رواية انا لها شمس الفصل التاسع 9 والعاشر 10بقلم روز امين

         

رواية انا لها شمس الفصل التاسع 9 والعاشر 10بقلم روز امين


 الفصل التاسع

عاد بذاكرته لما قبل عامين من وقتنا الحالي.
في تمام الساعة السابعة صباحًا داخل الجناح الخاص ب فؤاد علام وزوجته  نجلا، خرج من الحمام المُلحق بغرفة النوم يلف خصرهُ بمنشفةٍ كبيرة وقطرات  الماء تتساقط من شعر رأسهِ لتسيل فوق ص. دره الع. اري، اتجه صوب غرفة تبديل  الملابس وبعد عدة دقائق كان قد إنتهى من ارتداء جميع ثيابه ليتحرك نحو  غرفة النوم قاصدًا مرأة الزينة حيث وقف يتطلع على حاله ليضع ربطة عنقه حول  ياقة القميص دون عقدها، تناول ساعة يده وارتداها ثم صفف شعره بعناية فائقة،  وما أن تناول زجاجة عطره الفرنسي استعدادًا لنثر عنقه حتى تبسم عندما رأى  تلك الجميلة المتسطحة فوق الفراش تتمطيء بتكاسل وهي تقول بصوتٍ ناعم: -صباح  الخير يا حبيبي.
-صباح النور، نطقها بابتسامة وهو يتأمل بعيناه تلك الشقراء وجمالها  الساحر وهي تنفض عنها الغطاء كاشفة عن ثوب نومها الرقيق وج. سدها الانثوي  لتنزل متحركة صوبه حتى وقفت خلفه وأحاطت خص. ره بذراعيها لتميل برأسها  تسندها على كتفه وهي تتطلع على انعكاس صورتهما معًا لتتنهد بإغراء، استدار  بوجهه تجاهها قليلاً ليضع قُب. لة رقيقة بجانب ش. فتيها استقبلتها بسعادة  وتشديد من ذراعيها حول خص. ره وهي تقول بدلال: -حبيبي زي القمر.
ابتسم بخفوت ليجيبها بثباتٍ بعدما عاد ببصره للأمام يتطلع لانعكاس صورته  وهو يعقد ربطة عنقه بتمرس: -فيه راجل بردوا يتقال له زي القمر؟!
تدللت أكثر وهي تقول: -أيوه حبيبي زي القمر، وده مجنني ومخليني دايمًا قلقانة لتيجي واحدة وتخطفك مني.
ضحك برجولة واستدار بج. سده بعدما انتهى من نثر عطره ليحتويها بذراعيه  وهو يقول: -بيتهيء لي أنك واثقة فيا وعارفة كويس إني راجل محترم وإن الستات  مش سكتي
صمت ليغمز بعينيه متابعًا: -ثم أنا إيه اللي هيخليني أبص بره وأنا متجوز برنسيس
هذا ما كانت تنتظر سماعه منه لترتفع قامتها للأعلى وهي تلف ذراعيها حول عن.  قه وتجيبه بكبرياءٍ وتعالي: -مهو علشان السبب ده بالذات أنا قلقانة.
رفع حاجبه الأيسر لعدم فهمه لجملتها لتسترسل هي بإبانة: -فيه نوع من  الستات بتحب تحط عينها على الرجالة المتجوزين من برنسيسات زيي كده، وتحاول  توقعه علشان تثبت لنفسها تفوقها وإنها ست بجد، وكل ما الست كانت أجمل وأرقى  كان التحدي والرهان على جوزها أكبر، بالبلدي كده الصيدة لازم تبقى صعبة  علشان تحس إنها عملت إنجاز.
ضحك بسخرية وهو يهز رأسه بعدم استيعاب قائلاً: -بس النوعية اللي  بتتكلمي عنها دي مش ستات يا حبيبتي، دول بنات شوارع وعيب يتقال عليهم ستات
صمت قليلاً ثم قطّب ما بين عينيه ليقول بنبرة مستغربة: -ثم أنتِ إيه عرفك بالحوارات دي أساسًا؟!
ابتعدت عنه لتستدير موالية ظهرها وهي تقول بلامبالاة: -قعدات شلة ستات النادي بتجيب لك الجديد من الأخبار لحد عندك
ابتسم ساخرًا وهو يرد عليها متهكمًا: -قصدك شلة النميمة.
ضحكت ليتحرك هو نحو الطاولة يلتقط حقيبته المليئة بأوراقه الخاصة بعمله،  فهو معتاد على جلب أوراق القضايا الهامة معه ليدرسها جيدًا بعقلٍ حكيم  وذهنٍ صافي بعيدًا عن ضوضاء العمل، اقتربت عليه تحرك أصابع يدها فوق صدره  وهي تعبث بزرائر قميصه بدلال: -بقول لك إيه يا فؤاد، كنت محتاجة منك مبلغ  أشتري بيه شوية حاجات نقصاني.
قطب جبينه ليطالعها متعجبًا: -أنا مش لسة محول لك مصروفك الشهري على الكريدت من يومين؟!
ابتعدت لتقول بلامبالاة وهي تدور حول نفسها وتنظر للاسفل: -صرفته يا فؤاد،  وبعدين هي العشرين ألف جنية اللي بتحولها لي كل شهر دي فلوس؟!
-العشرين ألف جنية اللي مش عاجبينك دول فيه شباب بيفتحوا بيهم مشاريع  وبيبدأو مسيرة حياتهم، نطقها باستياء لتقول بكبرياء وهي ترفع عنقها للأعلى:  -أنا مرات فؤاد علام إبن الملياردير علام زين الدين، ولازم مصروف إيدي  يتناسب مع وضع وحجم ثروتكم.
اجابها بملامح وجه ثابتة ترجع لصعوبة تأثره ودرجة ثباته الإنفعالي العالية: -لو كلنا مشينا بالمنطق بتاعك ده كنا فلسنا من سنين.
ليستطرد بإبانة: - بابا وعمي ورثوا الشركة والمصنعين والأراضي من جدي  الله يرحمه، وبما إن بابا اتجه لدخوله في عالم النيابة فكان مضطر يسلم كل  حاجة لعمي عبدالله، والحق يقال، عمي كان أهل ثقة وبدل الشركة بقت ثلاثة  والمصنعين بقوا سلسلة مصانع أولاد الزين، وبابا طول السنين دي بياخد ارباح  مهولة وبدل ما يركنهم في البنوك استغلهم وشغلهم في مشاريع تانية بتديرها  ناس أهل خبرة وثقة، ومع ذلك عشنا زي أي حد.
رمقها بنظرة لائمة ليستطرد: - لو ماما فكرت بعقليتك كان زمانا عايشين على مرتباتنا من النيابة ويدوب مكفيانا أكل.
نكست رأسها للأسفل لترتسم علامات الحزن والخزلان فوق ملامحها، أخذ نفسًا  عميقًا ليزفره بهدوء كي يحافظ على ثباته الإنفعالي وتوجه إليها ليرفع  ذقنها مجبرًا إياها على النظر لعينيه، وهم متحدثًا بنبرة هادئة: -إوعي  تفكري إني بحاول أتحكم فيكِ أو إني قاصد أحرمك من حاجة إنتِ عوزاها، بس  إنتِ بجد زودتيها يا نجلا، مصاريفك بتعلى كل شهر عن اللي قبله، وده غلط،  لازم يبقى لك سقف للمصاريف وتجبري نفسك على الالتزام بيها، لازم نروض نفسنا  ونأدبها يا حبيبتي علشان ما تفجرش.
-كل حاجة سعرها ارتفع الضعف يا فؤاد، ولو مش مصدقني إسأل، أنا مرات  المستشار فؤاد علام ولبسي واكسسواراتي لازم تكون متجددة دايمًا، كل أصحابي  ما بيكرروش الفستان ولا الاكسسوار مرتين، نطقت كلماتها بحدة ووجهٍ عابس  ليرد عليها مستاءًا: -هو بعيدًا عن إنه تبذير وحرام وإن ربنا هيحاسبهم على  كده، بس منين بيجيبوا فلوس لكل ده؟!
أجابته بتفاخر: -كلهم متجوزين رجال أعمال، وعلى فكرة، محدش فيهم عنده الثروة اللي عندك إنتَ وبباك.
نطقت كلماتها لتمط شفتيها مع عبوس وجهها وتحركت منسحبة لتجلس على طرف  الفراش منكسة الرأس لتشعره بالذنب، بالفعل تحرك إليها بعدما حزن لأجلها  وتحدث: -عاوزة كام؟
رفعت رأسها لتطالعه بنظراتٍ منكسرة افتعلتها للتأثير عليه حيث قالت بصوتٍ  حزين: -خلاص يا فؤاد مش عاوزة حاجة، أنا هروض نفسي زي ما أنتَ قولت لي.
يعلم من داخله بأنها تتدلل كي تستجدي تعاطفه ليهتف قائلاً بتملل:  -إخلصي يا نجلا وقولي عاوزة كام، ورايا شغل ومش فاضي أنا لدلع الستات ده
ابتلعت لعابها لتنطق بصوتٍ خافت وعينين مترقبة: -عاوزة زيهم
-عشرين ألف جنية! ليه يا نجلا؟، نطقها بذهولٍ لتنهض من مكانها وتستقر  بوقوفها أمامه وهي تقول بشفتي ممطوطة للأمام: -هو أنا ليه حاسة إنك مش واثق  فيا يا فؤاد؟
ملس بكف يده على وجنتها الناعمة وهو يقول لمراضاتها بعدما لمح امتعاض  ملامحها: -مش قصة ثقة يا حبيبتي، أنا لو مش واثق فيكِ وفي تصرفاتك مية في  المية مكنتش ربطت إسمي بإسمك من الأساس
طالعته بعتاب ليسترسل بإبانة لوجهة نظره: -أنا مبحبش التبذير علشان ربنا مايزيلش مننا النعم
زفرت باستسلام ليقول مبتسمًا: -خلاص متزعليش، هحولهم لك على الكريديت بكرة.
اتسعت عينيها لتلتمع بوميض اللهفة واقتربت تطبع قُ. بلة فوق وجنته قبل أن تنطق متلهفة: -عوزاهم النهاردة
قطب جبينه يطالعها مستغربًا لهفتها لتنطق سريعًا وهي تعبثُ من جديد بزرائر  قميصه بإيثارة: -أصل عيد ميلاد نو?ا صاحبتي بعد يومين، واتفقت أنا وهي  وباقي صحباتي ننزل النهاردة نجيب فساتين البارتي مع بعض.
تنهد بقلة حيلة واتجه للخارج حاملاً حقيبته بعدما وعدها بتحويل المبلغ  اليوم وكالعادة غمرته بأحض. انها المتلهفة، انتظرت عدة دقائق بعدما تأكدت  عبر الشرفة المطلة على الحديقة من خروجه بسيارته من حديقة القصر لتُمسك  هاتفها سريعًا وهي تتحدث بنبرة حذرة: -أيوة يا ملك، أنا اتصرفت خلاص في  الفلوس، أكدي لي الحجز ونتقابل هناك الساعة إتنين الظهر.
استمعت لتأكيد الطرف الاخر لحديثها لتأخذ نفسًا عميقًا يعبر عن راحتها  وتحركت لترتمي فوق الفراش لتعود لغفوتها من جديد بعدما تمت خطتها بالنجاح.
في تمام الساعة الحادية عشر، كانت تنزل الدرج بأناقتها المعتادة ورأسها  الشامخ لتقابلها والدة زوجها وهي تصعد الدرج بنفس اللحظة لتقول الاخرى  بابتسامة زائفة: -إزي حضرتك يا طنط
-أهلاً يا نجلا، نطقتها بصوتٍ جاد و وقار يرجع لعدم استلطاف تلك ال نجلا  لتستكمل وهي تشملها باستغراب: -لابسة ومتشيكة ورايحة فين كدة على الصبح؟
نطقت بابتسامة صفراء: -هقابل صاحباتي في النادي نفطر وبعدها هنعمل شوبنج علشان أشتري شوية حاجات نقصاني
رمقتها بنظراتٍ شاملة لتنطق بضيق ظهر فوق ملامحها العابسة: -نفسي تفرحيني في مرة وتقولي لي إنك رايحة تشتري لبس للبيبي.
شعرت بغضبٍ عارم يجتاح كيانها من تلك السيدة الغليظة التي أصبحت لها  بالمرصاد بعدما انتهت السنة الخامسة منذ زواجها دون إنجابها الحفيد  للعائلة، قبل ذلك كانت كثيرة اللُطف بحديثها لكنها مؤخرًا تحولت، جاهدت  بالحفاظ على هدوء ملامحها وثباتها الإنفعالي بدلاً من أن تحطم رأس تلك  الحمقاء لتقول ومازالت محتفظة ببسمتها المصطنعة: -أكيد هيحصل في يوم من  الأيام يا طنط، ما تستعجليش.
عدلت من وضع نظارتها الطبية لتقول وهي ترمقتها باستغراب: -ليكم خمس  سنين متجوزين، عوزاني أستنى إيه أكتر من كدة علشان أشوف حفيد لإبني الوحيد.
مطت شفتيها لتهز كتفيها وهي تقول بلامبالاة: -وانا مالي بالموضوع ده يا  طنط، حضرتك بنفسك جيتي معايا للدكتور بدل المرة إتنين، وهو بنفسه أكد لك  إن لا أنا ولا فؤاد عندنا أي مشاكل في موضوع الخلفة، وإن تحاليلنا كويسة  جداً وطبيعية
لتستطرد وهي تذكرها: -وإن الموضوع كله مجرد وقت وهيحصل
ضيقت عصمت بين حاجبيها لتسألها بفضول: -وشك أصفر ليه كده؟
ارتبكت بوقفتها لتجيبها بتهرب: -إجهاد من عدم كفايتي للنوم.
ونكست رأسها تسترسل بزيفٍ: -وكمان عندي مغص
فهمت عصمت ما تشير إليه لتزفر قائلة بطريقة حادة وهي تصعد الدرج متخطية وقوفها: -ياريت ترجعي بدري قبل ما جوزك ييجي من الشغل
حاضر يا طنط، باي، نطقتها بضيق لتقلب عينيها بضيق قبل أن تزفر بقوة وتمضي بطريقها للخارج.
عودة للحاضر
بمنزل نصر البنهاوي
جاهد محاولاً فتح عينيه بصعوبة بعدما استمع لصدوح صوت جرس الباب يصاحبه بعض  الطرقات العالية على الباب الخارجي للشقة، شعر بتحريك ج. سد صغيره ليفتح  عينيه سريعًا وهو يقول: -نام يا حبيبي.
نظر له الصغير ليغلق عينيه مجددًا بعدما أهداهُ إبتسامة كانت كفيلة بأن  تجعل قلبه يرفرف وتخفف من وطأة ألامه التي باتت مصاحبة له بعد انفصاله عن  مالكة الفؤاد، لث. م وجنته بحنوٍ ليتحرك صوب الباب سريعًا بعد صدح الرنين  من جديد، فتح الباب ليجد أمامه سُمية وهي ترمقهُ بنظراتٍ نارية لو خرجت  لدمرت كل ما يقابلها ولحولته ل رمادٍ في الحال، خرج صوته متحشرجًا وهو  يطالعها بغضب: -فيه إيه على الصبح، حاطة إيدك على الجرس ونازلة دوس زي ما  أكون مديون ليكِ وجاية تطالبيني.
هتفت ليخرج صوتها ك فحيح أفعى دهس أحدهم على ذيلها: -لا وإنتَ الصادق،  جاية ادور على جوزي اللي واخد إبن ضرتي وقافل عليه شقتها وقاعد يسترجع  الماضي الحزين
لتستطرد بنبرة ساخطة لعينين تنطقان حقدًا: -وناسي إن ليه واحدة ست وعنده  بنت محتاجة هي كمان لرعايته زي ابن الهانم اللي بيتعامل معاملة خمس نجوم  إذا كان منك ولا من جده وجدته.
-وطي صوتك وإنتِ بتتكلمي، نطقها بصوتٍ صارم ليسترسل لإرعابها: -ولا عوزة ستهم تسمعك وتبقى ليلتك مش معدية.
نظرت إليه لتتراجع نبراتها من حادة لذليلة وهي تغير استراتيجياتها لكسب  تعاطفه كالمعتاد برغم أنه لم يتأثر به مؤخرًا إلا أنها مازالت ماضية  بطريقتها التقليدية: -إنتَ بتعمل فيا كده ليه يا عمرو، بتعاقبني على إيه،  على إني حبيتك ومشفتش في الدنيا راجل غيرك؟!
أغمض عينيه يتأفف بوقفته ليقول بنبرة متمللة: -هو أحنا مش هنخلص من الاسطوانة المشروخة دي بقى، يا بنتي إرحمي نفسك ده أنا تعبت لك.
كاد أن يكمل ليبتلع ما بجوفه من حديث بعدما استمع لصوت صغيره يناديه حيث خرج من الغرفة باحثًا عنه: -بابي
اشتعل قلبها بنار الغل عندما رأت لهفته على الصبي حيث التفت وأسرع متلهفًا  بخطى واسعة ليقابله وهو يقول بصوتٍ حنون ليطمئنه: -أنا هنا يا حبيبي
حمله بعناية بينما تحدث الصبي ببرائة: -أنا عاوز أخد شاور.
هم بالحديث لتباغته وهي تبسط يداها باتجاه الصغير إستعدادًا لحمله لتقول  بابتسامة مصطنعة علها تكسب بتصرفها هذا ود عمرو: -تعالى يا يوسف أنا هحميك
تأوهت على أثر دفعها من قِبل عمرو حيث دفعها للخلف محتضنًا صغيره ليبعدها  عنه وكأنها عدوى يخشى على صغيره من لمستها وصاح هو يقول بنبرة حادة لملامح  وجه صارمة: -إوعي تحاولي تلمسي إبني أو تتقربي منه
ليرمقها بسخطٍ هاتفًا بقوة أصابت ج. سدها بالإرتجاف: -إنتِ فاهمة.
طالعته بعينين جاهدت لتترقرق بهما غيمات الدموع ليهتف هو غير عابئًا بحالتها: -إقفلي الباب وراكِ وإنتِ خارجة.
مثلت نزول دموعها لتستدير مهرولة للخارج لتصفق الباب خلفها وتتحول  ملامحها لحاقدة متوعدة لإيثار وطفلها المدلل الذي وبرغم إبتعاده إلا أنه  اختطف سعادتها وحياة إبنتها التي كانت من المنتظر أن تحياها لولا وجود هذا  الحفيد المقرب لقلوب العائلة.
أخذ عمرو الصبي وولج به إلى الحمام وبدأ بغمر ج. سده جيدًا داخل الماء  وبغسله بالصابون الخاص بالاستحمام، دلل صغيره وعاش معه المشاعر التي  يفتقدها بابتعاده عنه، أخرجه من المغطس ليلف ج. سده بالمنشفة الكبيرة  حاملاً إياه ليتجه نحو غرفة النوم الخاصة بإيثار، ساعده بارتداء ثيابه وصفف  له شعره ليبتسم الصغير برضا وهو يقول: - ممكن بقى ننزل نفطر علشان بعدها  أكلم مامي؟
تحمحم ليقول بنبرة متلهفة وهو يتناول هاتف نجله الذي يجلبه معه بكل  زيارة لمهاتفة والدته من خلاله كي تطمئن عليه: -طب إيه رأيك نكلمها الأول  وبعدين ننزل نفطر مع بعض في الجنينة أنا وإنتَ وجدو وتيتا
هز يوسف رأسه بموافقة ليضغط عمرو رقمها سريعًا ليأتيه الرد وكأنها كانت تنتظر: -أيوه يا حبيبي.
علت دقات قلبه وتحولت كدقات طبول حربٍ ولم يشعر إلا بروحه التي سرحت  بملكوت صوتها الناعم وهي تنطق ب حبيبي، كم مضى من السنوات دون إستماعه لتلك  الكلمة التي كانت بيومٍ غذاءًا لروحه واليوم أصبحت الترياق وياليته يستطيع  الحصول عليه، تحمحم قبل أن ينطق بصوتٍ يفيض بالإشتياق: -إزيك يا إيثار
اشتعلت روحها وكأن نارًا قد سرت بجميع أوردتها ليتحول صوتها من ناعم لحاقد وهي تصيح بنبرة حادة: -إديني إبني.
حاضر، طمنيني بس عليكِ الأول، قالها بصوتٍ خانع لتهتف غاضبة بحدة وصرامة: -قولت لك إدي التليفون ليوسف
زفرت عزة التي تقابلها الجلوس حول طاولة الطعام حيث كانتا تتناولتان  فطوريهما واستغفرت ربها بينما ناول عمرو الهاتف للصغير دون أن ينبس ببنت  شفة تجنبًا لاغضابها أكثر ليهتف الصغير مهللًا: -وحشتيني يا مامي.
تلهف قلبها عند استماعها لنبرات فلذة قلبها الغالي لتهتف بحبورٍ: -وإنت? كمان وحشتني قوي يا قلب وعقل وروح مامي.
انتهى الصغير من محادثة والدته وعزة التي أغرقته بسيلٍ من الكلمات  المدللة ليسعد قلبه، حمل الصغير وتوجه للأسفل ليجد جميع العائلة جالسون  بانتظار الصغير حول الطاولة ولم يجرأ فردًا بلمس الطعام بأمرٍ من نصر مما  جعل طلعت يستشيطُ غضبًا من أفعال والده المبالغ بها في دلال الصغير وإعطائه  أهمية عظمى، تهلل وجه نصر وتحدث مرحبًا وهو يفتح ذراعيه على مصراعيهما  لاستقبال حفيده خفيف الظل والحضور: -يا صباح الفل يا يوسف باشا.
تبسم الصغير مبتهجًا ليرتمي بأحضان جده الحانية ليغمره الاخر بقبلاته  الحارة والصادقة تحت احتراق قلب سُمية التي لوت فاهها وإِنارت وجه مروة  التي شملتها بنظراتٍ شامتة مما زاد اشتعال روح الاخرى حيث رمقتها بنظرة  نارية لو خرجت لحولتها لجثة متفحمة في الحال، وضع نصر الصغير فوق ساقيه  وأشار للجميع قائلاً بمداعبة لوجنة الصغير: -الوقت بس تقدروا تاكلوا بعد ما  حضرة الظابط يوسف وصل.
تعالت ضحكات الصغير لينشرح قلب عمرو وإجلال ويستشيط لها الاخرون حتى  الأطفال وهم يرون هذا الدخيل الذي يتمتع بدلال جديهما وله منهما جميع  الصلاحيات المحرمة عليهم
جلس عمرو وبدأ نصر بإطعام الصغير بنفسه بكل ما لذ وطاب ليتحدث مدلالاً  إياه: -خلص أكلك علشان نطلع الجنينة واخليك تمسك الس. كينة وتدب. ح بيها  الخروف ونشويه على السيخ سوا.
جحظت أعين الصغير ليتحدث بارتيابٍ وعفوية: -لا يا جدو مش هينفع أعمل كده، أنا أخاف وكمان مامي منعاني أمسك الس. كينة لانها بتأذي.
هتفت إجلال التي ما أن استمعت لاسم غريمتها حتى فقدت ثباتها لتقول بصوتٍ حاقد: -والله ماحد هيتلف أملك ويطلعك خيخة غير المعدولة أمك
نظر لها ولم يفهم ما تتفوه به ليطالعها عمرو بنظرات مُلامة منعتها من تكملة حديثها السام وهي تهز رأسها باستسلام.
تحدثت إبنة طلعت الكبيرة بتفاخر: -خليني ادب. حه أنا يا جدي.
هتفت إجلال متهكمة: -مبقاش إلا البنات كمان اللي هت. دبح يا بنت طلعت.
هتف طلعت غاضبًا: -ومالهم البنات يا أما، ده أنا مربي بناتي التلاتة اجدع من أي راجل
اجابته ساخرة: -مش بالتربية يا عين أمك، في الأخر إسمهم بنات وأخرهم هيتجوزوا ويخلفوا ولاد يشيلوا إسم راجل تاني.
زفرت ياسمين واستشاط داخلها من تلك الحية الرقطاء التي تبخ سمها بوجوه  الجميع ولم يسلم من شر لسانها حتى أقرب الناس لديها، ليجيبها طلعت بنبرة  تحمل الكثير من السخط: -إن كان على الواد هجيبه يا أما، اللي يجيب البت  يجيب الواد
وحول بصره لتلك الجالسة بأخر الطاولة تجاور زوجتي شقيقاه حسب أوامر إجلال  ليهتف أمراً بقوة: -من بكرة تروحي لدكتورة الزفت اللي إنتِ متبعاها وتشوفي  الحبل إتأخر ليه المرة دي.
واستطرد بتهديدٍ صريح لقلبٍ مشتعل: -وإلا وعزة وجلال الله لاكون متجوز عليكِ اللي تجيب لي الواد.
لعنت بسريرتها إجلال وإيثار وطفلها اللعين الذي يحول زوجها لناقم عليها  وعلى حاله كلما حضر لزيارتهم، رمقت إجلال هؤلاء النسوة وسبت بسريرتها تلك  ال إيثار التي لعبت بعقل نجلها ليتوسط لهن بأن يحضرن الطعام معهم وبالأخير  رضخت مجبرة تحت إصرار مدلل قلبها.
بعد مرور حوالي الساعتين، ذَب. ح نصر الشاه بمساعدة أنجاله الثلاث وتحت  نظرات الصغير لتأخذ النساء اللحم لتسويته وينسحب كل لوجهته بينما جلس نصر  وإجلال بصحبة الصغير بالحديقة الواسعة الخاصة بالمنزل لاشباع لهفتهما عليه،  كان يستقل تلك السيارة التي جلبها له عمرو بذكرى يوم ميلاده وتجاوره  شقيقته من أبيه فقلب الصغير يميل لها رغم معاملة سُمية ونظراتها العدائية  له، كانت عيناي إجلال تطالعه بحرصٍ وتفاخر لتزفر بقوة وهي تتحدث بنبرة  غاضبة: -هتفضل سايب الواد لبنت منيرة كده كتير يا نصر، يوسف لازم يرجع بيت  أبوه ويعيش في عزنا.
اغمض عينيه ليقول باستسلام: -سبيني لحد ما الانتخابات تخلص وبعدين أروق لها.
اتسعت عينيها لتقدح بشرارات الغضب وهي تهتف من ببن أسنانها بفحيحٍ  كأفعى تتجهز ببخ سمها بعيني فريستها: -إنتَ عاوزني أستنى ست شهور بحالهم يا  نصر، ده أنتَ ناوي تجلطني على كده؟
تنفس بعمق كي يستطيع مجابهة تلك المتجبرة ليقول بإبانة وتعقل لكسبها:  -يا إجلال إفهمي، البت مستقوية بناس كُبار حواليها، وأنا مش عاوز شوشرة قبل  بداية الإنتخابات، محدش عارف الناس دي بتفكر إزاي وممكن أذاهم يوصل لحد  فين
واستطرد مستشهدًا: - وأظن إنتِ بنفسك شوفتي موضوع عمرو حبكوه إزاي علشان المحضر يتحول للنيابة قبل ما أخد خبر بيه.
شددت على قبضت يدها حتى ابيضت لتقول من بين أسنانها: -أه يا ناري لو تطولها إيديا، لربيها من جديد على إيد ستهم
هزت رأسها وهتفت بحقدٍ: -المركز كله رجالة وستات محدش فيهم قدر يعمل معايا  اللي بنت منيرة عملته، نفسي أبرد ناري من ناحيتها يا نصر، نفسي أذلها  وأكسرها قدام الناس كلها.
وضع كوب القهوة فوق الطاولة ليلتف بج. سده ناحيتها مربتًا على كفها  الموضوع فوق ساقيها وهو يقول متوعدًا: -إصبري على ما أخلص من موال  الإنتخابات وأرتاح، وعد عليا هجيبها لك متكتفة وارميها لك تحت رجليكِ،  وساعتها إعملي فيها ما بدا لك.
تنفست بعمق لتنطق بغلٍ ظهر جليًا بنظراتها: -هصبر يا نصر مع إن الصبر مش طبعي ولا سكتي، بس هصبر على أمل أنول مرادي في الأخر.
-بعيد عن إنتقامك منها البت لازم ترجع ل عمرو يا إجلال، نطقها بصوتٍ  خافت ليسترسل بخيبة امل كست ملامحه: -إبنك ما اتصلحش حاله وبقى راجل غير  لما اتجوزها، ومن يوم ما دخلت بينهم الشيطانة اللي إسمها سُمية والبت  اتطلقت، وإبنك رجع أسخم من الاول، الواد تحسيه بقى تايه، دماغه مش مظبوطة،  رجع للشُرب والن. سوان الزبالة من تاني، بعد ما ربنا هداه وبعد عن السكة دي  وقرفها على ايدين بنت غانم.
زفرت بقوة ونكست رأسها بانكسار دلالة على صحة حديثه وعدم راحتها بما وصل له نجلها المدلل من خيبة وإخفاق.
داخل المطبخ الخاص بمنزل نصر، هتفت سُمية الواقفة أمام موقد الغاز  تتابع التقليب بالمعلقة بأحد الأواني الموضوعة على النار: -الغيرة هتموتني  يا ياسمين، كل ما الواد ييجي يتلكك بيه وياخده ويجري على شقة المح. روقة  اللي إسمها إيثار وميخرجش منها غير لما الواد يمشي.
هتفت الاخرى بنبرة حادة: -ما أنتِ اللي خايبة، قولت لك هاتي لك حتة عيل كُلي عقله بيه وهو ينسى إبن إيثار.
احتدت ملامحها لتهتف غاضبة: -وهو بإيدي إياك، ده أنا ممكن أعد لك الكام  مرة اللي قرب لي فيهم من يوم ما كتب عليا، ومعظمهم تم وهو مش في وعيه، مع  إني عملت له البدع
لتستطرد بعينين حزينتين: -فالح يقضيها سرمحة مع الن. سوان الشمال برة وييجي لحدي وكأنه شاف عقربة قدامه.
انتفضت على أثر صوت تلك التي ولجت إلى المطبخ دون أن تشعرا بها وهي  تتحدث شامتة: -يمكن علشان بتفكريه بخيبته التقيلة وبالغالي اللي خسره قصاد  الرخيص.
التفت سريعًا لتهتف بصياحٍ ووجهٍ مشتعل ينذر بنشوب حربًا على الابواب:  -إبعدي عني الساعة دي يا مروة أحسن لك، أنا عفاريت الدنيا كلها بتتنطط قدام  عنيا، متخلنيش أفش غلي فيكِ
ضحكة خليعة أطلقتها مروة لتستشيط الاخرى ليخرج صوت نسرين يوقف كلتاهما وهي  تنهرهما: -ما تخرسي وتخلي ليلتك تعدي إنتِ وهي، البيت مولع لوحدة  متزودوهاش.
رمقت مروة بازدراء لتسترسل ناهرة لتلك التي تعشق التصنت عليهما: -وإنتِ يا ست مروة، مش هتبطلي العادة الزفت اللي فيكِ دي.
اتجهت نحو الطاولة وجذبت المقعد لتجلس وتحدثت ببرودٍ قاتل بعدما شرعت  بتقطيع خضروات السلطة: -والله محدش قال لكم تقعدوا تنموا في المطبخ وحسكم  يجيب أخر البيت، عاوزين تتكلموا في اسرار يبقى في شققكم مش هنا
زفرت ياسمين وعادت لطهي الطعام من جديد مفضلة الصمت أمام كلتا الغبيتان التي ابتليت بهما ببيت الاشباح هذا.
ليلاً.
تجلس على مقعدًا مجاور للفراش بحجرتها المظلمة حيث أغلقت الضوء لتحاول  تهدأت حالها من التوتر الذي اجتاح كيانها فور مكالمة عزيز التي أشعل بها  روحها بالكامل وجعلها تدخل بنوبة من الهلع كلما تذكرت تهديداته الصريحة  بأخذ صغيرها من بين أحض. انها، تشعر بعجزٍ شديد وبأن يديها مكبلة، وبلحظة  انتفضت لتقف متجهة نحو الكومود لتلتقط هاتفها بعدما أهتدت لفكرة ستضع بها  حدًا لهذا ال عزيز، بحثت بالأرقام المسجلة إلى أن اهتدت لرقم والدها لتضغط  زر الإتصال منتظرة الإجابة ليأتيها صوت أبيها المتلهف: -إيثار، إزيك يا  بنتي.
تنفست بهدوء في محاولة لتهدأت حالها كي لا تنقل لوالدها توترها الهائل: -إزيك إنتَ يا بابا.
-أنا الحمدلله، المهم إنتِ طمنيني عليكِ، نطقها برضا ليخرج صوتها  متألمًا شاكيًا لأبيها حيث قالت بنبرة خرجت غاضبة رغم محاولاتها: -أنا بقى  مش بخير ولا كويسة
ارتعب قلبه ليسألها متلهفًا: -ليه يا بنتي، فيكِ إيه؟
هتفت بصوتٍ شديد الغضب: -عزيز إتصل بيا النهاردة الصبح وبيهددني يا بابا،  أخويا اللي المفروض إنه سندي بيهددني لو مرجعتش البلد بعد يومين هيرفع عليا  قضية ضم حضانة.
وبدأت بقص ما بدر من شقيقها تحت غضب وحزن قلب غانم الذي ما عاد فيه  التحمل اكثر لما يراه من ظلمٍ كبير يقع على إبنته المنكسرة، هاج ليخرج صوته  هادرًا: -هي حصلت يهددك علشان خاطر مصلحته.
-إسمعني كويس يا بابا، أنا اتحملت من عزيز وماما اللي ميتحملهوش بشر،  نطقتها بهدوء لتعلو نبرة صوتها قائلة بتهديد: - بس لحد يوسف ومحدش يلومني  على اللي هعمله.
لو وصلت إني أفتري عليه وأقدم فيه بلاغ إنه اتهجم عليا وضربني هعمل كده،  وعندي بدل الشاهد عشرة وبدل الإيد اللي هتتمد وتساعدني مية، قالتها بصوتٍ  شديد الحدة يرجع لوصولها لحالة من الإنهيار النفسي وكأن جدارها الواهي قد  هُدم وخارت قواها وتحطمت تحت شعورها الدائم أنها تسبح ضد التيار، تنهد غانم  لينكس رأسه وشعورًا بالخزي من ضعفه يعتريه ليخرج صوتهُ ملامًا وهو يقول:  -هتحبسي أخوكِ يا إيثار، وقدرتي تطلعيها من بوقك.
ابتسامة مريرة خرجت من جانب ثغرها تخبرها عن مرارة ما تشعر به، تنفست  لتجيب والدها بنبرة متهكمة: -وحضرتك عاوزني أقف متكتفة واسيبهم ياخدوا إبني  ويسلموه ل إجلال تربيه، ده مش بعيد يدوه ل سُمية الخاينة تربيه علشان أموت  بحسرتي.
لتسترسل بألم طعن والدها بمنتصف قلبه: -وساعتها أكيد ماما وعزيز  هيرتاحوا، ويمكن يوزعوا ندر لله إنه خلصهم من الشؤم اللي موقف حياتهم  وخاربها.
اجتاحه شعورًا هائلاً بالأسى يرجع لحزنه الاليم وهو يرى أنجاله  يتقاتلون وبدلاً من أن يصطفوا ويمثلوا قوة أمام الظلم يتفرقون كُلٍ بطريق  عكس الأخر لتدمير أنفُسهم بأنفسهم لينطق بصوتٍ مغْلوبٍ: -إستهدي بالله يا  بنتي واعتبري موضوع عزيز مُنتهي
سألتهُ بتشكيك: -منتهي إزاي يا بابا، يعني حضرتك هتقدر تمنعه من إنه يرفع القضية؟
حزن داخله لينطق بانكسار: -للدرجة دي شايفة أبوكِ راجل ضعيف وقُليل يا إيثار؟!
نزلت كلماته المستكينة على قلبها شطرته لنصفين لتعنف حالها وهي تنطق  سريعًا: -لا عشت ولا كُنت لو ده اللي اقصده، أنا قصدي إن عزيز الغضب مخليه  مش شايف قدامه ومش هيسمع لحد.
-وأنا قولت لك إعتبري الموضوع منتهي وقفلي عليه، نطقها بصوتٍ غاضب لتنطق متأسفة بخجلٍ: -حقك عليا يا بابا، أرجوك متزعلش مني.
أجابها بصوت رجلاً مهزوم: -أنا مش زعلان منك يا بنتي، أنا زعلان من نفسي
واستطرد بأسفٍ بصوتٍ ذليل نزل على قلبها وكأنه نصل سكينًا حاد شطره دون  رحمة: -كان نفسي أكون لك الأب القوي اللي يقف في ظهرك ويحميكِ، بس العين  بصيرة والأيد قصيرة، أبوكِ راجل غلبان والزمن جار عليه والفقر هده.
ما شعرت إلا بدموعها الأبية تنهمر فوق وجنتيها ك سيلٍ جارف يطيح بكل ما  يقابله، خرج صوتها ضعيفًا متأثرًا وهي تقول في محاولة للتخفيف من وطأة ما  يشعر به من تخاذل: -إنتَ في عيوني أحسن أب في الدنيا، كفاية مساندتك ليا في  موضوع طلاقي، ولولا وقوفك جنبي قصاد نصر مكنتش قدرت أخد إبني وأخرج بيه  برة البلد
واستطردت بشهقة خرجت لتشق بها صدر غانم: -ربنا يخليك ليا يا بابا.
ابتسامة حانية خرجت من ثغرة وهو يقول بنبرة حنون: -وحشتي ابوكِ يا إيثار
-على عيني بعادي عنك يا حبيبي، ما أنتَ عارف أنا مبنزلش البلد ليه، نطقتها  بضعفٍ وأسف ليجيبها بصوتٍ بشوش: -أنا اللي هجي لك، هجيب لك يوسف بكرة واجي  أقعد معاكِ يومين بحالهم
اتسعت عينيها لشدة حبورها لتهتف بتهلل ولهفة: -بجد هتيجي يا بابا؟
حلق قلبه فرحًا لسماعه لتلك النبرة السعيدة التي غمرت صوت صغيرته ليؤكد  لها قائلاً: -إن شاء الله هجي لك، شوفي عاوزاني اجيب لك معايا إيه وانا  عنيا ليكِ.
-تسلم عيونك يا بابا، مش عاوزة أي حاجة غير إني أشوفك وده كفاية، انهت  مكالمتها الهاتفية بحالٍ مختلف كليًا عن بدايتها، فكم كانت أحلامها بسيطة،  يكفيها ولو كلمة، شعورًا، غمرة ليجعلاها كطيرٍ حُر يطلق جناحيه القويتين  محلقًا بسماء الله الواسعة دون قيدٍ.
، استندت برأسها للخلف لتغمض عينيها وهي تزفر براحة وتدعوا الله  بسريرتها بأن يساندها وينصرها على كل من ظلمها ويستمر بظلمها وأن يحمى لها  يوسف، ثمرتها حُلوة المذاق التي جنتها من زيجتها المشؤمة لتكون عوضها عن  سنوات العجاف التي قضتهم بمنزل الأشباح.
ظهر اليوم التالي.
انتهت من العمل على ملفًا مهمًا كانت تعمل عليه لتستمع إلى صوت هاتفها  الجوال لتجيب على الفور بعملية، أخبرها المتصل أنه كاتب النيابة وأنها غفلت  وتركت بطاقتها الشخصية أثناء تنازلها عن محضر التعدي ليتناسى هو ويقوم  بوضعها داخل الأوراق الخاصة بالمحضر واليوم فقط عُثر عليها أثناء بحثه  للملف، اشتدت سعادتها للعثور عليها بعدما كانت قد فقدت الأمل وسعت بالفعل  على استخراج بدل فاقد بعدما قدمت بلاغًا بفقدانها، أخبرته أنها ستأتي إلى  النيابة بعد ساعتان من الأن لاستلامها، دخلت إلى أيمن وطلبت منه الإذن  وتوجهت سريعًا قبل إنتهاء مواعيد العمل الرسمية بالمبنى كي تعود لمنزلها  لتستعد لاستقبال أبيها الغالي، توجهت إلى مكتب النائب العام المقصود لتجد  الكاتب بانتظارها أمام باب المكتب فسلمها إياها وشكرته هي وتحركت صوب  الخروج، وأثناء سيرها بالممر فوجئت بخروج« شرشبيل» كما أطلقت عليه يخرج من  باب مكتبه حاملاً حقيبته الخاصة بعمله، تلاقت الأعين لتقول بابتسامة هادئة  بعدما شعرت براحة بقلبها لشخصه: -إزيك يا سيادة المستشار.
رمقها بجمود متجاهلاً إبتسامتها لتتجمد الإبتسامة على محياها وهو يرد  باقتضاب وملامح عابسة ترجع لرؤيته لوجه فايزة لتنزع صباحه ويومه بالكامل  وتُعيد تجديد أحزانه: -أهلاً وسهلاً.
ابتلعت لعابها خجلاً وشعرت كما لو أن أحدًا سكب دلوًا من الماء البارد  فوق رأسها، طالعت ذاك المغرور الذي تحرك صوب المصعد الكهربائي دون الألتفات  لها وكأن لا وجود لها من الأساس، تحركت بقلبٍ مشتعل وجاورته الوقوف  إنتظارًا لوصول المصعد لينضم إليهما شريف النائب العام التي قدمت إفادتها  لديه في قضية عمرو، تحدث إلى فؤاد وهو يحيه برأسه باحترام: -فؤاد باشا.
قابل الأخر تحيته بمثلها بابتسامة خافتة، ليحول شريف بصره إليها وهو يسألها بعدما تذكرها: -أخدتي بطاقتك؟
وصل المصعد ليلج ثلاثتهم لداخله لتلتفت إليه وهي تقول بصوتٍ خافت: -أه يا  افندم أخدتها، نطقتها باقتضاب ليكمل الأخر معتذرًا: -معلش ما أكتشفنهاش غير  النهاردة، الكاتب نسي وحطها في ملف القضية، ولما فتحنا الملفات النهاردة  علشان نراجعها قبل ما تروح للأرشيف لقيناها.
طالعته بابتسامة بشوش بعدما حدثها بكثيرًا من اللُطف والإحترام لتقول  بإبانة: -حصل خير يا افندم، وكفاية إنه اتصل بيا في الوقت المناسب
لتسترسل بابتسامة هادئة: -أنا كنت خلاص فقدت الأمل إني ألاقيها وقدمت بلاغ بضياعها، وكنت رايحة بكرة أخرج بدل فاقد.
كان يستمع لحديثهما بقلبٍ غير مستكين، يشعر بضيقٍ لا يعلم سببًا له وهو  يراها تنظر لذاك ال شريف وهو يحادثها بملاطفة وترد عليه بملامح وجه بشوشة  لم يرها عليها من قبل
وما جعله يشعر بسوءٍ كبير هو حديثها عندما توقف المصعد وهي تقول بابتسامة صافية سرقت لُبه: -ميرسي لذوق حضرتك يا سيادة المستشار.
مال الاخر لها برأسه بترحابٍ ليُفتح باب المصعد بتلك اللحظة وتنطلق هي  للأمام بخطواتٍ واسعة وقبل أن تصل لباب سيارتها استمعت لصوته من خلفها وهو  ينطق باسمها لتتوقف زافرة قبل أن تستدير بج. سدها لتقف بمقابلته حيث تحمحم  وهو يتحدث بنبرة متلبكة بعض الشيء: -أنا،
ضيقت عينيها باستغراب لحالته ليسترسل بنبرة بها تعالي وهو يستصعب خروج كلمة أسف: -يعني، بخصوص معاملتي ليكِ جوة.
واستطرد سريعًا: -كنت سرحان ومخدتش بالي من ابتسامتك
-إبتسامتي؟! نطقتها بجبينٍ مقطب لتسترسل متهكمة وهي تتنكر لابتسامتها  وكأنها وصمة عار وجب محيها: -هو يظهر إن حضرتك فعلاً كنت سرحان، عن إذنك.
نطقت كلماتها الاخيرة بملامح متجهمة واستدارت تستقل سياراتها لتنطلق  سريعًا دون عناء النظر إليه مما جعله ينظر على أثرها بذهول غير مستوعبًا ما  حدث وهجومها الضاري عليه، لكنه لام حاله وعذرها على تلك المعاملة التي لم  تكن سوى رد فعل.
عاد لمنزله بحالة مزاجية سيئة يرجع سببها لما حدث بينه وبين تلك الشرسة  التي شغلت حيزًا ليس بالقليل من تفكيره، تناول وجبة غدائه بصحبة عائلته  ليصعد بعدها متجهًا لداخل الحمام حيث مليء حوض الإستحمام بالماء الدافيء  وسائل الصابون المنعش ليتجرد من جميع ثيابه ونزل غامرًا ج. سده بالكامل تحت  الماء، أغمض عينيه ليتذكر ما آل به لتلك الحالة المزية من الجمود والكره  لجميع بنات حواء.
إنتباااااااه
«عودة لما مضى».
خرجت نجلا واستقلت سيارتها لتصل لإحدى ماكينات الصرف المتواجدة أمام  البنوك لتحصل على المبلغ فقد حوله لها زوجها واتجهت إلى صديقتها ملك  لتنطلقا بسيارتها إلى منطقة شعبية، تطلعت حولها باشمئزاز ظهر على ملامحها  لتنطق بازدراء: -ملقتيش مكان أنضف من ده؟
اجابتها الأخرى بجدية حتى تهدأ: -هو ده المكان الوحيد اللي هتقدري تعملي فيه العملية ومحدش هيحس بيكِ.
انكمشت ملامح وجهها ب جَزع وهي تقول بصوتٍ خافت: -ايوا يا ملك بس المكان شكله يخوف قوي.
رفعت كتفيها لتقول بلامبالاة: -ولا يخوف ولا حاجة، إنتِ بس اللي عينك متعودة على الأماكن الهاي كلاس
واستطردت وهي تراقب الشوارع الضيقة بتمعن كي لا يتوها بالعنوان: -زي ما قولت لك، أنا جيت هنا مع سميرة البهنسي من شهرين تقريبًا.
-طب هي العملية بتوجع وليها أثار بعد كدة؟، سألتها بارتيابٍ لتسترسل متوجسة: -يعني فؤاد ممكن ياخد باله؟
اجابتها الأخرى عن تجربة: -خالص، أنا بعد الندل جمال ما قالي إنه مش مسؤل  عن البيبي ولو منزلتهوش هيقطع الورقتين العرفي اللي ما بينا ويسبني أواجه  المشكلة لوحدي.
واستطردت بإبانة: -فكرت بعقلي وقتها ولقيت إني كده ممكن أخسر كل حاجة،  جمال وفلوسه ومنصبه الكبير، إيه المشكلة لما أكون متجوزاه في السر بس عايشه  في عزه وغرقانه في فلوسه، وبصراحة جمال كريم جداً معايا ومش مخلي نفسي في  حاجة
واستطردت والاخرى تتابع القيادة: -سألت وقتها وقدرت أوصل للدكتور ده عن طريق سميرة وهي اللي جابتني ليه.
وبعدين، نطقتها نجلا لتعطشها لمعرفة تكملة القصة لتقول الاخرى: -جيت يا  ستي وعملتها وروحت بعد ساعتين بيت ماما، وعاوزة أقول لك ماما ولا حست إن  فيه أي حاجة متغيرة فيا.
هزت رأسها لتشق ابتسامة ساخرة ثغرها وهي تقول: -هو أنتِ مش ناوية تعقلي وتسيبك من اللي إسمه جمال ده وترجعي لطليقك؟
واستطردت بضحكة متهكمة: -الراجل يا حرام هيتجنن وترجعي له، ده ماسبش ولا واحدة من صاحباتك غير وطلب منها تتوسط بينكم
-بتهرجي صح، يا بنتي أنا مصدقت خلصت منه ومن فقره، قطعت حديثها وهي تُشير  لها على المدخل: -ادخلي في الشارع الجاي ده و اقفي قدام أول عمارة على  اليمين.
صفت السيارة جانبًا وصعدتا الدرج قاصدين إحدى العيادات الغير مرخصة  والتي تجرد طبيبها من شرف المهنة ليشتهر بإجرائه لعمليات الإجهاض المحرمة  دينيًا والمجرمة قانونيًا، بعد قليل كانت ترتدي ثوبًا خاص بالعمليات وتقف  بجانب صديقتها بغرفة عمليات متواضعة حتى بأدواتها، ارتعب ج. سدها حين وقعت  عينيها على السرير الخاص بالعمليات والأدوات الخاصة بالجراحة لتُمسك كف  صديقتها وهي تقول بشفاهٍ مرتجفة: -أنا خايفة قوي يا ملك، حاسة إني ممكن  يجرى لي حاجة.
ابتلعت الأخرى ريقها حين لمحت شحوب وجه نجلا لتقول علها تتراجع: -إنتِ  مش مضطرة تنزلي البيبي يا نجلا، تعالي نخرج من هنا وروحي فرحي جوزك وأهله  بخبر حملك
واستطردت بجشع: -أهل جوزك بيحلموا بالحفيد، تخيلي الهدايا والعز اللي  هيغرقوكي فيه لو عرفوا إنك هتجيبي لهم ولي العهد اللي هيورث الثروة دي  كلها، فكري يا نجلا.
هزت رأسها لتقول برفضٍ تام: -الموضوع بالنسبة لي محسوم، مش قبل خمس  سنين لما افكر إني أخلف، أنا لسة مكملتش ستة وعشرين سنة، إيه اللي يخليني  أدفن شبابي وأخسر رشاقتي بحمل وخلفة ورضاعة.
-إنتِ حرة، أنا حبيت أنصحك باللي أنا شيفاه صح من وجهة نظري، أنا عن  نفسي لو مكانك هجري حالاً على جوزي وأبشره، ولج الطبيب ليقول بعملية:  -جاهزة يا مدام؟
أخذت نفسًا عميقًا إستعدادًا لما ستقبل عليه لتجيبه بصوتٍ ما زال مرتجفًا لشدة رعبها: -جاهزة.
أشار لصديقتها بالخروج وأقبل عليها طبيب التخدير ليحقنها بالمخدر لتغيب  عن الوعي ويبدأ الطبيب بإجراء عملية الإجهاض لتلك التي تجردت من أدميتها  وخنقت شعور الأمومة لديها بإقبالها على قتل جنينها قبل أن تنفخ به الروح،  خانت أمانة زوجها لديها وكسرت كل العهود بمحو حلمه وحلم عائلته بقدوم  حفيدًا يكن لهم الفرحة المنتظرة والوريث لعرش أل الزين.
بعد مرور ساعتين
كانت تستقل المقعد الأمامي للسيارة بينما تولت صديقتها القيادة، كانت  مستلقية واضعة رأسها للخلف ويبدوا على ملامحها الإعياء الشديد، تأوهت بخفوت  لتنظر لها صديقتها وهي تقول: -شكلك تعبان جدًا، لو روحتي بمنظرك ده مش  بعيد حماتك تلاحظ الموضوع وتكشفك، أنا رأيي تيجي تقعدي في شقتي ساعتين  تلاتة لحد ما تتحسني
اومأت برأسها لتسألها بصوتٍ خافت: -جبتي لي البرشام اللي قولت لك عليه.
أجابتها بينما تتابع القيادة: -أه وحطيت لك العلبة في شنتطك، الصيدلي قال لي إن ده أقوى برشام مانع للحمل
لتستطرد بتنبيه: -بس أهم حاجة تاخديه بانتظام، لأن النوع اللي كنتي بتاخديه  شغال كويس جداً معايا، لكن عدم انتظامك فيه هو اللي عمل اللخبطة دي والحمل  حصل
واستطردت مقترحة: -إظبطي المنبة على ساعة معينة في اليوم وخديه فيها علشان ماتنسيش.
تحدثت بنبرة استسلامية: -أكيد هخلي بالي بعد اللي حصل لي النهاردة،  نطقتها نجلا بإعياءٍ شديد، ذهبت لمسكن صديقتها لتغفى لمدة ساعتين حتى شعرت  بتحسن ثم عادت لمنزلها ومن حُسن حظها كان المنزل خاليًا إلا من العاملات،  حيث ذهبت عصمت وفريال لزيارة إحدى قريباتهما المريضة وعلام يغفو بغرفته أما  فؤاد فكان بتحقيق خارج النيابة لذا لم يعد إلا بتمام التاسعة مساءًا، ولج  لجناحه ليجده غارقًا بظلامًا دامس، ضغط زر الإضاءه ليتفاجيء بتلك الغافية  ليقطب جبينه متعجبًا، تحرك إليها ومال عليها هامسًا: -نجلا.
لم يجد منها إجابة فكرر بصوته لتفتح عينيها ببطيءٍ شديد وهي تجيبه بهمهمة توحي لعدم أستعادتها لوعيها الكامل: -إممممم.
سألها بحنان: -إيه اللي منيمك بدري يا حبيبتي، إنتِ تعبانة؟
ارتبكت لتهب جالسة وهي تنفي بقوة: -أنا كويسة.
-طب إهدي، قالها حين لمح ارتيابها ليقف منتصب الظهر ويبدأ بخلع حلته  وأخذ ثيابًا بيتية من خزانة الملابس ليتجه للحمام أغتسل سريعًا وخرج ليجدها  غارقة بنومها من جديد، أشفق على حالها ونزل إلى الأسفل تناول عشائه بصحبة  عائلته لينسحب صاعدًا للأعلى مجددًا لينضم لزوجته بالفراش محتضنًا إياها من  الخلف بعدما شعر بحاجته لها فقد أثارته بثوب نومها الناعم، همس بجانب  أذنها بصوتٍ مثير: -نجلا، إصحي يا روحي.
فتحت عينيها لتنهض بفزعٍ أثار فضوله ليسألها بارتياب: -فيه إيه، هو أنا كل ما أقرب منك هتتفزعي؟!
ابتلعت لعابها لتجيبه بصوتٍ جاهدت ليخرج متزنًا: -معلش يا حبيبي كنت شايفة كابوس
قطب جبينه ثم اقترب من فم. ها ل يلثمه برقة تابعها بلمسة ناعمة خلف عنقها  لتبتعد حين وصلها مقصده وهي تقول محمحمة: -مش هينفع يا حبيبي
ضيق ببن عينيه يستشف مقصدها لتتحمحم مسترسلة بتوتر ظهر جلياً بصوتها: -أصلي
قالتها وهي تنزل بصرها للخلف مدعية الخجل لينتبه سريعًا بفطانته ويسألها باستغراب: -بس ده مش ميعادها؟
-آه ما أنا عارفة، بس تقريباً حصل لخبطة في الهرمونات، نطقتها بكثيرًا  من التوتر لتسترسل بإزاحة بصرها عنه متهربة: -هبقى أروح للدكتور وأشوف  السبب
اقترب منها يضع قُ. بلة حنون فوق وجنتها قبل أن يهمس بنبرة حنون: -وده اللي مخليكِ متوترة بالشكل ده؟
هزت رأسها بعينين خجلة ليبتسم لها ثم ربط على وجنتها بتعطف وهو يسألها باهتمام: -اخلي حد من الشغالين يطلع لك حاجة سخنة؟
-لا يا فؤاد، مش قادرة أشرب أي حاجة، قالتها بملامح وجه منكمشة ليربت عليها قائلاً بنبرة رحيمة: -طب نامي يا حبيبتي
تمددت ودثرها هو بالغطاء وقام بوضع قُ. بلة بجبينها قائلاً بأسى: -أنا أسف يا حبيبتي إني قلقتك.
-مش هتنام؟، قالتها حينما رأته يقف مبتعدًا ليجيب بنبرة متزنة: -عندي قضية مهمة هدرس الملف بتاعها تحت في المكتب وبعدين هبقى أنام
-تصبحي على خير، قالها وهو يحمل حقيبته الجلدية لتوقفه قائلة بصوتٍ معتذر: -أنا أسفة يا حبيبي.
استدار ليحدثها بنبرة متفهمة: -أسفة على إيه بس، الموضوع مش بإيدك،  قالها وشملها بابتسامة حنون قبل أن يخرج من الغرفة لتضع تلك المرتعبة كفها  بموضع قلبها مع أخذها نفسًا عميقًا وزفره بقوة لتهديء قليلاً بعدما مرت  كذبتها على خير.
مرت الأسابيع وتحسنت حالتها كثيراً، عاد فؤاد من العمل ونزلا تناولا  معًا الغداء بصحبة العائلة ليصعدا في المساء، ولجا من الباب لتلتصق به  محتضنة إياه بقوة، نظر لها وقام بتق. بيلها بنهمٍ ثم ابتعد وهو يقول: -هدخل  الحمام واجي لك حالاً.
تبسمت بموافقة، تطلعت عليه وما أن أغلق باب الحمام خلفه حتى هرولت إلى  خزانة ملابسها ورفعت طيات ملابسها البيتية بيدها التي تحمل الهاتف لتضعه  وتسحب عُلبة الدواء لتأخد قرصًا من الشريط وتبتلعه سريعًا وتعيد العلبة  بمكانها قبل ان يخرج زوجها، أغلقت باب الخزانة لتفاجيء بزوجها يخرج من  الحمام، ابتسمت له واتجهت صوب الكومود لتتناول كأس الماء وترتشف البعض منه،  ولجت هي الاخرى إلى الحمام لتتجهز بعدما أخذت ثوبًا خاص بالنوم بينما وقف  هو يصفف شعر رأسه ويضع عطره، استمع صوتًا خافتًا لهاتف ليتلفت من حوله يبحث  عن مصدر الصوت إلى أن اهتدى للخزانة ففتحها ليقترب الصوت المكتوم، بحث  ليعثر عليه تحت طيات ملابسها الشخصية وأثناء سحبه للهاتف وقعت على الأرض  عُلبة ليتبعثر محتواها وإذ بها أشرطة تحتوى على أقراص دوائية كانت قد  دثرتها هنا لطمأنتها أن لا أحد يستطيع الوصول لهذا الجزء لغلقها له بمفتاحٍ  خاص لاحتوائه على مجوهراتها وأشيائها الثمينة ولكنها غفلت عن غلقه  لتوترها، قطب جبينه وهو ينظر للأسفل ليميل بطوله ملتقطًا العُلبة ليدقق  النظر بالكلمات المدونة عليها لتجحظ عيناه بذهول سرعان ما تحول لاشتعال وهو  يرى تلك الحبوب المانعة للحمل والذي تعرف عليها فور رؤيته للشريط، فهو رأه  من قبل بحكم وظيفته ويعرفه جيدًا.
خرجت من الحمام مرتدية ثوبًا مثيرًا يكشف فتحة ص. درها وفخ. ديها  لتتحرك إليه بدلال متحدثة بابتسامة وهي تشير بكفيها بتفاخر على حالها: -أنا  جاهزة، إيه رأيك؟
وقفت أمام ذاك المتصلب الج. سد ليخرج يده من خلف ظهره ويسألها وكل ذره بج. سده تنتفض بقوة من شدة إشتعالها: -إيه ده؟
انتفض ج. سدها فور رؤيتها بشريط الدواء وظهر الرُعب بعينيها ليتأكد من  شكوكه وقبل أن تنطق بكلمة كانت تصرخ شاعرة بألمٍ شديد عندما هوت يده على  وجنتها لتلطمها بقسوة ليترنح ج. سدها على أثرها وتُطرح أرضًا.
رواية أنا لها شمس

 الجزء الأول

 الفصل العاشر

خرجت من الحمام مرتدية ثوبًا مثيرًا يكشف عن فتحة ص. درها وفخ. ديها  لتتحرك إليه بدلال متحدثة بابتسامة وهي تشير بكفيها بتفاخر على حالها: -أنا  جاهزة، إيه رأيك في جمال وسحر مراتك؟
وقفت أمام ذاك المتصلب الج. سد ليخرج يده من خلف ظهره ويسألها وكل ذره بج. سده تنتفض بقوة من شدة إشتعالها: -إيه ده؟
انتفض ج. سدها فور رؤيتها بشريط الدواء وظهر الرُعب بعينيها ليتأكد من  شكوكه وقبل أن تنطق بكلمة كانت تصرخ شاعرة بألمٍ شديد عندما هوت يده على  وجنتها لتلطمها بقسوة ترنح ج. سدها على أثرها وتُطرح أرضًا.
تجرد من شخص رجل القانون الحكيم الكامن بداخلهُ ليرتدي ثوب رجلاً شرقيًا  طعنته أنثاه بمنتصف قلبه بخنجر الغدر، شعر بنارًا تسري بجميع أوردته عندما  هاجمته فكرة رفض شريكته حمل قطعةٍ منه داخل رحمها، كم كان شعورًا قاسيًا  بالنسبة لشخص ك فؤاد، أفرط بعشقه وماله ولم يبخل عليها بشيء ليجني بالأخير  تلك الخيانة الكُبرى.
اندفع نحوها بشراسة ليجثو على ركبتيه وهو يمد يده قابضًا على شعرها  بقوة ليهمس بفحيحٍ غاضب أوحى لبركانه الكامن بداخله: -قولي لي سبب واحد  يخليكِ تاخدي برشام يمنع الحمل اللي مستنيه يحصل ليا سنين؟!
كانت ترتجف منكمشة على حالها تنظر إليه برُعبٍ ك غزالةٍ ضئيلة وقعت فريسة  بقبضة أسدٍ جائع، شهقت عدة مرات ليخرج صوتها المرتجف وهي تقول بحروفٍ  متقطعة: -إديني فرصة أشرح لك يا فؤاد.
اشتعلت عيونه بشرارات ال?ضب ليشدد من قبضته على شعرها لتخرج منها صرخة  متألمة وبحدة يهدر قائلاً: -هتشرحي لي إيه بعد ما شوفت كل حاجة بعنيا.
بعينين متوسلة صرخت بكلماتٍ توحي لمدى تألمها من جذبه القوي لخصلات  شعرها: -إنتَ فاهم غلط، والله فاهم الموضوع غلط، سيب شعري بس واديني فرصة  أشرح لك.
لم يرأف قلبه لدموعها الغزيرة بل زاد من ضغطه ليجيبها من بين أسنانهِ  بفحيحٍ مخيف: -مفيش أي كلام في الدنيا ممكن يشفع لك ويخليني أغفر لك جريمتك  في حقي وحق عيلتي
صرخت وهو يزيد من ضغط قبضته لتصيح وهي تحاول تخليص خصلاتها من براثنه: -شعري هيتخلع في إيدك يا فؤاد، أرجوك خلينا نتفاهم بالعقل
واستطردت في محاولة منها لاستعادة وعيه: -من إمتى وإنتِ بتتعامل معايا بالهمجية دي؟
امتعضت ملامحه لتقسو نبرات صوته القاسية مع شرارات الغضب التي ظهرت  بعينيه ليصيح قائلاً بفحيح: -من ساعة ما حسيت بطعنة غدرك في ظهري.
نطقها ليدفعها للخلف بعنفٍ انبطحت على أثره أرضًا ليهب واقفً وبدأ يدور  حول نفسه كالأسد الحبيس يجذب خصلات شعره الفحمية بحدة مفرطة للخلف ترعب من  يراه، مسح على وجهه بجنون ليتحدث بغضبٍ عارم قائلاً: -مش قادر أتخيل إن  مراتي اللي قدمت لها كل حاجة ممكن يقدمها راجل لست، يبقى جزاتي إنها تحرمني  من إني اكون أب.
بينما هو يدور حول حاله كالأسد الجريح طرأت على ذهنها فكرة سريعة حيث  تذكرت صديقتها ملك حينما تعرضت لمشكلة في الهرمونات أدت إلى لغبطة بمواعيد  الدورة الشهرية مما جعلها تذهب إلى طبيبة خاصة بأمراض النساء والتوليد لتصف  لها حبوب مانعة لحدوث الحمل كي تساعدها على إعادة تنظيم الهرمونات والدورة  الشهرية لتتحدث بشهقاتٍ متقطعة إتباعًا لخطتها: -من فترة حصل لي لغبطة في  الهرمونات والبريود مواعيدها اتغيرت، واضطريت أروح لدكتورة أمراض نسا وهي  اللي كتبت لي على الحبوب دي.
رمقها بنظراتٍ ساخطة ليهتف بإنكار لروايتها: -إنتِ فكراني راجل أهبل علشان أصدق الكلام الساذج اللي بتقوليه ده؟
صرخت بدموعها المفتعلة لتقول بزيفٍ: -أنا بقول لك الحقيقة ولو مش  مصدقني تقدر تيجي معايا وتسأل بنفسك الدكتورة وهي هتأكد لك على كلامي.
توقف بمكانه ليتطلع عليها يسألها بنبرة تشكيكية: -ومن إمتى وإنتِ بتاخدي الزفت ده؟
هتفت سريعًا حينما تذكرت: -من حوالي شهر تقريبًا، يوم ما جيت تصحيني وأنا قولت لك وقتها إن،
صمتت لتُكمل بتلهُف مستشهده بحديثه حينها: -حتى إنتَ بنفسك قولت لي إن ده مش ميعادها.
قطب بين حاجبيه ليتذكر تلك الليلة ليهديء قليلاً حين تيقن صحة روايتها  لكنه مازال غاضبًا منها ليهتف بنبرة شديدة اللهجة: -ولما هو الموضوع كده،  مخبيه البرشام في دولابك الخاص بمجوهراتك ليه؟!
واستطرد بعينين مازال بهما شكًا: -والسؤال الأهم يا مدام، حاجة مهمة زي دي مجتيش قولتي لي عليها ليه؟!
-دي حاجة خاصة جداً، أنكسف أقولها لك، نطقتها برأسٍ منكس مدعية الخجل ليصيح هو مقاطعًا: -وإحنا من إمتى بقى فيه بينا حاجات خاصة؟!
واستطرد بصوتٍ حاسم دب الرعب بأوصالها: -أي حاجة تتعلق بيكِ وبالاخص لو كانت متعلقة بموضوع مهم زي الخلفة يبقى مش خاصة يا هانم
ابتلعت لعابها لتجيب بنبرةٍ منكسرة وهي مازالت متسطحة على الأرض: -أنا أسفة يا فؤاد، أرجوك سامحني، غلطة ومش هتتكرر صدقني.
-ده شيء مفروغ منه يا ماما، نطقها باشمئزاز ليسترسل بقامة مرتفعة: -الغلطة التانية عند فؤاد علام فيها قطع رقاب.
ساد الصمت لثواني ليرمقها باشمئزاز وهو يشير على الباب الخاص بالجناح  ليهتف بسخطٍ: -تلبسي هدومك حالاً وتروحي تنامي في الجناح الشرقي.
حدقت عينيها لترفعهما تطالعه بذهول لتسأله بتيهة: -إنتَ بتقول إيه يا فؤاد؟
-اللي سمعتيه، نطقها بقوة وهو يواليها ظهره لتتحامل على حالها مستندة  بكفيها على الأرض لتنهض ثم تحركت صوبه إلى أن وقفت خلفه مباشرةً، أخذت  نفسًا عميقًا وهمت بفتح ذراعيها لتلفهما حول خصره وما أن لامسته حتى انتفض  ج. سده مبتعدًا وكأن لدغته حية ليبتعد ويهتف بقوة ومازال مواليها ظهره:  -قولت لك إلبسي هدومك وروحي الجناح الشرقي ومشوفش وشك هنا تاني غير لما  أبلغك بنفسي.
همست بانكسار وهي تتلفت من حولها بأعين مندهشة: -إنتَ بتطردني من أوضتي يا فؤاد؟
لم يعيرها عناء النظر لوجهها وتوجه لخزانة ملابسه وبدأ بخلع ثيابه  البيتية ملقيًا إياها بعنفٍ على الأرض وإبدالها بأخرى تصلح للخروج وبعد  الانتهاء توجه إلى الكومود ليختطف عُليقة مفاتيحه وحافظته الخاصة متوجهًا  صوب الباب تحت ذهول نجلا ليهتف بقوة وحزم دون النظر إليها: -أنا خارج برة  البيت، عاوز أرجع ملاقيش لوجودك أثر في الجناح.
أنهي كلماته الصارمة وإندفع نحو الباب كثورٍ هائج لا يري أمامه ليخرج غالقًا إياه بغضب ليصدر منه صوتًا جعلها تنتفض رعبًا.
كانت تشهق و دموعها تنهمر بغزارة من مقلتيها وشهقاتها تعلو وما أن خرج  حتى تنفست بقوة وكأنها كانت تكظم أنفاسها، وضعت يدها على صدرها وباتت تتلفت  حولها بفزع لتهرول تُسرع في ارتداء ثيابها ولملمت ما تحتاجه لقضاء ليلتها  خارج الجناح بعدما قررت مغادرته في الحال قبل عودة ذاك الغاضب والفتك بها  إذا رأها أمامه، فهي باتت تحفظه عن ظهر قلب، فذاك ال فؤاد برغم رُقيه وسمو  أخلاقه لكنه يتحول لغولٍ حين يغضب والجميع يعلم ذلك لذا يتجنبوه خشيةً من  أن يحدث صدامًا يخسر فيه كل الأطراف.
أما فؤاد فكان يشعر بنارًا شاعلة بجميع ج. سده بات يزفر مراتٍ متتالية  بقوة عله يهدأ وهو يدير محرك سيارته التي إندفعت بسرعه جنونيه لتجوب شوارع  القاهرة دون وجهة، كان يقود بجنون لا يعلم أين وجهته كل ما يريده هو أن  يصرخ لعله يخرج ما في جوفه من نارٍ تكاد تحرق روحه وكل ما يقابله، ظل يجوب  الشوارع لمدة لا يعلمها حتى خارت قواه وشعر بالإنهاك ليعود مرةً أخرى لقصر  والده ليجد جميع ساكنيه نائمون، ولج لجناحه وجد الهدوء يعم المكان فهدأت  روحه حين وجده خاليًا من تلك المخادعة ليذهب لفراشه ويُلقي بحاله فوقه  بإهمال، تنفس وأغمض عينيه عله يستطيع الدخول بغفوة تريح صدره من تلك الحالة  التي وصل إليها بفضل عديمة المسؤلية المسماة بزوجته.
عودة للوقت الحالي.
حمل صغيره بعدما ودعاه جديه بقلوبٍ مفطورة وذهب إلى منزل جده غانم ليسلمهُ  له حسب إتفاق إيثار التي هاتفت المحامي وابلغته بأن يسلم نجلها لأبيها كي  يأتي به إلى القاهرة، ترجل من السيارة حيث صفها أمام المنزل مباشرةً ولف  للجهة الاخرى ليحمل صغيره وتحرك متجهًا صوب الباب الموارب لينادي على وجدي  الذي خرج مبتسمًا وهو يقول بترحاب لابن شقيقته: -أهلاً يا يوسف، إدخل يا  عمرو.
حمل عنه الصغير وولجوا للداخل ليجد غانم بانتظاره مرتديًا ثيابه، حمل  صغير إبنته وقام بتقبيله ليقبل عليه عمرو الذي تحدث باشتياق وهو يصافحه:  -إزيك يا عم غانم.
أجابه بصوتٍ بارد: -الله يسلمك يا عمرو، اقعد يا ابني واقف ليه؟
جلس بعدما صافح عزيز وأيهم ليتحدث الصغير إلى جده: -هتوديني أمتى لمامي يا جدو؟
ليرد الجد بوجهٍ بشوش: -هنمشي الوقت يا يوسف
خرجت منيرة من المطبخ لتُقبل على عمرو بوجهها الضاحك وهي ترحب به بتهليل: -إزيك يا عمرو، عامل إيه يا ابني؟
وقف سريعًا ليصافحها بترحاب ليقف غانم قائلاً بحزم: -تعالى معايا يا عزيز إنتَ ووجدي.
خرج بصحبة أنجاله الثلاثة وترك الطفل يجلس بأحضان عمرو الذي اقترب  هامسًا ل منيرة بعدما جاورته الجلوس: -عملتي لي إيه في موضوعي يا خالتي؟
-إصبر يا عمرو، أنا مش ساكتة وبضغط عليها بقوتي ومش هستريح غير لما  ترجع وأطمن عليها معاك، نطقت كلماتها لتطمأنه ثم استرسلت وهي تجز على  اسنانها: -بس لو تسمع كلامي وتطلق العقربة اللي إسمها سُمية
تنفس بيأس ليُجيبها: -حاولت كتير أكلم أبويا في الموضوع ده، بس هو رافض  والحاجة إجلال كمان، بتقولي مينفعش علشان بنتي لما تكبر هتتعاير إن أمها  متطلقة.
واستطرد بملامح مكفهرة وضيقٍ ظهر بعينيه: -أنا أصلاً لولا البنت كنت رمتها من ساعتها، هي اللي كاسراني قدامها ومكتفاني.
لوت فاهها لتقول متهكمة: -وهي أمها أول واحدة هتطلق، ما البلد مليانة مطلقين وأولهم بنتي.
أخذت نفسًا عميقًا ثم حولت مجرى الحديث قائلة بعتاب: -يرضيك اللي عمله  الحاج نصر مع عزيز ووجدي ده يا عمرو، مكنش العشم يمشيهم كده قدام الرجالة
-حقك عليا أنا يا خالتي متزعليش، أبويا زعلان من اللي حصل لي ومحمل إيثار  الذنب، قالها مبررًا ليهتف بعينين متلهفتين: -بس كل ده هيتغير بمجرد ما  إيثار ترجع تنور بيتها من تاني
-على الله يا ابني، نطقتها بتمني.
أما بالخارج، وقف غانم أمام أولاده الثلاثة ليهتف محذرًا بسبابته بوجه  عزيز: -أنا رايح أقعد عند اختك يومين، قسمًا بالله يا عزيز ما تعمل أي حاجة  تضر بيها أختك لاتبرى منك قدام البلد كلها
واستطرد مشيرًا للجميع: -والكلام ليكم إنتوا الثلاثة، وعزة وجلال الله لو  طاوعتوا شيطانكم لاكون كاتب البيت والكام قيراط اللي حيلتي ل إيثار وطايحكم  برة إنتوا وعيالكم، وإبقوا خلوا نصر وعياله ينفعوكم ساعتها.
احتدمت ملامحه ليهتف بعصبية مفرطة: -إيه يا أبا الكلام اللي بتقوله ده، بيت إيه ده اللي هتكتبه للبت؟
هتف غانم مؤكدًا على تهديده: -زي ما سمعت يا عزيز وده مش تهديد، وخليك فاكر إن أنا حلفت بالله، وإنتَ عارفني لما بحلف على شيء.
هتف بعينين متسعتين ذهولاً: -كل ده علشان عاوز الستر ل اختي؟!
ليرد عليه مستنكرًا: -وهو الستر مش موجود إلا في بيت نصر البنهاوي؟
-أه يا أبا وإنتَ عارف كده كويس، قالها بتأكيد ليسترسل بتذكرة: -ولا  نسيت قوانين بيت نصر، اللي بتتجوز واحد من عياله بتتحرم على غيره، واللي  عمله عمرو ونصر في الباشمهندس عبدالعزيز اللي إتقدم لها يشهد على كلامي،  ولا ناسي إن نصر أجبره يسافر السعودية ويسيب البلد كلها.
واكمل مستطردًا باستعراض جبروت أل البنهاوي: -ولا معتز إبن حسن المنسي  اللي بس قال على القهوة في وسط أصحابه إنه بيفكر ييجي يطلبها منك، عمرو راح  له بيته ومسبهوش غير ورجليه الإتنين متكسرة بعد ما الغفر بتوع ابوه كتفوه  قدام أهله ومفيش مخلوق من البلد كلها قدر يخلصه من إيد عمرو.
نكس الأب رأسه لتيقنه من صحة حديث نجله عن إفتراء وتجبر نصر وأنجاله  بأهل القرية ليقطع شروده صوت وجدي الذي قال مؤكدًا على حديث شقيقه: -عزيز  عنده حق يا ابا، اختي لسة صغيرة ومش معقول هتكمل حياتها من غير جواز تاني،  ده غير إن أهل البلد مش مبطلين كلام علينا، وإن إزاي أربع رجالة بيناموا  بالليل قافلين عليهم بابهم وسايبين بنتهم في الغربة لوحدها مايعرفوش عنها  حاجة.
واسترسل بتأكيد: -إيثار مقدمهاش حل غير إنها ترجع لعمرو.
ابتلع المتبقي من كلماته بجوفه لمقاطعة غانم بكلماته اللائمة: -خلاص،  روحوا هاتوها بالعافية ورجعوها له علشان تموت نفسها زي ما حصل قبل كده.
ابتلع وجدي وأيهم لعابهما ونكسا رأسيهما لذكر والدهما لتلك الذكرة  الأليمة عدا ذاك الجاحد الذي لم يتأثر حتى أنهُ هم باعتراض ليوقفه غانم  قائلاً بحزم ونبرة حادة وكأن الضعف مل من ضعفهِ وثار عليه: -اللي عندي  قولته وإنتوا أحرار، أنا مش هفضل واقف اتفرج على بنتي وهي بتتذل أكثر من  كده.
-لحد هنا وكفاية يا عزيز، لحد هنا وكفاية، نطق كلماته الاخيرة بتهديدٍ  خفي ليشير إلى أيهم قائلاً: -هات إبن اختك من جوه علشان نلحق نوصل قبل  الدنيا ما تليل علينا.
-خليني أجي معاك أوصلك يا ابا، نطقها أيهم ليجيبه بمعارضة: -هروح لوحدي يا أيهم، عاوز أخد راحتي مع بنتي.
خرج عمرو حاضنًا صغيره واقترب ليطالع غانم قائلاً: -يلا يا عمي أنا هوصلكم.
-لا يا ابني كتر خيرك، أنا هركب مواصلات وهروح لوحدي، قالها بذات مغزى  ليفهم عمرو مقصده وبأنه يخشى غضب إيثار لو علمت لذا إنصاع لرغبته.
إنتباااااه
«عودة للماضي»
مرت ثلاثة أسابيع منذ إكتشافه لتعاطيها لحبوب منع الحمل في تجاهلٍ تام منه،  حيث كان يتجنبها ولم يجمعهما مكانًا سوى حجرة الطعام وهما يتناولاه بصحبة  العائلة، عاد من عمله في تمام الرابعة عصرًا وولج لجناحه يشرع بخلع ثيابه،  استمع لدقات خفيفة فوق الباب ليهتف بصوتٍ عالي نسبيًا: -إدخل.
فُتح الباب لتظهر وهي تتحرك ببطيءٍ نحوه بعدما أغلقت الباب لتقول على استحياء برأسٍ منكس: -ممكن نتكلم
لم يعير لدخولها إهتمام وتابع تبديل ملابسه بملاح مقتضبة لتقترب منه وكادت  أن تضع كفها على صدره ليوقفها صوته الحاد حيث هتف بصرامة مشيرًا بكف يده  للتوقف: -إبعدي إيدك.
ارتعدت لتتسمر مكانها تحاول تنظيم أنفاسها للحفاظ على ثباتها لتكمل ما  أتت إليه، تحدثت بنبرة مرتجفة خشيةً إثارة غضبه من جديد، فمنذ ذاك اليوم  وقد تغيرت نظرتها له وقررت التعامل معه بحذرٍ تام، ف إلى الأن لم تستوعب ما  حدث وعقلها رافضًا تصديقه، فهل يعقل أن يتحول رجل القانون الرزين  والرومانسي إلى رجل همجي يحركه غضبه ويجعله يصفع زوجته ويقوم بتعنيفها ج.  سديًا ونفسيًا: -كفاية يا فؤاد، حرام عليك اللي بتعمله فيا ده.
واستطردت وهي تذرف دموع التماسيح لاستقطابه نحوها: -اللي يشوف معاملتك ليا يفتكر إني عملت جريمة
واسترسلت بدفاعٍ عن حالها: -أنا واحدة تعبانة وكنت باخده ك علاج، ليه بتحاسبني على إني باخده بغرض إني أحرمك من الخلفة.
-أنا بعاقبك على إنك خبيتي عليا، قالها بصرامة لتتحدث على عجالة: -أول وأخر مرة، صدقني مش هتتكرر
صمت وتابع ارتداء أخر قطعة لينتهي فاقتربت منه بعدما وجدت ملامحه قد لانت  قليلاً وتحدثت وهي تداعب وجنته بأناملها: -للدرجة دي مش فارق معاك وجودي من  عدمه.
لتستطرد بدلال وهي تمط شفتيها بطريقة مثيرة: -أنا كنت فاكرة إنك بتحبني  وراهنت نفسي إن مش هيمر على بعادنا يومين إلا وألاقيك جاي تاخدني من الجناح  وتدخلني لحد هنا وإنتَ شايلني بين إيديك
لتستطرد بصوتٍ أنثوي: -بس يا خسارة، خسرت الرهان مع نفسي
واستطردت بعينين رسمت بداخلهما الخجل بمنتهى البراعة: -أنا روحت للدكتورة وقالت لي إن البريود إتظبطت وبطلت خلاص الحبوب
رفع حاجبه يسألها بخبثٍ: -إنتِ عاوزة إيه يا نجلا؟
عوزاك، كلمة نطقتها باحتياج وكانت كفيلة لإذابة جبل الجليد الذي بُني  ليفرق بينهما طيلة الفترة المنصرمة، اقتربت عليه لتلتصق به فاستجاب  للمساتها المثيرة ليغوصا معًا بعالمهما الخاص بعد فراق دام لأكثر من ثلاثة  أسابيع، لاحظت خلال لقائهما أن به شيئًا مختلفًا، لم يكن معها ذاك الحنون  الرومانسي كما كان بالسابق، بل كان يتعامل معاملة رجل بأنثى وليس حبيب  بحبيبة كما عاهدته، شعرت حينها أنها أفتقدت إحترامه وجزءًا كبير من عشقه  لها.
بعد مرور حوالي شهر أخر، لم يعد فؤاد معها كما كان، فقد تغيرت معاملته  معها وأصبح أكثر جدية وصلابة وتخلى عن مرونته بعدما اكتشف عدم مسؤليتها،  ليلاً داخل شقة واسعة يبدو من أثاثها الفخم إنتماء ساكنيها لأعلى مستوى من  الطبقة الوسطى، تتكيء على الأريكة بجانب والدتها التي تفوهت بنبرة جادة:  -وبعدين في عقلك اللي هيخرب عليكِ عيشتك ده، مش ناوية تعقلي وتبطلي تهور؟
زفرت بضيق لتهتف فايزة ناصحة لنجلتها المتهورة والتي لم تكن على علم  بعملية الإج. هاض ولا بحملها من الاساس: -يا بنتي جوزك لو عرف إنك ضحكتي  عليه ولسة بتاخدي الحبوب هيخرب الدنيا ومش بعيد يطلقك
يطلقني؟! نطقتها نجلا باستهجان لتكمل بكبرياء: -يا حبيبتي ريحي نفسك، انا عارفة أنا بعمل إيه كويس قوي.
واستطردت بكثيرًا من الثقة وصلت لحد الغرور: - أولاً فؤاد بيعشقني مش بس  بيحبني، وميقدرش يبعد عني أبدًا، بدليل إنه بعد ما عرف زعل له كام يوم  ورجع معايا تاني زي الاول وأحسن.
ابتسمت ساخرة لتجيبها بدهاء: -فؤاد راجل ذكي ولئيم ومش من النوع اللي  بينسى ويغفر الغلط في حقه بسهولة، وعمره ما هيرجع معاكِ زي الأول، وإنتِ  بنفسك لسة بتشتكي إنه قلل لك مصروفك الشهري لعشر ألاف بدل عشرين
احتدمت ملامح نجلا حين تذكرت لتسترسل والدتها بنُصح: -إلحقي نفسك وبطلي الزفت ده وفاجأيه بخبر حملك، يمكن فرحته تنسيه عملتك السودة.
أغمضت عينيها بتملل لتجيبها باستسلام: -هبطله يا مامي، أساسًا مبقاش قدامي حل تاني بعد ما فؤاد عرف
لتستطرد بكثيرًا من الانانية والتفاهة: -هستنى بس شهرين لحد ما فرح ناريمان صالح يتم وبعدها همنعه.
رمقتها والدتها بنظرة حادة لتهتف الاخرى باسترسال موضحة: -أظن مش معقول يا مامي هروح فرح صاحبتي وبطني قدامي قد كده؟
اتسعت عيني فايزة لتقول باستنكار: -بطنك إيه اللي هتبقى قدامك يا نجلا بعد شهرين، دي البكرية بطنها مبتظهرش غير بعد الشهر السادس.
-بلاش موضوع بطني، قالتها بلامبالاة لتسترسل باعتراض: -خلينا في الإرهاق والتعب اللي هحس بيهم و أوردي هيأثروا على نضارة بشرتي
زفرت فايزة لتهب واقفة وهي تقول بعدما فقدت صبرها من تلك البلهاء: -أنا هقوم أعمل لي أي عصير فريش بدل ما انجلط جنبك.
-ماتخلي الشغالة تعمل لك، نطقتها باستنكار لتهتف الاخرى بسخطٍ: -هي دي  بتعرف تعمل حاجة، دي ملهاش أي نفس في أي حاجة، اديني كلمت المكتب علشان  يغيروها لي.
استمعت لصوت جرس الباب لتخرج العاملة لاستقبال الزائر ليلج إليها محسن إبن خالتها قائلاً بمرح: -إزيك يا نجلا
إعتدلت بجلوسها لتجيبهُ بابتسامة خافتة: -هاي يا محسن.
-كويس إني لقيتك هنا، انا كنت هكلمك في التليفون علشان نتقابل برة  البيت، نطقها وهو يتلفت من حوله بترقب خشيةً من أن يستمع عليه أحد.
-ليه، فيه حاجة ولا إيه، نطقتها مستفسرة باستغراب ليجيبها بنظرة متلهفة: -فيه خير كتير قوي جاي لك ومتقدم لك على طبق من ذهب
ضيقت بين عينيها ليسترسل هو بشراهة: -خمسة مليون جنية.
سألتهُ بعدم استيعاب: -مش فاهمة؟
أجابها بنهمٍ ليزرع الطمع بداخلها: -فيه حد عارض عليكِ خمسة مليون جنية مقابل خدمة بسيطة هتقدميها له.
-أنا، نطقتها وهي تُشير على حالها بلمعة لهفة ظهرت بعينيها ليهز الأخر  رأسهُ بتأكيد فاسترسلت باستفهام: -وأنا إيه اللي عندي يستاهل المبلغ ده.
-مش عندك إنتِ، عند جوزك، نطقها بإبهام لتهمس بتيهة: -فؤاد
-ورقة، حتة ورقة هتبدليها من ملف معاه في شنطته، قالها بسهولة لتهتف  بارتعاب: -إنتَ شكلك إتجننت، إنتَ عاوزني ألعب مع فؤاد في شغله، ده أنا  أبقى بكتب شهادة وفاتي بإيدي.
لتسترسل بإبانة: -يا ابني شغل النيابة بالنسبة لفؤاد أهم من أي حاجة في  حياته، ده أهم من حياته هو شخصيًا، إنتَ مش فاهم علاقة فؤاد بشغله وملفاته  اللي بيجيبها البيت، ده بيعامل شنطته معاملة البيبيهات، ده لو اكتشف ضياع  ورق منها هيهد البيت على اللي فيه لحد ما يوصل للي عملها.
-ومين قال لك إننا هناخد ورق، قالها بهدوء ليسترسل بدهاء: -إحنا هنبدل  مستند بمستند تاني يغير مجرى القضية ويبعد التهمة نهائي عن المتهم
ابتلعت ريقها وصمتت ليسترسل كالشيطان: -هتاخدي تلاتة مليون النهاردة، ولما تسلمي الورقة اللي بدلتيها هتستلمي باقي الخمسة مليون.
سألته بذكاء: -وإنتَ إيه اللي هتستفاده لو الموضوع ده تم؟
أجابها بهدوء: -ليا نسبة هاخدها من الطرف الاول، يعني هستفيد بعيد عن فلوسك اللي هتاخديها خالصة مخلصة
سال لعابها من هول وضخامة المبلغ لتسأله بتردد ظهر بمقلتيها: -طب الموضوع مفيهوش خطورة عليا.
أجابها بثقة عالية: -ولا على فؤاد نفسه، فؤاد هيكتب تقريره بناءًا على  المستندات والإثباتات اللي متقدمة له واللي موثوق من مصدرها جداً.
سألته بذكاء: -طب الفريق اللي مقدم المستندات مش هيشك بعد الحكم ببراءة المتهم؟!
أجابها ليطمأنها: -يا بنتي النيابة العامة دي فرق شديدة التنظيم، وكل  فريق ليه شغله اللي بينتهي عند نقطة معينة، وملوش أي علاقة ولا متاح ليه  يتابع باقي الإجراءات بعد ما يسلم شغله.
-أنا خايفة ومش مطمنة يا محسن، نطقتها بارتياب ليرد عليها بجشع: -الخمسة مليون هيطمنوكي لما تاخديهم في حُضنك
سال لعابها لتجيبه بتردد: -إديني فرصة أفكر.
أجابها بحزمٍ: -للأسف يا بنت خالتي، رفاهية الوقت مش متاحة لينا، جوزك  هيروح بملف القضية في شنطته النهاردة، يعني لازم تقولي كلمتك حالاً، سواء  بالموافقة أو بالرفض علشان يلحقوا يتصرفوا.
-هيتصرفوا إزاي، قالتها باستفهام ليجيبها بما دب الرعب بقلبها: -ده  شغلهم مش شغلنا، هما عندهم طرقهم المختلفة، ولعلمك مش هيغلبوا، هياخدوها عن  طريق ساعي أو كاتب النيابة ولا حتى شغالة من عندكم في البيت، دي ناس  إيديها طايلة وجرابهم مبيخلاش.
عمى شغفها للمال عينيها ونظرت له بعدما حسمت أمرها وقررت دخولها بنفق  الخيانة للحصول على أموالٍ طائلة تستطيع من خلالها شراء كل ما تشتهي له  بعيدًا عن تحكمات فؤاد بها وبالأخص بعدما خصم منها نصف مصروفها الشهري  كعقابًا لها، لتهتف بلهفة ظهرت بعينيها: -وأنا موافقة، هاخد فلوسي إمتى.
أجابها بصوتٍ رزين: -هتنزلي معايا حالاً نقابل الراجل في شقته، هناخد  منه الورقة والتلاتة مليون، وبكرة الصبح تسلمي لي الورقة اللي بدلتيها  ونسلمها له وناخد باقي فلوسنا، ولا من شاف ولا من دري
واستطرد بمداعبة: -شفتي الموضوع بسيط إزاي.
نظرت له بارتياب لتسألهُ: -لازم يعني موضوع شقته ده، ما نتقابل في أي مكان عام.
رمقها بازدراء قبل ان يقول متهكمًا: -علشان الكاميرات اللي بقت في كل  مكان تصورك معاه وإنتِ بتسلميه الورقة وبتاخدي شنطة الفلوس، ونروح في داهية  كلنا.
زفرت باستسلام لصحة حديثه وبالنهاية وافقت فطلب منها ذاك الشيطان لأن  لا تخبر حتى والدتها وقامت لتستعد بعدما ودعت والدتها التي حضرت للترحيب  بابن شقيقتها الذي انتظر قليلاً قبل ان يستأذن ليلحق بالتي خطت للمضي قدمًا  بأولى خطوات الخيانة لله وللوطن قبل زوجها.

تعليقات



<>