رواية عشقت من الصعيد الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم حنين عماد

          

رواية عشقت من الصعيد الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم حنين عماد

مرض التفكير لا يوجد علاج له .. حتى لو استطعت ان تنام ستحلم بما تفكر به .. اسوأ ما بالعقل انه لا مهرب منه .. لا مُنقذ منه .. لا مُنجي من جحيم أفكاره .. ولكن أتعرف ما الأقسى .. ان تكون أفكارك تلك لا تتعلق بك وحدك بل بمن يتمسك بك للنجاة من هلاك محتم وقتها تشعر بعقلك يكاد ينفجر من فرط التفكير .. يهاجر النوم جفنيك وينشغل قلبك وعقلك فلا تهنئ بلحظة هدوء .. ضجيج أنت فقط من تسمعه ..
 تجلس بصالة المنزل الكبيرة والوقت قد أوشك على السادسة صباحاً .. أوشكت أشعة الشمس على أن تتسلل لتُزيح سواد الليل .. تنظر لذلك الورق المُبعثر امامها بعشوائية وحدها تعرف ترتيبها .. تمسك بالقلم وتعيد ذلك المُخطط الذي رسمته للمرة ال100 خلال الشهر الماضي .. أسماء وحلقات تُحيطها .. هنا حلقة كبيرة تضم اسم سليمان الصاوي .. نقطة الارتكاز والحلقة الرئيسية التي تتصل بها جميع الحلقات .. هنا حلقة ممدوح وهنا حلقة تهاني زوجته الثانية وهنا حلقة عيد .. ذلك العامل الذي رأته في احد زياراتها لأسماء محاولة لإيجاد اي دليل قد يُنجي ممدوح ليرن اسم عيد بعقلها ما اخبرتها اسماء انه كان يعمل لدى والدها .. حينها فقط تذكرته .. تذكرت اسمه الذي ذُكره ممدوح وكيف شهد الاخير بمغادرته المحل قبل ان يرحل هو الآخر وبالفعل كان هو آخر من التقطت كاميرات المراقبة قبل ايقاف تشغيلها المُفاجئ .. بالطبع لم تكن ايمان لتمرر هذا مرور الكرام فقد اخذت تبحث بمساعدة زين عن اي دليل قد يُساعد ممدوح .. لم تصدق نفسها حين اخبرها زين بأنه استطاع اقناع احد التجار الذي يمتلك محلاً على مقربة من محل الحاج سليمان بالسماح لهم بمشاهدة تسجيلات كاميرات المراقبة التي ولحسن الحظ كانت تُظهر جزءاً من مدخل المخزن الخاص بمحل الحاج سليمان .. تتذكر سعادتها حين رأت بالتسجيلات ذلك المدعو عيد وهو يتسلل ويدخل المخزن من الباب الخلفي يوم الجريمة ليخرج بعد وقت قصير وهو يجري برعب .. اخبرت ايمان أكمل بما عرفته وبما تفكر به فهذا العامل كان هو الحلقة المفقودة ولكن للأسف بدلاً من ان يكون دليلاً للنجاة كان دليلاً اكبر للإدانة .. نظرت للورقة الموضوعة بين يديها وبالتحديد لذلك الاسم الذي زاد عدد اصابع الإتهام المُشيرة لممدوح؛ فالآن اصبح في نظرهم هو القاتل والسبب هي! .. تتذكر كل ما حدث بذلك اليوم وكأنه كان البارحة وليس منذ شهراً كاملاً
*فلاش باك*
تجلس مع اكمل بغرفة التحقيق وذلك بعد معاناة بإقناعه ليرضخ لرغبتها فهي من لفتت نظره لتلك التفصيلة التي غفل عنها .. لم يكن ممدوح هو الوحيد الموجود بذلك الوقت المتأخر بالمحل .. كان هو و عيد!
اكمل(بنبرة قوية): ما تنطق يابني وتخلصني
عيد(بجسد مرتجف): والله العظيم يا باشا والله العظيم ما عملت حاچة
اكمل(بحدة وهو يضرب على المكتب بكفيه): لا بقولك ايه انا خلقي ضيق و عليا النعمة لو ما نطقت بالحقيقة ل اطلع عين اهلك وبرضو هتعترف
عيد: اعترف بإيه بس!
اكمل: تعترف انك انت اللي قتلت الحاج اسماعيل وسرقت الخزنة
عيد(بلهفة وهو ينظر لأكمل): والله العظيم ما حوصول .. والله العظيم ماجتلتوش
أكمل: الكاميرات صورتك ف اعترف احسنلك بدل ما تتبهدل وتعترف في الاخر برضو
صمت عيد لفترة قصيرة قبل ان يردف
عيد(وهو يلع ريقه وسط أنفاسه الثائرة): بص يا باشا اني هجول الحجيجة
أكمل(وهو يجلس ويريح ظهره على الكرسي): حلو .. كدا انت تعجبني ..(ثم نظر للعسكري الجالس على يمينه ليردف).. افتح يابني المحضر
عيد(بنظرات مرتبكة): اني كنت شغال عند المعلم سليمان اديلي فترة وبصراحة الحال ضاج عليا جوي و..
أكمل(مُكملاً حين صمت عيد): وقولت تسرقه
عيد(وهو يومئ برأسه): ايوة يا باشا .. اني جولت هاخد جرشين من الخزنة إكدة امشي بيهم حالي
أكمل: وبعدين؟
عيد: يوم ما حوصول اللي حوصول اني كنت ناوي ادخل من باب المخزن اكمني سيبته موارب إكده وجولت في عجلي لما المعلم يخرچ ويجفل المحل ادخل المكتب اخد الجرشين وارچع للمخزن تاني ومنه اخرچ عالشارع
أكمل: حلو اوي .. ايه اللي حصل بقا؟
عيد: ماحوصولش حاجة
أكمل(بحدة ونبرة قوية): انت هتستهبل يا روح امك!!
عيد(بدقات قلب متواثبة): يا باشا والله العظيم ما حوصولش حاچة .. اني صحيح رچعت ودخلت المخزن بس لاجيت النور منور .. اي نعم ماكنش فيه صوت بس كان النور منور ف اني جولت انهم لازمن لسة مامشيوش
أكمل: مين دول اللي مامشيوش؟ الحاج سليمان وممدوح يعني؟
عيد(بتردد): لاه يا بيه .. اصل..
أكمل(بحدة): اصل ايه اخلص
عيد: اصل الحاج كان اديله فترة إكده بتچيله واحدة المحل بالليل ويسهر معاها .. كل يوم والتاني تچيله وهو كان يجفل الكاميرات عشان ماتسجلش حاچة إكمنه كان بيخاف على سمعته جوي
أكمل(بلهفة): مين الواحدة دي؟
صمت عيد وهرب بعينيه ليردف أكمل بنبرة اقوي
أكمل(بحدة): ما تنطق مين الواحدة دي
عيد: طليجة الباشمهندس ممدوح
ايمان(بحدة): انت اتجننت؟!!!! ايه اللي بتقوله دا؟؟!!!
أكمل: اسكتي يا ايمان
ايمان(بنبرة غاضبة وانفعال): اسكت ايه انت مش سامع التخاريف دي
عيد: اني مابخرفش يا استاذة .. الست اشچان كانت بتيچي للمعلم في المحل اديلها 3 شهور إكده ويمكن اكتر كمان
نظرت ايمان لعيد بصدمة .. فهي ظنت حين قال طليقة ممدوح انه يتحدث عن دعاء ولكن الحقيقة ظهرت الآن .. إنه يتحدث عن اشجان .. هي من كانت على علاقة بالمعلم سليمان .. إذن هي من قتلته؟!!! .. جلست ايمان مرة اخرى عندما احست ان قدميها لم تعد تتحملها لينظر أكمل لعيد ويردف بهدوء حاول التحلى به 
أكمل: كمل
عيد: اني يا بيه لما دخلت المخزن ولاجيت النور منور فضلت جاعد مستنيهم يخرچوا بس لا حد خرچ ولا النور انطفى .. جولت في نفسي يمكن المعلم خرچ ونسي النور مفتوح .. اتحركت ودخلت المحل لاجيت المعلم سليمان واجع عالأرض والسكينة راشجة في ضهره .. اني الدم نشف في جتتي لما شوفت المنظر ديه وطلعت اچري وخرچت من باب المخزن بس لما بعدت إكده عن المحل ضميري أنبني وجولت ممكن يكون الحاچ لساته حي ولو سيبته إكده للصبح يموت ف اتكلمت من تلافون في محل إكده وبلغت وبعدين روحت البيت
أكمل: والخزنة؟ والفلوس؟
عيد(بنبرة صادقة): والله العظيم ما مديت يدي على حاچة منيهم .. اني لما دخلت المكتب لاجيت الخزنة مفتوحة وفاضية 
أكمل: و ليه كنت بتروح كل شوية لبيته عند مراته وبنته؟
عيد: كنت خايف ل يكون حد عرف ان اني اللي بلغت واروح في سين وجيم
أكمل(وهو ينظر له): انت متأكد ان الست اللي كانت بتيجي للحاج سليمان هي اشجان طليقة ممدوح؟
عيد(وهو يومئ برأسه): ايوة يا بيه .. اصل ممدوح عزمني مرة عنديه في البيت وشوفتها وجتها و في مرة كنت في المخزن بس الحاچ ماكنش يعرف اني لساتني ماروحتش .. يادوب كنت هخرچ لاجيتها داخلة المحل وجعدت مع المعلم وكانوا اخر انبساط وبعدها خَرَچِت والحاچ شغل الكاميرات تاني وخرچ بعديها
أكمل: طيب امضي على المحضر
قالها اكمل بوجوم يحتل ملامحه ليتحرك عيد منفذاً أوامره قبل ان يأخذه العسكري لتحفظ عليه حتى تنتهي القضية فكلامه ذلك ليس دليلاً كافياً ليُنفي كونه متهماً مثل ممدوح بتلك القضية .. ما ان خرج العسكري من مكتب أكمل حتى تبادل الاخير نظرة ذات مغزى مع تلك التي تجلس صامتة وقد زاد تعقد خيوط القضية
*عودة*
انتبت ايمان من شرودها على يد زين التي تربت برفق على كتفها لتنظر له وتجده يردف بنبرة يشوبها القلق
زين: ايه اللي مصحيكي بدري إكده يا حبيبتي؟ انتي مليحة؟
هزت ايمان رأسها بهدوء ليجلس زين امامها وقد طار النوم من عينيه بمجرد ان استشعر قلبه اختفاء جسدها من على سريره .. بمجرد ان ابتعدت من جانبه اخذ يتململ في نومته ليقرر اخيراً فتح عينيه ليتأكد انها ليست معه بالغرفة .. تحرك ليبجث عنها لينتهي بحثه ما ان خرج من الغرفة فقد التقطتها عيناه ما ان رآها تجلس بصالة المنزل .. نظر لها ليردف بهدوء
زين(وهو يلاحظ عبوس وجهها): مالك يا ايمان؟
ايمان(وهي تتنهد بتعب): مفيش بس مصدعة شوية .. حاسة اني متكتفة .. اول مرة احس ان فيه قضية صعبة عليا
زين(بنبرة خفيفة): صعبة عليكي انتي! دا انتي الثعلب
نظرت ايمان له وهي ترفع حاجبها ليبتسم وتبتسم هي على اثر ابتسامته لتردف بشرود
ايمان: الحكاية اتلعبكت اوي .. كلام اللي اسمه عيد دا خلا مفيش امل ان ممدوح يخرج غير لو المعلم سليمان فاق من الغيبوبة وقال ان ممدوح برئ او بنت الجزمة دي عرفنا نلاقيها واعترفت انها هي اللي قتلته او على الاقل انه كان عايش لما وصلتله
زين(بعد صمت قصير): ايمان, لو حاسة انك مش عايزة تكملي الجضية دي اني ممكن..
ايمان(مُقاطعة بتصميم): لأ يا زين .. القضية دي بتاعتي .. مفيش حد غيري هياخدها ..(ثم اكملت بنبرة يشوبها انعدام الامل).. دا لو حد قِبل ياخدها اصلا
زين(بتفكير): اني كل اللي مش فاهمه ايه اللي يخلي واحدة زي دي تبجى على علاجة براچل جد ابوها
ايمان: علشان دي واحدة بتدور على مصلحتها .. انا لما اتكلمت مع ممدوح قاللي انها كانت شغالة غازية وبترقص في الموالد وانها كانت كل اللي هاممها طول فترة جوازهم انها تاخد منه دهب وفلوس على قد ما تقدر
قالت الجملة الاخيرة قبل ان ترن جملتها بأذنها مرة اخرى .. اعتدلت بجلستها واخذت ترمش بعينبها أكثر من مرة ليردف زين باستغراب
زين(وهو ينظر لها): فيه ايه؟
ايمان(بشرود): الفلوس
زين(بعدم فهم): فلوس ايه؟
ايمان(وهي تنظر له): الفلوس يا زين
زين(بعدم فهم أكبر): فلوس ايه اني مش فاهم حاچة؟!!
ايمان: المعلم اسماعيل دا تاجر كبير مش كدا؟
هز زين رأسه لتُكمل ايمان
ايمان(بتفكير مسموع): معقول يكون كل اللي في خزنته ال 50000 اللي لاقوهم مع ممدوح بس؟!
زين: لأ طبعاً اكيد فيه فلوس تانية
ايمان: بالظبط كدا .. الخزنة كانت فاضية لما عيد دخل وممدوح كان في بيته 50000 بس انما باقي الفلوس بح
زين(بذهول): بح؟!
ايمان(وهي تقف): قوم بسرعة
زين(باستغراب): اجوم فين؟!!
ايمان: قوم وديني النيابة
زين(بصدمة وهو ينظر لساعته): دلوكت؟!!!
ايمان: ايوة يلا بسرعة
قالتها وهي تتحرك لغرفتهما لتُغير ملابسها بعد ان توصل عقلها لشئ تدعو ربها من كل قلبها ان يكون صواباً
///////////////////////
يجلس مقرفصاً في ذلك الحبس بين اربعة جدران وقد تملكه اليأس .. يحس بأنه فقد قدرته على المقاومة .. يشعر وكأنه كان يصب كل آماله في إناء مثقوب .. يحس بنفسه محبوساً بداخل كابوس لعين .. زوجته الاولى فرط بها وبحبها وزوجته الثانية كانت تخونه و في النهاية تخلت عنه لنفس السبب الذي تخلى عن زوجته الاولى بسببه .. يشعر وكأن الله ينتقم منه .. نعم ينتقم لما فعله بحياته .. نعم ينتقم منه لما استعمر قلبه لسنوات من جفاء وقسوة أذاقهم لمن لم تُسقيه سوى الحب والحنان .. يشعر بالندم يمزق قلبه .. يُقطعه .. ينهشه .. يندم على كل ما فعل .. يندم على ما اقترفت يداه .. يندم .. ينظر لذلك الشباك الصغير الساكن بين احضان ذلك الجدار الرمادي والذي يسمح بمرور مقدار قليل من الهواء المخلوط بأشعة الشمس .. يُغمض عينيه وهو يدعو الله بقلبه قبل لسانه يغفر له ويُسامحه .. يدعوه ان يتقبل توبته .. يدعوه ان يُظهر برائته .. ينظر بجانبه لذلك المصحف الصغير الذي أعطته إياه ايمان في آخر زيارة حين رأت حالته التي إن رآها ألد اعدائه لشعر بالشفقة عليه .. يتذكر كلامها معه وكيف اخبرته انها لن تترك القضية .. يتذكر كيف حثته على التقرب من الله ودعاءه ان يُفرج همه ويُظهر الحقيقة .. يتذكر كلامها معه الذي اخبرته به ان فترة بقاءه هنا برغم قسوتها وسوءها إلا ان لها ميزة مهمة .. ميزة انها ستُطهره من أخطاءه .. ستُعطيه وقت ليُفكر فيما فعل .. ليُراجع نفسه .. ليُصحح كل خطأ ارتكبه في الماضي وإن كان على رأس تلك القائمة بُعده عن الله سبحانه وتعالى .. يُمسك المصحف بين يديه ويفتح الصفحة التي توقف عندها بالأمس ليُكمل قراءة كلام الله القادر على تخفيف آلام القلوب وبث النور في أحلك الظلمات .. إن باب المغفرة مفتوح في كل وقت فالله سبحانه وتعالى حين يراك تعصيه يُصيب قلبك بالندم ثم يُلهمك الاستغفار فيغفر لك ثم يرضى عنك ثم يُبدل سيئاتك حسنات .. لأنه الله
///////////////////////////
يجلس بجانب محبوبته وطفلته العنيدة فهي قررت النوم بغرفة بدر مصممة على موقفها في خصامه لموقف لا ذنب له به .. ما ذنبه ان تلك الطبيبة التي قابلوها حين كانوا بالمشفى يطمئنوا على صحة صغيرهم المُرتقب كانت زميلة اخته بالقاهرة .. ما ذنبه إن أتت لتسلم عليه ليرد هو السلام من باب الذوق لا اكثر .. ما ذنبه هو؟!! .. نعم له ذنب .. ذنبه انه زوجها هي وحدها وليس من حق اي امرأة اخرى حتى التطلع له .. لا تعرف متى احبته بذلك الشكل ومتى اصبحت غيورة بتلك الطريقة فهي في الماضي كانت ترى نظرت ممدوح للنساء وجمله ومقارناته لها بهم التي كان يتعمد قولها قاصداً جرحها ولكنها كانت تحزن فقط .. لم تعرف الغيرة سبيل لقلبها إلا مع هذا الزوج الحنون المحب .. بل العاشق .. يبتسم وهو يتذكر كيف اندفعت نحوه حين لمحته يقف مع تلك الطبيبة لتتعلق بذراعه وتناديه بتلك الكلمة التي حلم بها لسنوات .. حلم بها تنطقها من بين شفتيها الورديتين .. "حبيبي" .. يهز رأسه بيأس وقد زادت ابتسامته اتساعاً حين تذكر كيف تعمدت تمثيل ترنحها لتخبره بنبرة ناعمة بأن يحملها لأنها لا تقدر على السير ليُنفذ هو رغبتها التي ما ان نفذها رأى الدماء تحتل وجهها من فرط خجلها .. لم يهتم لذلك فهو قد يفعل اي شئ من اجلها .. اما هي فبرغم خجلها الكبير إلا ان قلبها دق بسعادة لسببين .. الاول لأنها اوصلت رسالة لتلك الطبيبة ان هذا الرجل يخصها وحدها والثاني والاهم هو سرعته في تنفيذ طلبها وكأنه يخبرها انه لن يتوان في اسعادها وطمأنة قلبها .. نعم سعدت بما فعل ولكن كان عليها ان تؤدبه قليلاً ليتعلم انه لا يجب عليه التحدث مع اي انثى .. ألا يكفي انها تتركه يتحدث مع اخته ونساء عائلتها؟!! .. تحس بيده تربت على ذراعها بحنان لتستمر هي في إدعاء النوم .. نعم تدعي النوم فعينيها لم تذق طعم النوم منذ الامس فهي قد اعتادت النوم بين احضانه ويديه تلعب بشعرها بحنان وحب تشعر بهم في كل ما يفعله .. ظلت على تلك الحال ليردف
معتز: على فكرة اني عارف انك مانيماش
ظلت دعاء تدعي النوم ليردف
معتز: جومي يا دعاء عيونك هيتحركوا واني شايفهم
لا رد لدعاء ليردف هو 
معتز(بقلة حيلة): اني مالي ذنبي ايه عاد؟!
دعاء(وهي تعتدل بجلستها وتنظر له بغيظ وغيرة): ذنبك انك وجفت ورديت عليها اصلا .. انت ماتكلمش اي واحدة انت فاهمني عاد؟!
معتز(بغمزة عابثة وابتسامة واسعة): دي غيرة يا دعائي؟
عبست ملامح دعاء مرة اخرى وأدارت وجهها ليردف هو بنبرة عاشقة  
معتز(وهو ينظر لها بعشق): انتي ماعرفاش ان جلبي ديه مفيهوش غيرك .. انتي ساكنة فيه كيف عاد عيني تشوف غيرك؟!
دعاء(وهي تنظر له بعبوس طفولي): برضك ماتكلمش اي ست غيري اني وخيتك وستات العيلة للضرورة يعني
معتز(بضحكة خفيفة): حاضر ..(ثم اكمل بخبث).. بس على شرط
دعاء: شرط ايه؟
معتز(بغمزة عابثة): تكرريها تاني
دعاء(مدعية عدم الفهم): أكرر ايه؟
معتز: الكلمة اللي جولتيهالي جدام الداكتورة
دعاء(بارتباك وهي تهرب بعينيها): كلمة ايه اني ماجولتش حاچة .. بجولك ايه عاد انت اكيد كنت بتحلم .. روح نام ولا انزل الشغل ولا..
معتز(وهو يمسك كفها برفق): ماهنامش ولا هتحرك من إهنيه غير لما تجوليها
دعاء(بخجل): يا معتز..
معتز(بعيون تلمع بالرجاء): جوليها يا دعاء بالله عليكي .. دا اني كنت بحلم انك تجوليها
صمتت دعاء قليلاً بخجل لتردف بعد فترة صمت
دعاء(بهمس): حبيبي
معتز(مدعي عدم السمع): ايه؟
دعاء(بنبرة اعلى قليلاً): حبيبي
معتز(بابتسامة بسيطة حاول اخفاءها): ماسامعش
دعاء(بنبرة اعلى وهي تنظر له): حبيبي
ابتسم معتز بسعادة تحتل كيانه كله ليضمها لصدره في عناق طويل يملؤه الحب والحنان وكل المشاعر الدافئة .. زادت هي من ضمه لصدرها وكأنها تُعوض بُعدها عنه تلك الساعات الماضية .. أحبته .. احبت قلبه وحنانه وكل شئ به .. احبته وكأنها وجدت في قُربه كل الأماني وقالت الآن أصفح عن زماني
/////////////////////////
في مسجد البلدة وبالتحديد في مُصلى النساء جلست وفاء ومعها عدد من النساء المتفاوتة اعمارهن وعلى رأسهن كانت تلك التي بدأت تتحسس خُطاها في طريق التوبة .. تلك التي بدأ الندم يزحف لقلبها ببطئ وبدأت تراجع كل ما اقترفته بماضيها .. تلك التي من وجهة نظرها كانت سبباً في ما حدث لأولادها .. فلولا زرعها لفكرة زواج زين في عقل ابنتها والدفاع عنها ومناصرتها مهما فعلت لما فقدتها بذلك الشكل البشع .. تشعر بالألم يسكن قلبها وهي تتذكر حديث ابنتها انه لن يمر ذلك العام إلا وقد لبست الابيض ولكنها لم تكن تعلم انها بالفعل ستلبس الابيض ولكنه ابيض من نوع آخر .. يزداد تأنيبها لنفسها وندمها الذي يأكل روحها على ما فعلت بإبنها وابنة اختها .. هي من اوصلتهم لذلك الحال؛ فلو اخبرتهم الحقيقة لما انفصلوا او على الاقل لم يكن ابنها ليسعى في زواجه من تلك الحية اللعينة التي اكتشفت تورطها بقضيته .. يا الله كم هي غبية .. بيدها دمرت حياتها وحياة اولادها .. بيدها سعت لتفقد كل نعمة رزقها الله بها ولكنها كانت ضريرة عنها .. تنتبة على صوت وفاء التي كشفت عن وجهها من اسفل النقاب وتلك الابتسامة البسيطة مرسومة على ثغرها لتزيدها جمالاً ورقة .. نظرت وفاء للجالسات امامها لتردف بهدوء
وفاء: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أخواتي في الله .. نبدأ محاضرتنا اليوم باسم الله الرحمن الرحيم .. محاضرة اليوم عن المغفرة .. مغفرة الله التي وسعت كل شئ .. قبوله لتوبة التائبين ولو وصلت ذنوبهم عنان السماء .. فمن اسماء الله سبحانه وتعالى هو الرحمن الرحيم اي الذي يرحم عباده المخلصين .. الراچعين إليه بقلب ينبض بالندم على ما اقترفت ايديهم ليس استخفافاً به حاشا لله وإنما من ضعف انفسهم
قالتها ثم بدأت التحدث بلغة مُبسطة اكثر حتى تستطيع تلك النساء فهمها فمنهن من لم تُكمل تعليمها ومنهن من تستطيع فقط فك الخط كما يقولون .. كلهن نساء عاديات تختلف اعمارهن ويختلف مستواهن التعليمي ومستوى استيعابهن إلا ان جميعهن جمعهم شئ واحد .. رغبتهم في القرب من الله ووجدوا ذلك في هذا المسجد .. في تلك المحاضرات الاسبوعية التي تُلقيها عليهم وفاء .. تلك الفتاة المنتقبة التي تُخفي تحت نقابها وجه اشبه بالبدر ليلة إكتماله وعيون سوداء وكأنها انتُزعت من الليل .. تلك التي تربت على يد خالها الشيخ حسين إمام المسجد الطيب المحبوب من جميع أهالي البلد بعدما توفى والديها وهي لم تُكمل ال15 عاماً .. رغم حزنها على فقدان والديها إلا ان حب خالها وحنانه كانوا يربتوا برفق على قلبها ماحين اي اثر لحزن ليُصبح عندها هو الأب والأم والخال والعائلة .. عمل اثناء تربيتها على تعليمها عادات الاسلام لتحفظ القرآن كاملاً وهي في سن ال 18 ثم بدأت تُعلمه للنساء والفتيات بالمساجد طوال ايام الاسبوع بل وخصصت يوم الجمعة ليكون فيه محاضرة للنساء وكل مرة يكون الموضوع مختلف .. فمرة يكون عن الصلاة واهميتها وكيف يجب ألا نُهملها مهما بلغت مشاغلنا ومرة عن الزكاة وكيف تُطفئ غضب الله وتفتح أبواب الرزق ومرة عن طاعة الوالدين ومرة عن اللين مع الابناء لتكون تلك المرة عن المغفرة .. فهي استشفت من محادثاتها البسيطة مع صابرة كونها تحمل جبالاً من الندم فوق قلبها وطوال المحاضرات السابقة كانت ترى رغبتها في السؤال عن امكانية مغفرة الله لها بعد كل ما فعلت بماضيها .. ماضيها الذي لم تعرفه حتى الآن ولكنها واثقة انها تحتاج فقط لمن يُنير لها طريقها ويأخذ بيدها لطريق الرُشد الذي ضلت عنه .. تحتاج شخصاً يُعاونها على محاربة نفسها الظالمة والعودة لله وطلب المغفرة منه وقد قررت ان تكون هي هذا الشخص .. قررت ان تمسك بيدها وتسير معها طريق التغيير وكانت البداية بتلك المحاضرات التي تحاول بث رسائل بها لا لصابرة فقط وانما لكل مُخطئ فليس هناك انساناً معصوماً من الخطأ .. مر الوقت واوشكت المحاضرة على الانتهاء لتبتسم وفاء وتردف بهدوء
وفاء: شوفتوا ازاي ربنا سبحانه وتعالى رحيم بعباده .. عارفين, ايام الرسول عليه الصلاة والسلام كان من كُتر ما الرسول بيحكي عن رحمة ربنا بعباده وانه بيغفرلهم ذنوبهم مهما اخطأوا كان الصحابة بيقولوله يا رسول الله بلاش تحكي عن كرم ربنا ورحمته اوي كدا علشان الناس لو عرفت قد ايه ربنا رحيم بيهم وبيغفر ذنوبهم للدرجة دي هيهملوا في العبادة؛ لأنه طيب اوي وبيسامح اوي كدا .. ربنا سبحانه وتعالى قال "قُل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً" .. شوفتوا قد ايه ربنا غفور ورحيم .. شوفتوا قد ايه بيغفر .. اهم حاجة ان انتوا ترجعوا لله بقلب نادم وتدعوه وانتم فعلاً حاسين بالخجل من اللي عملتوه .. تدعوه بيقين وتكونوا متأكدين ان ربنا هيحققه وهيستجيب ولو بعد حين
...: حتى لو ذنوبنا كانت كتير؟
قالتها صابرة بعد صمت طويل .. كانت طوال المحاضرات السابقة تصمت وتستمع فقط للمحاضرة ولكنها قررت لأول مرة ان تُشارك في الاسئلة .. تسأل عما يستعمر صدرها من قلق .. تسأل هل فعلاً قد يغفر الله لها رغم كل ما أذنبته في حياتها .. ابتسمت وفاء بهدوء وقد دق قلبها بسعادة لكون صابرة أخيراً أحست بالأُلفة والأمان للتحدث معها وتُشارك في المحاضرة .. نظرت وفاء لصابرة لتردف بهدوء
وفاء: ايوة يا امي .. مهما كانت الذنوب ربنا بيغفرها لأن ربنا عارف اننا ضعاف قدام نفسنا الآمرة بالسوء .. الرسول عليه الصلاة والسلام قال "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" وكان قصده يوضح ان كل انسان مُعرض إنه يُخطئ لأننا مش ملايكة وكما أوضح ان ربنا سبحانه وتعالى بيحب العبد الأواب التواب اللي لو وقع في حفرة ذنب يعافر ويطلع منها ويتوب ويرجع لربنا ويكفر عن اللي عمله ويقرب من ربنا ويكون واثق ان رحمة ربنا وسعت كل شئ
بتلك الجملة أنهت وفاء محاضرتها اليوم .. تلك المحاضرة التي كانت بمثابة يد تربت على قلب صابرة وتمحي كل ذرة من الخوف والتوجس بداخلها .. تلك المحاضرة التي ستكون بداية تغيير جذري للقلب الذي أذنب كثيراً في الماضي وحان الوقت ليُكفر عن ذنوبه
////////////////////////////
وأخيراً وصلت للنيابة ودخلت مكتب أكمل لتخبره عما توصل إليه تفكيرها ليُسرع هو الآخر ويرسل العسكري ليُحضر ممدوح من الحجز .. يدق قلبه برعب مع كل مرة يُفتح ذلك الباب وينطق ذلك العسكري اسمه .. يحس وكأنها نهايته .. كل مرة يتوجس ان يكون المعلم سليمان قد فارق الحياة ليُصبح الموت هو مصيره الوحيد وخاصة ان كل الأدلة تُشير إليه .. تحرك مع العسكري باتجاه مكتب أكمل ليدق قلبه بعنف أكبر حين وجد ايمان أمامه .. هل أتت هي الأخرى لتُخبره بأنه لم يعد هناك أمل له .. هل أتت لتُخبره انها ستترك تلك القضية الخاسرة
أكمل: ادخل يا ممدوح
قالها أكمل بهدوء بعدما لاحظ شحوب وجه ممدوح وكيف تسمرت قدماه امام الباب .. تقدم ممدوح للداخل ليجلس بعدما اشار له أكمل بذلك .. الترقب يلمع بعينيه والتوجس يدق بقلب ويتزايد مع كل نبضة ليردف بصوت استعمره الخوف
ممدوح(بنبرة مرتجفة يسكنها الخوف): هو .. الحاچ سليمان مات؟
نظرت ايمان له وقد أحست بالشفقة عليه من تلك الحالة التي وصل لها لتردف بهدوء
ايمان: المعلم سليمان لسة عايش بس الله أعلم بعد دقيقة ممكن يحصل إيه علشان كدا انا عايزاك تركز كويس اوي معايا وتجاوبني على اسئلتي بأدق التفاصيل .. اي حاجة ممكن تفيدنا
تنفس ممدوح الصعداء قليلاً لتردف ايمان وهي تنظر له
ايمان: ممدوح, انت قولتلي ان يوم الحادثة انت كنت بتحصل فلوس للحاج سليمان مش كدا؟
ممدوح(بتأكيد): ايوة .. طول اليوم كنت بحصل من التچار وآخر اليوم روحت المحل عشان أدي للحاچ الفلوس
ايمان: الفلوس دي كانت قد ايه تقريباً؟
ممدوح(بتفكير): اني حصلتله 100 ألف والحاچ خدهم عشان يِعَلِمهم ويحطهم في الخزنة
لمعت عيون ايمان لتردف
ايمان(بتركيز): يعلمهم؟ قصدك ايه؟
أكمل(وقد انتبه لجملته): هو المعلم سليمان كان بيعلم فلوسه؟
ممدوح(وهو يومئ برأسه): ايوة كان بيختمهم بختم عليه اسمه
ما ان سمع أكمل جملة ممدوح حتى اسرع بفتح ملف القضية امامه ليُخرج تلك الصورة الخاصة بالأموال التي وجدوها بمنزل ممدوح ليردف وهو ينظر له
أكمل(وهو يشير للختم بالصورة): الختم دا؟
ممدوح: ايوة
ايمان: هو المعلم كان بيعلم كل فلوسه بالختم دا؟
ممدوح(بتأكيد وتوضيح): إيوة .. مفيش چنيه كان بيدخل الخزنة او يخرچ منيها إلا وكان ختم المعلم عليه
ايمان(بعيون لامعة): وساكت كل دا!!!!!
قالتها ايمان وقد دب الحماس بها من جديد .. هناك امل .. تبادلت نظرة ذات مغزى مع أكمل الذي اسرع لعمل نشرة بتلك الأموال موضحاً صورة الختم .. هناك أملاً في ظهور براءة هذا الواقف دون ان يفهم ما يحدث .. خرج أكمل من مكتبه ليُكمل اجراءات النشرة ويؤكد ضرورة توزيعها على جميع الاماكن التجارية حتى يستطيعوا تتبعها عساهم يجدوا من سرقها وبذلك تُحل تلك القضية .. جلس ممدوح امام ايمان التي شرحت له ما سيفعلون ليردف هو بنبرة منطفئة
ممدوح(بيأس): تفتكري فيه امل؟
ايمان: الكلام دا مايقولهوش إلا واحد يائس وضعيف
ممدوح(بنبرة منكسرة): اومال اني ايه؟
ايمان(بنبرة واثقة): انت قوي .. ولازم تفضل قوي .. انت ماعملتش حاجة وانا مش هسمح انك تتحبس وتدفع تمن غلطة انت ماعملتهاش
ممدوح: ومين هيصدج اني ماعملتهاش
ايمان: انا مصدقة .. وانت مصدق .. وربنا شايف وقادر يظهر براءتك
صمت ممدوح لتردف ايمان بتصميم
ايمان: بص يا ممدوح .. انا من اول يوم مسكت فيه القضية دي وانا قولتلك اني مش هقدر احارب فيها لوحدي .. مش هقدر اني اثبت براءة شخص هو نفسه مش عايز براءته تظهر
ممدوح: مين جال اني ماعايزش؟!
ايمان: أفعالك اللي قالت .. يأسك اللي قال .. مفيش واحد مظلوم بيسكت عن ظلم بيحصله .. عافر .. قاوم .. خليك واثق ان ربنا هيظهر الحقيقة
فكر ممدوح بكلامها لثواني قبل ان يومئ برأسه ليردف بنبرة صادقة
ممدوح(بامتنان يشوبه الخجل من تصرفاته السابقة): اني متشكر جوي واسف عاللي صدر مني في حجك
ايمان(بابتسامة بسيطة): خلي الشكر دا لما اجيبلك البراءة .. أما بقا بالنسبة للاعتذار فأظن فيه ناس تستحقه اكتر مني
قالتها بهدوء قبل ان تقف لتنصرف ويدخل ذلك العسكري ليُعيد ممدوح للحجز مرة اخرى أما هي فتحركت لخارج النيابة بعدما أكدت على أكمل ان يوافيها بأي تطور قد يحدث في تلك القضية .. خرجت لتركب بجانب ذلك الذي نظر لها بفخر يلمع بحدقتيه .. لم يعرف ماذا فعلت بالنيابة ولكن تلك الابتسامة التي عادت لتزور وجهها من جديد كانت كفيلة بإخباره ان الأمل عاد ليزور قلبها من جديد .. اتسعت ابتسامتها ما ان رأت ابتسامته تلك .. فرحة هي بوجوده ودعمه لها .. فرحة هي بحبه .. تحبه .. تعشقه .. نعم تعشقه فهي لم تعشق اي احد وإنما عشقت ذلك الصعيدي الذي أسر قلبها .. عشقت من الصعيد
تعليقات



<>