الفصل السابع عشر
عادت من موعدها بقلبٍ يهيمً عِشقًا وعقلاً يُجنب كل مخاوفهُ لينقاد مستسلمًا لحكم الهوى ورغبة الفؤادِ، تاركًا زمام أمورهُ لذاك القلب الذي فلت لجامعه وانطلق لعنان السماء ليسبح ويمرح متغاضيًا عن كل ما قد يؤرق عليه حياته ويفسد سعادته، ولجت لداخل الحمام بعد أن قررت الحصول على قسطًا من الإستجمام، اتجهت نحو حوض الإستحمام حيث ملئته بالماء الدافىء وسكبت بداخلهُ بعضًا من سائل الصابون وبعض أوراق الزهور ومزيجًا من بعض الزيوت العطرية لتغمر جسدها وتغمض عينيها لتدخل بحالة لذيذة من الإسترخاء، كانت تتنفسُ بهدوء وبسمة حالمة لم تفارق شفتيها وهي تسترجع مقابلتها معه بالكامل، نظراته الساحرة التي جعلت منها أسيرةً، ناهيك عن كلماتهِ الفاتنة التي استحوذ من خلالها على جميع حواسها وسحبها معه لعالمه المُبهر، ظلت على وضعها لفترة طويلة حتى شعرت بالإسترخاء التام لتخرج مرتدية ثياب الحمام وتتجه نحو خزانة الملابس لتنتقي ثوبًا هادئًا وترتدية، تحركت للمطبخ لتتأكد من أن عزة قامت بتجهيز الاصناف التي طلبتها منها لارا لحضور العشاء معهم.
بعد قليل كانت تقوم بوضع الصحون الفارغة فوق الطاولة لتجهيزها لحين وصول تلك الجميلة
صدح رنين جرس الباب ليهرول الصغير إستعدادًا لفتحه قبل أن تتبعه عزة التي استبقت خطواته لتنظر من فتحة الباب السحرية قبل أن تبتسم وتُشرع بفتح الباب بعد ان إطمأنت، ابتسمت لارا ليصرخ الصغير باسمها وهو يهرول ليرتمي بداخل أحض. انها مرددًا إسمها بسعادة قابلتها هي بكثيرًا من الحبور وهي تحمله وتلج به للداخل: -وحشتني يا چو.
-إنتِ كمان وحشتيني كتير يا لارا، نطقها ببرائة لتنظر للسائق الذي يحمل الكثير من حقائب الهدايا وهي تقول: -إدي الشُنط لعزة واستناني في العربية يا عم عيد،
لتستطرد بعد تفكير: -ولا اقول لك، روح بيتك اتعشى مع أولادك ولما أخلص هتصل بيك
-حاضر يا هانم، نطقها الرجل بطاعة ليناول ما بيده إلى عزة التي وضعتهم فوق طاولة جانبية وانسحبت خلفه لكي تغلق الباب.
خرجت إيثار للترحيب الحار بضيفتها الجميلة ليدخلا لغرفة الطعام مباشرةً لتتطلع لارا للاطعمة المتواجدة فوق الطاولة وهي تقول بصوتٍ حماسي: -كل الاكل الحلو ده علشاني؟
-وإحنا في ده اليوم اللي ست البنات تيجي تتعشى عندنا، كلمات ترحيبية نطقتها عزة بسعادة لتكمل إيثار على حديثها: -عملنا لك كل الأكل اللي بتحبيه، يارب بس يعجبك.
نطقت وهي تسحب المقعد لتجلس إستعدادًا للبدأ بالطعام: -أكيد يا قلبي هيعجبني، ده كفاية إنه من صُنع إديكي إنتِ وعزة
التف الجميع حول الطاولة وشرعوا بتناول الطعام لتهز لارا رأسها وتقول باستمتاع وهي مغمضة العينين ويبدوا على وجهها التلذذ بمذاق الطعام: -يا جمال وطعامة ولذاذة الرُقاق
هتفت عزة بإيضاح: -ده عمايل إيثار، دوقي بقى الفتة السوري وقولي لي رأيك فيها علشان أنا اللي عملاها.
ابتسمت الفتاة لتجيبها بحديثٍ لين لقلبٍ رقيقًا هين: -أكيد روعة، كل حاجة بتعمليها تجنن يا عزة
-ربنا يكرمك يا بنت الأصول، هتفت لارا بحماس وهي تنظر للصغير: -أنا جبت لك هدايا تجنن، هنلعب بيها مع بعض بعد العشا يا چو.
اشتدت سعادة الصغير لتسترسل الفتاة وهي تنظر إلى عزة: -وجبت لك إنتِ كمان هدية يا عزة، يارب تعجبك
مغلبة نفسك ليه بس يا بنتي، قالتها بعينين شاكرتين لتسترسل بامتنان وهي تتطلع إلى إيثار: -دي إيثار الله يكرمها مش مخلياني محتاجة لحاجة
مطت شفتاها للأمام مدعية الحزن لتنطق بكلماتٍ لائمة: -طب هو أنا مش زي إيثار ولا إيه يا ست عزة، ولا هتخليني أزعل منك.
ابتسمت لها وأجابتها بصدقٍ: -ربنا يعلم معزتك في قلبي
تابعوا تناول طعامهم وسط أحاديثًا شيقة دارت بين الجميع، بعد قليل انتقلوا إلى البهو جلست إيثار فوق الاريكة بينما تجلس الفتاة أرضًا بجانب الصغير وهما يحاولان تركيب قطع القطار اللُعبة ليصفقا معاً بعدما نجحا بمهمتهما واشتغل القطار لتنتقل هي بجانب إيثار تاركة الصغير الذي تابع اللهو بالقطار.
وضعت كف يدها تحتوي به خاصتها لتتحدث بامتنان: -مش عارفة أشكرك إزاي يا لارا على اهتمامك بيوسف، الولد بيحبك جدًا وبيفرح قوي لما بيشوفك
-أنا كمان ماتتصوريش سعادتي لما بقعد والعب معاه، واسترسلت بضحكاتٍ ساخرة من حالها: -أنا بحس إني رجعت بنت صغيرة لما بكون معاه
ابتسمت إيثار لتتحمحم الفتاة قائلة بعيونٍ زائغة: -عاوزة أحكي لك على حاجة حصلت.
-قولي يا قلبي، تنهدت الفتاة لتقول بعينين حائرة وارتيابٍ ظهر فوق ملامحها البريئة: -وليد رجع يكلمني تاني وعاوزنا نرجع لبعض، تخيلي يا إيثار، بيقولي إنه مش قادر ينساني حتى بعد الكلام الصعب اللي قولته له اخر مرة
تنهدت براحة لتجيبها بنبرة عاقلة: -وده يثبت كلامي عنه ونظرتي فيه، وليد بيحبك بجد يا لارا، اتحملك واتحمل عصبيتك وحالتك النفسية بعد موت بسام.
صمتت لتسترسل بأسى: -ده أنتِ اتهمتيه بإنه السبب في م. وت بسام؟
بشعورًا مؤلم تحدثت الفتاة بما يؤرق نفسها: -أنا محتارة يا إيثار ومش عارفة اعمل إيه، مكذبش عليكي، من ساعة ما كلمني وأنا فرحانة قوي وسعيدة إنه لسة مستنيني ومرتبطش لحد الوقت، بس في نفس الوقت خايفة، شعور إن وجوده في حياتي وحبي ليه هو اللي جنن بسام وخلاه يتصرف بالطريقة دي مش بيفارقني، خايفة ارجع له وبعدين أفشل ومقدرش أتخلص من الاحساس بالذنب المشترك بينا بقت. ل بسام، خايفة من الفشل يا إيثار.
زفرت إيثار لتجيبها بنبرة حاسمة: -هرجع وأقول لك إنك لازم تروحي للدكتور النفسي وتتابعي معاه علشان تتخلصي من عقدة الذنب اللي ملازماكي طول الوقت، واللي ملهاش اساس من الصحة أصلاً
استدارت لتمسك كفيها وهي تقول بنبرة حنون: -إنسي اللي حصل وحاولي تعيشي حياتك مع الإنسان اللي بيحبك وشاريكِ.
أخذت نفسًا عميقًا لتقول بعد حسم قرارها: -خلاص يا أيثار، أنا هخلي أحمد ياخد لي ميعاد مع الدكتور اللي عنده في المستشفى
باغتتها الاخرى بإصرار: -وتكلمي وليد وتقولي له إنك موافقة ترجعي له، بس بشرط يتقدم لك رسمي زي ما طلب منك قبل الحادثة
ابتسمت بخجل ليهتف الصغير بسعادة: - يلا يا لارا علشان نلعب
ضحكت لارا لتهبط سريعًا تنضم لذاك البرئ لتشاركه اللعب.
باليوم التالي، في تمام الساعة الثانية ظهرًا، كانت مندمجة بالعمل على جهاز الحاسوب تنظر بتمعن شديد على شاشتهُ من خلال نظارتها الطبية بينما تتحرك أناملها فوق لوحة الكتابة بسلاسة وطلاقة، قطع إندماجها صوت رنين هاتفها الجوال لتتوقف وتنظر عليه وبلحظة اعتلت إبتسامتها ثغرها ليُضيء وجهها تلقائيًا حين وجدت نقش حروف اسمه التي زينت الشاشة لتحول من قلبها الهادئ لمتراقص، خلعت عنها النظارة ثم أمسكت الهاتف لترد بصوتٍ بذلت قصارى جهدها ليبدوا هادئ: -ألو.
-هتصدقيني لو قولت لك إن دي أرق ألو سمعتها في كل حياتي، نطقها بصوتٍ يفيضُ رجولة لتبتسم قائلة بعدما أرادت مشاكستهُ: -وبعدين معاك يا سيادة المستشار، بالراحة عليا أنا مش قدك.
بصوتٍ صادق أجابها: -ده سيادة المستشار هو اللي طلع غلبان ومش قدك
ليسترسل مخبرًا إياها بملاطفة: -بقى أنا افضل طول الليل سهران علشان طيف عيون سيادتك ملازمني ومش سايبني في حالي، ولما بصعوبة أنام الساعة تلاتة الفجر ألاقيكِ جاية لي كمان في أحلامي.
ابتسمت بسعادة ليتابع باستنكار مصطنع: -لا واللي أفظع من كده إني ولأول مرة في حياتي من ساعة ما اتعينت في النيابة أعمل مكالمة شخصية من مكتبي، علشان تتأكدي إنك قدرتي تسيطري على كل جوارح فؤاد علام وتخليه يكسر ويخالف ثوابت حياته، مش عارف هتوصليني معاكِ لحد فين؟
تنهد وبدأ بلف مقعدهِ يمينًا ويسارًا باسترخاء ليتابع مستطردًا بنبرة رجل يذوبُ عشقًا: -غيرتيني قوي يا إيثار، غيرتيني لدرجة تخوف.
-بقي إيثار المسكينة عملت كل ده في فؤاد علام؟!، نطقتها بدلال جعل من قلبهِ هائجًا متوهجًا ليرد عليها بمراوغة: -والله ماحد طلع مسكين غير فؤاد علام
ابتسمت وتحمحمت قبل أن تقول باستئذان متهربة من كلماته التي تسحبها لعالم مليء بالحالمية وليس هذا بالمكان المناسب لتلك المحادثات: -لو قولت لك إني مضطرة أقفل تزعل مني؟
-مقدرش أزعل منك، قالها بصوتٍ حنون ليتابع مفسرًا موقفه: -أنا أسف بجد، أنا كنت مكلمك علشان أشتكي لك من طيف عيونك اللي عذبني معاه طول الليل، وكنت مقرر أقفل بسرعة علشان معطلكيش عن شغلك
واستطرد بصوتٍ متأثر: -بس كعادتي معاكِ، الكلام مبيخلصش وجملة بتجر جملة وموضوع بيجيب موضع وبنسى الوقت وياكِ.
-إيثار، نطقها حين طال صمتها كي يطمئن عليها ولكن، إين هي إيثار، لقد ذابت الفتاة كقطعة شيكولاتة وقعت بكوبٍ من الحليب الساخن لتنصهر وتذوب في الحال، انتبهت فور نطقهِ لاسمها لتقول ببحة مؤثرة بصوتها: -نعم
-عنيكِ حلوة قوي، قالها قاصدًا وهو يبتسم بخبث بعدما تيقن من إنصهار مشاعرها من أثر كلماته الساحرة ليتابع مسترسلاً بعدما قرر أن يرأف بحالتها: -انا هقفل علشان تشوفي شغلك، وهكلمك على الساعة عشرة بالليل.
وافقته فأنهى المكالمة لتتنفس بعمقٍ وباتت تتفقد حرارة وجنتيها التي توهجت جراء كلماته التي نقلتها لعنان السماء.
بينما وقف هو ليتحرك حتى وصل لنافذة مكتبه الزجاجية ووقف يتطلع للبعيد بعينين لامعتين بوميض الهوى، انتشى داخلهُ وبلحظة تعجب وبات يلوم حاله، كيف سمح لعقله الواعي بالإنجراف كالمغيب خلف مشاعرهُ الهوجاء، مازالت مخاوفه من تكرار الماضي تلاحقه برغم محاولاته بالمضي قدمًا، بالنهاية قد وقع صريعًا لعيناها لكنه سيوازن اموره بالتأكيد ولن يسمح لأخطاء الماضي بأن تتكرر.
داخل الحديثة الخاصة بمنزل نصر البنهاوي
تتجاورتان سمية وياسمين الجلوس لتنطق الاولى بنبرة بائسة وقد اكتسى وجهها بالحزن واليأس: -أنا تعبت يا ياسمين ومبقتش عارفة أعمل إيه، كل يوم بيعدي وبيقربنا من الإنتخابات بحس إن روحي بتتسحب مني، مصيري بقى متعلق بالإنتخابات ونهاية حياتي مع عمرو بتقرب.
وعلى حين غرة التفتت إليها لتهتف بنبرة حاقدة: -ده أصلاً مش طايقني لا أنا ولا البنت لوحده، تخيلي بقى لما اللي إسمها إيثار دي ترجع هيعمل فينا إيه، ده الواد لما بييجي بينسيه الدنيا وما فيها، أمال لما هي بنفسها تيجي هيعمل معاها إيه؟
تنهدت لتجيبها بما يطمئن قلبها: -إوعي تكوني فاكرة إنها لما هترجع البيت هتتعامل زي قبل الطلاق، إيثار قيامتها هتقوم بمجرد رجوعها للبيت ده تاني، وحب عمرو وجنونه بيها مش هيشفع لها عند ستهم اللي خلاص حطيتها في دماغها وناوية تطلع القديم والجديد كله على جتتها.
لتسترسل بشفقة ظهرت فوق ملامحها: -طب تصدقي باللي خلقك، رغم إن إبن إيثار بينغص عليا حياتي كل ما ييجي هنا، إلا إنها صعبانة عليا قوي، دي هتشوف أيام أسود من قرن الخروب وبكرة تقولي ياسمين قالت.
رفعت كفيها وهي تنظر للسماء وتنطق بكلماتٍ تقطر حقدًا وغلًا: -إلهي ما تشوف غير الهم والحزن في حياتها إيثار بنت منيرة، ربنا ينتقم منها بحق الظلم اللي شفته من جوزي أنا وبنتي بسببها.
انتفضت كلتاهما على صوت مروة التي باغتتهما وهي تهتف من خلفهما: -يخربيتك ولية بجحة عديمة الحيا، إنتَ مصدقة نفسك وعاملة فيها مظلومة يا عقربة، بقى إيثار هي اللي ظلمتك يا عِرة النس. وان؟!
واسترسلت بنظراتٍ مذهولة: -أمال لو مكناش قافشين. ك مع جوزها وفي قلب فرشتها، صحيح اللي اختشوا ماتوا.
قالت كلماتها الأخيرة وهي ترمقها بازدراء لتهب الأخرى من مكانها هاتفة وهي تلوح بأصبع كفها بنظراتٍ كارهة: -تعرفي إيه أكتر حاجة حارقة دمي يا مروة، إني مش قادرة أمد إيدي عليكِ علشان ستهم مش هتسكت، لولا كده كنت جبتك من شعرك وحطيتك تحت رجليا وعرفتك مقامك صح.
-لو بنت رجالة بصحيح إعمليها، ومش هقول لك ستهم هتعمل فيكِ إيه، لا، نطقت كلماتها باستفزاز لتسترسل بكبرياء بعدما رفعت قامتها لأعلى: -أهلي هما اللي هيمحوكِ إنتِ والعرة أبوكِ اللي عرف بفض. يحة بنته واتكتم علشان فلوس ونفوذ نصر البنهاوي، ولا إنتِ نسيتي أنا بنت مين، وإن عيلتي تاني أكبر عيلة في البلد بعد البنهاوية.
ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق ثغرها لتسترسل بإهانة: -ولا أنتِ فاكرة الناس كلها واقعة وملهاش أصل زيك.
وصل داخلها لحد الاشتعال لتهرول مسرعة للداخل لعدم وجود كلماتٍ تجابه بها تلك التي انطلقت بوجهها كمدفعية ألقت بقذائفها القوية بوجهها، أطلقت ياسمين ضحكة عالية لتنطق باستحسان وهي تنظر لتلك الواقفة تتطلع على تلك البغيضة وهي تهرب للداخل بابتسامة نصر: -جدعة يا بت يا مروة، نسفتي جبهتها وجبتيها الارض.
التفت لها لترمقها بنظراتٍ قوية وهي تهتف بغضب: -ولما أنتِ شمتانة فيها كده قاعدة تسمعي لها وتشجعيها على كلامها الفارغ ده ليه؟!
تحركت لتجلس بجوارها لتتحدث الأخرى وهي ترفع كتفيها بلامبالاة: -يعني هقولها إيه، إديها بترغي وانا بسمع، وبعدين انا لا بطيقها ولا بطيق اللي اسمها إيثار، كفاية عليا إبنها اللي كل زيارة يقلب جوزي وحماتي عليا، وكأنه بمجيته بيفكرهم إني مخلفتش الولد.
-وهي إيثار وابنها ذنبهم إيه علشان تحاسبيهم بجهل دماغ جوزك وحماتك، قالت كلماتها الصادقة لتسترسل بسخطٍ: -وبعدين سيبك من إيثار، إنتِ إزاي أصلاً تقعدي مع واحدة خاطية زي دي، دي واحدة خانت اعز صاحبة ليها يعني ملهاش أمان، والله بستغربك قوي يا ياسمين
لاحت الاخرى بكفها بلامبالاة وهي تقول: -سيبك من الكلام ده، شكل الدنيا هتولع في البيت بعد الانتخابات ومحدش عارف إيه اللي هيحصل.
ربنا يسترها يا ياسمين، بس شكل اللي جاي مفهوش خير لحد أبدًا، نطقت كلماتها بتأثر خوفًا على تلك ال إيثار.
ذهبت إلى مدرسة صغيرها كي تجلبه بعدما اخبرتها المشرفة بأن السيارة الخاصة بنقل الاطفال ذهبت إلى الصيانة فاضطرت للاستئذان مبكرًا من عملها والذهاب إلى المدرسة وما أن ترجلت فوجئت بوجود ذاك ال عمرو الذي اتفق مسبقًا مع المشرفة لتقول هكذا ل إيثار بعد أن أعطاها مبلغًا كبيرًا من المال لم تستطع رفضه، زفرت بضيق وتحركت باتجاه بوابة المدرسة ليقترب منها قائلاً بعد أن قطع طريقها: -إستني يا إيثار، أنا عاوز اتكلم معاكِ في موضوع مهم.
رمقته بنظراتٍ حارقة لتهتف بنبرة حازمة: -إنتَ شكلك مفهمتش كلامي كويس المرة اللي فاتت، وبتصرفاتك الغبية دي هتضطرني أبلغ البوليس.
-إسمعيني لأخر مرة وبعد كدة إبقي إعملي اللي إنتِ عوزاه، نطقها بعينين مترجيتين ليسترسل بذات مغزى: -مش يمكن كلامي يعجبك.
أخذت تقلب عينيها بضجرٍ وسخط تلعن بسريرتها غباء ذاك الحقير ليباغتها قبل ان ترفض: -عندي عرض ليكِ، إسمعيه وقولي لي رأيك.
-إتفضل، غني وسمعني، قالتها بسخرية ليبتلع غصته من جفاء معاملتها ويقول متجاهلاً إهانتها: -أنا اشتريت فيلا في كمبوند هيعجبك قوي وهكتبها بإسمك، وهنقل ليوسف في مدرسة إنترناشيونال هناك واخليه يعيش ولا الملوك، بس إنتِ وافقي وخلينا نرجع ونعيش مع بعض، ووعد مني مش هنزلك البلد أبدًا، هعيش معاكِ هنا حتى لو ابويا هيقاطعني فيها، بس مش هسمح لحد يمسك بكلمة تأذيكِ.
تنفست لتجيبه بعدما فقدت القدرة على المجابهة: -طب بص بقى يا عمرو علشان تريح نفسك وتريحني معاك، لو أنتَ أخر راجل في الدنيا وحياتي واقفة عليك، ولو بقائي في الدنيا مرتبط بيك إنتَ بالذات أنا متنازلة عن حياتي ومش عوزاها، فيه اكتر من كده؟
وكأنه في عالم موازي ولم يستمع لحديثها الكاره: -يا إيثار أرجوكِ حاولي تفهميني، أنا مش قادر أكمل حياتي من غيرك، من يوم ما سبتيني وأنا حاسس إني ميت، مبقتش بحس بأي حاجة ومبقاش فيه حاجة تفرحني، إنتِ الست الوحيدة اللي انا حبيتها في عمري كله.
-وعلشان كده خن. تني مع زبالة البلد كلها، نطقتها بتهكم لتتابع بسخطٍ: -الزبالة اللي إنتَ متجوزها مكنتش أول واحدة تخ. ني معاها.
هز رأسهُ بنفيٍ كي لا يفقد إحترامها اكثر من هذا ليقول بتضليل: -لا يا حبيبتي صدقيني، ده كانت أول وأخر غلطة في حياتي.
صاحت وهي ترمقهُ باشمئزاز: -كذاب، الحقيرة اللي إنتَ خن. تني معاها بعتت لي رسايل زبالة بينك وبين الاشكال الشمال اللي كنت ماشي معاهم، في الوقت اللي كنت بتستغفلني فيه وتقول لي إني حب حياتك، ، واسترسلت بنبرة تحمل الكثير من الإشمئزاز: -إنتَ أول واحد إدي له الأمان واسلمه روحي، بس طلعت خاي. ن وطعنتي وغدرت بيا، جاي تلعب عليا وفاكرني مغفلة وهصدقك، قولتها قبل كده للحقيرة مراتك لما كلمتني تحذرني من إني أحاول أقرب منك، وهقولها لك إنتَ كمان ويارب تفهم.
واستطردت وهي تشملهُ باحتقار: -محدش بيرمي نفسه في الوحل تاني بعد ما ربنا رضي عنه وخرج منه سالم.
-سمية كلمتك إمتى، سؤالاً وجههُ لها بعينين تطلق حممًا جحيمية لتجيبه باشمئزاز: -روح إسألها بنفسك، وبالمرة خليها تبعد عني، وإنسوني بقى وخرجوني من دماغكم إنتم الاتنين
لتسترسل بنبرة تهديدية: -وقسمًا برب العزة يا عمرو، ما هعمل حساب لإبني اكتر من كده، ولو ظهرت قدامي تاني حتى لو صدفة، لأبلغ عنك واللي يحصل يحصل
قالت كلماتها لتنصرف للداخل وتركته غارقًا في أفكاره وما فعلته تلك الحقيرة.
ليلاً بمسكن عزيز ونسرين الخاص
كان يتمدد فوق فراشه الخاص بغرفة نومه، ساندًا برأسهِ على ظهر التخت يتطلع أمامه بشرودٍ تام وملامح وجه مكفهرة ليلتفت لتلك التي ولجت وبيدها صينية تحمل فوقها كوبين من الشاي الساخن لتضعها فوق الكومود وتعتدل تجاور زوجها الجلوس فوق الفراش، ناولت زوجها كوب الشاي لتسألهُ بعدما لاحظت امتعاض ملامحه: -مالك يا عزيز؟
إعتدل جالسًا ليتناول منها كوب الشاي وهو يزفر بقوة أظهرت كم الغضب الكامن بداخله ليهتف بنبرة حادة: -الحالة كل مادا بتضيق، ونصر مش راضي يرجعني انا ووجدي مع رجالته إلا لما أرجع له الهانم للبيه إبنه
واستطرد بأعصابٍ مشتعلة: -وابويا حط لنا العقدة في المنشار، قفلت زي الدومنا ومش لاقي لها حل خلاص.
لوت فاهها واستدارت بجسدها تتناول كوب الشاي لترتشف منه بعض القطرات ثم تنهدت بصوتٍ عالي لتقول: -عم غانم ده راجل غلبان واختك عاملة زي الحية، بتسحب اللي قدامها بكلمتين ناعمين منها.
-منها لله، ضيعيتنا في الأول وشكلها مش هتسكت غير لما تخربها علينا خالص، نطقها بحقدٍ دفين ليسترسل بجشع بعدما التف بجسده نحو زوجته: -إنتِ اصلك متعرفيش الفلوس اللي عمرو بقى عايم فيها بعد ما اشتغل من ورا ابوه، الواد بقى بيلعب بالملايين لعب يا نسرين، وقالها لي صريحة، لو إيثار رجعت لي هعيشكم في عز عمركم ما حلمتوا بيه.
-ربنا يهديها وتراجع نفسها علشان خاطركم، قالتها بفاهٍ ملتوي لتسترسل بنبرة خبيثة كي تستدعي سخط ذاك الحانق على شقيقته اكثر وأكثر: -بصراحة أنا أول مرة أشوف واحدة كارهة الخير لإخواتها كده
قرب كوب المشروب من فمه وارتشف بصوتٍ عالي ثم تحدث وهو يضيق بين حاجبيه: -كنت ناوي أخد وجدي ونروح نجيبها نص الليل ولا من شاف ولا من دري، بس ابويا الله يسامحه قفلها في وشي.
-هو انتَ هتغلب يا عزيز، دور في جرابك على خطة تخليها ترجع وأكيد هتلاقي، قالتها بتحريض ليهز رأسهُ بموائمة.
عاد عمرو من القاهرة بعد منتصف الليل ليصعد سريعًا لمسكنه الخاص بتلك الحرباية، ولج لداخل حجرة النوم ليجدها تغط بسبات عميق ليهرول عليها جاذبًا إياها من شعرها لتفتح عينيها بفزع وتصرخ حين باغتها بصفعة قوية وهو يجز على أسنانه بحقدٍ دفين: -بقى أنا تلعبي عليا يا بنت الك، ، بتروحي تتفقي من ورايا مع الأشكال الزبالة اللي زيك وتشتري منهم الرسايل وتبعتيها ل إيثار؟
-كذابة، والله العظيم كذابة، دي بتقول لك كده علشان تكرهك فيا، قالت كلماتها الإفترائية وهي تقسم بالله كذبًا للخلاص من بين براثن ذاك الغاضب ليباغتها بصفعة اخرى وهو يتابع قائلاً: -إخرسي، إوعي تجيبي سيرتها على لسانك، دي ستك وتاج راسك وراس أهلك، وبكرة ارجعها واخدك تترمي تحت رجليها زي أقل خدامة في بيتها.
حاولت فك وثاقه وهي تصرخ بدموع من شدة الألم: -حرام عليك يا عمرو سيب شعري
ضغط على فكها بقبضته ليقول بتهديدًا صريح: -قسمًا بالله لو فكرتي مرة تانية تتصلي ب إيثار، لاكون قات. لك وداف. نك في مزرعة المواشي، المكان اللي يليق بواحدة زيك.
نطق كلماته بحقدٍ ليدفعها تسقط فوق الفراش ليرمقها بازدراء وتحرك للخارج بعدما بصق باتجاهها تعبيرًا عن مدى احتقاره لها لتنظر بغلٍ على الباب وهي تتوعد له ولتلك الحقيرة.
بعد مرور مضي بضعة أيام مرت على العاشقان ومازالت حالة الوله وجمال البدايات تسيطران على جوارحهما حتى صار كلًا منهما لا يستطيع النوم براحة إلا بعد سماع صوت الأخر والتشبع ببعض كلمات الغزل التي تغزو قلبيهما وتنعشاه، كانت تحادثه من غرفتها الخاصة لتذوب من سؤالهُ المشاكس لها حيث قال بصوتٍ منتشي: -هو أنا قولت لك قبل كده إنك حلوة قوي.
صوتٍ ناعم لضحكة رقيقة وصل إليه لينعش قلبهُ ويزدادُ إنتشاءًا حين استمع لصوتها المداعب: -آه، وكتير كمان
رفع حاجبهُ الأيسر ليسألها لمشاكستها: -قصدك تقولي إني بقيت ممل وكلامي مكرر وسخيف؟
فغرت فاهها بدهشة لتجيبه سريعًا بنفي قاطع خشيةً حُزنه منها: -لا طبعاً، إنتَ بتقول إيه
لتسترسل بنبرة خجلة غُلفت بالإنبهار: -إنتَ كل حاجة منك مميزة وغير، كلامك نظراتك حتى إبتسامتك غير.
أسمي ده إعجاب؟، قالها بخباثة ليستطرد بأكثر جرأة: -ولا حب وانبهار.
خجلت من كلماته الصريحة ليزيدها عليها بعدما عقد النية عن معرفة مشاعرها تجاههُ ليسألها بنبرة حنون جعلت من قلبها ينتفض ثائرًا: -أنا أيه بالنسبة لك يا إيثار؟
اشتعلت وجنتيها تأثرًا لا تعلم ماذا يحدث لها معه، وكأن مشاعرها أصبحت بكرًا ولم تخوض اية تجارب عاطفية من قبل، لكن حقًا هو غير بكل شيء، باغتها بسؤالهُ ليضغط عليها قائلاً: -أنا عاوز إجابة ومش هتنازل.
أخذت نفسًا عميقًا كي تستطيع مجابهة ذاك الماكر لتقول بصوتٍ هادئ: -إنتَ نسمة هوا باردة جاية بعد يوم مشمس حار، هو ده شعوري بيك يا فؤاد.
نزلت كلماتها الصادقة على قلبه لتدخلهُ في حالة من السكينة والانتشاء لينطق بصوتٍ هائم: -تعرفي إني حبيت إسمي قوي منك، لما بتنطقيه بحس إني أول مرة أستطعمه، بيخرج من بين شفايفك كأنه سيمفونية مش مجرد حروف بتتقال وخلاص.
أقول لك انا بقى على حاجة، قالتها بصوتٍ منطلق ليجيبها مهمهمًا بطريقة ناعمة اذابت قلبها: -إمممم
ابتسمت لتتابع بانبهار: -وانا بسمعك بحس إنك مش بتتكلم زي البشر، كلامك مترتب قوي وبحس إنه شعر مش مجرد كلام من اللي بيتقال طول الوقت.
-طب مسألتيش قلبك عن المسمى الحقيقي للمشاعر دي، قالها بهدوء لتجيبه بخجل: -سألته طبعاً
-وقال لك إيه؟
ابتسمت بلؤم لتجيبهُ بعدما انتوت مداعبته على طريقتها: -اللي بيني وبين قلبي أسرار وأنا متعودتش أفتن.
ابتسم وصمت قليلاً بعدما عقد النية للدخول داخل عالمها أكثر وبالاخص بعدما أجرى بعض التحريات عنها لكنه أراد ان يختبر صدقها من عدمه من خلال إجابتها وأيضًا هو لم يحصل على جميع تساؤلاته بشأن قصة طلاقها التي يشوبها الكثير من الغموض، ليباغتها متسائلاً: -إيثار، هو أنا ممكن أعرف سبب طلاقك؟
انزعجت كثيراً من طرحه لذاك السؤال لكنها أعطته الأحقية لاستفساره لتجيبهُ بصوتٍ جاهدت ليخرج مطمئنًا لكنها فشلت ليخرج متألمًا ممزوجًا ببعض الحدة: -الخي. انة
نطقتها باقتضاب ليقطب جبينه ويطرح عليها استفسارًا جديدًا: -أي نوع من الخيانة تقصدي؟!
لما يصرُ على فتح هذا الباب مجددًا، لقد أغلقته وتوارت خلف أحزانه وأقسمت بألا تقترب منه لكي لا تحزن، يبدوا أن عليها فتحه الأن والضغط من جديد على جُرحها العميق، تنهدت لتجيبه باقتضاب: -هقول لك على اللي تقدر منه تتوقع اللي حصل بس من غير الدخول في تفاصيل مش هتفيدك، الخي. انة كانت مزدوجة والضربة كانت موجعة، والنتيجة إن اللي كان جوزي وابو إبني،.
توقفت لتأخذ نفسًا عميقًا عبر عن مدى صعوبة الحديث بالنسبة لها كامرأة ذُبحت كرامتها: -متجوز حاليًا اقرب صديقة ليا، ومخلف منها بنت.
-الحقير، كلمة غاضبة خرجت من فم فؤاد بلهجة مستاءة ليتابع بسخطٍ واستنكار: -معقولة خانك مع صاحبتك؟!
واستطرد بذهول: -طب وهي، إزاي قبلت بكده!، إزاي وافقته على حقارته دي، حتى لو قدر يشغلها ويخليها تحبه غصب عنها، إزاي قدرت تطعنك في ظهرك.
ابتسامة ساخرة خرجت منها لتجيبهُ بانهزام: -طب إيه رأيك إن صاحبتي الوفية هي اللي حاربت وقاتلت لحد ماعرفت توقعه في شباكها، عمرو كان بيحبني جدًا.
برغم تمزق قلبهُ عليها إلا أن حزنهُ عليها تحول لغضبٍ عارم قد يحرق الاخضر واليابس حينما استمع لنطق شفايفها لحروف اسم رجلاً غيره ليقول بنبرة هادئة لا تنم عن مدى النيران المستعرة الكامنة بداخله: -ياريت دي تكون أخر مرة اسمعك تنطقي إسم راجل غيري، والبني ادم ده بالذات.
-على الأقل إحترامًا للعلاقة اللي ما بينا حاليًا، نطق كلماته الاخيرة بحدة اربكتها لتنطق بصوتٍ خرج مرتبك: -خلاص متزعلش، انا مقصدتش إني اضايقك بكلامي
-أنا بس كنت بشرح لك ال، لم تكمل جملتها لمقاطعته بصوتهِ الحازم: -خلاص لو سمحتي، وياريت تقفلي الموضوع ده خالص.
صمتٍ دام لأكثر من نصف دقيقة مرت على كلاهما بصعوبة، هي وقد شعرت بالإهانة من حدة حديثهُ وهو قد شعر بنارًا استعارت بجسدهِ بالكامل لمجرد تخيلهُ انها كانت تخص رجلاً غيره بيومٍ من الأيام، تحمحمت لتقول باستئذان بعدما علمت بانتهاء الحديث: -أنا مضطرة أقفل.
إيثار، قالها بصوتٍ يبدوا غاضبًا ليتابع بنبرة لصوت رجلاً يحترق غيرة على محبوبته: -أنا بحبك، وأظن من حقي أغير على الست اللي بحبها.
كان هذا اول إعترافٍ صريح منه بكلمة أحبك، انتابها شعورًا مختلط، ما بين حبًا وألمًا وندمًا يخالطهم شعورًا بالذنب، ضاعت فرحة الإعتراف وسط تزاحم تلك المشاعر المتضاربة ليكمل هو بصوتٍ نادم بعدما وصلهُ مدى تألمها حتى وإن لم تتحدث: -أنا أسف، اتنرفزت غصب عني لما اتخيلت إنك في يوم كنتي لغيري.
-طب ما انتَ كمان كنت مع غيري يا فؤاد، بس الفرق بيني وبينك إني احترمت كلامك وخصوصيتك لما بلغتني إنك كنت متجوز وانفصلت، قالت كلماتها بصوتٍ متألم لتتابع بلومٍ: -ومسألتكش عن اي تفاصيل علشان ما اضايقكش.
اغمض عينيه بألم ولم يعد يدري أيحزن لأجل ألمها الذي تسبب هو به أم ينقم عليها لذكرها لتجربته المريرة مع تلك الحقيرة ليهتف بصوتٍ خرج جاد لأبعد حد: -موضوعي مفيهوش أي تفاصيل مهمة علشان أقولها لك، انا اتجوزت ومرتحتش
واسترسل بزيف: -بعد الجواز اكتشفت إننا مختلفين عن بعض في كل حاجة، فانفصلت عنها.
تنهدت ومازال الألم يسيطر على كل كيانها ليقول بقلبٍ يتمزق لأجلها: -أنا اسف.
ليتابع بصوتٍ هامس متأثر يفيضُ صدقًا وهيامًا: -أنا بحبك.
سحبها إعترافهُ لعالمًا أكثر حالمية، عالمًا خاليًا من الاحزان والألام، لم تدري بحالها إلا والإبتسامة تشق طريقها ليسعد قلبها الذي انتفض من مكانه يتراقصُ على انغام إعترافه الصريح بعشقها الذي احتل قصورهُ العالية ليكمل مسترسلاً بما جعلها تذوبُ وتنصهر من كلماته: -بحبك ومش عاوز غيرك من كل الدنيا، وعاوزك تنسي كل اللي فات وكأنه محصلش، عاوز انسى معاكِ وبيكِ مرارة الأيام.
واستطرد هامسًا بما دغدغ مشاعرها وانهى على صمودها الواهي: -عاوز أعيشك جوة جنة فؤاد علام واخليكي تتنعمي وتدوقي فيها ومعايا متاع الدنيا بعيد عن أي حسابات.
-كلامك بيسحرني وبيسحبني لعالم عمري ما دخلته غير معاك، كلماتٍ حالمة نطقتها لتتابع بريبة استطاعت خرق قلبها رغم ما تشعر بهِ من متعة لا يضاهيها شيئًا: -بس في نفس الوقت غامض، ومش بقدر أفسره،
ضيقت بين عينيها لتسألهُ بحيرة: -زي مثلاً جملة بعيد عن اي حسابات، تقصد بيها إيه؟!
بصوتٍ قويٍ ثابت اجابها: -أكيد هييجي الوقت اللي هتفهمي فيه معنى كل كلامي، خلي كل حاجة لوقتها وعيشي اللحظة اللي إحنا فيها، بلاش تفكيرك في المستقبل يضيع عليكِ حلاوة اللحظة، عيشي الحاضر بجماله ورونقه وسيبي نفسك للمشاعر تحركك.
برغم حديثه الذي يحتمل أكثر من معنى إلا أنها تشعر معه بأمانًا لا تدري مصدره، تنهدت واكملا حديثهما الذي لا ينتهي منذ ان تعارفا واتفقا على المحادثات لإعطاء حاليهما فرصة للتقرب والتعرف كلٍ على صفات الأخر.
بعد مرور شهران على تقربهما، اتصل بها بعد تفكيرًا عميق وبعدما حسم أمرهُ بشأن علاقتهما لتجيبهُ بهدوء: -أهلاً يا فؤاد
أخبارك إيه، قالها بهدوء لتجيبه بابتسامة سعيدة لاهتمامه: -الحمدلله
باغتها بطلبه المرفوض بالنسبة لها: -إيثار، أنا عازمك بكرة على العشا وممنوع ترفضي.
نطقها بإصرار لتنطق برفضٍ قاطع: -أرجوك يا فؤاد بلاش تضغط عليا، إنتَ عارف إنه مينفعش وده كان طلبي الوحيد لما طلبت مني نتكلم علشان نقرب ونتعرف على بعض، قولت لك إني مش هقدر أخرج معاك لأسباب كتير إنتَ عارفها.
-وأنا قدرت ظروفك ومحاولتش اطلب منك أبدًا إننا نخرج، وصدقيني لو مكنش الامر ضروري مكنتش هطلب، قالها بتوضيح ليسترسل بذات مغزى: -الكلام اللي عاوز اقوله لك مينفعش يتقال في التليفون، لازم ابص في عيونك وانا بقوله وأستمتع بتأثيره عليكِ
انتفض جسدها بالكامل وبتلقائية غزت السعادة قلبها لتيقنها مغزى حديثه ليباغتها بكلماته الواثقة: -ثقي فيا وتأكدي إني عمري ما هعمل حاجة تأذيكِ.
أومأت لتجيبهُ بصوتٍ كان ينطق فرحًا رغم محاولاتها التحكم به: -أنا واثقة فيك لأبعد حد، ولولا ثقتي في أخلاقك عمري ما كنت هوافق إننا نتكلم فون
ابتسم لثقتها اللامحدودة به لينطق بصوتٍ حماسي: -متنسيش تلبسي فستان رقيق وياريت يكون لونه نبيتي.
عدة مشاعر ثائرة هزت كيانها بالكامل، مابين سعادة هائلة وارتيابٍ من المجهول وشعور مريرًا يستقر في أعماقها خوفًا من تكرار الماضي اللعين، لكنها نفضت كل المشاعر السلبية لتجعل الإيجابية منها تستحوذ عليها لكي لا تُفسد شعورها العميق بالبهجة، اغلقت الهاتف بعدما اتفقا على ساعة الموعد والمكان والزمان، قضت ليلتها في اختيار ثوبها الأنيق وحجابها ونوع العطر التي ستنثرهُ عليها لينعش رائحتها، وأخيرًا جاء الموعد واستقلت سيارتها بعدما حاصرتها عزة بأسألتها اللحوحة حتى أُضطرت بإخبارها ليسعد قلبها ويطير فرحًا لأجل تلك الجميلة التي اتخذتها ك إبنة لها، وصلت للفندق الشهير الذي بعث لها بعنوانه على هاتفها الجوال، وجدت موظف المكان بانتظارها بالخارج ليوصلها للقاعة بالداخل، ولجت للداخل بقلبٍ مرتبك وجسدٍ لم تستطع التحكم به ليرتعش تأثرًا بحالتها، انبهرت عينيها بجمال وروعة وفخامة المكان ليباغتها ذاك الذي وقف سريعًا من جلوسه حول إحدى الطاولات ليتقدم منها، لقد كان وسيمًا للغاية، يرتدي بذلة سوداء ذات ماركة عالمية مصففًا شعره بعناية فائقة وذقنه مهندمًا بطريقة جعلتها تنظر عليها وتغمض عينيها للحظات وهي تتخيل حالها تتلمسها بأناملها الرقيقة، إقترب عليها ليُمسك بكفها ويقربهُ من فمه قبل ان تلامس شفتيه جلدها الناعم لتغمض على أثر لمساتهِ عينيها ويذوبُ ج. سدها من مجرد لمسة، لكنها سرعان ما فاقت لتسحب كفها من بين يده بهدوء ليبتسم لها بسحرٍ ثم تنهد ليشير لها لتتقدمه بالتحرك إلى ان وصلا للطاولة ليسحب لها المقعد وتجلس فيستدير ويقابلها الجلوس، تحمحم ليسألها بصوتٍ رجولي وهو يناولها قائمة الطعام: -إختاري العشا علشان يلحقوا يجهزوه.
واستطرد وهو ينظر لداخل عينيها بنظراتٍ جريئة: -أنا النهاردة سايب لك نفسي، هاكل على ذوقك.
ابتسمت لتتناول منه القائمة بيدٍ مرتبكة وتختار من بينها لتقول: -إيه رأيك ناخد بيكاتا بالمشروم ورز أبيض مع سلطة خضرا؟
-قولت لك إني سايب لك نفسي، قالها بابتسامة رائعة لينصرف النادل بعد أن مال لهما باحترام، تنهد وهو يتطلع عليها ليقول بانبهار لمظهرها الرائع: -شكلك زي القمر
بابتسامة خجلة اجابتهُ: -ميرسي
لتسترسل كي تحسهُ على الدخول في الموضوع مباشرةً: -فؤاد، ياريت تدخل في الموضوع اللي عاوزني فيه علشان ما أتأخرش على يوسف.
-طب خلينا نتعشى الأول وبعدين نتكلم، نطقها بعينين متأملتين لتستجيب له كي لا يحزن، بعد مرور حوالي النصف ساعة كانا يتناولان طعامهما تحت كلمات الغزل الذي ينثرها عليها طيلة الوقت لينتهيا من العشاء ويرفع العاملون الصحون وينزلا بالتحلية ونوعًا من افخم عصائر التفاح، تحمحم ليخرج من بين طيات ملابسه عُلبة صغيرة ليفتحها ويضعها أمام عينيها لتنظر على ذاك الخاتم الماسي المميز بهدوء تعجب لهُ، رفعت عينيها تتطلع عليه لتسألهُ باستغراب: -إيه ده يا فؤاد؟!
ابتسم وأجابها بهدوءٍ يحسد عليه: -زي ما أنتِ شايفة، خاتم
قطبت جبينها لتجيبهِ بكثيرًا من الاستغراب: -وليه بتقدمه لي وإنتَ عارف رأيي في موضوع الهدايا؟!
-بس ده مش هدية، نطقها بغموض لتنظر إليه قائلة بصوت مضطرب حاولت أن تتحكم فيه قدر الإمكان كي لا ينعكس توترها الهائل به: -أمال ده إيه يا فؤاد؟
أخذ يتطلع اليها عدة لحظات طويله بصمتٍ متفحصا وجهها بعيني تلتمع بالشغف الممتزجُ بالوله لينطق بما فاجأها: -إيثار، تقبلي تتجوزيني؟
أنير وجهها وكأن عالمها قد تغير بالكامل ليصبح أكثر إشراقًا وانتعاشًا وسعادة، وكل ما عاشتهُ من ألامٍ سينتهي مع ذاك القوي الحنون الذي حتمًا سيكون لها درع الحماية وسيحمي صغيرها ويجعلها تحتفظ به داخل احضانها ولن يسمح بانتزاعه من بين احضانها أبداً، أخرجتها من شرودها كلماته التي تابع بها حديثهُ قائلاً: -قولتي إيه؟
هزت رأسها بعدة مراتٍ متتالية دلالة على التأكيد ليبتسم بسعادة ظهرت بعينيه سرعان ما اندثرت وهو يتابع مسترسلاً بريبة: -بس...
وللحديث بقية سنعلم من خلاله ما إذا كانت الإبتسامة ستظل مرتسمة على وجه تلك الحالمة، ام أنها ستكون بداية الصدمات والهبوط من عنان السماء للإصتدام بأرض الواقع المرير.
الفصل الثامن عشر
أخذ يتطلع إليها عدة لحظات طويله بصمتٍ متفحصًا وجهها بعيني تلتمع بالشغف الممتزجُ بالوله لينطق بما فاجأها: -إيثار، تقبلي تتجوزيني؟
أنير وجهها وكأن عالمها قد تغير بالكامل ليصبح أكثر إشراقًا وانتعاشًا وسعادة، وكل ما عاشتهُ من ألامٍ سينتهي مع ذاك القوي الحنون الذي حتمًا سيكون لها درع الحماية وسيحمي صغيرها ويجعلها تحتفظ به داخل أحضانها ولن يسمح بانتزاعه من بين أحضانها أبداً، أخرجتها من شرودها كلماته التي تابع بها حديثهُ قائلاً: -قولتي إيه؟
هزت رأسها بعدة مراتٍ متتالية دلالة على التأكيد ليبتسم بسعادة ظهرت بعينيه سرعان ما اندثرت وهو يتابع مسترسلاً بريبة: -بس
قطبت جبينها تنتظر متابعته لحديثه بتمعن وجسدٍ مشدود ليأخذ هو نفسًا عميقًا قبل أن يقول متمعنًا بالنظر بمقلتيها لاستكشاف رد فعلها: -محدش هيعرف بجوازنا، هيكون في السر وده لأسباب كتير جدًا.
-عرفي تقصد؟، سؤال نطقتهُ بملامح وجه مبهمة لم يستطع منها واقع الخبر عليها ليجيبها نافيًا بعجالة: -لا طبعاً، أنا راجل دارس شريعة وعارف إن الجواز العرفي ملوش أساس من الصحة في دينا الإسلامي
هزت رأسها بموائمة تحثه على المتابعة ليسترسل بثباتٍ ورصانة: -جوازنا هيكون بعقد موثق عند محامي وعليه إتنين شهود، وإنتِ بالغة السن القانوني والدين والقانون سامحين لك بتزويج نفسك.
رفع وجهه لأعلى ليتابع مستطردًا: -العقد هيكون متكامل، فيه مهرك ومؤخر صداقك زيه زي القسيمة بالظبط
أمسكت بكأس المشروب وارتشفت منه القليل ليتعجب من أمرها فاستطرد مبررًا عرضه بعدما لاحظ تغير ملامحها إلى لامبالاة: -المبلغ اللي هتطلبيه مهر هحوله في حسابك فورًا مهما كان حجم الرقم، وهحط لك زيه مؤخر صداق يتكتب في العقد، وكل اللي تؤمري بيه هيكون عندك في نفس اللحظة.
واستطرد مستعرضًا ما تبقى من عرضه تحت نظراتها الهادئة والتي لم يفهمها أهي رضا أم أنهُ الهدوء الذي يسبق العاصفة: -هشتري لك شقة في منطقة راقية وهكتبها بإسمك، هنتقابل فيها لحد ما الظروف تتحسن ونقدر نعلن عن جوازنا قدام الكل
تطلع إليها متعجبًا صمتها ليسألها باستغراب في محاولة منه لاستكشاف واقع الحديث عليها: -ساكتة ليه؟!
-بسمعك، قالتها بهدوء عكس ما يدور داخلها من حممٍ بركانية ليرد عليها موضحًا: -أنا عارف إني فاجأتك بطلبي، بس على فكرة، قراري ده في مصلحتك.
رفعت حاجبها الأيسر باستنكار مع إبتسامة خفيفة ليجيبها بتأكيد: -طبعاً في مصلحتك، إنتِ ناسية حضانة يوسف اللي هتتاخد منك بمجرد ما المأذون يكتب الكتاب؟
هزت رأسها عدة مرات متتالية ليتطلع عليها محاولاً استكشاف ردة فعلها فتحدث متسائلاً بدهاء أراد به إختبار أمومتها من عدمها: -إلا لو موضوع الحضانة مش فارق معاكِ وشايفة إن الولد هيرتاح أكتر مع بباه، ساعتها أنا مستعد للجواز الرسمي وفورًا.
ضيق بين عينيه مستغرب?ا صمتها لتشير هي للموظف الواقف جانبًا يتابع الحضور متجاهلة حديث ذاك المقابل لها، أتي الرجل تحت تساؤل فؤاد الذي نطق: -عاوزة حاجة أطلبها لك؟
تطلعت عليه بإبتسامة مصطنعة دون رد لتحيل بصرها سريعًا للرجل الذي حضر ومال برأسهِ توقيرًا لها وهو يقول باحترام: -تحت أمرك يا هانم
أمسكت الكأس تقلبهُ بين أصابعها لتتطلع عليه بانبهار وهي تقول بصوتٍ هادئ عكس ما يدور بداخلها من ثورة عارمة: -عاجبني قوي إختياركم للأدوات بشكل عام وللكاسات بشكل خاص
رفعت حاجبها وهي تتطلع على الكأس بإعجابٍ تجلى بنظراتها المتفحصة: -شكله فخم ولايق بالمكان.
مال الرجل توقيرًا ليجيبها بتفاخر: -ميرسي يا هانم، إحنا بنختار كل حاجة في المكان بمنتهى الدقة لأن زوارنا من صفوة المجتمع
واسترسل بإبانة وهو يميل بقامته باحترام: -الكاس اللي في إيد جنابك من منتجات مورانو الأيطالية.
شعر بالضجر من تجاهلها لعرضه واستدعائها العجيب للرجل وأسألتها التي لا تمت بجلستهما بشيئٍ ليسألها بعدما تحكم بغضبه كي لا يُحزنها: -لو عاجبينك يا حبيبي هعمل لك أوردر من الشركة يوصل لك في أسرع وقت.
تجاهلتهُ وكأن وجوده والعدم سواء لتتابع وهي تنظر للرجل: -حلو قوي وشكله غالي
-جداً يا افندم، لتقول ببرودٍ وأسى مفتعل: -كان نفسي اشتري طقم منه لكن للأسف، مينفعش عندي، لأن لو إنكسر منه كاس الطقم كله هيبوظ وهيبقى زي قلته، ومش هقدر أجيب غيره لأن سعره عالي قوي عليا.
ارتشفت أخر قطرات الشراب ثم رفعت الكأس للأعلى وبسطت ذراعها جانبًا لتُفلت أصابع يدها عنه لينزلق الكأس مصطدمًا بالأرضية وينزل متهشمًا لتتناثر قطع الزجاج وتملي المكان تحت أعين جميع الحضور التي اتسعت وهم يلتفون برأوسهم لينظروا باتجاه الضجيج الذي أحدثهُ التهشم، أما هو فقطب جبينه وبات يهز رأسهُ بذهولٍ مستنكرًا فعلت تلك التي مطت شفتيها للأمام وهي تقول للموظف بلامبالاة وكأنها لم تفعل شيئًا: -بس متخافش يا متر.
لتحول بصرها إلى فؤاد الذي إعتراه الخجل من تصرفها حيث جعلهما تحت المجهر بعدما تحولت جميع الأعين صوبهما، لتقول بصوتٍ حاد بذات مغزى: -الباشا بيدفع كويس قوي وهيعوضك.
نظر للعامل وأشار بكفه بهدوء لينسحب ذاك المندهش ليسألها بنظراتٍ لائمة تملؤها خيبة الأمل: -ليه كده يا إيثار، عاجبك منظرنا ده قدام الناس، مكنش ليها لازمة الفضايح دي كلها
بجبينٍ مقطب سألته: -فضايح! هي فين الفضايح دي؟!
-إحمد ربنا إني متربية وبنت ناس وإلا كنت رديت عليك بالشكل اللي يليق بطلبك المُهين ووريتك الفضايح اللي بجد، نطقت كلماتها بصوتٍ حاد وعيونًا كالصقر لتسترسل بصوتٍ اظهر كم إحتراق روحها: -بقى جاي تطلب مني اتجوزك في السر، طبعاً، تلاقيك قولت لنفسك دي واحدة مطلقة وعايشة لوحدها، وأكيد ماهتصدق أشاور لها بإيدي واعرض عليها ملاييني.
نظر لها بكثيرًا من الرجاء ليقول: -أرجوك حاولي تهدي ووطي صوتك، الناس بتبص علينا.
إبتسامة ساخرة خرجت من جانب ثغرها لتهتف بنبرة قوية: -مش إنتَ اللي طلبت تشوفني علشان تشوف رد فعلي على كلامك؟، يبقى تسمع وإنتَ ساكت يا باشا، وزي ما أنا سمعتك للاخر إنت كمان مجبر تسمعني.
احتدت ملامحها وهي ترمقه بتقليلٍ لتسترسل بازدراء: -أنا بجد أسفة، بس مش ليك، أسفة لنفسي لإني خدعتها لما أفتكر إنك إنسان محترم وأتاريك زيك زي غيرك.
قطب جبينه بعدم استيعاب لتجيب على تساؤل عيناه الذي لم يصرح به وهي تُشير إليه بنبرة متألمة: -أصل الباشا مش أول واحد يطلب مني الطلب ده، مهنتي خلتني أقابل اشكال كتير قوي، منهم المحترم ومنهم اللي شافني البت السكرتيرة الواقعة، وقرر يكتب حتة ورقة ويرمي لها قرشين ويقضي معاها كام شهر تحت مسمى الجواز.
اتسعت عينيه بغضب لتستطرد متهكمة: -لو كنت صارحتني كنت وفر على نفسك وصلة الغزل والغرام اللي تاعب نفسك بقى لك شهرين علشان تاكل بيهم دماغ البت السكرتيرة اللي عجبت الباشا، كنت وفرت عليك وقولت لك إن العنوان غلط يا ابن الاكابر
زاغت عينيها لتستطرد ساخرة من غبائها: -انا اللي غبية وساذجة واستاهل كل اللي يجرى لي إني صدقت كلامك المعسول.
نطقتها بأسى لتسترسل بعدما تحولت عينيها لثورة تشبه فوران بركان: -قبل ما امشي عاوزة أقول لسعادتك كلمتين
تعمق بعينيها ينتظر ثورة فيضانها لتسترسل ناعتة: -طظ فيك وفي منصبك وفلوسك وعيلتك
وقفت تلملم أشيائها الخاصة لتستطرد وهي ترمقه بازدراء: -رقم تليفوني تمسحه من عندك وده أكرم لك.
نطقتها بتهديدٍ لتنسحب كالإعصار المدمر لتخرج من المكان بأكمله تاركة خلفها ذاك المتطلع على أثرها والذهول والحزن والندم أسياد موقفه، أغمض عينه في ألم ثم فتحهما من جديد يتطلع من حوله على أنظار المحيطين به التي تترقبه ليسحبوا ابصارهم سريعًا لتخرج منه تنهيدة حارة تنم عن إشتعالٍ لو خرج لدمر المكان بأكمله، أشار للنادل ليأتي برصانة وهو يقول: -تحت أمر سعادتك.
-الشِيك، نطقها بتجهم ليغيب الأخر بضعة دقائق ويأتي بالفاتورة التي استلمها وألقى بداخلها عدة ورقات من الفئة الكبيرة دون النظر للمبلغ ويهب واقفًا يتجه للخارج بخطوات واسعة يريد بها أن يختفي عن تلك الأعين التي تنهش به دون حياء، لم يتعرض طيلة سنواته لهكذا موقف، لم يتجرأ بشرًا إلى الأن بلفظ كلمة واحدة تسئ إليه بينما أغرقته تلك الأبية بوابلاً من التهكم والسخرية منه أمام كل هؤلاء الجَمع، كان يتحرك وجسدهُ بالكامل ينتفضُ غضبًا، لم يستطع استيعاب ما حدث للتو ولم يدري لما صمت وتركها تفعل به كل ما يحلو لها، كل ما توصل إليه هو أنهُ جرحها بعمقٍ لذا تركها لتفرغ شحنة غضبها به حتى لو كان تنفيثها هذا على حساب كرامته.
إستقل مقعده ليسب ويلعن حاله وهو يدير محرك سيارته التي إندفعت بسرعة جنونية كجنون صاحبها، كور قبضته ضاغطًا عليها بقوة حتى ابيضت عروقه ليدقها بعنفٍ فوق طارة السيارة عله ينفث ولو قليلاً عن غضبه الكامن بداخل صدره، أمسك بالهاتف وضغط على زِر تسجيل الرسائل بتطبيق الواتساب ليسجل بصوتهِ الحاد الذي نم عن إشتعال روحه: -أنا تعملي فيا كده يا إيثار، تعملي من فؤاد علام مُسخة وتخليني مسخرة قدام الناس.
واسترسل بغضبٍ مكظوم وهو ينهج بشدة: -لازم تحمدي ربنا ألف مرة على المكانة اللي ليكٍ جوة قلبي، لأن لولاها
قطع حديثه ليصمت لبرهة قبل أن يسترسل صارخًا بقسمٍ: -قسمًا برب العزة لو حد غيرك اللي عملها ما هو خارج من المكان إلا في حالتين، يا إما متكلبش من إديه وعلى البوكس علشان يقضي باقي حياته في طُرة، أو جثة خارجة في صندوق.
إنتهى المقطع الصوتي الذي سجله بفحيحٍ وكل ذرة بجسده تنبض من شدة غضبها، ضغط ليبعث بالمقطع ليصل في الحال إلى هاتف تلك التي تقود سيارتها وشلالاتٍ من دموعها تنهمر فوق وجنتيها والحسرة تكمن بقلبها، لاحظت وصول الرسالة لتفتحها وتستمع لصوته الغاضب تحت شهقاتها التي ارتفعت وما أن انتهى التسجيل حتى أمسكت بهاتفها بعنفٍ لتضغط على كلمة حظر الرقم ولينتهي الأمر عند هذا الحد.
كانت تقود بدموعٍ وانهيار لتبتسم على خيبتها وسذاجة تفكيرها، تذكرت منذ ساعات وهي تتجهز للميعاد بحماسٍ وفرحة لم تتذوق بمثيلتها وهي تتخيل ذاك التي رأته فارسًا لأحلامها البسيطة يتقدم ببثالة لخطبتها من أبيها، جُل ما كانت تتمناه هو زوجًا حنونًا يحتويها داخل كنفه هي وصغيرها ويكون لها حِصن الأمان وبالمقابل ستهبهُ كل ما يحتاجه رجل ليكون سعيدًا، عاهدت حالها بأن تمنحهُ قلبها لتُذيقهُ فوق الحنانِ حنانًا وتكون لهُ السكن والسكينة، تحتويه بأحضانها لتروي لهُ عطشه ولتكفيه بعشقها عن نساء الكون بأكمله، فانظر لما حدث، فقد تحطمت أحلامها لتنهار فوق أرض واقعها المرير.
عودة لذاك الثائر الذي لاحظ رؤيتها للرسالة واستماعها لها وزفر بضيق ليضغط على زر الإتصال كي يجعلها تتوقف للحاق بها ومتابعة ما بدأه من حديث، عقد النية على أن يعترف لها بأنهُ كان يختبرها وسيقدم لها جميع كلمات الإعتذار المتواجدة بالقاموس العربي العامية منها والفصحى لكنه بالوقت ذاته سيحاسبها حسابًا عسيرًا على تلك الفضيحة التي تسببت فيها وجعلت من كلاهما مادة ساخرة أمام رواد المكان وعماله، فوجئ برنة بسيطة ومن ثم أعطاه مشغولاً ليضيق عينيه محاولاً مرةً اخرى ليصيح بغضبٍ عارم بعدما تيقن حظرها لرقمه ليصرخ باسمها بجنون: -إيثااااااار، أكيد مش هتعملي فيا كده.
فتح تطبيق الواتساب ليتأكد بالفعل من عدم استطاعته لمراسلتها بعدما قامت بحظر رقمه، لا يعلم أين يذهب فقد صوابه واصبح بلا وجهة، سيچن بالتأكيد إذا لم يتحدث معها الأن ويضع أمام عينيها تفسيرُ ما حدث.
وصلت إلى البناية لتصف سيارتها وقبل أن تترجل نظرت لانعكاس وجهها بالمرآة وقامت بتجفيف دموعها، أخذت نفسًا عميقًا لتتحرك نحو باب البناية ومنه لباب المصعد الكهربائي وما أن أغلق الباب عليها حتى انهمرت دموعها من جديد لتستند على المرآة وتنظر لحالتها المزرية وتنزل دموعها في صمتٍ مرير إلى أن توقف المصعد لتخرج منه وهي تجر أذيال خيباتها تفتح باب مسكنها لتدلف بقلبٍ منكسر عكس ما خرجت، كانت عزة تجلس تتابع فيلمًا سينمائيًا عبر شاشة التلفاز، شعرت بقدوم أحدهم لتلتفت للخلف وما أن رأت حالتها حتى هبت واقفة لتهرول عليها وهي تقول بهلعٍ حينما لاحظت وجهها الملطخ بالكحل العربي الذي ساح ليلطخ وجنتيها بعدما اختلط بالدموع: -مالك، إيه اللي حصل، وإيه اللي عمل فيكِ كده؟!
-كسرني يا عزة، حسسني إني رخيصة قوي واخري شوية فلوس، نطقتها بقهرٍ وألم يسكن عينيها قبل أن ترتمي بأحضان عزة التي احتوتها لتسترسل بنبرة منكسرة: -ضميني يا عزة، ضميني قوي.
نطقت جملتها لتجهش ببكاءٍ حاد انتفض جسدها بالكامل من شدته، سحبتها عزة إلى غرفتها وأجلستها على حافة الفراش لتجاورها الجلوس وهي تسألها: -إمسحي دموعك وانسي اللي حصل وكأنه مدخلش حياتك، طظ فيه هو اللي خسران.
هزت رأسها لتقول بشهقاتٍ متقطعة: -لا يا عزة، هو مخسرش حاجة، أنا اللي خسرت كرامتي وخسرت إحترامي لنفسي
لتسترسل بانهيار: -هو مش غلطان على فكرة، أنا اللي غلطت يوم ما مشيت ورا ده.
نطقت كلمتها الاخيرة وهي تدق بكفها بقوة فوق موضع قلبها لتتابع بصوتٍ يقطر ندمًا: -ياريتني سمعت كلام عقلي اللي كان دايمًا بيحظرني منه، ياما نبهني وقال لي إن زيه زي عمرو وغيره من الرجالة، بس أنا اللي كنت عامية، مشيت ورا الملعون قلبي اللي اتفتن بكلامه المعسول.
ياريتني ما شفته ولا عرفته، يا ريتني ما سلمته قلبي وحسسته بضعفي، كانت تتحدث بصوتٍ باكي يقطع نياط القلب لتسترسل بألم يمزق قلبها: -من يوم طلاقي وأنا معتمدة على نفسي ومكتفية بيها، عاهدت نفسي إن مفيش راجل يستاهل إنه يدخل حياتي او اضيع لحظة واحدة من عمري علشانه، اخدت إبني في حُضني واكتفيت بيه عن رجالة الدنيا كلها، لحد ما ظهر في حياتي وبدأ يلعب عليا.
لتتابع وهي تنظر إلى عزة الباكية لأجلها بنظراتٍ زائغة وعقلٍ مشتت: -بس إزاي قلبي مقدرش يكشف كذبه عليا، ده أنا حسيت بصدقه قوي يا عزة، كل كلمة كان بيقولها كانت بتدخل على قلبي تنعشه، معقولة كل ده كان كذب، للدجة دي كان بارع وأنا كنت غبية.
بنبرة حزينة هتفت كي تخفف من وطأة الكارثة عليها: -إهدي يا بنتي متعمليش في نفسك كده، والله العظيم إنتِ خسارة فيه، هيلاقي فين زيك لو لف الدنيا كلها، أدب واخلاق وأصل طيب
لتسترسل وهي تحسها على النهوض: -قومي غيري هدومك ونامي، إنسي الهم ينساكي.
أومأت بهدوء لتنهض بالفعل وتقوم بتغيير ثوبها إلى منانة حريرية، تطلعت على ذاك الثوب المُلقى بإهمال فوق حافة الفراش لتهرول سريعًا نحو دورج الكومود وتفتحه لتخرج منه مقصًا وتعود من جديد بعدما قررت تمزيق تلك الذكرى، أمسكت بالثوب وبدأت بتمزيقه بغلٍ ليتحول بعد قليل إلى قصاصات مجهولة المعالم وأسرعت نحو الخزانة لتجذب البذلة التي ارتدتها أثناء حضورها لقاء الصُلح ونالت بها إعجابه لتمزقها لإربًا في محاولة منها لمحو أي ذكرى من الممكن أن تذكرها به وقررت من الأن محو اللون النبيذي من تاريخها كأنثى، كانت تمزق بقلبٍ مشتعل وكأنها تمزقه شخصيًا، جثت على ركبتيها بعدما خارت قواها لتستند بكفيها على الأرض وتنهمر دموعها بغزارة، ظلت تشهق وتشهق علها تخرج ما بصدرها من وجع وبعدما شعرت بالراحة هبت واقفة وتحركت إلى الحمام لتغتسل وبعدها تحركت صوب حُجرة صغيرها بعدما ققررت الإنضمام للنوم بجانبه، ولجت لغرفته وتحركت تنظر على ملاكها الغارق بنومه، جاورته الفراش بهدوء وإقتربت عليه لتدفن وجهها بشعر رأسهُ بعدما لفت ذراعها حول خصرهُ لتضمه لأحضانها، اشتمت لرائحته الذكية وباتت تضمه أكثر وكأنها تختبئ خلف أحضانهُ من هموم الدنيا وذئابها البشرية.
أما فؤاد ف بات يجوب شوارع القاهرة طيلة الليل كالأسد الجريح، نعم توقع غضبها من عرضه المقصود إذا صدق حدسه وظهر معدنها الأصيل، لكنه لم يضع بحسبانه ثورتها العارمة تلك وبأنها ستعرضهُ لتلك الإهانة الكبرى، ما حدث لهُ لم يطرأ بمخيلتهُ حتى بأسوء كوابيسه، ليتهُ لم يختبرها بتلك الطريقة الخسيسة، تنهد ليصرخ داخلهُ حين شعر باحتمالية خسارتها، ظل يتنقل بين الشوارع إلى أن استمع لصوت أذان الفجر فقرر العودة لمنزله وحمد الله أن اليوم الذي بدأ هو يوم الجمعة الاجازة الإسبوعية لولا هذا لكان واجه مشكلة كبيرة بكيفية مواصلة عمله وهو بتلك الحالة المزرية، عاد للمنزل وولج لداخل حمامه الخاص لينزل تحت المياه الباردة علها تطفئ ناره الشاعلة، بعد حوالي النصف ساعة كان يتوسط فراشه ممسكًا بهاتفهُ يحاول جاهدًا بالبحث في متصفح جوجل عن الوصول لطريقة يصل بها لهاتفها بعدما حظرت رقمه، وبعدما يأس من وجود حلاً ألقى بهاتفه جانبًا ليلقي بجسده ويقع صريعًا للنوم بعدما أنهك جسده وخارت قواه.
صباحًا
فاق الصغير ليبتسم بسعادة حين وجد حاله بغمرة والدته الحنون، بسط كفه الصغير وبات يتحسس وجنتها ممررًا أنامله فوق أنفها وهو يقول ببرائة: -مامي، إصحي.
وكأنها داخل حلمًا ليجذبها من داخلهُ صوت ولمسات الصغير حيث أفلت حالهُ من بين احضانها ليهبط على وجهها ملثمًا وجنتها بشفته الرقيقة لتفتح عينيها ببطئٍ وما أن رأت الصغير حتى انفرج فاهها بابتسامة وهي تقول بصوتٍ خرج متحشرجًا تأثرًا بدموعها ليلة أمس: -صباح الخير يا حبيبي
-صباح النور يا مامي، إنتِ إمتى جيتي جنبي، ولية مش صحتيني وحكيتي لي حدوتة.
نظرت لصغيرها بكثيرًا من الألم لتتنهد وهي تقول بنبرة خرجت بائسة رُغمًا عنها: -محبتش اقلقك.
ابتسم لبرهة قبل ان يسألها بملامح وجه ارتسم فوقها الحزن: -هو أنا مش هروح عند جدو نصر في الويك إند تاني؟
تنهدت بألم فليس هذا بالوقت المناسب لطرح تلك الأسئلة المجهدة لعقلها المنهك، انقذتها عزة التي ولجت من الباب وهي تقول بنبرة مشرقة: -صباح الفل، قوموا يا كسلانين علشان تفطروا، ماجوعتوش ولا مش شامين ريحة الاكل اللي تفتح النفس
جلس الصغير ليركز بحاسة الشم قبل أن يُهلل مصفقًا: -دي ريحة باتية.
هزت رأسها وهي تجيبه بابتسامة حماسية: -عملت لك باتية وخلية النحل وكمان ميني بيتزا بالجِبن زي ما بتحبها.
حملق الصغير بها تعبيرًا عن إندهاشه لينظر لوالدته التي ابتسمت وهي تقول: -يلا ادخل الحمام إتوضى وصلي وحصلنا على المطبخ.
-حاضر، قالها بسعادة وهو يقفز من فوقها لينفذ ما املته عليه.
تابعته بهدوء لتنتبه لنظرات عزة التي تنهدت واقتربت منها لتسألها بنبرة حنون: -نمتي كويس؟
-الحمدلله، قالتها بملامح وجه بائسة لتُخرج الاخرى تنهيدة حارة وهي تقول: -كله هيتنسي، إنتِ ست بمية راجل يا أيثار، والضربة اللي مابتموتكيش بتزيدك قوة.
بنبرة بائسة أجابتها: -مبقتش حمل ضربات خلاص يا عزة، عضمي إتكسر ومبقاش قادر يتحمل وجع أكتر.
-هتنسي وهتعدي وهترجعي أقوى من الأول وبكره أفكرك، كلماتٍ حماسية نطقتها تلك الجميلة لتقوية عزيمة صغيرتها مما جعل الأخرى تبتسم بخفوت لترتمي بأحضانها وكأنها تلقي بما يؤلم روحها من على عاتقها بهذا الحُضن الحنون.
مر اليوم على كلاهما بصعوبة بالغة، قضته هي بانكماشٍ على حالها واستكمال اليوم إما بالهروب عن طريق النوم لفتراتٍ طويلة أو بالصمت القاتل وكأنها مغيبة عن الواقع، أما هو فقضاه حبيس غرفته متحججًا بإصابته بحالة من الأرق الشديد كي يهرب من نظرات عائلته المحاصرة له، صباح اليوم التالي فاق من نومه وامسك هاتفه محاولاً الوصول إليها دون جدوى، تحرك متجهًا نحو عمله دون الانضمام لاسرته لتناول الفطور كما المعتاد تحت استغراب والداه وشقيقته، مر أكثر من ساعتين وهو منهمك بالعمل ليستغل وقت الراحة ويُمسك بهاتف مكتبه الارضي بعدما قرر مهاتفتها منه، كانت تعمل على جهاز الحاسوب وما أن استمعت للرنين ضغطت زر الإجابة لتجيب بنبرة جادة: -ألو.
-إزيك يا إيثار، شعورًا مؤلمًا اقتحم قلبها بمجرد استماعها لنبرات صوته التي كانت بمثابة الحياة بالنسبة لها منذ يومين فقط والأن أصبحت وجعًا لا يُحتمل، أغمضت عينيها واعتصرتهما بقوة وهي تهز رأسها بألم لتفتحهما من جديد على مصراعيهما بعدما وعت على حالها لتُغلق الهاتف سريعًا كي تتخلص من ذاك الشعور المهين الذي اعتراها بمجرد مرور كلماته عبر خيالها، أخذ صدرها يعلو ويهبط بقوة من شدة التوتر والألم، أما دموعها فكانت على وشك الهبوط لولا عزيمتها القوية التي جعلتها تأخذ أنفاسًا منتظمة وتزفرها بهدوء كي تستطيع التحكم بها، ما هي إلا ثواني ووجدت هاتف المكتب الارضي يصدح فتوقعت بأنه هو انتظرت حتى انتهى الإتصال وخرجت سريعًا إلى مكتب هانيا لتقف بشموخ تخبرها: -هانيا، من فضلك حولي كل المكالمات عندك وردي عليها بنفسك.
واستطردت بذريعة وهي تعدل من وضع نظارتها الطبية: -عندي ملف مهم بشتغل عليه ومش عاوزة إزعاج.
-تمام يا أستاذة، نطقتها بعملية لتنسحب الأخرى نحو مكتبها وأغلقت الباب لتصل إلى مقعدها وترتمي عليه بإرهاق، أخذت نفسًا عميقًا وبدأت بمواصلة عملها ولكن ما هي إلا ثواني لتجد هاتف مكتبها يصدح لتزفر وبعدها تجيب فوجدت صوته الحاد وهو يقول: -من فضلك متقفليش، أنا كل اللي عاوزة منك هي فرصة واحدة أشرح لك فيها كل حاجة والمغزى من طلبي، وبعدها قرري عاوزة تكملي معايا ولا لا.
بصوتٍ قوي يحمل شموخ الانثى بداخلها أجابته: -يظهر إن سيادة المستشار موصلوش قراري مع إني أخدته في نفس اللحظة اللي بلغتني فيها بطلبك
بس هوضح لك تاني وياريت دي تكون أخر مرة، نطقتها بطريقة حادة فأغمض هو عينيه بمرارة لتستطرد هي بقوة: -سيادتك غلطت في العنوان، أنا لا بتجوز في السر ولا عمري هقبل بوضع العشيقة حتى لو كان لسيادة المستشار إبن علام باشا زين الدين صاحب المنصب الكبير والفلوس الكتير.
رفعت قامتها لأعلى لتتابع بصوتٍ يقطر قوة واعتزازًا بالنفس: -أنا واحدة حُرة، أبويا غلبان وعلى قد حاله آه، بس رباني صح، ولسة متخلقش اللي يخليني أستخبى ورا حتة ورقة زي الحرمية واروح اقابله في الشُقق المفروشة وانا بتلفت حواليا زي اللي عاملة عاملة وخايفة لانكشف.
رمى رأسه على خلفية المقعد وكل كلمة تنطق بها تمزق قلبه لإربًا، شعر ببشاعة خطأه وجرمه العظيم بحق تلك الأبية، نهر حالهُ وسبها بأبشع الشتائم لظنه أنها تشبه تلك الحقيرة زوجته الاولى، ليته لم يضعها بتلك الإختبارات مجددًا، ألم يكتفي برفضها لهديته الثمينة بالمرة الاولى، لما استجاب لعقله وجنب قلبه الذي أنذره وحذره كثيرًا من القدوم على تلك الخطوة الغير محسوبة وبالاخير صدق حدسه وظهرت أصالة تلك الجوهرة الثمينة، لكنه الآن أمام معضلة كبيرة، نعم تأكد من طهارتها وعفة تفكيرها وبأنها مُهرة أصيلة لن تتكرر، لكن هل ستغفر له ذلته تلك، اخرج صوته النادم ليقول بنبرة إنهزامية: -أنا آسف يا حبيبي، مكنتش اتمنى أبدًا إني أوصلك للشعور المُميت ده، أرجوكِ حاولي تسمعيني وأنا هشرح لك كل حاجة، هقول لك اسبابي لطلبي ده واللي متأكد إنك هتعذريني فيها.
استمعت لكلماته بقلبٍ مغلق يغلي بل يفور من غضبه لتقاطعه قائلة بنبرة أنثى حُطم كبريائها تحت قدمي من كانت تتوسم بهِ خيرًا، بل كانت تتأمل بحياةٍ جديدة تحيا بالأمن والأمانِ تحت كنفه: -اللي عندي قولته ومهما قولت من مبررات تأكد إنها هتكون تافهة بالنسبة لشعور الذُل والمهانة والإنكسار اللي حسيت بيهم من كلامك.
لتتحول نبرتها لغاضبة مسترسلة: -بس لا عاش ولا كان ولا لسة إتخلق اللي يقدر يكسرني، إسمع يا باشا وأعتبره اخر كلام عندي، لو حاولت تتصل بيا تاني بأي طريقة هضطر آسفة، أبلغ أيمن الأباصيري بعرض جنابك عليا
واسترسلت بابتسامة ساخرة: -ومن واقع معرفتي بسيادتك إنك مبتحبش الفضايح، فمن الأحسن تبعد عن طريقي خالص لأني لا ضعيفة ولا قُليلة، وصدقني هتشوف مني وش مش هيعجب إبن الأكابر.
بمجرد الإنتهاء من كلماتها التهديدية أغلقت على الفور سماعة الهاتف ليعتصر عينيه ألمًا على تلك الغاضبة وما اوصلتها إليه كلماته المسمومة وعرضه المهين، أما هي فخرجت من مكتبها كالإعصار المدمر لتهتف بعينين حادتين وهيئة لا تبشر بخيرًا: -أنا مش قايلة لك تستقبلي كل الكالمات وتردي عليهم بنفسك، حولتي لي المكالمة ليه؟!
هبت الفتاة من مقعدها لتجيب بتلبك بعدما رأت ثورة غضبها: -ده سيادة المستشار فؤاد علام.
-إن شالله يكون حتى رئيس الجمهورية بنفسه، نطقتها بصياحٍ جديدٌ عليها لتتابع الفتاة توضيح تصرفها: -يا افندم أنا قولت له إنك مش فاضية، بس هو أصر وقال لي إنه عاوزك في موضوع خاص بالقضية، وإنك عارفة بمكالمته دي ومستنياها
رفعت سبابتها لتهتف بفحيحٍ خرج من بين أسنانها: -أخر مرة تتصرفي من دماغك ومن غير الرجوع ليا، إنتِ فاهمة.
نطقت كلمتها بصراخ لتنطق الاخرى بإيجابٍ: -حاضر، أنا آسفة
رمقتها بنظراتٍ نارية وكأنها تخرج شحنة غضبها بالفتاة، انطلقت عائدة لمكتبها من جديد وحاولت جاهدة إخماد حريق روحها الشاعلة ليباغتها استدعاء أيمن لها عبر الهاتف لتهرول إليه سريعًا وهي تقول بنبرة جاهدت لتخرج منها رصينة: -أفندم يا باشمهندس.
-صوتك عالي ليه يا إيثار، فيه حاجة حصلت؟!، لم تجد كلمات مناسبة للرد، فتلعثمت وهي تقول بعيني زائغة هنا وهناك: -أنا آسفة لو أزعجت حضرتك يا أفندم، أصلي كنت بتكلم مع هانيا واتنرفزت وصوتي عِلي غصب عني
اومأ بإيجاب ليسألها بعدما تمعن بمقلتيها: -مالك، إنتِ مش بطبيعتك النهاردة
ابتلعت غصة مريرة لتجيبهُ بصوتٍ خافت: -مفيش حاجة يا باشمهندس، شوية إرهاق مش أكتر.
هز رأسهُ بهدوء ليبتسم قائلاً: -لارا متغيرة كتير بعد زيارتها ليكِ، دي حتى طلبت من أحمد يحجز لها ميعاد مع الدكتور وبدأت متابعة معاه
ابتسمت له ليقول بامتنان: -أنا عارف إن اللي حصل ده بفضل كلامك معاها، شكرًا يا إيثار
قال الاخيرة بكثيرًا من العرفان لتجيبه مبتسمة: -مفيش شكر بينا يا باشمهندس، لارا زي أختي بالظبط، ولو فيه حد يستحق الشكر فهو حضرتك وعيلتك اللي إحتوتوني أنا وابني واعتبرتوني واحدة منكم.
رفع حاجبه ليجيبها باستنكار: - هنبدأ بقى في الكلام البايخ، يلا شوفي شُغلك ومتنسيش تبعتي ملف الصفقة الاخيرة لمدير الحسابات
-حاضر يا افندم، قالتها بهدوء لتلتفت وقبل أن تصل إلى الباب استمعت لصوته مناديًا عليها: -إيثار.
التفت تتمعن النظر إليه ليقول بذات مغزى بعدما تيقن أنها تواجه ألمًا نفسيًا: -مفيش حاجة في الدنيا تستاهل زعلك يا بنتي، وتأكدي إن مفيش مخلوق يقدر يأذيكِ طول ما أنا في ظهرك، وطول ما أنتِ واقفة لهم بالمرصاد
نطق كلماته قاصدًا بها عائلة طليقها إعتقادًا منه انهم سبب تلك الحالة لتبتسم له وهي تقول بامتنان: -ربنا يخليك ليا.
أومأ لها ليطمأنها وبعدها نطق بممازحة: -إتصلي بالبوفية خليهم يعملوا لي فنجان قهوة يظبط لي مزاجي اللي صوت صراخك العالي عكرهولي
ضحكت رُغمًا عنها لتعود لمكتبها تباشر اعمالها بعدما طلبت من البوفية عمل القهوة لرب عملها.
داخل منزل والد نسرين زوجة عزيز
كانت تجلس فوق الأريكة بانتظار والدتها التي ولجت لحجرة نومها كي تجلب لها المال التي بعثت به سمية وبالمرة ترتدي ثياب الخروج كي تذهب بصحبة ابنتها إلى المركز لشراء بعض قطع المصوغات الذهبية، خرجت شقيقتها الصغرى من المطبخ للتو لتقول بنبرة مستاءة بعدما جاورتها الجلوس: -اللي اسمها سمية دي دمها تقيل بشكل.
هتفت الاخرى مستفهمة: -ليه يا بت يا ألاء، قالت لك إيه العقربة دي؟
ردت الفتاة باستياء: -قالت لي قولي لاختك تصرفيهم على صحتك.
احتدمت ملامحها لتنطق بحقدٍ دفين: -بنت ال، ، ماشي يا سمية، أنا هوريكِ.
عبست ملامح شقيقتها لتهتف باستنكار: -يا بااااي تحسيها بني أدمة جعانة، أنا مش عارفة عمرو إبن الحاج نصر بجلالة قدره إتجوزها إزاي الشرشوحة دي.
-المفروض تقضي باقية عمرها وهي بتدعي لي، لولا وقفتي معاها عمرها ما كانت تحلم تدخل بيت سيادة النائب خدامة، نطقتها بغل لتلج إليهما والدتها التي ألقت بالمال داخل حجرها وهي تقول: -خدي الفلوس عديها وإتأكدي إنها مش ناقصة على ما ألف الطرحة.
امسكت بالكيس الاسود لتنظر له باشمئزاز قائلة: -حطاهم في كيس إسود المعفنة.
رمقتها شقيقتها باستنكار: -أمال عوزاها تحطهم لك في كيس هدايا.
ولج شقيقها الاوحد علاء أثناء عدها للنقود فوقف ينظر لها بعينين زائغة ليسألها بصوتٍ مرتاب: -إنتِ جايبة الفلوس دي كلها منين يا نسرين؟!
-من عند الله يا علاء، قالتها وهي تدس المال داخل حقيبة يدها الخاصة ليجلس بجوارها وهو يقول: -بقول لك إيه، ماتسلفيني الفلوس دي أسافر بيهم إيطاليا واول ما الدنيا تلعب معايا هبعتهم لك وأكتر كمان.
قربت الحقيبة من صدرها لتحتضنها بقوة وهي تقول برفضٍ تام: -لا يا حبيبي، لا عاوزة منك اكتر ولا أقل، دول شقى عمري كله، عاوزني اديهم لك وأقعد اشحت
إلتصق بشقيقته محاولاً إقناعها: - يا بنتي إسمعي الكلام، كل اللي راح إيطاليا عيشته اتبدلت، وأديكي شايفة جلال إبن خالتك إحسان جارتنا غير حالة أهله إزاي، وبعد ما كانوا مش لاقيين الرغيف الحاف بقوا يشتروا أرض وهدوا بيتهم وبنوه من جديد.
زفرت بضيق لتقول بنبرة باردة لغلق النقاش بالموضوع بشكلٍ نهائي: -بقول لك إيه يا علاء، إنزل من على نفوخي وريح نفسك، علشان لو إيه اللي حصل الفلوس دي مش هدي منها مليم لمخلوق.
تحدثت ألاء إلى شقيقها بنبرة لائمة: -هو أنتَ لسه حاطط موضوع السفر في دماغك بردوا يا علاء.
-ومش هرتاح غير لما أسافر، نطقها الفتى صاحب الأعوام الأربع وعشرون لتجيبه شقيقته: -مش ابوك قال لك تنسى حكاية السفر دي وتطلعها من دماغك
واستطردت بنبرة متأثرة: - أبوك وحداني وأنا وامك واختك ملناش راجل غيرك، لو سافرت هتسيبنا لمين، ده أنتَ ظهر أبوك والحيطة اللي أمك مسنودة عليها.
نطق الفتى بنبرة منكسرة ساخطة على الظروف المحيطة به: -حيطة مايلة وظهر كسره الفقر يا بنت أبويا، خليني أسافر وأجرب حظي يمكن الدنيا تضحك لي زي ما ضحكت لغيري.
قالت نسرين ناصحة لأخيها: -هو لازم يعني السفر، روح مصر اشتغل هناك والدنيا تضحك لك
لتسترسل بعينين حاقدة: -ما عندك العقربة أخت جوزي اللي اسمها إيثار، خدت إبنها وهجت على مصر، ومسافة كام سنة بقى عندها الشقة التمليك والعربية.
قطع حديثهم صوت والدتها التي هتفت من الخارج دون ان تعلم بوجود نجلها: -هتاخدي الغوايش الاولانيين تغيريهم ولا هتجيبي جديد بس المرة دي يا نسرين؟
اتسعت عيني شقيقها وسال لُعابه بعد ما استمع إلى حديث والدته لتهتف وهي تنظر لذاك الذي لا يعلم شيئًا عن تلك الاموال التي تلقتها من سمية لا هو ولا أبيها حيث ظل السر بين المرأة وابنتيها لخطورة انتشاره: -كلام إيه اللي بتقوليه يا ماما.
هبت من جلوسها لتخرج وهي تجذبها من ذراعها وتقول: -يلا هنتأخر
ارتبكت المرأة بعدما رأت نجلها الذي خرج من الغرفة لتقول بارتباكٍ ظهر بهيأتها: -إنتَ جيت إمتى يا علاء؟
-من شوية يا اما، قالها ليتحرك لغرفته لتهتف نسرين ناهرة والدتها: -يعني كان لازم تنسحبي من لسانك قدام الولا يا أما
اشارت بكفها وهي تقول بلامبالاة: -وانا اش عرفني إنه هنا.
تحركتا للامام وهي توصي نجلتها: -خلي بالك من البيت على ما نرجع يا ألاء.
أومأت الفتاة بطاعة وبعد مرور حوالي الثلاث ساعات عادت الأم لحالها حيث عادت نسرين على منزل زوجها كي لا يشعر احدًا على غيابها الكثير، وقفت الأم أمام خزانة الملابس لتخرج عُلبة كبيرة من تحت طيات الملابس الخاصة بها وتضع بداخلها المصوغات التي ابتاعتها نسرين لتتنهد الأم براحة واطمئنان على مستقبل نجلتها غير عابئة بمصدر الأموال وما إذا كان مصدرًا حلالاً أم حرام، أغلقت العلبة غافلة عن كلتا العينين التي تراقبها عن كثب من خلف الباب.
بعد مرور خمسة أيام لم يستطع بهم الوصول إليها برغم محاولاته العديدة والمتكررة، كان يجلس بغرفته يتوسط فراشه ممسكًا بسيجارة ينفث بها بشراهة لتدخل فريال بعدما دقت فوق الباب للإستئذان، جحظت عينيها بذهولٍ مما رأتهُ، فقد كان دخان السجائر كثيفًا ومعبيء الغرفة العاتمة لغلق ستائرها السوداء لتهتف بصوتٍ مرتعب: -إيه اللي إنتَ عاملة في نفسك ده يا فؤاد.
تحركت صوب الستائر استعدادًا لفتحها ليهتف الاخر محذرًا: -سيبي الستاير مقفولة وإطلعي برة يا فريال.
هتفت بنبرة قوية وهي تشرع بفتح الستائر ليظهر نور شعاع الشمس الساطع على زجاج الشرفة ليهب منتفضًا ليصل إليها بجلبة واحدة وهتف صارخًا بحدة وهو يجذب الستارة منها ويغلقها من جديد: -قولت لك سبيها وأخرجي، إنتِ إيه، مبتفهميش؟
ذُهلت من حدة شقيقها معها لتهتف متجنبة إهانتها وهي تقول بعناد: -مش هسيبك قبل ما تقول لي مالك، وعامل في نفسك كده ليه؟!
-وإنتِ مالك، نطقها بصياحٍ غاضب ليسترسل مزمجرًا وهو يرمقها بعينين تطلق شزرًا: -حاشرة نفسك في حياتي ليه؟
حملقت به لتهتف بحدة غاضبة من حديثه: -أنا أختك وخايفة عليك.
زمجر صائحًا باعتراض بوجهٍ عابس على وشك الإنفجار: -أختي مش أمي، حتى أمي ملهاش الحق في إنها تتدخل في حياتي بالشكل الحشري ده
واشار بيده نحوها رامقًا إياها بازدراء أحزن قلبها: -روحي اشغلي نفسك بجوزك بعيد عني.
واستطرد بحدة: -ولو قاتلك الفراغ قوي كده لدرجة إنك جاية تشغلي وقتك بيا فاتفضلي شوفي لك حاجة تسليكي غيري، إطلعي إشتغلي ولا روحي قضي وقت مع صاحباتك في النادي، المهم تحلي عني وتحطي حدود في التعامل بينا، لأني مش هقبل تدخلك في حياتي أكتر من كده.
اتسعت عينيها بصدمة لتقول وهي تشير بذهولٍ على نفسها: -إنتَ بتقول لي انا الكلام ده يا فؤاد؟!
رمقها بقوة ليهتف متهكمًا: -هو فيه حد هنا غيرك!
صدمة ألجمت لسانها لتشله، لأول مرة يتحدث معها شقيقها المهذب بتلك الطريقة المهينة، ظل يتبادلان النظرات هي بمصدومة وهو بسخطٍ إلى أن قطع صمتهما دخول عصمت التي هتفت بارتيابٍ ظهر بصوتها المرتعب: -فيه إيه، صوتكم جايب اخر الجنينة تحت، إيه اللي حصل؟!
ليباغتها صياح إبنها الغاضب حيث انفجر ساخطًا وكأنهُ قرر إخراج كل ما يغضبه دفعتًا واحدة بوجههما: -ياريت يا دكتورة تفهمي بنتك إن ليها حدود معايا واللي مش هقبل بعد كده إنها تتخطاها
واستطرد مشيرًا بأصبع يده للأسفل: -وياريت تفهم إن الأوضة دي حدودي الشخصية وراحتي اللي مش هقبل من أي حد يقتحمها ويعدل على طريقة عيشتي فيها.
التفتت لابنتها لتسألها باستغراب: -عملتي إيه ل أخوكِ نرفزة بالطريقة دي؟!
اتسع بؤبؤ عينيها لتقول وهي تهز رأسها بدموعٍ وانهيار من عدم استيعابها لما يحدث: -والله ما عملت له حاجة يا ماما.
هتف بصوتٍ صارخ وكأنه يريد التخلص من كل ما يؤلم قلبه عن طريق تلك الصرخات: -بتبلى عليكِ أنا، صح، مجنون بقى تقولي إيه.
اتسعت عيني عصمت على مصراعيهما لتنطق علها تستطيع تهدأت ذاك الثائر: -إهدى يا فؤاد وفهمني من غير صراخ.
مازالت عيناهُ تقطر غضبًا فأشاح بكفاه ليهتف ناهرًا: -الهانم داخلة تعدل عليا، فكراني مراهق إبن ال 16 وجاية تعلمني الأدب.
لم تستوعب شيئًا من حديثه لتنظر لابنتها تستعلم منها عن ماحدث لتجيبها بكلماتٍ متقطعة بسبب شهقاتها حيث لم تستطع كبح دموعها لتنهمر بغزارة متأثرة بحديثه المهين: -كل اللي عملته إني فتحت الستاير علشان تهوي الاوضة لما لقيتها مكتومة من ريحة السجاير والدخان اللي ماليها.
احتدت ملامحه وامتلئت بالقسوة وهو يصرخ عاليًا: -وتفتحي الستاير ليه، وإيه اللي يدخلك أوضتي من اصله!، أنا عمري إتدخلت في حياتك ولا قربت من أي حاجة تخصك؟
واستطرد ناهرًا بحدة: - زي ما بحترم خصوصيتك ومحترم حدودي ف انتِ مجبرة إنك تتعاملي معايا بالمثل وما تتعديش حدودك معايا.
كانت تستمع لكلماته الناهرة وهي تهز رأسها بذهول، ماذا يحدث ومن هذا بحق الله، أهذا هو شقيقها ذاته، نفس الشخص الذي طالما غمرها بحبه وعطفه وما ترك مناسبة إلا وعبر لها من خلالها عن إحترامه ومدى قدرها لديه؟!
تألمت عصمت لرؤية صغيرها العاقل بكل هذا الغضب الأقرب للجنون، أشارت لابنتها بعينيها لتخرج فريال بعدما رمقت شقيقها بنظراتٍ تحمل الكثير من اللوم لتتنهد الأم وهي تقول في محاولة منها لتهدأت روعه: -أنا هتكلم مع فريال واخليها تبعد عن أي حاجة تخصك بعد كده.
تطلعت عليه ثم تحركت للخارج بخطوات ثابتة دون التفوه بكلمة واحدة وما أن أُغلق الباب حتى وضع كفيه فوق شعر رأسه ليجذبهُ بقوة ويدور حول نفسه كالأسد الحبيس، يجذب خصلات شعره بعصبية مفرطة تنم عن مدى وصولهُ لقمة الغضب.
بعد منتصف الليل.
تسحب علاء إلى غرفة والديه بعدما تأكد من دخولهما في سباتٍ عميق تحرك على أطراف أصابعه وفتح خزانة الثياب ليسحب العُلبة التي تحمل المصوغات الخاصة بشقيقته ويخرج سريعًا ويغلق خلفهُ الباب من جديد بهدوء دون أن يشعر عليه أحد، اتجه مباشرةً لغرفته ليتطلع على حقيبة ثيابهُ بعدما جمع بها كل ما يخصه إستعدادًا للهجرة وذلك بعدما ذهب لأحد الرجال المختصة بأمر الهجرة غير الشرعية وابرم معه إتفاقًا بحجز مكانًا بالسفينة المهاجرة فجرًا مقابل المصوغات الذهبية، فتح علبة المصوغات ونظر داخلها بشراهة ليقول: -إنتِ اللي بدأتي لما رفضتي تديني جزء من الدهب أصرف بيه نفسي، اديني خدتهم كلهم يا نسرين.
اغلق العلبة ليضعها سريعًا داخل الحقيبة واحكم غلقها ثم حملها بذراعه ليهرول على عجالة تاركًا المنزل ليهرب من البلد بل والدولة بأكملها.
