الفصل الثالث
ضغطت زر الإتصال برقم أيمن الأباصيري لتتحدث بحرج بعدما استمعت لصوته المتحشرج بفضل تعمقه بالنوم: -أنا أسفة بجد إني بزعج حضرتك في وقت متأخر زي ده، بس مقداميش حد تاني ألجيء له
سألها مستفسراً: -إتكلمي وقولي فيه إيه يا إيثار، أنا عارف إنك مش هتتصلي في الوقت المتأخر ده إلا إذا كانت فيه مصيبة، وده اللي خلاني رديت.
اجابته بصوتٍ مرتعب: -هي فعلاً مصيبة يا أفندم، عمرو البنهاوي واقف لي على الباب وعمال يخبط ومُصر إنه أفتح له، وشكله سكران على الاخر.
اجابها بنبرة خفيضة من أثر نومه: -ده يبقى وقع ولا حدش سمى عليه، متفتحيش وأنا هتصل بسعادة اللوا قدري الخواجة واخليه يبعت لك قوة تقبض عليه حالاً، وهخليه يعمل له محضر عدم تعرض ويمضيه عليه
واستطرد متوعدًا: -ده بعملته الغبية دي خدمك خدمة العمر.
أغلق معها لتتملل زوجته نيلي الممدة بجواره بالفراش لترفع رأسها للأعلى وهي تسألهُ بعينين متعجبة: -فيه إيه يا أيمن، وإزاي إيثار تتصل بيك في وقت زي ده وخصوصًا إنها عارفة إنك لسة تعبان؟!
ربت على كتفها وتحدث وهو يضغط على رقم ذاك اللواء: -هحكي لك بعد ما أعمل مكالمة ضرورية يا حبيبتي.
اغلقت إيثار الهاتف وابدلت ثيابها سريعًا بأخرى محتشمة استعدادًا لمقابلة رجال الشرطة، ثم هرولت إلى الباب من جديد حيث زاد صوت الخبطات وتعالت أصوات عمرو الصارخة: -إفتحي يا إيثار بدل ما أكسر الباب عليكِ، أنا مش همشي غير لما أشوفك إنتِ ويوسف، إفتحي يا حبيبتي، ده انا حبيبك عمرو، إنتِ نسيتي أنا كنت إيه بالنسبة لك.
-حرام عليك، إنتَ بتعمل فيا كدة ليه، إعتقني يا اخي لوجه الله بقى، نطقتها بهتافٍ حاد بعدما استمعت لهمهمات السُكان التي تعالت ليتحدث بصوتٍ ضعيفًا متوسل أشبه بباكي: -إفتحي يا حبيبتي عاوز أنام في حضنك، وحشتيني قوي ونفسي تنيميني على رجلك وتلعبي لي في شعري زي زمان، فاكرة يا إيثار، فاكرة.
اتسعت عينيها بذهول لتصرخ بعدما شعرت بالحرج من ساكني البناية ومن صورتها التي حتمًا ستهتز أمامهم وهي التي طالما حافظت عليها بكل ما أوتيت من قوة: -بس بقى كفاية فضايح، إنتَ إيه يا أخي، شيطان، ليه مُصر تدمر سلامي النفسي واستقراري اللي مصدقت أبنيهم من يوم ما بعدت عنك ونضفت، إتقي الله وسيبني في حالي وارجع لمراتك وبنتك.
خبط بقوة ليهتف غاضًا: -إفتحي الباب، مش هسيبك إلا لما ترجعي لي، إنتِ بتاعتي، ملكي أنا، محدش هيقدر يبعدك عني ومسيرك هترجعي لحضني تاني، إفتحي يا إيثاااار.
قال كلماته الاخيرة بصراخ هيستيري جعلها تهمس إلى عزة بارتياب: -روحي أقعدي جنب يوسف ليصحى مخضوض من الخبط بتاع المجنون ده
اجابتها: -حاضر بس هدي نفسك، زمان البوليس جاي وهياخدة يرميه في الحبس، وبدل ما ينام على الفرشة الحرير اللي جايبهاله أبوه، هينام على البورش وسط المجرمين وقتالين القتلة
لتشيح بكفيها بغيظ: -على الله واحد فيهم يغزه بسكينة يخلصنا من شره وغتاتته.
دخلت إلى الصبي وظل ذاك الارعن يدق بابها ويصيح باسمها مطالبًا إياها بفتح الباب حتى استمعت لصوت جلبة بالخارج لتنظر من فتحة العين وتتنفس باطمئنان بعدما رأت بعضًا من الرجال مرتديين زي الشرطة وعلى الفور أمسكوه واجتمع بعضًا من ساكني البناية حول الشرطة ليبدأوا في تقديم إفادتهم وازعاج ذاك المتعدي لهم، استمعت لطرق أحدهم للباب وهو يقول بطمأنة: -إفتحي يا مدام إيثار ومتخافيش، إحنا جايين بناءًا على تعليمات من سيادة اللوا قدري الخواجة، هو قال لنا إن عندك علم إننا جايين.
بالفعل فتحت وما أن رأها ذاك المعتوه حتى أفلت حاله ليهرول عليها وكاد أن يصل لها ليحتضنها لولا أيادي الشرطيان الذان لحقا به ليكبلاَ ساعديه خلف ظهره ويشيلا حركتهُ بالكامل مما اصابهُ بالجنون ليصرخ قائلاً: -سيبوني، إنتوا إتجننتوا، إنتوا مش عارفين أنا ابن مين؟
هتف الضابط المسؤل عن الحملة موبخًا إياه: -بس يَلا، مش عاوز أسمع نفسك.
هتف صارخًا باعتراض: -دي مراتي، والله لاخليكم تندموا كلكم، أنا إبن نصر البنهاوي يا بقر.
رمقه الضابط بازدراء ثم توجه ببصره إلى رجاله متحدثًا: -خدوا المحروس ونزلوه تحت في البوكس
تحرك الرجال ساحبين ذاك الذي بات يحرك جسده محاولاً التملص من بين أياديهم وهو يصرخ ويقذفهم بأقذر السُباب محاولاً التملص، نظر الضابط لها وتحدث باحترام: -ده طليقك يا أستاذة إيثار، مظبوط؟
اومأت بإيجاب ليسترسل بإعلام: -إحنا هنعمل له محضر سُكر واقتحام المكان والتهجم على أنثى في عُقر بيتها، وهستناكي بكرة تيجي في القسم علشان تمضي على المحضر وتأكديه
اومأت برأسها ليتحدث إلى سُكان البناية: -وياريت كام حد منكم ييجوا بكرة يقدموا إفادتهم علشان نوثق المحضر ونأكد على الإتهامات الموجهة للمتهم.
اومأ الجميع ليتحدث أحدهم: -إحنا تحت أمرك يا باشا، الأستاذة إيثار ست محترمة وليها سنين معانا هنا في العمارة محدش شاف منها حاجة وحشة، انا عن نفسي هاجي بكرة أشهد باللي حصل
ليستطرد بإبانة: -وهشهد كمان بإن طليقها إتهجم عليها ومسكها من ذراعها قدامي من حوالي إسبوعين، وانا اتدخلت وقتها أنا والسكيورتي وخلصناها من إيده وهددناه لو ممشيش هنتصل بالشرطة.
شكرتهُ بدموع عينيها التي انسابت رُغمًا عنها ثم توالت أصوات باقى السُكان الذين تطوعوا بإدلاء شهاداتهم والوقوف بجوار تلك الخلوقة في الوقت الذي تخلى عنها أقرب الأقربون.
انصرف الضابط وتحرك السكان كُلٍ لوجهته.
صدح صوت أبتهالات ما قبل أذان الفجر من صوامع مساجد البِلدة ليمليء القلوب بالراحة والسكينة، عدا تلك الحائرة التي تجوب غرفتها ذهابًا وإيابًا ممسكة هاتفها تضعهُ على أذنها بانزعاج، لم تعد تدري كم عدد المرات التي هاتفته بها ولم يرد، توقفت لتهتف بضيق: -لا، كدة الوضع مايتسكتش عليه.
أسرعت إلى خزانة ملابسها وانتقت ثوبًا محتشمًا وارتدته سريعًا ثم أمسكت بحجابًا وضعته على رأسها بعشوائية لتنطلق إلى الاسفل وبلحظة كانت تطرق باب والداي زوجها لتفتح لها إجلال التي صُدمت من ملامح وجه الاخرى المتوترة لتتحدث الأولى بارتياب: -إلحقيني يا ماما، عمرو مجاش لحد الوقت وبرن عليه تليفونه بيدي جرس ومابيردش.
عقدت بين حاجبيها لتسألها بصوتٍ متحشرج: -مجاش منين، أنا مش سألتك عليه قبل ما نقفل الباب الحديد قولتي لي إنه نايم فوق من بدري؟
تلبكت ولم تجد أمامها سوى النطق بالحقيقة لتتحدث بنبرة مرتعبة: -هو اللي أكد عليا أقول لكم كدة علشان يسهر مع أصحابه براحته من غير الحاج ما يعرف ويبهدله زي كل مرة.
همست بصوتٍ خفيض وهي تحثها على الإبتعاد بعدما بدأت بغلق الباب: -تعالي نتكلم بعيد بدل ما الحاج يسمعنا ويطين عيشته لما ييجي.
بالفعل تحركت بجانبها إلى أن دخلتا داخل حجرة الطعام وما أن أغلقتها حتى أمسكت ذراعها لتهزها بعنف ثم صاحت بتوبيخ: -عارفة يا وش البومة إنتِ لو إبني جرا له حاجة هعمل فيكي إيه
إنكمشت على حالها لتتحدث برعبٍ: -وأنا ذنبي إيه يا ماما
ذنبك إنك مش مالية عين جوزك ومخلياه طافش طول الليل من خلقتك العكرة، نطقتها بازدراء لتستطرد بكراهية: -ده غير إنك كذبتي عليا وقولتي إنه نايم فوق.
هتفت متنصلة لتبرأ حالها: -هو اللي قال لي أعمل كدة والله العظيم، أنا مكنتش أقدر أخالفه ما أنتِ عارفاه وعارفة عِنده، لو قالي إعملي حاجة وخالفته بينكد عليا بالشهور.
بحنقٍ أجابتها: -ما هو من خيبتك، دي اللي إسمها إيثار كانت مخلياه لازق لها ليل نهار في الشقة، ابوه كان بيخانق معاه علشان يسيبها ويروح يشوف شغله.
ابتسامة ساخرة خرجت منها لتتحدث وهي ترفع عنقها بكبرياء: -وهو لو كان بيحبها بجد كان فضلني عليها؟
وهو لما الشيطان وسوس لسيدنا أدم وخلاه أكل التفاحة الملعونة اللي خرجته من الجنة، كدة يبقى حب الشيطان؟، نطقتها بنبرة متهكمة لتستشيط الأخرى لكنها توارت بخبث خلف حزنها التي رسمته بإتقان لتسألها باستياءٍ مصطنع: -إنتِ بتشبهيني بالشيطان يا ماما؟
حملقت بدهشة مصطنعة لتقول بامْتِهان: -شيطان مين ده اللي اشبهك بيه يا بِت، ده الشيطان يتعلم منك ويقف يسقف لك كمان.
كم تبغض تلك الحقيرة وتكن بقلبها لها كرهًا لا يضاهيه شيء، وذلك لتيقنها بحقدها الشديد ورفضها لشخصها منذ الوهلة الأولى لدخولها للعائلة
جذبت منها الهاتف لتعيد الإتصال من جديد على هاتف نجلها ليصدح رنينه ويهتز على سطح مكتب الضابط الذي تحدث بتملُل للشاويش: -وبعدين في أم التليفون اللي مش عاوز يبطل زن ده.
-ماترد على المتصل يا باشا وبلغه إن صاحب التليفون مقبوض عليه، نطقها الشاويش ليقول الضابط وهو ينهض استعدادًا للخروج: -الواد متوصي عليه يا حسين، الباشا قال لي محدش من أهله ياخد خبر إلا لما المحضر يتحول للنيابة علشان أبوه ميعرفش يطلعه منها.
اومأ الرجل ليستكمل الضابط: -أنا طالع السكن علشان أنام لي كام ساعة قبل النهار ميطلع، مش عاوز حد يصحيني حتى لو الدنيا خربت، مفهوم يا حسين، نطق الأخيرة للتأكيد ليهز الاخر رأسهُ قائلاً: -مفهوم يا باشا.
بعد قليل داخل حُجرة الحجز التابعة لقسم الشرطة المحتجز به.
كان يقف خلف الباب ممسكًا بالسياج الحديدية الخاصة بباب الحجز، يصرخ بكل ما أوتي من قوة: -إفتحولي الباب يا رِمم، إنتوا متعرفوش اللي رمتوه في الحجز ده يبقى ابن مين، والله لاخرب بيوتكم كلكم.
-ما تخرس ياد في ليلتك السودة دي، صدعتنا من ساعة ما جيت من كتر صواتك اللي زي صريخ النسوان، التف ليستكشف من ذاك الذي تجرأ ونعته بذاك الوصف ليجد رجل ذو جسدٍ ضخم يتوسط الأرض بجلوسه العشوائي يرتدي ثيابًا متسخة وشعر رأس وذقن مبعثران، يمتلك وجهًا حاد الملامح وبه الكثير من النُدوبٌ الناتجة عن جروح بطعنات توحي بمدى إجرامه، لم يهتم بما رأه ليهتف بقوة يرجع سببها لعدم استيعابه لما يحدث بفضل كثرة المشروبات الكحولية التي تناولها وهي التي أودت به إلى هنا بعدما تصرف بعدم إدراك: -إنتَ بتكلمني كدة إزاي يا جدع إنتَ، إنتَ مش عارف أنا ابن مين؟
هتف أحد الرجال قائلاً باستهجان: -ماتفوق لنفسك يا بقف، إنتَ واقف قدام المعلم برعي كبير الحجز، يعني تدي له التمام وتقلب نفسك وتطلع كل اللي في جيوبك عشان تنول الرضا، ده لو مش عاوز كرامتك تتداس تحت جزمة اقل محجوز هنا.
رمقهم بازدراء ليقول بكثيرًا من الكبرياء: -ليك حق، ما انتَ لو تعرف أبويا يبقى مين مكنش زمانك واقف قدامي أصلاً.
هو كل عيل سيس ميسواش ربع جنية مخروم ييجي لنا هنا يسمعنا البوقين الحمضانين دول، نطقها برعي باستهزاء ليسترسل ساخرًا بصوتٍ غليظ: -طب إشجيني يا روح أمك وقولي إنتَ ابن انهي حرامي في البلد؟
رمقه بازدراء ليهتف الاخر صارخًا: -ماتنطق ياد بدل ما أخلي الرجالة تعمل معاك الصح.
صاح بكل صوته هاتفًا بغضب: -رجالة مين يا أبو رجالة، طب خلي نطع فيهم كدة يقرب لي وأنا أمسح لك بيه بلاط الحجز
تناقل الجميع نظراتهم لبعض لينطلقوا بقهقهاتهم الساخرة وذلك لمظهره المنمق وملامحهُ التي لا توحي بحديثه، زادت قهقهاتهم مما زاد من حنق عمرو ليهتف بحنق: -والله يا كلاب لاخلي لأبويا يربيكم كلكم.
توقف كبيرهم عن الضحك بعدما استمع لسبه على يد هذا الإمعة ليُعطي إشارة من رأسه صوب ذاك المغرور ليقترب منه الرجال مشكلين حلقة حوله ليرتاب داخلهُ بعدما رأى نظرات الغدر بأعينهم المصوبة عليه، انقض عليه الجميع دفعة واحدة ليركلهُ أحدهم ويلكمة الأخر وهكذا توالت اللطمات مما جعله يصرخ بأعلى صوته لينثر على مسامعهم بوابلٍ من أقذر الشتائم مع تهديده الواهي لهم، كل هذا تحت أنظار ذاك ال برعي الذي تعالت قهقهاته لتظهر أسنانه بلونها البُني المثير للإشمئزاز.
هتف أحد الرجال الواقف بجوار الباب يراقب الوضع: -الشاويش حسين جاي يا معلم
هرول الجميع بتخبط كُلٍ لوجهته تاركين ذاك المغرور مُلقيًا أرضًا وأثار الضرب ظاهرة على وجهه، استمع الجميع لصوت فتح الأقفال ليدخل بعدها الشاويش حسين هاتفًا بغضب: -صوتكم عالي ليه يا غجر؟
استقر بصره على ذاك ال مطرُوحٌ أَرضاً والدماء تسيلُ من أنفه وفمه ليهتف حانقًا قاصدًا بحديثه الجميع: -الله يخرب بيوتكم، إنتم لحقتوا، الواد لسة داخل لكم مكملش نص ساعة
حول بصره إلى كبيرهم ليقول بنبرة لاذعة: -وبعدين معاك يا برعي، مش ناوي تجيبها لبر إنتَ ورجالتك ليه.
-لا أنا ولا رجالتي لينا يد في اللي حصل له يا شاويش، الواد هو اللي اتشنكل وهو ماشي ووقع على بوزه اتشلفط، قالها ذاك المجرم ليرد عليه الأخر بتكذيب: -صدقتك أنا كدة
تحرك صوب عمرو وتحدث وهو يسنده ليساعده على الجلوس: -قوم يا موكوس
ساعده على الجلوس ليسترسل بعدما نظر لوجههِ بوضوح: -ده أنتَ وشك اتشلفط على الاخر
ثم نظر لبرعي قائلاً: -ملكش دعوة بالجدع واتلم إنتَ ورجالتك بدل ما تقضيها إنفرادي النهاردة.
نهض وتحدث مهددًا الجميع: -أنا طالع، وإياك أسمع صوت حد فيكم.
استند على الأرض ونهض متحاملاً ليُمسك بذراع الشاويش وهو يتوسَّل إليه قائلًا: -أرجوك يا حضرة الشاويش طلعني من هنا، حطني في أوضة لوحدي وانا هدفع لك فلوسها.
تعالت الضحكات الساخرة حتى الشاويش لم يستطع كبح ضحكاته ليقول ساخرًا: -تكونش فاكر نفسك نازل في لوكاندة السعادة
ليسترسل ناصحًا: -ماتنشف ياد ل ياكلوك
طب رجع لي تلفوني خليني اتصل بابويا ييجي يخرجني، نطقها بعينين مترجيتين ليتحدث الأخر متنصلاً: -الموضوع ده في إيد حضرة الظابط، وهو راح السكن خلاص ومحدش يقدر يهوب ناحيته ويصحيه، وإلا تبقى وقعته سودة.
واسترسل مشيرًا على جميع أركان الحُجرة المليئة بأجساد هؤلاء المتهمين الملقون بعشوائية: -شوف لك حتة فاضية اتلقح فيها انت كمان واتخمد لك ساعتين لحد النهار ميشق والظابط ييجي وأقول له.
تركه وغادر مغلقًا خلفه الباب غير مباليًا بنداءات عمرو المتوسلة، حول بصره ونظر للرجل وجده يتوعده باستكمال ما بدأ فانكمش على حاله وخر جالسًا مستندًا بظهر الباب لينظر للجميع بترقب وقد سكن الرعب بمقلتيه ولأول مرة يشعر بالخوف.
كم كانت ليلةً عصيبة تضاف إلى لياليها الموحشة، لكنها لم تتأثر بالقدر المتوقع، لو حدث ما حدث بالماضي لانهارت وفقدت ثباتها، لكنها تغيرت بفضل ما مرت به خلال الأربع سنوات المنصرمة، لقد حولتها الصدمات إلى شخصٍ أقوى حتى فاقت قدرة تحملها كثيرًا من قدرة الرجال، اصطحبت صغيرها وأوصلته إلى مدرسته لتواصل طريقها باتجاه مركز الشرطة التابع لمنطقتها والذي أخبرها به الشُرطي، صدح صوت هاتفها معلنًا عن وصول مكالمة لتُجيب بصوتٍ هادي: -صباح الخير يا باشمهندس.
علي الجهة الاخرى كان يجلس حول طاولة الطعام يتناول إفطاره بصحبة أسرته ليسألها مستفسرًا: -وصلتي لإيه يا إيثار؟
-أنا في الطريق لقسم الشرطة، هخلص هناك وأطلع على مبنى النيابة علشان قضية كريم، لتستطرد بالتماس: -وبعد إذن حضرتك هتأخر شوية.
-شوفي اللي وراكي وإرجعي بيتك إرتاحي، ليلتك كانت صعبة إمبارح واكيد منمتيش، قالها برحمة لتتنهد براحة ويسترسل هو: -أنا كلمت المتر عبدالسلام وزمانه مستنيكي في القسم، هيتابع معاكي إجراءات المحضر ويعمل اللازم.
اغرورقت عينيها بدموع العرفان، لقد غمرها ذاك الحنون برعايته لها وطالما كان لها العون والسند بعد الله، خرج صوتها متأثرًا لتتحدث بعرفان: - ربنا يخليك ليا، مش عارفة أشكرك إزاي، جمايلك كترت قوي يا باشمهندس
أجابها بما نزل على قلبها بردًا وسلامًا وتعويضًا: -بطلي هبل، جمايل إيه اللي بتتكلمي عنها، هو فيه جمايل بين الأب وبنته
أغلق معها بعدما شكرته ليسألهُ أحمد مستفسرًا: -مالها إيثار يا بابا؟
قص ما حدث تحت اهتمام أحمد وزوجته سالي وشقيقته لارا بجانب نيلي التي كانت على دراية مسبقة، لتتحدث نيلي بتأثر ظهر بَيِن بصوتها: -البنت دي حظها قليل قوي في الدنيا، ربنا بلاها بزوج كلمة راجل خسارة فيه، ولا اخواتها، حاجة تقرف، نطقت كلمتها الأخيرة باشمئزاز لتؤكد على حديثها سالي قائلة: -عندك حق يا طنط، لا ومن بجاحته ما اكتفاش باللي عمله فيها لما كانت مراته، راجع يكمل ندالته وخسته معاها بعد ما طلقها.
-موقف أهلها المخزي مقوي قلبه، هما ظلموها أكتر منه، كلمات صادقة قالها أحمد بجدية، كان يستمع لهم وهو يتناول طعامه، أوقف ارتشافه لكأس الشاي الساخن لينزلهُ كي يتحدث لابنته الشاردة باستفهام: -ساكتة ليه يا لارا، إيه اللي شاغل بالك يا حبيبتي؟
أغمضت عينيها في ألم ثم فتحتهما من جديد وهي تقول: -هو حضرتك مش شايف كل المشاكل اللي بتحصل بسببي.
واستطردت بنبرة متألمة: -أنا تقريبًا مش بنام يا بابي من يوم اللي حصل، مش قادرة انسى مشهد موت بسام، منظره وهو غرقان في دمه مش بيغيب عن عنيا
علشان خاطري خلينا نسيب مصر ونروح نعيش في بلد تانية، قالت جملتها بعينين متوسلتين.
مزقت نبراتها الحزينة نياط قلب والدها ليقول محاولاً التخفيف عنها: -نسيب بلدنا ونروح فين بس يا بنتي، مش كفاية سيبت بيتي اللي عيشت فيه عمري كله ونقلنا هنا لما قولتي إنك مش قادرة تقعدي فيه بعد اللي حصل.
أطرقت برأسها قائلة بحزن بعدما شعرت بأنها قد ضغطت على والدها وزادتها عليه: -أنا أسفة يا بابي، أنا عارفة إني تعبتك معايا الفترة الاخيرة، بس إنتَ أكيد حاسس باللي أنا بمر بيه، أنا حاسة بالذنب بسبب اللي حصل ل بسام واللي حصل لكريم السواق واللي لسة بيحصل لحضرتك
واسترسلت بعينين متوسلتين: -أرجوك سامحني.
تأثر الجميع بحديثها وتشتُت روحها الذي بات يلازمها مؤخرًا بفضل ما حدث، تألم قلبه لأجلها وما شعر بحاله إلا وهو ينهض متجهًا صوبها ليسحبها من كفها لتقف بقبالته ويجذبها لتسكن أحضانه واضعًا كفه ليمررهُ فوق ظهرها بحنان حتى هدأت، ليتحدث بنبرة قوية كي يحثها على الخروج من تلك الحالة التي سيطرت عليها: -إوعي تحملي نفسك ذنب أي حاجة، إنتِ بريئة من كل اللي حصل، وبسام اللي إنتِ زعلانة عليه ده هو السبب في كل حاجة، الله يسامحه مات وساب الدنيا والعة.
بعد قليل
كانت تجلس داخل مكتب الضابط المختص بالتحقيق بصحبة المحامي الذي بعثه أيمن، تمم الضابط جميع الآجراءات ليتحدث المحامي مستفسرًا: -هي القضية هتتحول للنيابة إمتى يا باشا
النهاردة إن شاءالله، هكذا أجابه لتتحدث هي بارتباك خشيةً من بطش نصر البنهاوي: -أنا شايفة إننا نكتفى بالمحضر وعدم التعرض يا أستاذ عبدالسلام.
أجابها الضابط بعملية: -مينفعش يا أستاذة، طالما عملنا المحضر وأثبتنا صحته بشهادة شهود الإثبات يبقى لازم يتحول للنيابة، وبعدين سيادة اللوا قدري الخواجة موصي عليه وقال لنا لازم يتربى
استرسل بإبانة بعدما رأى ترددها بعينيها: - تحقيقات النيابة هي اللي هتجيب لك حقك وتعلمه الأدب، لما يلبس في جُنحة هيفكر ألف مرة قبل ما يتصرف بغباء مرة تانية.
أطرقت رأسها بموائمة لتتحدث: -تمام، أنا مضطرة استأذن لو حضرتك مش محتاجني في حاجة تانية لأن عندي ميعاد نيابة ولازم ألحقه.
-إحنا كدة خلصنا وتقدري تتفضلي، جملة قالها الضابط لتنهض مستأذنه لتتحرك سريعًا باتجاه مبنى النيابة التابعة له، قادت بأقصى سرعة لتستطيع الوصول قبل حلول الوقت المحدد كي لا تدع للمدعو فؤاد فرصة مضايقتها، أخيراً وصلت قبل الميعاد بخمسة دقائق، سألت على مكتبه فارشدها أحدهم، اقتربت من رجل الأمن الواقف أمام باب المكتب وطلبت منه إبلاغ وكيل النائب العام بحضورها وناولته بطاقة تعريفها، طلب منها الرجل الإنتظار لحين اتخاذ الإذن لها، ولج للداخل مغلقًا الباب خلفه ليتحدث بتوقير وهو يقدم البطاقة لذاك المنكب على أوراقه بتمعُن: -الأستاذة بتقول إن عندها ميعاد مع حضرتك يا باشا.
رفع رأسهُ وبسط كفه ليأخد البطاقة مدققًا النظر بها، إبتسامة ساخرة خرجت من جانب ثغره ثم ضيق عينيه وهو يحك ذقنه بأصابع يده ليقول بعد تفكير: -خليها واقفة برة لحد ما أضرب لك الجرس.
خرج العامل ليبتسم بخبث بعدما عقد النية لمعاقبتها على المعاملة التي لم تلقى استحسانه بالأمس، بالخارج، تمللت بوقفتها بعدما مر أكثر من نصف ساعة وهي بالانتظار دون حدوث جديد، شعرت ببعض الألام بساقيها لتنظر لذاك الواقف قائلة بامتعاض: -هو أنا هفضل مسنية كتير؟!
-الباشا قال لي مدخلكيش غير لما يضرب الجرس، قالها باقتضاب كتمثالٍ لتهتف هي بحِنق: -أنا مالي ومال جرس الباشا بتاعكم، أنا ميعادي الساعة 11، والساعة الوقت 12إلا ربع
واسترسلت بعينين غاضبتين: -تدخل تقول للباشا بتاعك إني لو مدخلتش حالاً همشي وابقى أجي له وقت تاني يكون فاضي يشوف شُغله فيه.
ارجع ظهره للخلف وابتسم مستمتعًا بعدما توغل داخلهُ شعورًا بالتشفي، تحمحم لينظف حنجرته قبل ان يهتف بقسوة مناديًا على الحارس الذي هرول إليه ليقول الاخر بصرامة مخيفة أجاد رسمها: -إيه اللي بيحصل برة يا أمين، ومين دي اللي إتجرأت وعلت صوتها في حضرت النيابة؟
-دي الاستاذ، قطع حديثه اقتحام تلك الغاضبة للمكتب حيث قالت بنبرة صوت لاذعة تنمّ عن استيائها الشديد: -أنا اللي إتجرأت يا سيادة المستشار.
تراجع في مقعده وضيق عينيه ليرمقها بازدراء قائلاً بلهجة متعجبة: -إنتِ إزاي تدخلي عليا من غير ما أذن لك؟!
لم تهتم بحديثه اللاذع ولا بنظراته النارية بل تحدثت بثقة وحنق أظهرا كَم إستيائها: -أنا واقفة برة ليا ساعة إلا ربع منتظرة حضرتك تطلبني علشان أقول شهادتي وأمشي، بس وقفتي طالت ومش عارفة هفضل مستنية لحد إمتى!
-وإيه المشكلة لما تقفي ساعة وإتنين، اللي يشوف حمقتك يقول إن مصالح البلاد والعباد متوقفة على جنابك، نطقها متهكمًا لترمقه بنظرات ثاقبة وهي تقول بحزم بعدما تيقنت أنه قاصدًا ليرد لها ما حدث معه بالأمس: -المفروض إننا في نيابة يعني المواعيد ليها إحترامها وقُدسيتها، مش واقفة في فرنة بلدي علشان أستنى ساعة واتنين لما صاحب الفرنة يحن عليا ويديني دور في طابور العيش؟
أشار للعامل ليخرج ثم تراجع بمقعده الهزاز وأخذ يدور يمينًا ويسارًا وهو يرمقها بعينين باردتين كالصقيع ليقول بنبرة ذات مغزى: -أعرف ناس حياة العباد متوقفة على شغلها حرفيًا ومع ذلك انتظرت ساعة بحالها.
ابتسمت ساخرة بجانب فمها بعدما تأكدت من حدسها لتتحدث بذات مغزى: -طب كويس، كدة يبقى صفينا حساباتنا، ممكن بعد إذنك نبدأ التحقيق علشان ألحق ميعاد شغلي؟
رفع سماعة الهاتف الأرضي دون أن يلتفت إليها قائلاً بجمود: -تعالى لي في مكتبي حالاً يا سامي.
اغلق الهاتف ثم أشار بكف يده بغرور كي تجلس دون أن يتفوه بحرفٍ، رمقته ثم جلست بحدة ليحضر كاتب النيابة بعد قليل ويبدأ بأخذ أقوالها بجدية وموضوعية وكأن شخصًا أخر تلبس شخصيته، شخصًا حكيمًا عاقلاً عادل، سألها بجدية: -الإسم والسن والعنوان والحالة الإجتماعية؟
اجابته بثقة: -إيثار غانم محمد حسان الجوهري
عندي ثمانية وعشرين سنة، ساكنة في مدينة نصر، عنواني بالكامل موجود في البطاقة اللي مع حضرتك.
نظر للبطاقة التي أمامه فوق سطح المكتب ليناولها للكاتب لمليء البيانات لتسترسل هي: -الحالة الإجتماعية مطلقة
ضيق عينيه مستغربًا لينفض سريعًا تلك الافكار التي اقتحمت مخيلته ليُلقي عليها سؤالاً تلو الأخر
إنتهت من تقديم إفادتها ليتحدث بجدية: -كدة خلصنا
نهضت بحدة ثم تحدثت وهي تستدير للمغادرة: -بعد إذنك.
أوقفها صوته البارد حيث قال قاصدًا استفزازها وكأنه أُعجب بحالة التنافر والتجاذب التي خُلقت بينهما منذ أن إلتقيا بالأمس: -هتمشي من غير ما تدوقي قهوتنا؟
إلتفت تنظر عليه بجبينٍ مقطب وعقلٍ غير مستوعب، نهض وإلتف حول مكتبه ليقف أمامها، لقد كان مظهرهُ جذابًا للغاية، تطلعت لطوله الفارع وجسده الرياضي الذي ظهر من خلال ثيابه حيث كان مرتديًا بدلة سوداء وقميصًا مماثلاً محكمان على جسده مع وضعه لربطة عنق رمادية اللون ورائحة عطره المميزة التي ملئت أرجاء المكان ليتعمق بمقلتيها بعينيه الحادتين اللتان تتابعاها بدقةليتحدث بنبرة هادئة وكأنهُ تحول لأخر: -سبق لما زرتك في مكتبك طلبتي لي قهوة وضيفتيني بيها، أنا كمان عاوز أضيفك وأشربك قهوة، بس قهوة بجد.
إزداد إنعقاد حاجبيها ليستطرد هو بكلماتٍ متقطعة لتجعل منهُ مُثيرًا: -قهوة فؤاد، علام، زين الدين.
كان ينتظر رضوخها لسطوة وسامته كغيرها من النساء اللواتي قابلهُن بحياته، فجميعهُن يذُوبن بمجرد رؤيته وكعادته لم يبالي بهن وكأنهُن والعدم سواء، فما بالك بتلك التي يقف أمامها ويحدثها بكل ذاك الإهتمام لكنها فاجأته بنظراتها الحادة حيث تحدثت بذات مغزى: -ضيافتك وصلتني يا سيادة المستشار، متشكرة لأفضالك
ابتسم باستفزاز وتحدث قائلاً: -إنتِ مش لسة قايلة من شوية إننا صفينا حساباتنا؟
ليسترسل بمداعبة في محاولة منه بتلطيف الاجواء: -خلينا نشرب قهوة على الأقل مايبقاش ليكِ جمايل عليا.
أنا متأخرة على شُغلي يا افندم، فياريت لو مفيش حاجة خاصّة بالتحقيق تسمح لي أمشي، قالتها بملامح وجه حانقة ليُشير بكف يده باتجاه الباب بملامح تحولت لمقتطبة بفضل إسلوبها المنفر لتقول هي باستياء: -بعد إذنك
خرجت كالإعصار ليتأكد حينها بأنها وصلت للمنتهى مما فعلهُ به، تنفس بهدوء ليعود لمكتبه من جديد متابعًا عمله ولكن بذهنٍ شارد بتلك الفرسة الجامحة وهذا النوع من النساء الذي يصادفه للمرة الأولى بحياته.
في تمام الساعة الثانية عشر ظهرًا
دخل منزله كالإعصار المدمر حتى استقر بمنتصف البهو ليهتف بنبرة صاخبة زلزلت أركان المنزل بأكملها: -سُمية، إنتِ ياللي إسمك سُمية.
خرجت من المطبخ لتهرول إليه لتتبعها ياسمين ومروة اللتان كانا يتابعان تجهيز الغداء تحت ارتيابها من عدم إجابة زوجها إلى الأن على إتصالاتها المتكررة لكنها كبتت إنزعاجها بناءًا على تعليمات إجلال الصارمة، وقفت أمامه بجسدٍ مرتجف بعدما رأت نارًا مشتعلة بعينيه الغاضبة ليُمسكها من ذراعها يهزها بعنفٍ شديد وهو يقول بسخط: -جوزك فين؟ خ.
إبتلعت لُعابها وظهر الرعب بعينيها لمحت إجلال قد خرجت من غرفتها لتنظر إليها بنظراتٍ مستنجدة، استشاط داخله من صمتها ليصرخ بوجهها: -ماتردي يا بت، جوزك فين؟
-فيه إيه يا حاج، بتزعق ليه، جملة قالتها إجلال بداخلاً مرتعب ليهتف الاخر صارخًا: -فيه إن بنت ناصرة ضحت علينا وقالت لك إمبارح إن جوزها نايم فوق وهو بايت برة البلد كلها
اتسعت عيناه عندما رأى عدم تفاجيء زوجته بالموضوع بل أنها أمسكت كفه لتفلته من فوق ذراع تلك التي تكاد تفقد أنفاسها من شدة رعبها: -سيبها وتعالى نتكلم في أوضتنا يا حاج
قطب جبينه وسألها بتشكيك: -أسيبها إزاي، بقول لك البِت قرطستني.
-هي جت الفجر خبطت علينا وقالت لي وانا محبتش ازعجك، وقولت أكيد سرح في الوقت مع أصحابه ونام عند حد منهم، قالت كلماتها بهدوء كي تحسه على الاسترخاء لكنها فوجئت باحتدام ملامحه ليهمس مذهولاً: -يعني مرات إبنك كانت جاية تقول لنا علشان نشوف البيه بيتسرمح في انهي داهية تاخده لوش الفجر وإنتِ اللي منعتيها تتكلم؟
زفرت بضيق مع تقليب عينيها بضجَر لتهتف ناهرة إياه بنبرة حادة: -هو كان حصل إيه للغاغة اللي إنتَ عاملها دي كلها يا نصر؟
رمقها بغضب ليصيح ملقيًا اللوم عليها: -حصل إن إبنك بايت في القسم يا ست إجلال، إبن نصر البنهاوي عضو مجلس الشعب اللي بتتهز له شنبات بات في القسم إمبارح
لطمت خديها ليزيدها من البيت شعر قائلاً بغضبٍ عارم: - وياريتها جت على قد كدة ووقفت، ده المحضر إتحول من نص ساعة على النيابة وكمان شوية الصحافة هتاخد خبر وأعدائي ماهيصدقوا.
-إيه الكلام اللي إنتَ بتقوله ده يا نصر؟، نطقتها وهي تخبط على صدرها بكفيها ليصيح بحدة: -اللي سمعتيه يا اختي، ما أنتِ لو كنتي قولتي لي من ساعتها كنت عملت إتصالاتي وعرفت مكانه ولحقت المصيبة قبل ما تكبر، كنت هسكت ظابط القسم بقرشين ونخلص الموضوع، ولو ملوش في السكة دي كنت هجيبها له من اللي فوق منه وأخليه يقطع المحضر ولا من شاف ولا من دري.
قالها بغضب ليسترسل بحدة: -إنما بعد ما المحضر اتحول للنيابة مستحيل يخرج منها إلا لما بنت الجوهري تروح بنفسها للنيابة وتتنازل عن المحضر
برقت سُمية عينيها وهتفت مستفسرة والغيرة تنهش قلبها: -وإيه دخل بنت الجوهري في الموضوع يا عمي؟
إبقي إسألي البيه لما ييجي لك يا اختي، نطقها وهو يهز رأسهُ باستهزاء ليتكرر السؤال مرةً أخرى ولكن تلك المرة من المتجبرة زوجته حيث سألته بعينين متسعتين: -بنت الجوهري مالها بحبس عمرو يا نصر؟
العرة إبنك راح لها البيت الساعة إتنين الفجر وهو سكران واتهجم على شقتها وفضل يخبط قدام الجيران، والبوليس جه أخده.
واستطرد باستهجان: -والست إيثار راحت القسم وعملت له محضر تعدي، والجيران عملوا له محضر إزعاج، والشرطة لبسوه في محضر سُكر، كان يتحدث مشوحًا بكفاه من يراه يتيقن أنهُ اوشك على ذبحة صدرية ليستطرد بعينين حاقدتين: -وطبعًا لازم أروح بنفسي لبنت الجوهري وأترجاها علشان تتنازل عن المحضر.
يا لهوي يا لهوي يا لهوي، قالتها وهي تلطم وجنتيها تحت ذهول ياسمين ومروة وسمية التي شعرت بنار الغيرة تسري بأوردتها لتسترسل إجلال صارخة بنظراتٍ لائمة: -وإنتَ سايب الواد مرمي في النيابة وجاي تحقق معايا أنا ومراته يا نايب الدايرة؟
تنزل حالا? على مصر وماترجعش غير وإبني في إيدك، إتحرك يا نصر، نطقتها صارخة بأمر ليهتف وهو يجز على نواجذه من شدة غيظه: -إنتِ كمان ليكي عين تعلي صوتك وتتأمري.
كادت ان تنهره لولا تدخل سمية التي أمسكت كف يده وتحدثت وهي تنظر له بنظراتٍ ذليلة: -وحياة حبيبك النبي يا عمي لتروح تطلعه وبعدين إبقى تعالى ولومنا، إن شالله حتى تولع فينا، بس تطلعه الاول من المصيبة دي.
وزع رمقاتهُ الغاضبة بين كلتاهما ليزفر بضيق ثم هاتف نجله البكري طلعت المتواجد بالأراضي الشاسعة التابعة لوالده ليتابع ما يقوم به الفلاحون من أشغال خاصة بالزراعة والري وطلب منه أن يحضر في الحال ويترك أمر المتابعة لشقيقه حسين، ودخل غرفته ليأخذ بعضًا من رزم المال الورقية ويحملها بجيب جلبابه الكبير وينصرف تاركًا خلفه هؤلاء الأربع لينتحبن ويلطمن وجناتهن ليعلوا صوت تلك الغاضبة حيث توجهت باتهام لوالدة زوجها: -إنتَ السبب في اللي حصل ل عمرو، لو قولتي لعمي كان إتصرف ومكناش وصلنا للي إحنا فيه ده.
حُبست أنفاس كلاً من مروة وياسمين ووضعتا كفاي يديهما فوق فاههما لتجحظ عيني الاخرى وهي ترمقها بنظراتٍ حارقة ولو كانت النظرات تصيب لانتهى أمر سُمية وتحولت لرمادٍا في الحال، همست بفحيح كالحية التي تستعد لبخ سمها بعيناي ضحيتها: -يا نهار أبوكِ إسود، إنتِ إتجننتي ولا إيه يا بت؟
واستطردت بذهول وهي تقترب منها كالأسد الذي ينقض على فريسته: -جبتي منين الجرأة اللي جمدت قلبك وخلتك تكلمي ستهم كدة؟!
ارتجف جسدها عندما رأتها تُقبل عليها والشرر يتطاير من مقلتيها لتأخذ خطوات استباقية وتتوارى خلف ياسمين التي هتفت برجاء وهي تضع كفيها بصدر إجلال برفقٍ: -هدي نفسك يا مرات عمي، دي بت هبلة وبتهلفط بكلمتين من حرقة قلبها على اللي حصل لجوزها.
-الهبلة تتأدب علشان تاخد بالها من كلامها مع ستهم بعد كدة، قالتها وهي تجذب تلك المختبأة وتنزل بكل قوة فوق وجنتها بصفعة قوية أحدثت صوتًا من شدتها لتسترسل وهي ترفع قامتها بكبرياء: -وبعدين هو كان إيه اللي حصل لجوزها يا ست ياسمين إنتِ كمان، ده أبن نصر البنهاوي بجلالة قدره والكل عارف كدة، وأكيد الظابط النباطشي نيمه في مكتبه واتعامل أحسن معامله، ميقدرش يعمل غير كدة لأن الكل عارف مين هو سيادة النايب نصر البنهاوي وعارفين إن اللي بيقف في سكته بيتإذي.
واستطردت بوعيد: -والقادرة بنت منيرة هتدفع تمن عملتها السودة دي غالي
ارتعبت أوصال زوجات أبناءها الثلاث لتتراجع هي للخلف ثم امسكت خصلة من شعرها ولفتها على أصابع يدها لتتحدث بفحيح بعدما تحولت ملامح وجهها لحاقدة: -وحياة شعري ده ولا يكون على حُرمة، لأخلي بنت منيرة تتحسر على شبابها واجيبها له لحد عنده تركع تحت رجليه وتترجاه عشان قلبه يحن ويعتبرها مَرة زي زمان.
اشتعل قلب سمية وزاد كرهها لتلك المرأة المتجبرة وعلمت حينها أن لا مفر من رجوع تلك الإيثار لزوجها ويرجع هذا لتيقنها بقدرة هذه المرأة على تنفيذ اية فكرة تصمم عليها لتتحسر على حالها وتنتظر القادم بقلبٍ مشتعل، فقد تيقنت أن القادم ليس بهين على الجميع.
وصل نصر ونجله البكري أمام منزل غانم ليصف سيارته الفاخرة ويترجلا متجهين لذاك المنزل البسيط، وجد الجميع بانتظارهما بناءًا على مكالمة تمت بين طلعت وعزيز أبلغ من خلالها الاول بحضور الثاني بصحبة والده مما أسعد قلب عزيز الذي ربط سبب مجيء نصر بطلبه رسمي لرجوع شقيقته لنجله المدلل وهذا ما بات يتمنى تحقيقه بشده، ولج الجميع للداخل ليتحدث غانم بترحاب: -يا مرحب، يا ألف أهلاً وسهلاً يا سيادة النايب.
كان يتحدث بترحاب وهدوء تحولا لتعجب بعدما هتف الأخر بوجهٍ صارم ينم عن مدى غضبه: -هي بنتك خليت فيها أهلاً ولا سهلاً بعد اللي عملته يا غانم؟
سألهُ بنبرة متوترة: -إيثار!
-هو أنتَ عندك بلوة غيرها، نطقها بحدة ليهتف عزيز بحدة وخنوع: -عملت إيه مقصوفة الرقبة؟
رمقه غانم بنظرة نارية غاضبة ليتلبك بوقفته ليقطع نظراتهم حديث نصر الغاضب: -بنتك المحترمة بنت الاصول المتربية كتبت بلاغ في عمرو إمبارح وخلته قضى ليلته في الحجز.
اتسعت عيناي منيرة وذُهل الجميع ليستطرد بتغطرس: -طب لو مش باقية على العِشرة والهنا والعز اللي اتمرمغت فيهم لما كانت متجوزاه، على الاقل كانت عملت حساب لإبنه اللي أنا سايبهولها بمزاجي علشان يفضل الود موصول لحد ما ربنا يهديها وترجع لجوزها هي وإبنها
ليستطرد بافْتِخار: -إبنها اللي معيشاه في حتة شقة قد الجُحر وحرماه من ثراية جده اللي يرمح فيها الخيل.
-إيه اللي حصل وخلى بنتي توصل بإنها تشتكي على عمرو يا سيادة النايب؟، سؤال طرحه غانم على نصر الذي صاح بتهرُب: -إحنا في إيه اللي حصل ولا في إبني اللي مرمي في الحجز بسبب بنتك يا غانم
نكس رأسه ليهتف الأخر أمرًا بوجهٍ صارم: -يلا معايا ننزل مصر علشان ناخد الهانم على النيابة تتنازل عن المحضر.
-أنا اللي هاجي معاك يا حاج نصر، قالها عزيز بجسده المشدود المنتصب نتيجة غضبه العارم الذي اصابه من أفعال شقيقته التي تقف دائمًا عقبة أمام تحقيق رغباته وأطماعه بالحياة، ليسترسل وهو ينظر لوالده المتعجب: -أبويا تعبان وصحته ماتتحملش بهدلة الطريق والمرمطة في الاقسام.
علي الفور وافق نصر لعلمه بقوة شخصية عزيز وإستطاعته التأثير والضغط على تلك المتمردة، وقف أيهم الإبن الاصغر ل غانم ليتحدث بعدما شعر بتوتر عضلات عزيز وتيقن بأنهُ من الممكن أن يأذي شقيقته إذا مانعت التنازل: -أنا كمان جاي معاكم.
وقف نصر مقابلاً غانم ليقول بوصاية مشيرًا بسبابته: -انا ماشي يا غانم، تتصل ببنتك وتعقلها علشان لما نوصل لعندها نروح على النيابة على طول، وإلا قسمًا بالله اخليها تعض على صوابع إيديها من اللي هعمله فيها، أنا مش قليل عشان ابني يترمي في الحبس بسبب واحدة قليلة عقل زي بنتك.
نكس رأسه بخنوع لعلمه سطوة ذاك المتجبر وما يمكنه فعله بابنته المسكينة التي تجرعت المرار على يد نجله المدلل لتُكمل عليها والدتها وشقيقاها عزيز ووجدي، تحرك الجميع للخارج لتهتف منيرة وهي تدق على فخديها بنحيب: -أنا عارفة إن عيالي مش هيشوفوا راحة طول ما هي قاعدة لنا في مصر لوحدها.
حولت بصرها إلى ذاك البائس لتسترسل بنبرة لاذعة: -شوفت أخرة دلعك فيها يا غانم، علشان تبقى تتصدر لها تاني وتقف في وش إخواتها عشانها، دي واحدة مستبيعة ومش هتسكت إلا لما نصر البنهاوي يحط اخواتها في دماغه ويطوحنا من البلد كلها
تنهد بضيق وهو يرمقها بحدة لتُمسك هي بهاتفها مسترسلة وهي تضغط زر الإتصال برقم ابنتها: -أما أشوف اخرتها معاكِ يا بنت منيرة.
-بدل ما تندبي وتولولي علشان عيالك الرجالة إطمني الأول على بنتك وإسأليها إبن نصر عمل لها إيه خلاها تتجنن وتروح تشتكيه، كلمات نطقها بتبكِيت علها تشعر بصغيرتها وتسترد مشاعر الأمومة نحوها لكنها لم تبالي بحديثه حيث هتفت بحنقٍ وكأنها لم تستمع لما قال: -بردوا مبتردش
بسطت ذراعها باتجاهه لتسترسل: -هات تليفونك اتصل عليها منه، هي مش هترد عليا لو قعدت أرن عليها للصبح أنا عارفة.
ناولها هاتفه لتتصل ولكن دون جدوى مما أشعل داخلها.
داخل مسكن إيثار.
كانت تجلس فوق مقعدها الهزاز الموجود بالشرفة المنفتحة على البهو عاقدة حاجبيها بضيق وهي تتطلع إلى الأفق البعيد بشرودٍ تام، تنهدت ومدت يدها صوب الطاولة لالتقاط كأسًا من مشروب البرتقال الطازج قد صنعته لها عزة فور عودتها من النيابة مباشرةً بعدما أخبرتها بأن أيمن قد منحها إجازة من عملها اليوم لتُريح أعصابها مما حدث بالأمس، يقابلها صغيرها يتناول الحلوى المحببة لديه والتي جلبتها لهُ معها من الخارج كي تجلب السرور على قلب ذاك المسكين الذي لم يحظى بحياة أسرية مستقلة كجميع الأطفال، استمعت إلى رنين الهاتف للمرة التي لا تعلم عددها والمتصل واحد، وهي والدتها التي لم تستسلم لعدم ردها لتحاول من هاتف والدها كي تخبرها بأمر عودتها لذاك ال عمرو، هكذا فسرت ما يحدث، تجاهلت الرنين واكملت إرتشاف مشروبها، ليتحدث الصغير بلطافة: -إنتِ ليه مش بتردي على تليفونك يا مامي؟
-ده رقم غريب يا حبيبي، وإحنا مش بنرد على أرقام غريبة، ابتسم لها الصغير وتابع تناول الحلوى من جديد لترفع هي الاخرى الكأس وهي تقربه من شفتيها ليقطع اندماجها صوت طرقات قوية فوق الباب بجانب رنين الجرس المتواصل مما ازعجها لتهرول صوب الباب بعدما أوصت الصغير على عدم الخروج من الشرفة ومتابعة الاستمتاع بالحلوى، قابلتها عزة التي خرجت من المطبخ قائلة: -خير يا رب، مين اللي بيرن الجرس بالشكل ده، هو أحنا مش هنخلص.
واسترسلت بذعر بعدما رأت إيثار تقترب من الباب استعدادًا لفتحه: -ماتفتحيش إلا لما تبصي من العين السحرية.
رأت الصواب بحديثها لتقترب من فتحة الباب الصغيرة تستكشف الطارق، قطبت جبينها عندما رأت صورة شقيقها الصغير أيهم والذي صدره عزيز لعلمه مدى تعلق تلك المتمردة به، تعجبت لتلك الزيارة المفاجأة لكنها سُرعان ما ابتسمت وامسكت مقبض الباب لتفتحه بلهفة ترجع لحبها الزائد لذاك الوسيم، تراجعت للخلف بقوة أثر دفعة قوية تلقتها بكتفها من عزيز كادت أن تبطحها أرضًا لولا عزة التي اسرعت عليها لتُسندها، رفعت عينيها وتعمقت بنظراتها المرتعبة لتلتقي بنظراته الجحيمية ليقول بفحيحٍ: ...
رواية أنا لها شمس
الجزء الأول
الفصل الرابع
رمق أيهم شقيقه بحدة ليهتف بنبرة عاتبة وهو يقترب من شقيقته: -هو ده اللي إتفقنا عليه يا عزيز، مش وعدتني وإحنا في الطريق إنك هتتكلم معاها بالراحة!
أشار بسبابته على فمه مع إلقاءه لنظرة تهديدية ليبتلع الأخر كلماته بارتياب خشيةً بطش ذاك البغيض الذي تملكه الشيطان ليتغلب حقده على إنسانيته.
رفعت عينيها وتعمقت بنظراتها المرتعبة لتلتقي بنظراته الجحيمية ليقول بفحيحٍ مخيف: -صممتي على الطلاق من الراجل اللي بيحبك وشاريكِ وبلفتي دماغ ابوكِ وخلتيه وافق وقولنا ماشي، نشفتي دماغك وقولتي هتسيبي البلد وتيجي تعيشي هنا لوحدك واتحججتي بإنك عاوزة تشتغلي علشان محدش يصرف عليكي وبردوا لعبتي بعقل ابوكِ الغلبان وسكتنا واتحملنا مساختك ودماغك الناشفة،.
واستطرد وهو يقترب عليها بعينين تطلقان شزرًا تحت استحسان نصر لحديثه الشفى لغليله من تلك المتمردة: -الراجل عمال يبعت لك علشان يرجعك تاني لعصمته ويلمك في بيته وبتتمنعي وقولنا مقبولة، حقك تدلعي لك شوية عليه قبل ما ترجعي.
قبض على رسغها بقوة من حديد حتى شعرت بتمزق أوتارها تحت قبضته ليستطرد بحدة هادرًا بعينين حاقدتين: -لكن يوصل بيكي الحال إنك تسجني أبو إبنك وتفضحينا في البلد وتخلي الناس تقول غانم معرفش يربي، هنا بقى أنا اللي لازم أقف لك واكسرلك دماغك دي
سحبها إليه بقوة لتصيح عزة وهي تجذبها منه بقوة: -سيبها بدل ما أصوت وألم عليكم الجيران، جايين تتهجموا علينا في عز النهار، إنتوا فاكرينها سايبة ولا إيه يا جدع منك ليه؟
جذب شقيقته بقوة أكبر ودفعها لتترنح بعيداً لينقض على تلك ال عزة مشددًا قبضته على فكيها حتى كاد أن يسحقهما ليهتف مهددًا إياها وهو يرمقها بنظرات مُرعبة: -إخرصي يا ولية بدل ما أخرصك بطريقتي وأتاوي جتتك في حتة ميعرفهاش الجن الازرق
إنتفض جسدها رُعب?ا لتهتف إيثار بصوتٍ عالِ: -سيبها يا عزيز، مشكلتك معايا مش معاها.
دفعها لتقع أرضًا تحت رُعبها ليلتفت لتلك الواقفة تنظر إليه بحدة مماثلة ك حدة الصقر، تعجب من صمودها وقوتها وللحظة شرد بتغييرها الجذري لكنه نفض أفكاره وهتف أمرًا بصرامة: -تدخلي تغيري هدومك علشان تنزلي معايا أنا وسيادة النائب وتسحبي البلاغ، وبعدها تجهزي نفسك علشان هتنزلي معانا البلد، وتعملي حسابك إن كتب كتابك على عمرو هيكون بكرة.
حررت ذراعها من قبضته وهتفت بصرامة وهي ترمقه بأعينها الفاحصة من رأسه لأخمص قدميه بازدراء: -وإنتَ بقى اللي قررت كدة من نفسك!
واستدارت برأسها تتطلع على ذاك الواقف واضعًا كفاه بجيبي جلبابه الفخم بخيلاء ويبدوا على وجهه الراحة والاستمتاع بما يحدث، لتسترسل باستفزاز: -ولا دي أوامر سيادة النائب نصر البنهاوي وإنتَ جاي تنفذها.
اشتعلت عينيه بشرارات ال?ضب وكاد أن يهجم عليها ليسدد لها بعض اللكمات لتأديبها لولا ذاك إلى وقف امام شقيقته ليحميها بجسده قائلاً بنبرة حادة: -كفاية يا عزيز، دي مهما كانت أختك
للحظة شعرت بالامان وهي تحتمي بظهر شقيقها الأصغر قبل أن يتسلل إلى مسامعها صوت ذاك الخبيث الذي تمقته ليقول بقوة: -خلاص يا عزيز، مش وقت اللي إنتَ بتعمله ده، خلينا في اللي إحنا جايين علشانه.
بكل شموخ خرجت من وراء شقيقها لتقف أمامه وتتسائل: -وإنتَ جاي بعد كل السنين دي يا سيادة النائب وبتؤمرني في قلب بيتي إني أروح أتنازل عن البلاغ اللي قدمته في إبنك
واستطردت باستنكار: -بإمارة إيه عاوزني أروح أتنازل عن واحد إتهجم عليا في انصاص الليالي.
لتحيل بنظرها سريعًا إلى شقيقها الأكبر لتصيح باستياء: -واخويا الكبير، بدل ما يقف معايا ويروح يقول لك عيب يا سيادة النائب، لِم إبنك وابعده عن أختي وإلا مش هيحصل طيب، جاي يتهجم عليا هو كمان
ده أنتَ حتى مسألتنيش إذا كان اذاني ولا لاء!
اغرورقت عينيها بالدموع لتسترسل بغصة مريرة: -إنتَ عارف أنا كنت حاسة بإيه وأنا وإبني لوحدنا وهو عمال يخبط وبيحاول يكسر الباب عليا وهو سكران، ساعتها بس حسيت إني مليش أهل وإني وحيدة
إقترب عليها أيهم وهم ليسحبها بأحضانه لكنها نفضت يده لتبتعد عنه وهي تستمع لعزيز الذي هدر بقوة: -ومين اللي خلاكي وحيدة، مش عمايلك السودة ودماغك الناشفة اللي عاوزة تتكسر.
انكمشت ملامحه بازدراء ليستطرد باستنكار: -وبلاش الشويتين بتوعك دول علشان مبياكلوش معايا، دول ممكن تضحكي بيهم على أبوكِ الغلبان ويصدقك، بس أنا لا، لأني فاهمك وفاهم خبثك كويس قوي يا بنت أبويا.
ابتسمت بمرارة ليهتف ذاك الذي لم يعد يتحمل جدالهما السخيف بالنسبة له: -خلصونا في ليلتكم دي
ليستطرد أمراً وهو ينظر إليها بلامبالاة: - يلى يا بنتي ادخلي البسي عشان نلحق النيابة.
فاجأتهُ بابتسامة ساخرة ارتسمت فوق محياها لترمقه بنظرة قوية، فقد تغيرت عن الماضي كثيرًا، لم تعد أبدا تلك الذليلة الضعيفة فقد تخطت ماحدث وأصبحت أقوى مما كانت عليه بالماضى وهي الان مستعدة لمواجهة الشيطان بذاته وبكل قوتها، رفعت وجهها لتقول بثقة: -وإن قولت لا؟
اشتعلت عينيه غضبًا فهذه هي المرة الأولى التي يرفض فيها أحدهم الخضوع وتنفيذ أوامره، هم بالرد ليفاجأه خروج الصغير الذي استمع لصوته ليهرول عليه وهو يردد ببراءة: -جدو.
لم يدري نصر ما الذي يحدث له بكل مرة يرى فيها هذا الصغير الذي يستحوذ بعفويته على قلبه، انشرح صدره وابتسم وجهه تلقائيًا وما شعر بحاله إلا وهو ينزل على ركبتيه فاتحًا ذراعيه لاستقبال حفيده الاقرب بل والأعز إلى قلبه، قطب الجميع أجبانهم وباتوا ينظرون بتعجب من أمر هذا المتجبر الذي نزل للأسفل ليستقبل صغيرًا، الأن وفقط علمت ما سر عشق نجلها لذاك ال نصر وحديثه الحماسي الذي لم ينقطع بعد أي زيارة له لمنزل جده، بات يقبل كل إنشٍ بوجه الصغير متحسسًا ملامح وجههُ وشعر رأسه الحريري بلونهِ البني الفاتح والذي ورثه عن أبيه وهو ينثر على مسامعه أعذب الكلمات وحلوها، إنتابها شعورًا بالألم لابتعاد صغيرها عن عائلته لكنها تعلم في قرارة نفسها أن ما فعلته منذ الأربعة أعوام المنصرمة كان هو الافضل لها وصغيرها على الإطلاق.
نظر نصر إليها قائلاً بنبرة تحمل بين طياتها تهديدًا: -لو قولتي لا، التمن هيكون يوسف، حفيدي اللي أن الأوان إنه يعيش في عز وخير جده.
ابتلعت لعابها بصعوبة لكنها سرعان ما استعادت قوتها أمامه كي لا يشعر بضعفها ليعود هو لتقبيل الصغير من جديد ويسود الصمت المكان حتى اجتاز صمتهم صوت هاتف عزيز الذي صدح ليعلن عن وصول مكالمة هاتفية، تحرك إليها ليعطيها الهاتف قائلاً بحدة وهو يرمقها باحتقار أصابها بالنفور: -كلمي ابوكِ
فتحت الاتصال وتحدثت بعدما تسلل إلى مسامعها نبرات صوت أبيها الحنون: -إزيك يا بابا.
علم غانم أن شقيقها قد وصل إليها فتحدث باشتياقٍ جارف ظهر بَين بصوته: -إزيك يا إيثار، عاملة إيه يا بنتي
واسترسل معاتبًا: -كدة تقعدي إسبوع بحاله متكلميش ابوكِ؟
شعرت بالحنين والحاجة للإرتماء داخل احضانه لكنها سرعان ما أفاقت من شعورها على صوت تلك التي هدرت بجانب والدها وهي تقول بحدة وعملية: -مش وقت الكلام ده يا غانم، قولها المفيد خلينا نخلص من الورطة اللي رمتنا فيها.
ابتسمت بسخرية ليتحدث والدها بضعف واستكانة: -إسمعي كلام الحاج نصر وروحي معاه عشان تتنازلي عن المحضر يا بنتي
قاطعته قائلة: -أتنازل إزاي بس يا بابا، ده اتهجم على شقتي وهو سكران.
شعر بالعجز أمام نبراتها الشاكية ولكن ما بيده ليفعله، هو يعلم جيدًا أنه لم يكن يومًا الأب المشرف القوي لها، لم يكن بالأب الحامي لابنته الضعيفة بل تركها للذئاب البشرية كلٍ ينهش بها بطريقته الخاصة حتى كادوا أن ينهوا عليها لولا صمودها وقوتها وإصرارها على النجاة، خرج صوته ضعيفًا ليمزق قلبها حين قال: -إحنا غلابة يا بنتي ومش قد غضب وغدر نصر البنهاوي، علشان خاطر ربنا وخاطري تتنازلي يا بنتي، أنا مش حمل وجع قلبي عليكِ ولا على إخواتك.
سالت دموعها وانهمرت فوق وجنتيها تأثرًا بصوت والدها الواهن، من أصعب الأشياء التي تواجهها فتاة هو عجز وضغف والدها الذي من المفترض أن يكون لها السد المنيع، لذا ستنصاع لطلبه مهما كانت العواقب لتتفوه بانكسارٍ: -حاضر يا بابا، أنا هتنازل، بس ده علشان خاطرك إنتَ.
ثم حولت بصرها لذاك الذي مازال جالسًا على ركبتيه أمام حفيده وهو ينظر لها شامتًا يشعر بالقوة والإنتصار لتهتف هي باشمئزاز: -لكن قسمًا برب العزة، لو كررها تاني أو حاول بس يظهر في مكان أنا فيه، ما فيه مخلوق في الدنيا هيقدر يخليني أتراجع على اللي ممكن أعمله وقتها
ابتسامة ساخرة خرجت من جانب فم نصر كانت كفيلة لتخبرها كم أنه يراها ضعيفة بل وذليلة ولا يوجد باستطاعتها فعل حتى أبسط الأشياء.
أنهت المكالمة مع والدها لتلقي بالهاتف فوق طاولة جانبية وهي ترمق ذاك العزيز بازدراء اشعل روحه، تمنى لو باستطاعته الإنقضاض عليها دون أن يمنعه أحد ليكيل لها الضربات واللكمات بجميع جسدها كي يشفي غل السنوات الدفين من تلك العنيدة والتي طالما خالفت أوامره وجعلته يبدوا صغيرًا بعين حاله قبل الأخرين، حولت بصرها لنصر لتقول بقوة منتصر: -أنا داخلة أغير هدومي وهنزل اتنازل عن المحضر، بس ده مش علشان تهديدك ولا علشان أنا قليلة ومش هقدر اقف في وشك يا سيادة النائب، لا.
رفعت رأسها بشموخ مسترسلة بكبرياء: -لازم تشكر أبويا لأن هو الوحيد السبب واللي من غيره مكنتش فيه قوة على الأرض هتقدر تجبرني إني أسحب البلاغ
زفر طلعت بقوة ليهتف غاضبًا باستنكار: -إنجزي وخلصينا علشان نلحق ميعاد النيابة.
نظرت إليه باستغراب لحدة ملامحه التي تشير لقمة غضبه العارم، لم يكن الموقف المهين الذي وضع فيه و والده وحجز شقيقه ليلة كاملة وسط الخارجين عن القانون بل وتحويله إلى النيابة العامة هما فقط ما أوصلاه لهذا الكم من الغضب، كل ما ذُكر لم يشعلوا قلبهُ بقدر ما مزقهُ رؤية أباه وهو يركع لاستقبال نجل عمرو المُدلل والذي ورث دلال العائلة عن أبيه، وأيضًا لكونه لم يستطع إنجاب ذكرًا يحمل اسم العائلة كما فعل عمرو وهذا الذي طالما أشعل قلبه بنار الغيرة والحقد على شقيقه وعلى ذاك الصغير الذي لا ذنب له، رمقته بنظرة نارية لتهتف باستكار زاد من اشتعال صدره: -ياريت توطي صوتك وماتنساش إنك في بيتي، وياريت كمان تحط في إعتبارك إني بعمل فيكم جميلة بتنازلي عن المحضر وتتكلم معايا بإسلوب أحسن من كدة.
نظرت إليه باشمئزاز لتسترسل باستعلاء وسخرية أثار دهشة الجميع: -لأن لولا تنازلي أخوك كان هيقعد له حبتين حلوين في بورتو طرة وسط صفوة المجرمين.
حملق بها غير مصدقًا ماتفوهت به وتلك القوة الجديدة على شخصيتها المهزوزة كما عاهدها، هم ليتحدث ليوقفهُ نصر بإشارة من عينيه اوقفته لينهي ذاك الصراع الدائر إختصارًا للوقت، وقف فاردًا ظهره ليتلفت حوله حتى استقر بصره على تلك الأرائك المتلاصقة التي تتوسط البهو ليتحدث وهو يحتوي كف حفيده الصغير برعاية شاملة: -جرى لك إيه يا بنت الحاج غانم، هتسبينا واقفين في بيتك كدة كتير، هي القعدة في مصر نسيتك عوايدنا وكرم الضيافة ولا إيه؟
كرم الضيافة بيتقدم للضيوف يا سيادة النائب، كلمات لاذعة قالتها لتسترسل وهي تُشير بيدها إلى الأرائك: -ومع ذلك إتفضلوا
تحرك الجميع للداخل استعدادًا للجلوس تحت استيائهم لتهتف بصوتٍ مرتفع: -عزة، تعالي شوفي ضيوفك يشربوا إيه
تحركت لغرفة نومها لتقترب عليهم عزة بوجهها الكاشر مما يدل على عدم تقبلهم لتسألهم باشمئزاز وهي تضع كفًا فوق الأخر: -تشربوا إيه.
غوري يا ولية على جوة، مش عاوزين من خلقتك العكرة حاجة، جملة صاخبة نطق بها طلعت وهو يرمقها باحتقار لتلوي شفتيها بازدراء مع مصمصة شفتيها لتنسحب وهي تبرطم: -أحسن بردوا، وفرتوا.
صاح عزيز باعتراض: -ميصحش يا طلعت، لازم تشربوا حاجة
-إحنا مش جايين نتضايف في بيت اللي بيتت إبن الحاج نصر البنهاوي في الحبس يا عزيز، كلمات ساخطة نطقها طلعت بصرامة ووجهٍ كاشر ثم حول بصره لوالده الذي أجلس حفيده فوق ساقيه ليمد الصغير كفه الرقيق متحسسًا ذقنه ليسأله: -جدو، هو بابا مش جه معاك ليه؟
تنهد بأسى ليجيبه بقوة بعدما استعاد وعيه: -بابا هيجي لك بكرة ياخدك علشان تقعد معانا إسبوع بحاله.
-طب ومدرستي؟، نطقها الصغير بتفكُر ليجيبه بتغطرس: -أنا هخلي المدرسين يطلعوك الاول السنة دي على المدرسة كلها، ومن غير ما تفتح كتاب كمان
هلل الصغير مصفقًا بكفيه الرقيقتين: -بجد يا جدو؟
أجابهُ بافتخار: -طبعاً بجد، ده أنتَ حفيد نصر البنهاوي على سن ورومح، فلوس جدك تلين الحديد يا ابن الغالي.
هتفت بحنقٍ بعدما خرجت من حجرتها بكامل ارتدائها لمبلابس الخروج وحملها لحقيبة يدها: -أنا ليا اربع سنين بعلم إبني الفضيلة ويعني إيه شرف واجتهاد وإزاي يبقى بني أدم ناجح ومعتمد على نفسه، أكيد مش هبذل المجهود ده كله علشان تيجي إنتَ بكلمتين منك وتضيع لي كل اللي ببنيه في لحظة.
هتف بعجرفة: -الشرف والفضيلة دول للناس الضعيفة اللي ملهاش ظهر ولاسند، مش ل يوسف عمرو البنهاوي
هزت رأسها بيأس لتهتف بكامل صوتها: -عزة، تعالي خدي يوسف وخليه يعمل ال home work على ما أرجع من مشواري.
وبكل اعتزاز تحركت أمامهم ليشدد طلعت على قبضة يده وهو ينظر لها بحقدٍ دفين، وعزيز الذي شعر بأنه ذليل بعد أن قللت منه أمام نصر ونجله، استقل نصر سيارته بصحبة عزيز وطلعت أما أيهم فذهب مع شقيقته التي أصرت على الذهاب بسيارتها الخاصة، كانت تقود وهي تتطلع للأمام بملامح وجه حادة ليقطع الصمت ذاك الذي سألها باستحياء: -عاملة إيه يا إيثار.
أجابته دون أن تلتفت إليه قائلة بجمود: -أحسن طول ما أنا بعيدة عنكم.
أطرق برأسه في حزن ليتحدث وهو يشعر بالعار فوق جبينه: -أنا عارف إنك زعلانة مني من أخر مرة
ابتسمت ساخرة وهي تتذكر ما حدث منذ ما يقرب من خمسة أشهر لتقول باستخفاف: -قصدك لما ضحكت عليا وقولت لي إن بابا تعبان وإني لازم أنزل كفر الشيخ حالاً ويا ألحقه يا ما الحقهوش.
حولت بصرها عليه لتهتف باحتقار: -أتاريك متفق عليا إنتَ وأمك واخواتك وجايبين لي سي عمرو مستنيني في البيت ومعاه ورد وهدايا أشكال وألوان علشان يضحك على الهبلة بكلمتين وتحن وترجع له، حتى أبوك الغلبان مسلمش من أذاكم
-غصب عني والله يا إيثار، إنتِ عارفة عزيز وغباوته، نطقها بهوان لتهتف صارخة: -كفاية يا أيهم، بلاش تصغر نفسك في عيني أكتر من كدة.
تحدث اسفًا بألم: -أنا بحبك وإنتِ عارفة ده كويس قوي، كل اللي كنت بفكر فيه إنك ترجعي لجوزك وتعيشي في أمان إنتِ وإبنك خصوصًا بعد ما سبتك لوحدك ورجعت كفر الشيخ لما التعيين الحكومي جالي.
بابتسامة متألمة أجابت وهي تنظر أمامها: -حبك مؤذي يا أبن أبويا، عملت زي الدبة اللي قتلت صاحبها
تنهد بأسى بعدما تيقن بعدم مسامحتها له ففضل الصمت حتى وصلا.
دخلت إلى مبني النيابة للمرة الثانية بنفس اليوم ولكن هذه المرة توجهت إلى وكيل نيابة غير الذي إلتقت به في الصباح، ولجت للداخل بصحبة المحامي الذي حضر بناءًا على طلب نصر، تنازلت عن حقها لكنها أصرت على تحرير محضر عدم تعرض من عمرو ووالدهُ لها فاخبرها وكيل النائب العام بأن عليها الذهاب لقسم الشرطة التابعة له لتحرير المحضر، خرج المحامي في الردهة ليخبر نصر بأن النيابة أمرت بحبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق بالنسبة لمحضر السُكر وإزعاج ساكني البناية الذين تقدموا بشكاوي، صاح صوت نصر ليجلجل بالمكان قائلاً باعتراض: -سُكر إيه ونيلة إيه على دماغهم، هما ميعرفوش هو ابن مين؟
تحدث المحامي بإبانة: -إهدى يا سيادة النائب، إحنا في نيابة والكاميرات مزروعة في كل حتة، لو اتسرب لك مقطع فيديو للسوشيال ميديا وإنتَ بتعترض على أمر النيابة هتبقى وحشة في حقك كنائب في البرلمان اللي المفروض أول ناس بتحترم القوانين وحرية القضاء.
-أخر همي الزفت اللي بتتكلم عنها دي، قالها بصياح، كانت تقف جانبًا تستمع إلى صريخ ذاك المجنون وداخلها شامت به وبنجله الغير مسؤل وكأن الله أراد أن يشفي غليل صدرها رغم خنوعها لرأي والدها والخضوع لرغبة الجميع، خرج فؤاد من مكتبه ليستكشف مصدر الصوت العالي قطب جبينه عندما رأى تلك العنيدة تتوسط مجموعة من الرجال بملامحهم المتشنجة، كانت تهم بالذهاب أوقفتها يد نصر الذي أحكمت السيطرة على رسغها ليهزها بعنف مهددًا إياها: -رايحة على فين يا بِت، إنتِ مش هتتحركي من هنا غير لما يفرجوا عن إبني.
اسرع أيهم ليحاول فك وثاق قبضته وهو يقول بحدة: -ميصحش كدة يا حاج نصر.
لم يدري لما أصابهُ الانزعاج لما رأها عليه وشعر بحاجة مُلحة تجبره على الهرولةِ إليها وجذب رسغها من ذاك الهمجي وتسديد لكمة قويه بوجهه وجذبها لتختبيء خلف ظهره، وبالفعل كاد أن يهم بالتحرك لولا رأى تلك القوية تجذب رسغها بقوة منه لتتحدث بصرامة وملامح وجه حادة تحت نظرات فؤاد المذهولة مما يحدث: -سيب إيدي وبطل همجية، ولو فاكر إني خايفة منك وعاملة لمنصبك حساب تبقى غلطان، لأن عندي مناصب أعلى منك ألف مرة ممكن تساعدني، ولو فاكر بردوا إني علشان كبرت كلمة أبويا وجيت معاك أتنازل إني هسمح لك تتطاول عليا ولا تتعدى حدودك معايا تبقى واهم ومحتاج تعيد حساباتك من جديد.
رفعت رأسها بشموخ للأعلى لتقول بشجاعة تُحسد عليها: -إيثار اللي قدامك غير البنت الضعيفة اللي كانت في يوم من الأيام مرات إبنك، إيثار الغلبانة اللي بتترعب من الصوت العالي وتسمع الكلام بخنوع خلاص، مبقاش ليها أثر، فياريت تبقى ذكي وتتعامل معايا باحترام علشان تقدر تكسبني، وتتقي شري، اتكأت على حروف كلمتها الأخيرة مع نظرة تحذيرية مغزاها عميق مما جعل نصر يُضيق عينيه وهو يتعمق بمقلتيها الحادة كصقرٍ غاضب.
واستطردت بقوة تحت ذهول الجميع المتفاجئون بشخصيتها الجديدة والمثيرة للفضول: -أظن أنا كدة عملت اللي عليا واتنازلت في حقي، حق الحكومة بقى مليش فيه، روح إتصرف مع الحكومة ولو لقيت لها أب خليه يضغط عليها ويخليها هي كمان تتنازل.
هتف بصياحٍ عالِ: -والله عال يا بنت غانم، جه اليوم اللي طلع لك فيه حِس وواقفة تبجحي قدام نصر البنهاوي بعد ما كنتي بتقفي قدامي زي الكتكوت المبلول.
-حقك علينا يا حاج، أنا هربيها من جديد وأقطع لك لسانها خالص، كلمات مخزية نطق بها عزيز لم تكن بغريبة لديها فقد استمعت بالماضي بالأفظع من ذلك ولم تعد تتفاجيء، ھجم عليها كثور هائج فلت لجامه ليُمسك بمعصمها بقسوة كادت أن تكسره، اتسعت عيناي فؤاد الذي جذب انتباههُ شموخ تلك القوية التي تقف ببسالة تدافع عن حالها ونسي أمر مشاجرتهم داخل النيابة، هم بالذهاب لتخليصها من ذاك الهمجي وفض تلك المهزلة لكنه توقف فور رؤيته لخروج صديقه وكيل النائب العام التي تدور المشاجرة أمام باب مكتبه، هدر بالجميع قائلاً بقوة: -إيه المسخرة اللي بتحصل دي، إنتوا ناسيين إنكم في نيابة!
ارتبك عزيز وأفلت زمام قبضته ليقف كالفرخ المبلول لترمقه إيثار باشمئزاز وتتحرك بطريقها صوب الخروج، ابتعدت قليلاً لتتفاجأ بذاك الواقف أمام باب مكتبه وهو يتحدث إليها ساخرًا: -مش غريبة أشوفك مرتين ورا بعض في النيابة في نفس اليوم.
أثارت سخريته السخط بداخلها مما استدعى غضبها في الحال لترمقه بنظرة نارية وهي تهم بالتحرك بطريقها بعدما رأت بالتجاهل الحل الامثل لذاك المغرور، فيكفيها ما هي به من مصائب تحل على رأسها واحدة تلو الاخرى منذ الثلاثة أيام، وكأن كوارث العالم أجمع تذكرتها دفعةً واحدة، بداية من حادثة الإغتيال وما أصابها من رُعبٍ جراء تناثر طلقات الرصاص فوق سمائها مرورًا بوفاة ذاك الخلوق أمام عينيها ولم تنتهي عند هذا الحد، بل تهجُم طليقها الحقير وإرعابهُ لها ولصغيرها لتختم بشقيقها وتهجمه عليها ومحاولاته المستميتة بظهورها صاغرة أمام أعين نصر ونجله لينتهى بها الحال بإجبارها على التنازل عن حقها لتشعر بالذل والمهانة وكم أنها وحيدة ضعيفة بلا سند أو مدد، تحركت خطوة للأمام ليوقفها صوته الأسف وهو يقول معتذرًا: -ماقصدتش أضايقك بكلامي على فكرة، أنا كنت بحاول أخرجك من التنشنة اللي إنتِ فيها.
تنفست بهدوء لتتوقف وهي تنظر إليه بتمعُن ليسترسل متسائلاً باطمئنان: -فيه مساعدة أقدر أقدمها لك، لو فيه مشكلة أنا ممكن أتدخل.
هدأ داخلها قليلاً لتقول بامتنان خرج بصرامة نتيجة ملامحها الحادة: - متشكرة يا سيادة المستشار على عرض خدماتك، بس أنا الحمدلله مش محتاجة مساعدة من حد
قطب جبينه مستغربًا صلابتها ولف رأسهُ لينظر على التجمع وهو يرى صديقه مازال يلقي كلماته اللاذعة على مسامع هؤلاء المتعدون ليستطرد هو: -مش محتاجة مساعدة إزاي، ده أنتِ شكلك واقعة في موضوع كبير مع ناس شرانية.
شعرت بصدرها يضيق فلقد وصلت لذروتها من الغضب ولم تعد تحتمل المكوث أكثر من ذلك مع هؤلاء الحقراء بنفس المكان، ولذا فقد تنهدت بضيق لتهتف بحنقٍ ظهر بملامحها رُغمًا عنها: -توقعاتك غلط يا افندم، أنا هنا علشان أسحب بلاغ كنت قدمته إمبارح في طليقي
ضيق عينيه ليقول مرددًا باستغراب: -طليقك! وإنتِ مقدمة بلاغ في طليقك ليه؟
علشان راجل سخيف وحاشر نفسه في حياتي، جملة مقصودة نطقتها بضيق من أسالته الكثيرة التي أزعجتها لتسترسل بحدة وهي تستعد للمغادرة بعدما فاض بها الكيل منهْ: -بعد إذن حضرتك.
تحركت بالممر تحت عينيه المبتسمة من تذمرها ليقطع طريقها دخول العسكري وهو يشدد بقبضته على ذاك المقيد بالأساور الحديدية، اتسعت عينيها بذهول وهي ترى وجه عمر المصبوغ باللونين الأحمر الداكن والأزرق تحت عينه الشمال المتورمة وبجانب شِفته السُفلى المنتفخة وبها بقايا دماءٍ جافة مما يوحي لتعرضه لضربٍ مبرح، وقف سريعًا ليتحدث بعينين متشوقتين وكأنه لم يتعرض لكل هذا بسببها: -إيثار، إنتِ هنا يا حبيبتي.
ما زالت تحملق به بعدم استيعاب ليقطع صمتها بصوته الشغوف: -أنا عازرك في اللي عملتيه ومش زعلان منك، أنا كمان زودتها وخوفتك، بس أوعدك مش هعمل كدة تاني
ليسترسل بتذلُل: -أهم حاجة تسامحيني ومتكونيش زعلانة مني.
قطب فؤاد جبينه وهو يستمع لصوت ذاك الخاضع ليقطع شروده صوت نصر المجلجل الذي صدح بالمكان قائلاً بغضب: -إنتَ كمان بتستسمحها بعد اللي عملته فيك يا عرة الرجالة، قالها قبل أن يدقق النظر لوجهه التي شوهته كثرة الكدمات ليهمس متسائلاً بذهول: -مين اللي عمل فيك كدة
كرر سؤالهُ ضاغطًا على أسنانه: -مين اللي إتجرأ وعمل كدة في إبن نصر البنهاوي!
ترقرقت الدموع بعينيه ليجيب والده مشتكيًا بصوتٍ مختنق كطفلٍ بالعاشرة من عمره: -المساجين إتكاتروا عليا في الحجز وضربوني
أمال رأسهُ مرات متتالية بعينين متوعدتين تطلقُ شررًا ثم حول بصره على تلك المذهولة والتي شعرت بالندم بعدما حدث له ليهتف ملقيًا اللوم عليها: -إنتِ السبب في كل ده.
واستطرد متوعدًا: -بس قسم اتحاسب عليه لادفعك تمن اللي حصل في ابني ده غالي قوي يا بنت غانم، هخليكِ تندمي على اليوم الإسود اللي اتولدتي فيه.
-احترم نفسك يا راجل إنتَ واحترم المكان المقدس اللي إنتَ واقف فيه، كلمات حادة نطقها فؤاد ليسترسل بصرامة وهو ينظر إليها: -لو حابة تعملي محضر بالتعدي اللفظي يا أستاذة إيثار هخلى حد من الأمن يروح معاكِ القسم وتقدمي بلاغك وأنا بنفسي هشهد معاكِ.
ارتعب داخل عزيز ليهتف وهو يقبض على رسغ شقيقته بقوة متلبكًا: -يا باشا إحنا لا بتوع محاضر ولا بنحب المشاكل أصلاً، وبعدين سيادة النايب نصر باشا البنهاوي يبقى حما أختي وجد إبنها وهي أصلاً بتعتبره زي أبوها
رمقها بنظرة حادة ليستطرد متسائلاً: -مش كدة يا إيثار؟
جذبت رسغها من كفه بقوة وهي ترمقهُ بازدراء ثم نظرت إلى فؤاد وتحدثت بعينين ممتنتين: -متشكرة لحضرتك يا افندم، بس أنا مسامحة في حقي وكل اللي أنا عوزاه إني أمشي من هنا لأن إبني في البيت لوحده.
نظر لها متعجبًا تصرفها مع تلك العائلة العجيبة ليشير لها باتجاه الطريق المؤدي للخروج، تحركت دون حديث بعد أن شكرته بعينيها لتسرع بمشيتها وكأنها تهرب من الجحيم تحت صوت ذاك العمرو الذي صدح بحنان: -خلي بالك من نفسك يا إيثار
اشمئزت من استماعها لصوته المقيت وكادت أن تصم أذنيها، اسرعت بخطواتها حتى اختفت في حين تعجب الجميع حتى فؤاد من أمر ذاك ال عمرو.
-حضرتك غلطت فيا من غير حتى متسألني أنا مين يا سيادة المستشار، كلمات عاتبة نطق بها نصر ليضيق فؤاد بين عينيه ليكمل الاخر بخيلاء: -معاك سيادة النائب نصر حسين البنهاوي نائب مجلس الشعب عن محافظة كفر الشيخ
قالها بكبرياء ليتفاجأ بنظرات فؤاد الثابتة فوقه بتقليل ليقول بلامبالاة: -النيابة مفيهاش نائب مجلس شعب ووزير، الكل هنا سواسية ولازم يحترموا المكان، الغفير عندنا بيتعامل زيه زي الوزير.
ابتلع نصر لعابه أما طلعت فشعر بالغضب من معاملة هذا المتغطرس لوالده وخصوصًا أمام عزيز وأيهم وهو الذي طالما يتحدث ويحكي الكثير عن معاملة والده الخاصة والمهمة من جميع الجهات سواء أمنية أو سيادية والأن جاء هذا الرجل ليقوم بهدم الصورة الخارقة الذي رسمها وصدرها لجميع ساكني البِلدة ليهابه الجميع، قال كلماته وانسحب لداخل مكتبه صافقًا الباب بوجه الجميع ونصر المصدوم من تلك المعاملة السيئة وعدم التقدير، قطع صمت الجميع وذهولهم صوت عمرو الذي هتف مترجيًا: -بابا أرجوك إتصرف وطلعني من هنا، الناس اللي في الحجز دول مجرمين لو دخلت عندهم تاني معرفش ممكن يعملوا معايا إيه.
أجابه المحامي بدلاً عن والده الذي ولأول مرة يشعر بالعجز حيال أبناءه: -إصبر يا عمرو بيه، محضر السُكر ومحضر إزعاج السكان اتحولوا للنيابة واخدت فيهم أربع أيام على ذمة التحقيق، يعني مفيش في إدينا حاجة ممكن نعملها قبل الاربع أيام مايخلصوا
واستطرد بلوم: -ما أنتَ لو كنت اتصلت بينا وإنتَ لسة في قسم الشرطة كنا طلعناك من غير ما حد يحس بيك، لكن اللي صعب المواضيع هو تحويل المحضر للنيابة.
-لا الظابط ولا العساكر رضيوا يدوني تليفوني علشان أكلم أبويا منه، نطقها بيأس وهو يتحرك مع العسكري الذي جذبه وانسحبا لوجهتهما ليهتف والده بصوتٍ واثق ليبث الإطمئنان داخل فؤاد نجله: -متخافش يا عمرو، كلها يومين وهتبات على سريرك
ليرد عليه نادبًا كالنساء بصوتٍ مُدَوٍّ: -لسة هستنى يومين، أتصرف وأعمل إتصالاتك يا بابا، أنا مش هينفع أبات في الحجز يوم واحد.
قطع تلك اللحظة جملة المحامى حيث قال متكهنًا: -واضح إن الموضوع متوصي عليه يا نصر بيه.
كان يتابع ذهاب إبنه المكبل بقلبٍ يحترق حزنًا وألمًا ليلتفت للمحامي من جديد وهو يقول بفحيحٍ من بين أسنانه: -الظابط اللي بلغني، قال لي إن فيه لوا كبير كان موصي إن البلاغ يفضل في سرية ومنعوا عمرو يكلم أهله لحد ما البلاغ يتحول للنيابة علشان معرفش اتصرف ولا أخرجه، شكل الراجل اللي شغالة عنده المحروق. ة اللي اسمها إيثار هو اللي وصى بكدة.
اشتعلت عيني أيهم ليتحدث معترضًا: -ميصحش كدة يا حاج نصر، أختي عملت بأصلها وجت اتنازلت عن المحضر، ميكنش ده جزائها في الأخر
نكس عزيز رأسه بخزيٍ ليتحدث طلعت ملطفًا الأجواء: -متزعلش من الحاج يا أيهم، أنا طول عمري بحترم إيثار وبقف دايمًا معاها، بس اللي عملته مع عمرو محدش يقبله ولا يرضى بيه.
-ولا اللي عمله عمرو مقبول هو كمان يا أستاذ طلعت، قالها أيهم بحُزن ليهتف عديم الرجولة موبخًا اخاه كي ينال رضى نصر عليه: -أسكت إنتَ خالص، المفروض تبقى مكسوف ووشك في الأرض من عملة أختك السودة، مش واقف تبجح انتَ كمان وترد على الحاج كلمة بكلمة.
رفع نصر رأسهُ لاعلى والقى نظرة رضا عليه ليقول مثنيًا: -أصيل يا عزيز، اللي بيعجبني فيك إنك جدع وبتقول كلمة الحق حتى لو على أقرب الناس ليك
نظر له بعينين سعيدتين ليتنفس بانتشاء تحت حزن شقيقه الأصغر وشعوره بالخزي والعار من ذاك الشقيق البكري.
عاد نصر بحديثهُ مرةً أخرى إلى المحامي قائلاً: -شوف لي حل يا متر، الواد لازم يخرج النهاردة، ادخل لوكيل النيابة واعرض عليه فلوس، قوله الفلوس اللي هيطلبها هتبقى في بيته بعد ساعة، إن شالله يطلب عشرة مليون.
ارتبك المحامي وتلفت حوله بارتياب خشيةً من أن يكون تسمع على حديثهم أحدًا ليتحدث بصوتٍ خافت بعدما تأكد من خلو الممر إلا منهم: -كلام إيه اللي بتقوله ده يا سيادة النايب، إنتَ شكلك عاوز تودينا في داهية كلنا، النيابة ملهاش سكة يا بيه، إنسى الكلام ده وحاول تشوف حد من معارفك الكبار يتدخل ويحلها بالحُب مع الكُبار، غير كدة ملهاش حل.
نطق كلماته الاخيرة ليغلق باب الامل بوجه نصر الذي تنهد بقلة حيلة وبات يلعن ويسب بسريرته تلك الإيثار وهو يتوعد لها.
داخل منزل نصر البنهاوي
استمعت ياسمين إلى طرقات خافتة فوق باب شقتها الخاصة لتقترب من الباب وفتحته لتتفاجأ ب سمية بوجهها المصبوغ بالإحمرار وعينيها وأنفها المنتفخون بفضل بكائها المتواصل، دفعت الباب بكفيها لتخطو بساقيها للداخل وهي تتحدث بجدية: -إديني تليفونك اللي فيه خطك الجديد هعمل منه مكالمة يا ياسمين
سألتها بارتياب: -مكالمة إيه اللي هتعمليها من خطي يا سمية؟
-أهي مكالمة والسلام، هو تحقيق، نطقتها بحدة ليتأكد ظن الأخرى التي هتفت بنُصح: -إعقلي وملكيش دعوة بإيثار يا سمية، كفاية اللي عمله فيكي عمرو أخر مرة لما شتمتيها وقولتلها انها بتبعت ابنها علشان تجر ناعم وتخلي عمرو يرجعها تاني
واستطردت بتذكير: -ده غير اللي طلعت عمله فيا لما بنت الكلب كلمته وقالت له إن التروكولر
بين إن الخط بإسمي.
بنظراتٍ توسلية قالت لطمأنتها: -المرة دي غير كل مرة، طلعت اللي كان دايمًا بيدافع عنها ويقف في صفها سمعته بوداني وهو عمال يشتم عليها لما دخلوا جوة ياخدوا فلوس معاهم، محدش هيعمل لكلامها حساب بعد المصيبة اللي عملتها مع عمرو.
شوفي رقم تاني كلميها منه، أنا مش ناقصة مشاكل ووجع دماغ، قالتها برفض لتبرر الاخرى قائلة: -مقدميش غيرك، هي عاملة بلوك لرقمي، والعلاقة بيني وبين اللي اسمها مروة متخلنيش أطلب منها تليفونها، ده غير انها فتانة وهتروح تقول لحماتك وإنتِ عارفة حماتك، مبطقنيش لله في لله.
هزت رأسها بعدم اقتناع، وبالأخير استسلمت تحت إلحاح الاخرى ومحاولاتها المستميتة.
لملم نصر شتاته وخرج من النيابة وهو يجر أذيال الخيبة، أخذ يبحث هنا وهناك وسط معارفه من الأشخاص المسؤلون في الدولة محاولاً العثور على طريقة يخرج بها صغيره ومدلل زوجته، أما عزيز فأخذ شقيقه وعاد إلى كفر الشيخ بعد أنتهاءه من إنجاز العمل المطلوب منه من قِبل سيدهُ الذي طالما تمنى رضوانه عليه، أما فؤاد فتحرك إلى مكتب زميله بالعمل سيادة النائب شريف على الذي رحب به كثيرًا وتعجب زيارته الغريبة والأولى من نوعها ليسألهُ وهو يضع كفه على جرس الاستدعاء استعدادًا لدقه: -تحب تشرب إيه يا فؤاد باشا.
اشار بكفه ليقول سريعًا: -متتعبش نفسك يا باشا أنا شربت قهوة كتير النهاردة
واستطرد متسائلاً بفضول دخيلًا على شخصيته أثار تعجب الأخر: -أنا جاي استفسر منك عن تفاصيل المحضر اللي تنازلت عنه واحدة إسمها إيثار غانم الجوهري.
-أه، دي الست بتاعت محضر التعدي، قالها بتذكُر ليكمل بإبانة: -دي واحدة جوزها اتهجم على شقتها إمبارح بالليل وكان سكران، فضل يخبط لحد ما الجيران صحيوا والبوليس وصل، البنت قدمت بلاغ بالتعدي والجيران قدموا محضر بالإزعاج والشرطة عملت له محضر سُكر، وزي ما شوفت معاليك، البنت جت إتنازلت عن المحضر.
واستطرد معقبًا: -تقريباً كدة والد طليقها ضغط عليها لأنها كانت متضايقة جداً وهي بتتنازل وعدم الرضا كان واضح بشكل ملحوظ على ملامحها
أومأ برأسه بتوافق ليسألهُ ب إِكْتراثٍ: -طب مقالتش أسباب تنازلها إيه؟
-أسباب غير مقنعة بالمرة، قالت لما قعدت مع نفسي وفكرت في الموضوع لقيت إن مينفعش احبس أبو إبني، قالها بجدية ليسترسل متهكمًا: -قال يعني مكنش أبو إبنها وهي بتقدم البلاغ
ضيق فؤاد عينيه بتفكُر ليتحدث: -والد جوزها ده شكله راجل مفتري ومش سهل.
-أيوا ده عضو مجلس شعب، بس مسمعتش اسمه قبل كدة، تقريباً كدة من الناس اللي بيقضوها نوم في المجلس وعند أي مناقشة يرفع إيده في التصويت بموافقة، قالها شريف رافع?ا كفهُ بطريقة متهكمة ليبتسم كلاهما ثم استرسل سريعًا وكأنهُ تذكر: -تخيل الراجل بعد البنت ما تنازلت ومشيت داخل يقول لي إيه علشان يصعب عليا وأشوف له حل قانوني اخرج له بيه إبنه.
قطب الأخر جبينه وهو يستمع بتمعُن ليسترسل شريف: -بيقول إن البنت بتستغل ارتباط طليقها الشديد بإبنه وبتقلبه في فلوس كتير وبتستغله، ومن إسبوع طلبت منه مبلغ كبير علشان محتاجة تعمل شوبنج ليها وللولد، ولما طليقها رفض وإتهمها إنها بتبتزه منعته يشوف الولد، ولما هددها إنه هيبلغ المحكمة إنها منعاه عملت له كمين وطلبت منه ييجي لها البيت علشان يشوف إبنه، وطبعاً طليقها راح لها بسرعة ده على كلام أبوه، المهم أول ما جه راحت متصلة بالشرطة وخلت جيرانها يشهدوا معاها.
واستطرد مشككًا بالقصة: -بس أنا مش مصدق ولا كلمة من اللي قالها وخصوص?ا إن تحليل الدم اللي إتعمل للي إسمه عمرو أثبت وجود حبوب ترامادول ومشروبات كحولية في دمه، يعني الرواية اللي طليقته قالتها هي الأصدق.
ارتسمت على محياه ابتسامة ساخرة لينطق متهكمًا: -وإيه اللي يخليك مش مصدق إنها بتبتزه بابنها علشان الفلوس يا شريف باشا، ما كل الستات غايتهم في الدنيا هي الفلوس، الواحدة منهم لو شافت راجل وعجبها قبل ما تسأل عن اخلاقه ولا عيلته بتسأل عن رصيده البنكي
مش كلهم، قالها شريف ليقاطعه الأخر بحدة: -وحياتك كلهم نفس الصنف، إلا من رحم ربي، ودول بقوا عملة نادرة.
قال كلماته ليهم بالوقوف قائلاً: -شكراً يا شريف باشا وأسف إني اخدت من وقتك
وقف شريف إحترامًا له ليتحدث بتوقير: -يا باشا معاليك نورت المكتب، ليسترسل متعجبًا: -بس مقولتليش يا باشا، إيه سبب سؤالك عن المحضر ده بالذات!
إلتف برأسه إليه ليقول بصوتٍ واثق: -البنت بتاعة المحضر كانت في مكتبي الساعة 11الصبح، كانت بتقدم إفادتها كشاهدة في قضية محاولة إغتيال رجل الأعمال المعروف أيمن الأباصيري
قطب الأخر جبينه ليستطرد مجيبًا على حيرته: -هي تبقى سكرتيرة أيمن، فاستغربت وجودها مرتين في نفس اليوم وفي نفس النيابة، علشان كدة الفضول خلاني أجي أسألك.
أيًا كان السبب اللي خلاك تيجي مكتبي وتشرفني فأنا بشكره وسعيد بتشريفك يا باشا، قالها بملاطفة تلقاها الأخر بابتسامة خافتة وخرج ليحمل حقيبته الخاصة من مكتبه متجهاً للخارج ليستقل سيارته ويقودها باتجاه منزله.
بمنزل نصر البنهاوي بكفر الشيخ، كانت تجلس فوق مقعدها الهزاز المتواجد ببهو المنزل والذي جلبهُ نصر خصيصًا لها ولم يجرأ أحدًا من ساكني المنزل الجلوس عليه حتى الأطفال سوى يوسف لمدى غلاوته بقلبها لذا دائمًا تحاول إغراء عائلة غانم الجوهري بالمال وتقديم العروض لهم للضغط على إبنتهم لعودتها من جديد إلى عمرو كزوجة كي يتربى الصغير بمنزل عائلته فاحشة الثراء، كان المقعد يهتز بها بحدة توحي لمدى وصولها لقمة الغضب، أمسكت هاتفها بقوة بعدما عقدت النية على الإتصال بزوجها للإطلاع على أخر المستجدات، وما أن أتاها صوته حتى هدرت بصرامة قائلة: -طمني يا نصر وقولي إن عمرو معاك وإنكم جايين في الطريق.
أغمض عينيه بقوة وأخذ نفسًا عميقًا إستعدادًا منه لوابل التوبيخات والإتهامات التي سيتلقاها على يد تلك المتسلطة وبدأ يقص عليها ما حدث تحت إشتعال روحها واستشاطتها التي إشتم رائحتها عبر الهاتف لتصدح بصياحٍ أشبه بصارخ: -إنتَ إتجننت يا نصر، واعي للي إنتَ بتقوله.
انتفضت النسوة وهرولن لمكانها ليطلعن على ما حدث لترمقهُن بنظراتٍ أشبه بحِمم بُركانية وتقول بصراخٍ دب الرُعب في قلوبهن وجعلهُن يهرولن للأعلى عبر الدرج ليتخبطن ببعضهن من شدة إرتعابهن: -غوري من وشي يا مرة منك ليها وإطلعوا على شققكم، ويا ويلكم يا سواد ليلكم لو لمحت خلقة بومة فيكم هي ولا عيالها النهاردة.
نظرت عليهن وهُن يتخبطن حتى أختفين من أمام أعينها لتسترسل بحدة حديثها مع ذاك الذي علم أن ليلته لن تمر بسلام مع تلك المتجبرة: -بقى مش لاقي حد من معارفك يخرج الواد
لتستطرد وهي تسخر منه: -أمال عاملي فيها سبع الرجالة وسيادة النائب راح وسيادة النائب جه وإنت ممنكش لازمة.
إجلال، كلمة حادة نطقها بصياحٍ تحذيري ليسترسل بقوة: -بلاش قلة ادب واحفظي لسانك، أنا مقدر زعلك على ابنك بس مش هقبل بكلمة زيادة
ليستطرد ملقيًا اللوم عليها: -وبدل ماتلومي عليا روحي حاسبي نفسك الأول على تربيتك الو، ، ولومي على التافة ابنك اللي خلى منظري زي الزفت وقل من قيمتي قدام الكل.
ابتلعت لعابها بعدما أوصلته لتلك الحالة لتتحدث بتراجع لعلمها صحة حديثه: -سيبنا من مين الغلطان وخلينا في المهم
واستطردت بشرٍ ظهر بَين بعينيها: -أنا عوزاك تشوف لي كام مرة جتة ويكونوا سوابق وتخليهم يروحوا لبنت منيرة يرنوها علقة موت، مش عوزاهم يسيبوا في جسمها عظمة سليمة، عوزاها تقعد في قميص جبس مش أقل من ست شهور علشان تعرف هي لعبت مع مين.
واسترسلت بفحيحٍ كالأفعى وبعينين مشتعلتين: -عايزة أشفي غليلي يا نصر.
زفر بضيق ليخبرها بما جعل قلبها يغلي كحممٍ بركانية: -مش هينفع، بنت الكل، عملت لي أنا وعمرو محضر عدم تعرض، يعني لو اتشنكلت في الارض هيشدوني على القسم أنا وابنك، وخدي عندك سين وجيم ومش هنشوف الشارع لحد ما نثبت إننا ملناش دعوة باللي حصل لها.
اتسعت عينيها بذهول لتهتف بغلٍ كاد يصيبها بذبحة صدرية: -البت دي جابت القوة دي كلها منين، بس أقول إيه، إنتَ اللي غلطان لما سمعت كلام إبنك وسبتها تاخد الواد وتطلع من البلد بعد ما هددتك عيني عينك.
واسترسلت متهكمة: -قال إيه المحروس كان فاكر إنه بكدة هيغلى نفسه عندها وتحن له وترجع لحضنه من تاني، اه لو سمعت كلامي ساعتها وجبناها بالعافية وكتب عليها واتحبست في شقتها زي الكلب، مكناش وصلنا للي إحنا فيه الوقت.
-هيحصل يا ستهم، الصبر، قالها متوعدًا لترد الاخرى بتهكم: -بعد إيه يا سيد الرجالة، بعد ما البت بقى لها معارف من الكبارات بتتحامى فيهم وتستقوى بيهم، البت قدرت عليك يا نصر ووقفت قدامك بكل قوتها، بنت غانم اللي محلتوش غير قيراطين أرض حبست ابن نصر البنهاوي، إنتَ حاسس بالمصيبة اللي حطت فوق راسنا يا سيادة النايب، الموضوع ده لو اتعرف في البلد هيبتك هتبقى في الأرض بعد ما الناس كانت بتترعب بس من اسمك.
لتستطرد بسخرية: - وابقى قابلني لو حد عمل لك قيمة ولا قدرك بعد كدة
برغم كلماتها اللاذعة والمهينة إلا أنه تجاوزها ليخبرها قائلاً بطمأنة: -متقلقيش، مفيش مخلوق من أهل البلد هيعرف حاجة عن الموضوع، أنا نبهت على عزيز لو الخبر اتعرف هزعله هو وأهله قوي، وإنتِ نبهي على حريم عيالك مفيش واحدة فيهم تنطق بكلمة لحد من أهلها.
أجابته بجبروت: -بلغتهم أول ما مشيت إنتَ وطلعت، قولت لهم لو حرف واحد خرج برة البيت الثلاثة لسانهم هيتقطع فيها.
اطمأن داخلهُ لثقته الكبيرة بقدرتها على إدارة المنزل، أنهي معها المكالمة لتعقد حاجبيها بضيق وهي تتطلع إلى الأفق البعيد لتمسك ذقنها بكف يدها وهي تقول بفحيحٍ متوعدة: -ماشي يا إيثار، أنا كنت شيلاكي من دماغي ونسياكي علشان خاطر يوسف، بس إنتِ اللي ابتديتي بالشر، قابلي بقى اللي هيجرى لك على إيد ستهم، يا أنا يا أنتِ يا بنت منيرة.
خرجت من إحدى المتاجر الكُبرى تحمل بكفيها العديد من الاكياس البلاستيكية المحملة بالبقوليات وبعض انواع الفواكه والخضروات واللحوم التي أوصتها عزة على شراءها بعد خروجها من قسم الشرطة حيث حررت محضر عدم التعرض بمساعدة محامي أيمن التي أبلغته بما حدث حيث لامَ عليها كثيرًا على تساهلها وتنازلها عن حقها بتلك البساطة، اعتذرت منه وتعللت بكثرة الضغوط التي مورست عليها من قِبل الجميع وبالنهاية عذر ضعفها وشعورها الدائم بالوحدة والخوف، فتحت صندوق السيارة الخلفي لتضع الاكياس فاستمعت لرنين هاتفها، إنتهت من وضع جميع ما بيدها لتغلق الصندوق واخرجت الهاتف لتنظر به، ثم ضغطت فوق زر الإتصال لتجيب بنبرة هادئة للمتصل التي لم تعثر على هويته بالهاتف: -ألو مين معايا.
-أنا ستك وتاج راسك اللي لحد الوقت الغل والحقد مالي قلبك من ناحيتي يا بنت الجوهري، أغمضت عينيها ونفخت بعدم صبر بعدما تأكدت من هوية المتصل لتسترسل الاخرى بحقدٍ دفين ظهر بَين بصوتها: -لسة مش قادرة تنسي إنه فضلني عليكي وطلقك ورماكي علشاني.
استقلت مقعد القيادة ساندة ظهرها للخلف ثم ابتسمت ساخرة لتقول بنبرة جادة: -عارفة يا سُمية إنتِ مشكلتك في إيه
انتبهت بجميع حواسها وتجهزت جيدًا للإستماع فاستطردت الأخرى: -إنك كذبتي الكذبة ومش بس صدقتيها، ده أنتِ مصممة تحكيها كل شوية ومن وهمك فاكرة إنك بكدة هتخلي كل اللي حواليكِ هما كمان يصدقوها.
ضحكة عالية أطلقتها سمية لتقطعها فجأة هاتفة بفحيحٍ كالأفعى: -إنتِ اللي من نار قلبك القايدة بقالها سنين مش قادرة تصدقي إن عمرو فضلني عليكِ، علشان كدة روحتي حبستيه علشان تنتقمي منه.
سألتها الأخرى بنبرة ساخرة: -ومسألتيش نفسك عمرو اللي فضلك عليا كان جاي يعمل إيه على بابي؟!
إبتلعت الاخرى ريقها بمرارة لعدم إجابة لديها سوى أن زوجها مازال يعشق زوجته الأولى لكنها تنكر هذا بكل قوتها لتسترسل الأخرى بقوة صارمة: -إسمعي يا بت إنتِ وياريت تركزي علشان انا خلاص قرفت منك ومن إسلوبك الرخيص في مطاردتي عن طريق تليفونات العِرر اللي حواليكي، جوزك ده لو وزنولي قده عشر مرات ذهب ميلزمنيش، أنا اللي سبته لأنه زبالة زيك بالظبط، وإنتِ عارفة ومتأكدة من جواكِ إنه لسة بيحلم باليوم اللي هرضى عنه فيه وأوافق ارجع له، بس ده بعينه.
واستطردت ذات معنى: -واطمني يا اختي، محدش بيرمي نفسه تاني في الوحل بعد ما خرج منه ونضف.
واستطردت بنبرة تهديدية لاذعة: - فخرجيني من دماغك علشان وحياة إبني اللي معنديش أغلى منه، لو حطيتك في دماغي لاخليكي تكرهي اليوم اللي عرفتيني فيه، فاهمة يا شاطرة؟
-إبعدي عن عمرو يا إيثار، أنا لحد الوقت لسة عاملة حساب إننا كنا في يوم أقرب إصحاب لبعض، بلاش تخليني أنسى النقطة دي، قالتها بنبرة حاقدة لتجيبها الاخرى باشمئزاز: -صحوبية إيه اللي بتتكلمي عنها، هي الحية اللي زيك تعرف يعني إيه صداقة
استرسلت بتهديدًا أخير: -لأخر مرة هنبهك، بعد كدة متلوميش غير نفسك.
اغلقت الهاتف دون أن تعطي حق الرد للأخيرة لتزفر بقوة وترمي برأسها للخلف مستندة على ظهر المقعد، أغمضت عينيها وبدأت تسترجع ذكرياتها ما قبل التسع سنوات، «وكيف ولجت لقصة حبها كبيرة، لتخرج منها أميرة»...
