحرك: -يلا بقى اسمعي الكلام وبلغي الراجل علشان يلحق يظبط مواعيده.
هزت رأسها باستسلام وتحركت لتنفيذ ما أُمرت به، في تمام الساعة الحادية عشر وداخل قاعة الإجتماعات الخاصة بالشركة كانت تجلس بجوار أيمن تتابع بتركيز ما يقال داخل الإجتماع وتدونهُ بدفترها حيث حضر طارق الرفاعي وبعضًا من موظفيه لحضور الإجتماع وإبرام الصفقة، استمعت لاصواتٍ عالية تأتي من مكتب السكرتارية فنهضت سريعًا بعدما رأت نظرات أيمن الغاضبة، انسحبت للخارج لترى ما المشكلة وتنهيها وتحاسب المتسبب بإحداث تلك الفوضى بوجود الزائرين، وجدت هانيا تقف أمام رجلين أحدهما يرتدي حلة سوداء ويبدو من هيئته الوقار والثراء وهذا ما استشفته من ظهره، استمعت إليه يهتف غاضبًا: -تدخلي حالاً تدي للمدير بتاعك خبر بوجودي وإلا مش هيحصل لك طيب.
-فيه إيه يا حضرة، صوتك عالي ليه، لازم تراعي إنك موجود في شركة محترمة مش في سويقة، كانت تلك كلماتها التي نطقتها بحدة واستنكار ليستدير لها شاملاً إياها بنظراتٍ ازدرائية من رأسها لأخمص قدميها تحت إثارة غضبها، رفع حاجبه الأيسر ليتحدث بتقليل من شأنها: -وإنتِ تطلعي إيه إنتِ كمان؟
رمقته بنظرة إستنكارية لتهتف هانيا متطوعة بالإجابة: -دي الأستاذة إيثار الجوهري مديرة مكتب أيمن بيه
-سكرتيرة زيك يعني، نطقها بازدراء ليسترسل بصرامة موجهًا حديثه إلى هانيا: -شوفي لي حد محترم في أم الشركة دي أكلمه.
رمقته هي بنظراتٍ نارية ولو كانت النظرات تصيب لتفحم وتحول إلى رمادًا أمامها، نطقت بصوتٍ يبدو هادئًا لكنه يحمل بين طياته حربًا باردة: -حضرتك الموظفين المحترمين عندنا مبيستقبلوش غير العملاء المميزين، لكن أنا وزميلتي موجودين علشان نقابل أمثالك.
قالت جملتها الأخيرة وهي ترمقه بنظرة ذات مغزى ليرفع حاجبه الأيسر قائلاً بتكرار لجملتها: -العملا أمثالي؟
واستطرد بذات مغزى: -طب إدخلي يا شاطرة قولي للي مشغلك إن وكيل النائب العام المستشار فؤاد علام زين الدين عاوز يقابله وحالاً.
-للأسف يا سيادة المستشار، اللي مشغلني عنده إجتماع مهم ومستحيل أقاطعه علشان أبلغه بوجود جنابك، نطقت كلماتها ببرود استفزه لتنظر إليه باستنكار مسترسلة: -وعلى ما أظن إن حضرتك مش واخد ميعاد سابق؟
اشتعلت عينيه بشرارات ال?ضب وهدر وهو يقول بحدة بالغة: -إلزمي حدودك معايا واتكلمي كويس وإعرفي إنتِ واقفة قدام مين؟
بقوة أجابته: -حدودي انا عارفاها كويس جداً ومش محتاجة حضرتك تعرفها لي، وبالنسبة لشخص جنابك فده شيء ميخصنيش لأني لحد الأن متخطيتش حدود اللباقة معاك.
إزداد إنعقاد حاجبيه وهو ينظر إليها متعجبًا قوتها، لا ينكر أنه أعجب بشموخها رغم اشتعال روحهُ من مجادلتها له، أغمض عينيه محاولاً تنظيم أنفاسه كي يستعيد هدوئه حتى لا يحتد عليها أكثر ثم تحدث قائلاً بإبانة: -إسمعيني يا، قولتي لي إسمك إيه؟
-أستاذة إيثار، نطقتها بعزة وشموخ ليبتسم داخله برغم جمود ملامحه الخارجية ثم تحدث من جديد مفسرًا بعدما تملك من حالة الغضب التي شملته: -أوك، إنتِ شكلك كدة مش فاهمة الموقف فأنا هشرح لك، أنا وكيل النائب العام المكلف بالتحقيق في قضية الإغتيال اللي حصلت قدام الشركة من يومين، والمفروض إني كنت هاخد أقوال أيمن الأباصيري النهاردة في المستشفي، بس لما روحت أنا والكاتب لقيناه خرج من المستشفى وإبنه بلغني إنه موجود هنا في الشركة،.
واستطرد بنفاذ صبر: -فياريت تدخلي تبلغيه لأن كدة بتعطلوا وقت النيابة وده غلط عليكم.
كان يتوقع ردًا لطيفًا لكن حدتها لم تتراجع حيث تحدثت بما استفزه: -للأسف، مش هينفع.
قست نبراته مع هذا الغضب الذي ظهر بعينيه وهو يرمقها قائلاً: -إنتِ كدة تعديتي حدودك معايا، وعنادك ده هدفعك تمنه غالي
تحدثت بصوتٍ هاديء لتشرح له موقفها: -يا أفندم أنا لا بعاند معاك ولا حاجة، إسمح لي زي ما حضرتك شرحت لي سبب الزيارة أبين لك أنا كمان سبب كلامي
واسترسلت مشيرة بكفها نحو مكتبها باحترام: - ياريت تتفضل معايا في مكتبي أشرح لك أسبابي وإنتَ بتشرب قهوتك
توقفت لتسأله: -قهوة حضرتك إيه؟
توقف أمامها ليتأمل ملامحها الصارمة، نظارتها الطبية التي أعطت لها مظهرًا عمليًا ووقارًا غريبًا يجبر من يتحدث معها على إحترامها، بجانب تلك البدلة العملية التي توحي لمدى جديتها بالحياة، قطب جبينه متعجبًا طريقتها ليتنهد قائلاً باستسلام: -سادة
التفت للكاتب وسألته بابتسامة لطيفة أثارت تحفظ فؤاد حيث أخذها من باب عدم الاحترام لشخصه: -وقهوة حضرتك؟
أجابها الرجل فنظرت إيثار للفتاة وأملت عليها جلب القهوة إلى مكتبها لتتقدم الرجلين متجهة صوب مكتبها الخاص لتجلس خلف مقعدها بعدما جلسا الزائرين، وضعت ذراعيها أمامها وبدأت تتحدث بوقار: -الباشمهندس أيمن لسة تعبان وحالته الصحية مش أحسن حاجة، هو حضر مضطر علشان يتمم صفقة مهمة جداً للشركة المفروض كانت تتم إمبارح، وكل يوم تأخير بيكلف الشركة خسارة لمبالغ كبيرة.
واسترسلت بإبانة: -الناس اللي جوة مع الباشمهندس ناس عملية بطريقة لا تتخيلها، الدقيقة عندهم بتتحسب بفلوس
هزت رأسها برفضٍ لتسترسل: -مينفعش اقتحم الإجتماع واطلب منهم ينتظروا لحد ما الباشمهندس يخلص كلامه مع حضرتك
كان ينظر إليها بتعمق واضعًا كف يده فوق ذقنه يتحسسها بتأمل لتستطرد كلامها: -خلينا نتكلم بموضوعية اكثر، سيادتك جاي تاخد أقوال الباشمهندس في اللي حصل، سؤال هيجيب سؤال وموضوع هيفتح موضوع تاني.
ضيقت بين حاجبيها بتفكُر لتستطرد: -يعني أقل حاجة الاستجواب هياخد ساعة ده إذا مكنش أكتر، تفتكر حضرتك الناس اللي جوة دي هتقدر تنتظر ساعة؟!
-كنت دايمًا بستغرب من لقب مديرة مكتب، كنت بقول لنفسي دي مجرد منظرة من صاحب الشركة، أصل هتكون بتعمل إيه يعني أكتر من اللي السكرتيرة بتعمله، قال كلماته باستخفاف ليستطرد باستحسان: -لكن بصراحة بعد الموقف ده، أمنت بأهمية دور مديرة المكتب.
أومأت شاكرة، تقدمت هانيا عامل البوفيه لتتحدث بهدوء إلى إيثار: -القهوة يا استاذة
قدمها للضيوف يا عزت، جملة عفوية نطقتها إيثار ليتحرك عامل البوفيه ليقدم القهوة إلى الموظف لينتفض الرجل بجلسته مُشيرًا لسيده قائلاً بتوقير: -ميصحش كدة، قدم للباشا قهوته الأول
إبتسامة متهكمة اعتلت ثغرها لاحظها ذاك الجالس بغرور واضعًا قدمًا فوق الأخرى ليسألها مستفسرًا: -ممكن أعرف إيه سبب الضحكة الغريبة دي؟
أجابته بذات مغزى: -اصلى بستغرب جداً من رجال النيابة والقضاء المصري، برغم إنهم القائمين على إصدار القوانين وتطبيقها إلا إنهم أول ناس بيخترقوها.
قطب جبينه غير مستوعبًا لتسترسل موضحة باستفسار: -المفروض إن لقب البهوية والبشوية إتلغت من مصر بقوانين، ومع ذلك لسة ناس كتير في السُلطة بتستخدم اللقب وكأنهم قاصدين علشان يميزهم عن باقي الشعب، وأكثر الناس دي هما رجال القضاء، اللي زي ما قولت المفروض يكونوا احرص الناس على تطبيق القوانين.
-ده أنتِ طلعتي معقدة طبقيًا، نطقها مع ابتسامة ساخرة بادلتهُ بمثلها لتتحدث متهكمة: -هو علشان كلامي مجاش على هوا جنابك هتطلعني مريضة نفسيًا!
-أنا جبت سيرة مرض نفسي؟ 000 نطقها بمراوغة لتُجيبه باقتضاب: -مش لازم تقولها صريحة
اشارت بكفها: -إشرب قهوتك قبل ما تبرد
واستطردت بذات مغزى وهي تضغط في إخراج الحروف: -القهوة لما بتبرد بتفقد مذاقها وبتبقى زي عدمها.
تبسم معجبًا بذكائها وشخصيتها القوية ليرتشف قهوته بهدوء، بادر بسؤالها: -إنتِ كنتي موجودة وقت للحادثة ماحصلت؟
تغيرت ملامح وجهها لتكتسي بالحُزن وتنهدت لتجيبه متأثرة: -أيوة، أنا نزلت في الاسانسير أنا والباشمهندس
واسترسلت بغصة في حلقها: -وكريم الله يرحمه كان معانا، خرجنا من باب الشركة مع بعض لحد ما وصلنا لعربياتنا، وحصل اللي حصل
سألها باهتمام: -يعني إنتِ شفتي الناس اللي ضربوا النار، تقدري توصفيهم؟
هزت رأسها بنفي لتقول شارحة: -اللي حصل كان مفاجأة للكل، محدش لحق يركز في حاجة، ضرب النار كان كتير جداً وصعب حد يركز في مواصفاتهم.
-هستناكي بكرة في مبنى النيابة علشان تُدلي بأقوالك، نطقها ورفع كوب القهوة ليرتشف ما تبقى به، قطبت جبينها لتتحدث بإبانة: -أنا قولت كل اللي اعرفه لحضرة الظابط اللي حقق في القضية.
-القضية إتحولت للنيابة وبقت تحت مسؤليتي، قالها بجدية ليسترسل بتفاخر: -وفؤاد علام مبيعتمدش على تحقيقات حد.
تنهدت بضيق ثم تحدثت مقترحة: -طب ممكن حضرتك تسألني في اللي حابب تعرفه هنا، وكدة كدة عندنا وقت
ابتسم ساخرًا ليتحدث بنبرة مقللة: -على أخر الزمن رئيس النيابة هياخد أقوال الشهود في مكاتبهم
وبلحظة تحولت ملامحه لصارمة ليستطرد بنبرة حادة: -إنتِ بتكلمي رئيس نيابة مش عامل دليفري يا أستاذة.
رفعت حاجبها الأيسر لتتحدث ساخرة: -بيتهيء لي إن جناب رئيس النيابة جاي هنا علشان ياخد أقوال أحد الشهود في مكتبه،
وضعت سبابتها بمقدمة رأسها مدعية التذكر لتستطرد بذات مغزى: -أه نسيت، حضرتك جاي لرجل الأعمال أيمن الاباصيري مالك أكبر شركة إستيراد وتصدير في البلد كلها، مش معقول هتعامل إيثار الجوهري مديرة مكتبه بنفس المعاملة.
انتفض واقفًا بعدما تحولت ملامحه إلى مشتعلة مما جعلها ترتعب وتشعر أنها قد ازادتها، ليتقدم منها وكاد أن يتحدث قاطعه صوت رنين هاتف مكتبها لترد سريعًا بعدما استمعت لصوت مديرها: -حاضر يا أفندم
اغلقت واشارت نحو الباب لتتحدث بارتياب: -الباشمهندس أيمن في إنتظارك.
رمقها بنظراتٍ حارقة ليهتف بنبرة حادة: -التليفون ده رحمك من غضبي، بس بسيطة، مستنيكي بكرة في مكتبي علشان أوجب معاكي وارد لك تحيتك
رمقته بنظرات جادة وتقدمت أمامه لتهتف باحترام وهي تشير ل أيمن: -إتفضل يا سيادة المستشار
لتسترسل بتعريف: -حضرته يبقى فؤاد علام زين الدين وكيل النائب العام اللي جاي ياخد أقوالك يا أفندم.
تعجب من سردها لإسمه بدقة، لقد نال ذكائها وسرعة بديهتها استحسانه بجانب شخصيتها الفريدة، وقف أيمن وتحرك باتجاهه ليمد يده متحدثًا باحترام: -أهلاً وسهلاً يا فؤاد باشا، دكتور أحمد إبني كلمني وقال لي إنك سألت عليا في المستشفى
واستطرد بامتنان: -ومش عارف أشكرك إزاي إنك جيت لي لحد هنا.
-ده شُغلي يا أيمن بيه وكان لازم أنجزه لأن وقتي ضيق، نطقها بعملية ليُشير أيمن إلى تلك الاريكة المتواجدة بالمنتصف: -إتفضل معاليك
نظر إلى تلك الواقفة واستطرد قائلاً: -شوفي الباشا بيشرب قهوته إزاي يا أستاذة إيثار
بإشارة من يده أوقفها ليجيبه باقتضاب: -مفيش داعي، شربت فنجان برة في مكتب الإستاذة.
يظهر إن قهوتنا معجبتش الباشا، قالها أيمن بعدما رأى جمود ملامحه لينظر الاخر إلى إيثار متحدثًا بذات مغزى: -بصراحة لا، كانت باردة وملهاش طعم
استشاط داخلها لتيقنها بأنهُ يقصدها لا القهوة، ليتحدث أيمن متعجبًا: -غريبة قوي، ده مفيش حد داق قهوتنا إلا وشكر فيها، دي إيثار بتبعت تجيب البُن مخصوص من البرازيل
تحدثت باستفزاز: -القهوة أصلها أذواق يا باشمهندس.
رمقها أيمن بنظرة عاتبة لتتحدث هي بانسحاب: -أنا برة في مكتبي، لو حضرتك احتاجتني رن عليا.
-خليكي معانا علشان سيادة المستشار ياخد أقوالك بالمرة، نطقها أيمن بتلقائية لتجيبه بنبرة تهكمية: -لا ما اهو سيادته إستدعاني لمكتبه بكرة، علشان كدة هستأذن بكرة بدري ساعتين علشان ألحق ميعاد النيابة.
-ميعادك الساعة 11 صباحًا يا أستاذة، إنتِ هنا اللي بتحددي مواعيد اللي يدخل لمديرك، لكن مواعيد النيابة دي بتاعتي أنا، قالها بحنق مما أثار فضول أيمن الذي تسائل: -يظهر إنك زعلتي الباشا مننا يا إيثار.
-محصلش يا أفندم، بس من الواضح إن سعادته من الشخصيات اللي بيتوتر ويتضايق من الإنتظار، وأنا مكنش في إيدي أي حاجة اعملها، وخصوصًا إن سعادته مكنش واخد ميعاد سابق، نطقت كلماتها ل أيمن الذي تفهم حديثها ليقول وهو يحثها على الخروج: -خلاص يا إيثار، تقدري تخرجي تشوفي شُغلك.
خرجت تحت انظار ذاك الذي تابعها حتى اختفت خلف الباب، ليبدأ بحديثه قائلاً بعدما نظر بعيناه للموظف وحثهُ على البدأ بتدوين التحقيق: -حضرتك قدمت بلاغ ضد المدعو صلاح عبدالعزيز إتهمته فيه إنه ورا محاولة الإغتيال اللي اتعرضت لها، ممكن أعرف إيه السبب ورا الإتهام ده؟
تنهد وظهر الاعياء على ملامحه ليتحدث بابانة: -صلاح عبدالعزيز جالي بيتي من كام يوم وهددني إنه هياخد تار إبنه مني
-كويس إنك فتحت الموضوع، أنا عاوزك تحكي لي قصة إبنه اللي إتقتل في فيلتك وعلى إيدك، وياريت بأدق التفاصيل، نزلت كلماته على قلب ايمن كسواطٍ لتجلده، أخذ نفسًا عميقًا ليقول بنبرة حزينة: -أنا عمري ما كنت أتخيل إني ممكن أأذي نملة، مش اقتل بني أدم، اللي حصل كان غصب عني.
قطب جبينه وبات يتطلع عليه بتعمق ليسرد الاخر: -بسام إبن صلاح عبدالعزيز كان في حفلة عيد ميلاد واحدة قريبته، لارا بنتي كانت حاضرة الحفلة بحُكم إن البنت زميلتها في الجامعة، لما بسام شافها أعجب بيها وحاول يتقرب منها ويتكلم معلها لكن لارا صدته، فضل متابعها شهور يجري وراها في كل مكان والبنت كانت بتصده بكل قوتها لأنه كان فاشل وثقيل الدم، لحد ما في يوم كان بيشرب خمور مع أصحابه وأخدوا حبوب مهلوسة، جاب واحد صاحبه وجه لحد بيتي في نص الليل ونط من على سور الفيلا من غير ما الحَرس ياخدوا بالهم.
واسترسل موضحًا: -وده ظهر في كاميرات المراقبة اللي النيابة إطلعت عليها وقت التحقيقات، المهم، صاحب الولد ساعده ونقلوا سلم حديد كان الجنايني جايبه يطلع بيه على الشجر العالي علشان ينضفه، طلع على بلكونة اوضة بنتي
قاطعه فؤاد مستفسرًا: -وهو عرف أوضة بنتك منين؟!
أجابه ليقطع عنه الشك الذي ساورهُ: - بسام كان مجنون بحُب لارا، كان بيقف بعربيته بالساعات يراقب البيت ويستناها لحد ماتخرج في البلكونة علشان يشوفها.
واسترسل: -أنا كنت نايم في اوضتي لما سمعت صراخ بنتي فجريت انا ومراتي علشان نشوف فيه إيه، لما دخلنا لقيناه ماسك لها مسدس وبيجبرها على إنها تنزل معاه من السلم اللي موصل للبلكونة، إتجننت لما شفت رُعب بنتي في عنيها، جريت عليها وأخدتها في حضني، وهو شد أجزاء المسدس وهددني لو مبعدتش عنها وسبتها تمشي معاه هيقتلها قدام عنيا، وفعلاً بدأ يشدها من إيدي في الوقت ده اخوها أحمد دخل وكان هيهجم عليه، من خوفي على ولادي جريت عليه وحاولت أخد منه المسدس بس هو كان عامل زي المجنون، البرشام والمخدرات اللي كان شاربها مكنتش مخلياه في وعيه، مسكت معاه المسدس وقعدنا نشد قصاد بعض انا وهو لحد ما صباعه ضغط على الزناد وخرجت منه طلقة، استقرت في كليته عملت له نزيف وكانت السبب في موته.
كان يروي ما حدث منذ ثلاثة أشهر وكأنه يرى الحادث أمام عيناه، اغرورقت الدموع بمقلتيه ليستطرد وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا: -صدقني يا سيادة المستشار أنا ماقتلتوش، والطب الشرعي أثبت إن بصمات بسام هي اللي كانت موجودة على الزيناد وقت ما الطلقة خرجت.
-وطبعًا صلاح عبدالعزيز إتهمك بقتل إبنه، نطقها فؤاد ليجيبه أيمن بتأكيد: -ومن يومها وهو حالف لياخد بتارة مني، دي مش أول محاولة ليه، من حوالي شهر حاول يسممني لما قدم رشوة للشغالة اللي عندي في البيت وعطاها نوع سم تحطهولي في العصير، ولولا ستر ربنا والطباخ شاف البنت وهي بتحط السم من قزازة كانت في جيب فستانها ومسكها ونده لنا، مكناش إكتشفنا الموضوع وكان زماني مقتول على إيده.
سأله مستفسرًا: -قدمت بلاغ بالواقعة دي؟
-أيوة طبعاً قدمت بلاغ اتهمته فيه بالتحريض على قتلي وسلمت البنت لقسم الشرطة واعترفت بكل حاجة، لكن صلاح انكر صلته بالموضوع وساعده في إنه يفلت منها إن الولد اللي إتفق مع البنت قال لها إنه تبع واحد بيكرهني وعاوز يخلص مني، مذكرش اسم صلاح وده اللي خلى النيابة تخرجه لعدم وجود أي أدلة قوية تدينه.
إنتهى من التحقيق وخرج بعدما شكره أيمن الذي أوصله إلى الباب المؤدي لمكتب هانيا السكرتيرة، بات يتلفت بعيناه علهُ يرى تلك المشاكسة لكن خاب أمله، تعجب من حاله ومن التفكير بها ليهز رأسهُ ينفض منها تلك الافكار العجيبة ليتحرك مغادرًا الشركة بأكملها.
فتحت عينيها باتساع لتنتفض من فوق فراشها تتلفت حولها بفزعٍ بعدما استمعت لصوت جرس الباب والطرقات العالية التي صدحت لتصدر صوتًا مزعجًا افزعها من نومها، اتسعت عينيها بارتعاب وهي تنظر إلى الهاتف لتكتشف أن الساعة قد تخطت الثانية بعد منتصف الليل، نفضت الغطاء واتجهت نحو عليقة الملابس لتنتزع مأزرها الشتوي وترتديه بتلبك وهي تتحرك على عُجالة باتجاه باب المسكن لتقابلها عزة التي هتفت بارتعاب: -مين اللي بيخبط علينا كدة يا إيثار.
-مش عارفة، مش عارفة، نطقتها وهي تهز رأسها بهلع لتتجه إلى الباب وتقترب منه لاصقة إحدى عينيها بفتحة الباب السحرية لتجحظ عينيها بفزع وهي ترى عمرو لتتسلل إلى مسامعها نبراته التي تخشاها وتمقتها وهو يقول بصوتٍ يبدوا عليه عدم الإتزان: -إفتحي يا إيثار، إفتحي لي الباب.
شهقت لتهتف بحِدة جنونية: -إنتَ إتجننت يا عمرو، هي حصلت تجي لي الشقة وتخبط عليا الساعة إتنين بالليل؟!
زاد من طرقه الجنوني للباب وتحدث بلسانٍ ثقيل مع ترنح جسده مما جعلها تتوقع احتساءه لاحد المشروبات الكحولية: -إفتحي الباب يا حبيبتي، أنا قلبي مولع نار وعاوز اطفيها جوة حُضنك.
-يا نهارك إسود، إنتَ شارب، نطقتها بذهول ليهتف بعلو صوته: -أيوا شارب علشان أنسى رفضك ليا، إرجعي لي يا إيثار علشان أحس إني عايش.
تحدثت برجاء كي تحسه على الرحيل: -إمشي يا عمرو قبل الجيران ما تصحى وتتفرج عليك وإنتَ بالشكل ده، أرجوك أنا مش ناقصة فضايح.
لو مش عاوزة فضايح إفتحي وخلينا نتكلم جوة، نطقها مستغلاً خشيتها من حديث الجيران لتهتف عزة بصوتٍ مرتعب: -إوعي تفتحي له، ده الموكوس شارب ومش واعي بنفسه.
-أفتح له إيه إنتِ كمان، شيفاني مجنونة قدامك، نطقت كلماتها بملامح وجه مكفهرة لتهتف محدثة ذاك الواقف خلف الباب: -إمشي حالاً علشان ما تضطرنيش أطلب لك البوليس
نطق بعنادٍ وتعنُت بجسدٍ مترنح: -إعملي اللي إنتِ عوزاه، أنا مش هتحرك من هنا قبل ما أشوفك وأتكلم معاكِ
صرخت بعدما افقدها توازنها: -والله العظيم لو ما مشيت حالاً لاتصل بالبوليس واخليهم ييجوا ياخدوك ويعملوا لك محضر تهجم ومحضر سُكر.
-قولت لك إفتحي، نطقها وهو يركل الباب بقدمه بقوة ليخرج جارها المقابل متحدثًا بنبرة حادة: -فيه إيه يا أستاذ، إيه الدوشة اللي إنتَ عاملها دي، إنتَ عارف الساعة كام؟
ترنح بوقفته ليهتف بتهديدًا صريح: -أدخل وأقفل بابك عليك بدل ما اخليك تندم على عمرك.
ما أن استمعت لصوت همهمات الجيران التي بدأت تعلو بعدما خرجوا من جميع الطوابق على صياح ذاك الحاد، شعرت بروحها تكادُ أن تنسحب منها لتهرول باتجاه غرفة النوم لتتبعها عزة التي تحدثت وهي تراها تخطف هاتفها الجوال من فوق الكومود استعدادًا لعمل مكالمة: -إنتِ هتطلبي البوليس بجد يا إيثار، إحنا مش ناقصين مشاكل مع نصر البنهاوي، ده راجل شراني وقرصته بالقبر.
-المشاكل هي اللي جت لحد عندنا يا عزة، نطقتها وهي تطلب رقم...
