رواية عشقت من الصعيد الفصل الثامن والثلاثون 38 بقلم حنين عماد
عندما يتراكم عليك كل شئ وتصل لنقطة لا تتحمل بعدها أي شئ احذر ان تستسلم؛ ففي هذه النقطة سيتم تغيير قدرك للأبد .. إياك ان تسمح لليأس ان يستعمروا كيانك .. إياك ان تسمح لغياهب فقدان الأمل ان تبتلعك .. إياك ان تفعلها .. عافر .. قاوم .. كن واثقاً من نجاحك .. كن واثقاً انها ستُفرج ذات يوم مهما استحكمت حلقاتها وضاقت .. انظروا إليها .. تعلموا منها .. هي لم تفقد الامل ولو للحظة .. كان بداخلها يقين انها ستصل لما تريد وها هي تقف الآن امام ما سعت له من البداية ..
تقف وسط المحكمة مرتدية روب المحاماه الاسود والذي اعطاها مظهراً قوياً ووقوراً تهتز له الابدان .. مظهراً حاداً رغم بطنها المنتفخة من الحمل والتي من المفترض ان تُعطيها مظهراً هادئاً إلى حد ما وربما كان ليكون هذا الكلام صحيحاً لو لم تكن تلك الواقفة هي ايمان عبد الرحمن العطار .. حفيدة عائلة العطار والمنياوي .. تلك المحامية القاهرية العنيدة .. تلك المحامية التي لم تخسر قضية طوال حياتها .. تلك المحامية التي تتحول في حضرة الظلم فتصبح كالمارد مدافعة وناصرة لكل معاني الحق والعدل .. تلك التي تقف الآن وتُدلي بمرافعتها التي رسمت ابتسامات فخر على اوجه الجالسين بقاعة المحكمة وعلى رأسهم عائلتها الجميلة الداعمة لها .. عائلتها التي أبت ان تتركها بتلك القضية التي آرقتهم جميعاً .. تلك القضية التي تدعوا قلوبهم ان يكون النصر فيها للحق حتى وإن كان هذا الحق سينجي من أهان تلك العائلة سابقاً .. ذلك الواقف داخل قفص الاتهام بقلب نادم وعيون خجلة من النظر نحوهم .. يا الله كم كان حقيراً .. كم كان أعمى عن كل ما هو جميل في حياته .. كان يرى طيبة وحنان صالحة الكبير ولم يرى ان ذلك الحنان كان منبعه انها كانت تعتبره وأخته مثل اولادها حقاً .. كان يرى كيف آمنه سالم على امواله وتجارته ولم يرى انه فعل ذلك لأنه كان يثق به مثلما يثق بولده .. كان يرى ضعف شخصية دعاء وطاعتها له في كل أوامره ولم يرى ان ذلك كان من حبها له .. ذلك الحب الذي أضاعه هو بيده .. ذلك الحب الذي صار لغيره الآن .. تتسلل عينيه نحوها ويراها جالسة بجانب زوجها الحالي .. زوجها الذي عوضها الله به .. زوجها الذي يحتضن كفها بين كفيه مُمداً إياها بالقوة والحب والحنان والأمان .. مُمداً إياها بكل ما بخل هو عليها به .. لم يُصدق عينيه في البداية عندما رآها بين الحضور .. ظن انه يتوهم .. ظن انه يحلم ولكن وجود كل افراد عائلة المنياوي أكد له انه ليس حلماً بل واقعاً .. ظن في البداية انها قادمة لتشمت به وللحق لم يكن ليلومها على ذلك فما فعله بها ليس هيناً ولكن صدمته وصلت عنان السماء حين وجدها قد حضرت هي وزوجها وعائلتها ليدعموه ويُطمئنوه ان الله سينصر الحق وانهم معه فلا يخف .. دعواتهم الصادقة جعلته يصغر بعين نفسه أكثر فأكثر .. عاهد ربه في سره انه لو كُتب له الخروج فإن اول ما سيفعله هو الإعتذار من تلك العائلة .. من كل فرد منها .. سيعتذر عما فعل .. عما اقترف .. سيعتذر ويتذلل إن حكم الأمر عساهم يسامحوه على ما سببه لهم من مشاكل وآلام وإهانات .. سيتعهد لهم ان يتوب عن كل ما كان يفعل .. هو بالفعل تاب .. هو بالفعل عاد لربه و اصبح يقرأ كلمات الله التي يشعر بها تُزيح السواد عن قلبه ونفسه ولكن الاختبار الحقيقي عندما يخرج .. هل سيستمر ام انها فترة فقط .. فداخل الحبس هو بين 4 جدران محبوس لا أنيس ولا جليس ولا مُلهي عن طاعة الله أما بالخارج.. بالخارج توجد ملذات الدنيا التي وضعها الله كاختبار لبني آدم .. وضعها ليرى من منهم سيتمسك بحبال الله ومن ستلمع عينيه بعشقها .. من سيجري وراء شهواته ومن لن تُغريه .. من سيهرع لها ومن لن يُحيد عن طريقه .. لم يُرد الله الانسان ان يظل طوال حياته لا يفعل شئ سوى العبادة فقط وكذلك بالتأكيد لم يرد ان تكون حياته لهواً ولعباً فقط بل اراد ان يتوسط الانسان في اختياراته .. فخير الامور الوسط .. يأخذ من الدنيا ما يشاء طالما لا يُغضب الله ولا يلتهي عن عبادته وطاعته .. يتمتع بالحياة بالحلال ويُخلص في عمله ويزرع في دنياه أعمالاً صالحة ليحصدها في آخرته ثمراً طيباً .. ينتبه من شروده وتفكيره على صوت إيمان الذي اصبح اكثر قوة
إيمان: والآن سيادة القاضي بعد ان أوضحت تحريات النيابة حقيقة تلك القضية وأكدت سعي تهاني السيد غريب وشجن محمد السيد وشهرتها أشجان للشروع في قتل سليمان الصاوي نازعين من قلوبهم كل مفهوم للرحمة بل انتزعوا قلوبهم ذاتها ليستبدلوها بأحجار بل ربما سيدي القاضي قد تكون قلوبهم اشد قسوة من الحجارة حتى يفكروا ويشرعوا في تنفيذ تلك الجريمة البشعة .. ولم يكتفوا بذلك بل عملوا على تدليس الأدلة وتضليل العدالة بإلصاقهم تلك التهمة البشعة بموكلي راغبين بتحويله لكبش فداء لهم ولكن العدالة الإلهية أبت ان ينتصر الظلم وأظهرت الحقيقة التي أثبتتها تحريات النيابة سواء بالأدلة او بشهادة الشهود وعلى رأسهم سليمان الصاوي ذاته الذي أفاق من غيبوبته منذ 48 ساعة وأقر في تحريات النيابة ان زوجته تهاني السيد غريب هي من حاولت قتله بعد مشادة كلامية بينهم وأقر رؤيته ل شجن محمد السيد وهي تسرق أمواله من خزنته الموضوعة بالمحل غير مبالية بآهاته ولا برجاءه لها لتنجده لتهرب الأخيرة من المحل بعد ان استحوذت على كل ما في الخزنة من أموال وقدرها 124 ألف جنيهاً مصرياً وقد تم إثباتهم في الاحراز بسرايا النيابة بعد القبض عليها .. كما أكد سليمان الصاوي حقيقة أقوال موكلي من حصوله على مبلغ 50 ألف جنيهاً مصرياً بعلمه وتحت رغبته بهدف التعاقد على شراء أرض زراعية وهو ما تم إثباته من قبل في شهادة البائع حيث اشار لحدوث اتفاق كلامي بينه وبين المعلم سليمان على بيع الارض وهو ما يثبت صحة أقوال موكلي .. وبذلك تنتفي أدلة اتهام موكلي ممدوح الجبالي .. وعلى ذلك, فإني أطالب بتوقيع أقصى عقوبة على تهاني السيد غريب وشجن محمد السيد لشروعهم في جريمة القتل العمد مع سبق الاصرار والترصد وتدليسهم للأدلة وسعيهم لتضليل العدالة .. كما ألتمس من سيادتكم الإفراج فوراً وبدون ضمانات عن موكلي ممدوح الجبالي ..(تنهدت ايمان لتردف بنبرة اهدأ).. إلى هنا تنتهي مرافعتي سيادة القاضي وأترك الحكم لعدالتكم ونحن على ثقة في قضائكم العادل .. شكراً
قالتها وتحركت باتجاه المقاعد ليُسرع زين بالوقوف ويمد يده لها لتتكئ عليه حتى تستطيع الجلوس لترتسم ابتسامة على ثغرها وهي تضع يدها بيده لتتسع ابتسامتها بعدما جلست عندما ظل متمسكاً بيدها وكأنه يمدها بالدعم والقوة .. ألقت نظرة سريعة نحو ممدوح الذي كانت نظراته معلقة بها لتغمض عينيها باعثة رسالة اطمئنان له وهي تحتاج من يُطمئنها .. تعلم ان قضيتهم اصبحت رابحة بنسبة 100% ولكنها لن ترتاح إلا عندما تسمع حكم القاضي .. لن ترتاح إلا عندما يُحكم ببراءة ذلك الذي حضرت عائلتها معها لتقديم الدعم لها وله .. مر بعض الوقت ليردف القاضي بنبرة هادئة
القاضي: الحكم بعد المداولة
قالها ووقف هو ومستشاريه ليتحركوا لغرفة المُداولة تاركين تلك القاهرية وهي تحاول السيطرة على نبضات قلبها المتواثبة داخل صدرها بعنف فترى هل سترتاح حين تسمع الحكم
/////////////////////////
بمنزل حمزة المنياوي:-
تجلس رحمة وفي احضانها بدر الصغير الذي تطوعت للعناية به اليوم حتى تستطيع دعاء الذهاب مع عائلتها لمحاكمة ممدوح .. رأت التردد يلمع بعينيها فرغم كلام ايمان معها عن انها عليها ان تنسى وتعيش حياتها ورغم ان الله عوضها بزوج وابن وآخر في الطريق إلا ان ممدوح وما فعل ظلوا ندبة عميقة بروحها .. اقتنعت بكلام ايمان انه لا بد من مواجهة اخيرة .. مواجهة لا عتاب بها .. مواجهة تكون هي اخر صفحة في حكايتها مع ممدوح .. مواجهة ستريحها هي قبل ان تريحه .. تتذكر تحججها ببدر وكيف انها لن تستطيع دخول المحكمة به وهي لن تتركه لتقول رحمة انه ستتولى رعايته ذلك اليوم مع يونس .. فأسعد اوقاتها تقضيها معهما وبالأخص وهي ترى حب يونس لبدر وعدم غيرته منه بل على العكس يُعامله على انه أخيه الاصغر منه .. تبتسم وهي ترى يونس مُقبل عليها وهو يحمل طبق صغير وضع فيه بعض البسكوت ليجلس بجانبها ويبدأ في إطعامه إياه بابتسامة حنونة جعلت ابتسامة مماثلة ترتسم على وجهها هي لتضم رأس يونس لأحضانها وتطبع قبلة على رأسه ومن ثم قبلة مماثلة على رأس بدر
...: الله الله .. عمالة توزعي بوسة إهنيه وبوسة هناك وأني مليش نصيب
قالها حمزة المنياوي وهو يدخل المنزل وابتسامة جميلة مرسومة على وجهه الوسيم القادرة على خطف قلب تلك الاربعينة التي فشل العمر ان يترك اثره عليها .. ابتسمت بخجل وهي تراه يتقدم منها ليجلس بجانبها ويُحيط كتفها بذراعه ضامماً إياها لصدره بعد ان عبث بشعر يونس الصغير الذي أصبح متعلقاً به بشكل كبير جداً .. نظر حمزة نحو بدر ليبتسم وهو يمسك يده الصغيرة مردفاً بحنان
حمزة(بابتسامة ونبرة خفيفة): منور يا بدر باشا .. نور الدار زاد والله .. انت مابتچيش ليه .. مش تبجى تيچي عاد .. اني ببجى هناك
أصدر بدر ضحكات صغيرة وكأنه فهم حديثه ليضحك حمزة بقوة مزلزلاً قلب عاشقته .. مد يده ليحمل بدر بين احضانه لتنظر رحمة له وهو يحتضن بدر بيد وباليد الاخرى احتضن يونس حتى لا تتسرب الغيرة لقلبه الصغير .. استمرت بالنظر نحوه وعيونها يسكنها عشق سكن قلبها وروحها وكيانها منذ ان فتحت عينيها على تلك الدنيا ورأته فصار كل دنياها
رحمة: حمزة
حمزة: عيون حمزة
رد عليها بتلقائية وبنبرة صادقة يشوبها العشق النابض بقلبه والساكن حدقتيه اللاتي نظرت لها ما ان نطقت اسمه .. سكن الخجل قلبها وارتسمت ابتسامة جميلة على وجهها لتردف وهي تهرب بعينيها من نظراته
رحمة: كنت عايزة اسألك سؤال
حمزة: سؤال ايه عاد؟
رحمة: هو انت ليه لسة بتتكلم صعيدي .. يعني رغم تعليمك في القاهرة وسفرك إلا انك لسة بتتكلم صعيدي
حمزة(بنبرة صادقة عاشقة): عشان الصعيدي بيفكرني بيكي
دق قلبها بعنف من جملته ليُكمل وهو ينظر لها بعشق
حمزة(بعيون لامعة بالعشق): كل ما كنت اتحدت بالصعيدي كنت افتكرك .. افتكر لمعة عينيك وانتي شايفاني بتكلم .. افتكر ابتسامتك .. افتكر ضحكتك .. افتكر عينيكي المتكحلة .. افتكر كل حاچة في البلد فيكي انتي يا بت عمي .. فاكرة زمان لما كنتي تسأليني الصعيد بالنسبالي ايه وكنت اجولك الصعيد بالنسبالي يعني رحمة .. انتي بالنسبالي الصعيد بناسه والبيت بأهله والحياة بكل اللي فيها
لمعت عيون رحمة بطبقة خفيفة من الدموع ونبض قلبها بقوة ليبتسم هو ويكمل بنبرة خفيفة
حمزة(بغمزة خفيفة): وبعدين انتي نسيتي انك انتي كمان لساتك بتتحدتي بالصعيدي رغم انك خريچة آداب لغة عربية .. لساتك متمسكة بأصلك و زمان جالوا اللي ينسى اصله وماضيه..
رحمة(مُكملة): يا خسارة العتاب فيه
ابتسم كلاهما وحاوطها بذراعه بحب لصدره الذي يسكنه قلب نابض بعشقها ولم يتوقف لحظة عن ترديد اسمها بداخل كيانه المتشعب عشقها به .. اغمضت عينيها وهي تضع رأسها على صدره لتضحك حين وجدت يونس يقفز ليشاركهم هذا الحضن العائلي الدافئ .. الآن فقط ارتاحت .. الآن ذاقت معنى السعادة فهل ستتضاعف سعادتها تلك قريباً لتصل عنان السماء
//////////////////////////
مر الوقت ومع كل ثانية تمر كانت ضربات قلبها تتواثب اكثر فأكثر حتى أحست ان قلبها يكاد يغادر صدرها من فرط نبضاته .. ذلك هو حالها دائماً .. يستعمرها القلق والترقب مهما كانت واثقة من قضيتها .. يستعمرها حتى تتحرر مع اول حرف ينطقه القاضي في حكمه .. تكور يدها وهي تحاول السيطرة على قلقها لتجد يده الحنونة تكوب يدها ليحتضن كفها بكفه ويربت عليه بكفه الثاني وابتسامة واثقة وفخورة تلمع بعينيه .. نظرت له لتجده يغمض عينيه مُطمئناً إياها لتبتسم بهدوء وهي تنظر له بعشق يسكن قلبها النابض بعشق هذا الصعيدي
...: محكمة
نطق بها الحاجب بصوته القوي لتدق قلوب جميع من بالقاعة بقوة ويسكن الترقب أعينهم وعلى رأسهم هي .. جلس القاضي على كرسيه الذي يتوسط كرسي مستشاريه ليشير لمن بالقاعة سامحاً لهم بالجلوس مرة اخرى .. ابتلعت ريقها بصعوبة وعينيها معلقة به وهو يفتح ملف القضية ليردف بنبرة هادئة
القاضي: بعد الإطلاع على أوراق القضية وسماع شهادة الشهود حكمت المحكمة حضورياً ببراءة ممدوح الجبالي
ما ان نطق بتلك الجملة حتى امتلئت القاعة بالتهليل والتكبير وصيحات الفرح وتنهيدات الراحة التي سكنت صدور الكثير وعلى رأسهم هي التي اغلقت عينيها بسعادة ووضعت يدها فوق صدرها تستشعر دقاته المتواثبة التي تحولت من دقات قلقة لدقات فرحة .. نظرت نحو ممدوح لتبتسم وهي تراه مازال ساجداً بجسد ينتفض من بكاءه .. بكاء فرح بنصر الله له .. لا يصدق ان القاضي حكم ببراءته .. لا يصدق انه اخيراً اصبح بريئاً في نظر الجميع .. يود لو يسمع ذلك الحكم مرة واثنتان وثلاثة عساه يصدق انه بواقع وليس حلماً سيستيقظ منه ليجد نفسه محبوساً داخل جدران الحبس مرة اخرى .. رفع رأسه وهو يردد "الحمد لله" مرة وراء الاخرى .. يرددها بكل ذرة بكيانه .. يرددها بقلبه قبل لسانه .. يرددها وهو يشعر بها فعلاً .. يشكر ربه على تلك الفرصة الثانية التي أعطاها الله والتي سيحرص على ان يُحسن استخدامها تلك المرة
///////////////////////////
مر يومين وتم الافراج عن ممدوح من سرايا النيابة اخيراً بعدما انتهت الاجراءات .. وبالطبع تم حبس تهاني وأشجان على تلك الجرائم التي ارتكبوها .. كل شخص أخذ جزاء أفعاله .. انتهى كل شئ ولم يتبقى سوى ان ينفذ عهده الذي قطعه على نفسه .. الاعتذار .. ها هو يجلس امام سالم المنياوي .. ذلك الذي وقف بجانبه رغم كل ما فعله .. يهرب بعينيه وهو جالس امامه كطفل اذنب وجاء وقت اعتذاره لأبيه .. تنحنح ليردف
ممدوح(بارتباك وخجل): احم .. عمي .. اجصد يا حاچ سالم .. اني.. يعني..
تنهد ليردف بسرعة وخجل من نفسه
ممدوح(وهو يضع عينيه أرضاً): اني بعتذرلك يا حاچ عن كل حاچة صدرت مني .. اني كان شيطاني غالبني واني ماشي وراه .. يجولي اتچوز على مرتك اللي بتحبك اجول ماشي ماهو من حجي اتچوز واخلف كيف كل الرچالة .. يجول مد يدك على الفلوس والارض اللي الحاچ سايبهم في يدك ومآمنك اجول وماله ما هما عندهم كتير واللي هاخده مش هيأثر .. كان جلبي اسود ومليان غل وجسوة ..(ثم نظر له وأكمل بلهفة صادقة).. بس والله العظيم اني ندمت .. والله العظيم ندمت وتوبت واتغيرت وعايز اكفر عن كل غلط عملته .. صدجني يا حاچ اللي يرضيك اني هعمله بس أمانة عليك سامحني .. اني ماطمعانش في حاچة غير انك تسامحني چايز ربنا يسامحني ويغفرلي
نظر له سالم قليلاً يستشعر صدق حديثه ليقف من على كرسيه ويتحرك ليجلس على الكرسي المقابل له ليردف بعد صمت
سالم(بنبرة هادئة): ماشي يا ممدوح واني هصدجك .. هصدجك عشان حاسس انك فعلاً اتغيرت وياريت فعلاً تتوب وترچع لربنا
ممدوح(بلهفة صادقة): هيوحصول .. والله العظيم هيوحصول يا حاچ .. والفلوس اللي اخدتها اني هشتغل واسددها و..
سالم(مُقاطعاً بهدوء): خلاص انساهم يا ممدوح .. اني مسامحك فيهم لأن اللي اخد الفلوس دي شخص غير اللي جاعد جدامي دلوكت .. اللي جاعد جدامي دلوكت هو ممدوح ولدي اللي اتربى في بيتي واللي بعتبره كيف زين ..(ثم اكمل بتحذير هادئ).. اوعى تخليني اندم اني سامحتك يا ولدي
ممدوح(بلهفة وهو يكاد يقبل يده): ربنا يخليك يا عمي .. سامحني بالله عليك
سالم(وهو يسحب يده سريعاً ويربت برفق على كتفه): مسامحك يا ولدي
//////////////////////////
بصالة المنزل تجلس دعاء وهي تتمايل ببدر بين احضانها وابتسامة جميلة تزين وجهها وبجانبها يجلس معتز وهو ينظر نحوها بابتسامة .. يرى سعادتها التي ترتسم على وجهها ويشعر هو بأضعاف سعادتها تلك .. يراها سعيدة بعوض ربها .. فقد عوضها الله على صبرها .. عوضها عما عانته .. عوضها ومازال عوضه مستمر .. ينتبه كلاهما على صابرة التي تقدمت من دعاء بتردد لتردف بنبرة منكسرة
صابرة(وهي تضع عينيها أرضاً): دعاء يا بتي .. ممكن اتحدت معاكي هبابة
كادت دعاء بالرفض لتردف صابرة بسرعة ورجاء
صابرة(برجاء): بالله عليكي ما ترفضي يا بتي .. ماهاخدش من وجتك كتير .. دجيجتين بس
ربت معتز على يد دعاء برفق ليحثها على الاستماع لخالتها قبل ان يحمل بدر على ذراعيه ويتحرك مبتعداً عنهما تارك لهما المجال ليتحدثوا قليلاً .. نظرت دعاء لصابرة لتشير لها بالجلوس دون ان تنطق كلمة لتتحرك صابرة وتجلس على الكرسي المقابل لها وهي تفرك يديها من فرط خجلها من نفسها لتردف بعد صمت قصير
صابرة(بنبرة يملؤها الندم الصادق): دعاء يا بتي .. اني غلوطت في حجك وظلمتك .. كنت فاكرة اني صوح .. لاه .. ماهكدبش .. اني كنت عارفة اني غلطانة .. غلطت اول نوبة لما مليت دماغ ولدي وبتي بكلام كيف السم .. لما دخلت الطمع والچشع جلوبهم .. لما شوفت ولدي بيجسى عليكي وماوجفتش جصاده .. لما چيبت عيبه فيكي انتي وظلمتك سنين .. اوعاكي تكوني مفكرة اني ماهحبكيش .. يعلم ربنا يا بتي اني هحبك كيف بتي تمام بس ربنا يكفيكي شر النفس الأمارة بالسوء .. اصل بعيد عنك فيه ناس ربك بيسلط عليهم نفسهم .. بتچرهم چر وراها في طريج واعر .. طريج نهايته سودا .. واني كنت من الناس دي ..(صمتت قليلاً لتردف بعيون تلمع بدموع الندم).. اني چيالك دلوكت عشان اجولك سامحيني مع اني لو مكانك ماهسامحنيش .. ماهسامحنيش على سنين ضيعتهم عليكي وخليتك تعيشي فيهم فاكرة انك معيوبة وانتي ست البنات كلهم .. سنين عشتي فيهم بتستحملي كلام كيف السم وانتي مالكيش صالح بيه .. چاية اجولك سامحيني مش عشان حاچة غير اني خايفة اموت واخد ذنبك معايا .. خايفة ان ربنا مايسامحنيش عاللي عملته فيكي ..(ثم فركت يديها بارتباك لتكمل).. اني.. اني جربت من ربنا وبجيت أصلي .. وندمت .. صدجيني يا بتي ندمت .. وبستغفر ربنا ليل نهار بس عارفة ومتوكدة ان ربنا ماهيسامحنيش غير لما انتي تسامحيني عاللي عملته فيكي .. عشان إكده يا بتي اني بجولهالك .. بترچاها منك .. سامحيني يا بتي جبل ما اموت .. سامحي خالتك اللي كنتي يوم هتعتبريها كيف امك .. سامحيني يا بتي .. احب على يدك..
قالتها وكادت بالانحناء لتجذب يد دعاء لتردف الاخيرة بلهفة
دعاء(وهي تسحب يدها بسرعة): لاه يا خالتي لاه .. اني مسمحاكي يا خالتي .. وربنا عالم اني من يوم ما عرفت اني حامل سامحت كل حد اذاني .. لما چاني عوض ربنا باللي في بطني ديه حسيت اني سامحت الكل .. بس كل الحكاية ان زعلي منيكي كان من غلاوتك عندي .. غلاوتك عندي كانت كبيرة جوي وعشان إكدة زعلت منك جوي .. جوي
صابرة(بدموع تلمع بعينيها): حجك على عيني يا نور عيني .. حجك على عيني يا بتي .. سامحيني يا دعاء .. سامحيني يا بتي
دعاء(بنبرة صادقة): مسامحاكي
////////////////////////
تجلس إيمان برفقة جدها وهي تقاوم ذلك الألم الذي يدق بظهرها ليردف عبد الحميد وهو يلاحظ صمتها
عبد الحميد: مالك يا ايمان .. ساكتة ليه يا حبيبة چدك؟
إيمان(بابتسامة بسيطة): ولا حاجة يا حبيبي .. سرحت بس شوية
عبد الحميد: وإيه عاد اللي سرج عجلك وخلاكي تسرحي فيه .. الجضية وكسبتيها ورفعتي راسنا فيه ايه تاني؟
نظرت إيمان له لتردف
إيمان(بعيون لامعة): بجد يا جدو؟ بجد انت فخور بيا وحاسس اني رفعت راسك؟
عبد الحميد(بابتسامة وهو يمسك بيدها برفق وحنان): اني كنت وهفضل طول عمري فخور بيكي يا جلب چدك .. دا انتي حفيدتي الغالية بنت الغالية ..(ثم اردف بنبرة خفيفة).. وهتچيبيلي عيل صغير ألعب معاه
زين(بنبرة خفيفة وهو يدخل الغرفة): عيل!! .. بجا واد زين المنياوي ابن سالم المنياوي ابن عبد الحميد المنياوي يتجال عليه عيل عاد؟! .. ديه راچل واد راچل .. عيلة المنياوي مفيهاش عيال
عبد الحميد(وهو ينظر له بفخر): غلبتني يا واد سالم
قالها عبد الحميد بابتسامة ليقترب زين ويطبع قبلة على يده واخرى على رأسه راسماً ابتسامة عاشقة على وجه تلك التي تجلس بقلب يدق بعشق هذا الصعيدي
////////////////////////
خرج سالم من مكتبه وخلفه خرج ممدوح ليبتسم سالم بهدوء وهو يرى صابرة تحتضن صالحة التي غفرت لها بعد ان سمعت كلامها مع دعاء وأحست بندمها .. تلاقت عيون دعاء وممدوح لثانية لتسحب الاخيرة عيونها مديرة وجهها عنه ليخفض هو الآخر عيونه سريعاً قبل ان يردف بنبرة هادئة
ممدوح: يلا بينا ياما؟
صابرة: حاضر يا ولدي ..(ثم نظرت لصالحة لتردف برجاء).. هتبجي تيچي تزورينا في البلد يا خيتي؟
صالحة: هچيلك
صابرة(بنبرة حزينة): وعد؟ .. اني خلاص ماعدتش ليا غيرك انتي وولدي
سالم(بنبرة هادئة): وه! واحنا روحنا فين عاد يا ام ممدوح .. احنا مهما كان عيلة برضك
اخفضت صابرة عينيها بخجل من نفسها ومما فعلت وفعل ابناءها لتردف
صابرة(بنبرة يشوبها الندم): حتى بعد اللي حوصول..
سالم(مقاطعاً بنفس الهدوء): اللي حوصول صفحة واتجفلت خلاص .. ربنا بيجبل التوبة يبجى احنا اللي ماهنجبلهاش عاد
زين(وهو ينضم لهم): ابوي معاه حج يا خالتي .. انتي وممدوح اتغيرتوا وربنا هداكم .. يبجى خلاص الماية ترچع لمچاريها .. ولا ايه يا واد خالتي؟
نظر له ممدوح بعيون تلمع بدموع الندم وارتمى بحضنه سريعاً .. كم كان غبياً .. كلما رأى أخلاقهم تلك كلما صغر بعين نفسه أكثر فأكثر .. بيده هو أضاع صداقة وأخوة مع ابن خالته كما اضاع الكثير ولكن الآن اعطاه القدر فرصة ثانية مع تلك العائلة التي إن بحث عن حنانها ودفئها بكل الدنيا لن يجد ابداً .. ربت زين على ظهره بهدوء ليبتسم سالم قبل ان يردف
سالم: كيف ما اتفجنا يا ممدوح؟ .. بكرة
هز ممدوح رأسه بطاعة فقد سمح له سالم بالعودة غداً لبيتهم بتلك القرية حتى لا يقطع الصلة بين صالحة وصابرة وخاصة انه كان يرى تألم قلب حبيبته على اختها طوال الفترة الماضية .. فهي كانت تظن ان بكائها بصمت لم يكن يُدمي قلبه .. كانت تظن ان إدعاءها النوم حتى لا يرى عينيها المنتفخة من اثر البكاء على حال اختها لن يلاحظه هو .. غبية .. لا تعلم انه عاشق بكل ما تحملها الكلمة من معنى .. عاشق لها وإن لم يُظهر مشاعره كثيراً .. عاشق لتلك التي أسرت قلبه منذ أكثر من 30 عاماً وأهدته ثمرتي عشقهم .. زين ودعاء الذي يفتخر بكونه والدهم ويعشقهم وأمهم أضعاف عشقها له .. نظر لها بابتسامة ليلمح عيونها تلمع بتلك الطبقة الرقيقة من دموع السعادة .. فها هو ممدوح أخبرهم بما قاله سالم لتنظر له نظرة امتنان ممزوج بالعشق .. نظرة لم يكن ليتردد في تقديم حياته من اجل ان يراها تسكن عينيها .. امسك ممدوح يد صابرة وكادوا بالتحرك ليقف ويلف وجهه وينظر مرة اخرى لدعاء ليحرر ذراعه من يد والدته ويتقدم خطوتين منها ليردف
ممدوح(بنبرة هادئة يشوبها الندم): جبل ما امشي لسة فيه حج لازمن يترد .. حجك يا بت خالتي .. حجك في اسف على حاچات كتير لو فضلت اجول اسف عليها من هنا لبكرة ماهكفيش .. اسف على كل ليلة بيتك فيها زعلانة واسف على كل كلمة چرحتك بيها .. اسف اني جولت عليكي مع.. ..(صمت ولم يكملها ليردف بعد صمت قصير).. اني المعيوب .. جلبي كان معيوب .. كان معطوب ..كان كيف الحچر .. اني اسف يا بت خالتي .. صدجيني اني دلوكت ماجادرش حتى اجولك تسامحيني وعشان إكده ماهجولهاش .. اني هجولك حاچة واحدة .. ربنا يسعدك ويهنيكي مع چوزك وولدك .. ويديم السعادة في حياتك يا بت خالتي
قالها ولم ينتظر ردها فتحرك وامسك مرة اخرى بيد والدته وخرج من ذلك البيت لتسمح هي لتلك الدمعة بالهروب من محبس عينيها .. آخر دمعة قد تزور عينيها بسببه .. احست بتلك اليد الموضوعة على كتفها لترفع رأسها وترى زوجها الحبيب يقف خلفها وعلى يده صغيرهم .. تعانقت عينيها معه .. مع ذلك العوض الذي رزقها به الله والذي يقف ويبتسم بهدوء ساحر لا يليق سوى به .. ينظر لها بعشق ساكن نظراته .. لم يشأ مقاطعة كلام ممدوح معها رغم النيران التي اشتعلت بصدره .. نيران غيرة مخلوطة بنيران غضب مما فعل بمن ملكت قلبه .. لم يُقاطعهم لسبب واحد فقط .. اراد ان يتأكد من كون ممدوح صفحة وأُغلقت بقلب زوجته الحبيبة وتأكد من ذلك حين رأى كيف وقفت ولم تهرب .. لم تغضب .. لم تنفعل .. لم تفعل اي شئ سوى انها وقفت واستمعت له بكل هدوء ليتأكد انه لم يعد هناك مكان بقلبها لغيره .. ارتمت دعاء بأحضانه بعد ان ابتسمت براحة وازاحت تلك الدمعة الوحيدة الهاربة من على وجنتها .. الآن هي حقاً ارتاحت .. كانت دائماً تشعر انها لم تسامحه حقاً .. كانت تردد ان الايام كفيلة بأن تجعلها تنسى كل ذلك ولكن ظلت جراح الماضي ساكنة روحها ولكن الآن .. الآن هي حقاً ارتاحت .. ربما لم تكن بحاجة لذلك الاعتذار ولكن كونها سمعته ورأت ندمه ذلك جعل آخر جزء من وجع الماضي يطير من قلبها وبالأخص بعد ذلك الحضن الحنون من زوجها الذي اقتربت من اذنه لتهمس له بنبرة عاشقة تلك الكلمة التي حلم بها لسنوات
دعاء(بنبرة خجولة): بحبك
جحظت عينيه بصدمة ونظر لها بعد تصديق لتهرب هي بعينيها وقد اكتسى وجهها بحمرة الخجل من ردة فعله تلك ليشتعل وجهها وتجحظ عيناها حين ردد بدر الذي مازال على ذراع والده تلك الكلمة كالبغبغاء الصغير
بدر(بتلعثم طفولي): بح بك .. بحبك
وضعت دعاء يدها فوق فمها تكتم شهقة الخجل التي سكنته وبالاخص حين صدحت ضحكات معتز على ابنه الذي كرر كلمة رسمت ابتسامات على وجوه جميع افراد العائلة لتختفي تلك الابتسامات فجأة حين صدح صوت صرخات تلك الحفيدة القاهرية
إيمان(بصراخ): زييييييييييييييييييييين
اندفع زين بلهفة نحو غرفة جدة وخلفه جميع افراد العائلة ليجدوا ايمان تضع يدها على بطنها وتغمض عينيها بشدة وتصرخ بقوة منبأة عن قدوم ذلك الحفيد المنتظر .. اصغر حفيد في عائلة المنياوي .. ذلك الحفيد الذي سيكون خليط لذيذ من الصعيدي الذي عشق القاهرية والقاهرية التي عشقت من الصعيد
