قلت ليه...
حرام عليك يا طارق ، إنت ما لقيت مكان غير هنا؟ من البيوت الفاضية دي كلها ما لقيت غير تجي تسكني ، جنب الأموات؟!.
قال لي... هديل انتي جادة في زول بخاف من المقابر ؟؟!
ديل ناس فارقوا دنيتنا خلاص .. و بقوا ف أمان الله ، الخوف الحقيقي ما منهم من الأحياء.
وبعدين البيت دا بيت صاحبي ، وأنا استأذنت منو شخصياً عشان نقعد فيه ، يعني اخدت فيه الإذن ، إنتِ مفتكرة إنو كدا عادي ممكن نكسر وندخل أي بيت ؟! لا طبعاًَ ماف كلام زي دا.
قلت ليه بس البيوت الجنب المقابر دي دايماً بتكون تقيلة وقابضة للروح..
قال لي.. استهدي بالله كدا وأرح ادخلي ، عشان زمن المغرب فاتنا ، وشوفي كيف جهزت ليكِ البيت وركبت ليكِ ألواح شمسية عشان الكهرباء.
كنت لسه بخطف النظرات للسور البرا ، وقلبي بحاول يصدق إنو الموت بقى جاري في وشي.
بس أول ما خطيت جوه البيت ، حسيت بطاقة غريبة، و شعور سلبي و تقيل ع قلبي.
كان فيه جنينة صغيرة ، أشجارها ناشفة وميتة من العطش ، فتحنا الباب الخشبي الكبير، عمل صرير حاد ، قطع السكون ، الطابق الأرضي كان عبارة عن كتلة ضلام ريحة الرطوبة والغبار كانت مالية المكان.
كنت بتلفت يمين وشمال ف الطابق ، طارق قال لي..
ما تشغلي بالك بالتحت دا ، نحنا حنقعد في الطابق الفوق ، ركبنا السلم ولما وصلنا ، فتح الباب وولع النور.. الطابق كلو بقى منور.
كان نظيف ومرتب ، ريحة البخور فايحة منو ،أول ما تدخل بتلاقيك صالة كبيرة مفروشة بأثاث راقي ، استغربت إنو الأثاث زي ما هو ، ما اتسرق زي باقي البيوت.. في نص الصالة ، كان في شباك كبير ، بفتح مباشرة على جهة المقابر.
على جنب في مطبخ إنجليزي مفتوح في قمة الرقي، وممر طويل بودي لغرف النوم.. لاحظت إنو في غرفتين مقفولات ، طارق قال لي إنو فيها حاجات تخص أصحاب البيت ، و ما لقى زمن يتفقدهم ، قلت ليه باستغراب ، البيت ده كان فيه ناس ساكنين و م اتسرق؟!
قال لي.. كان فيه ناس تقريبا لأنو حالتو كانت صعبة ، ف الأول .. بس شكلهم طلعوا و ما رفعوا حاجة.
أما غرفة نومنا، فكانت مُلحقة معاها بلكونة متوسطة وحمام داخلي ، بطلوا على الجهة التانية بعيد من المقابر..
وقفت في البلكونة ، عاينت للشارع والبيوت الحولنا.. كانت ف عمارة ، واجهتها محرقة و سوداء شبابيكها مكسرة ، العمارة دي بالذات كان شكلها مرعب في الضلام.
الهدوء ما كان طبيعي ، هدوء يحسسك إنك في جزيرة معزولة وسط محيط ، لا صوت عربية ، ولا نباح كلب ، ولا حتى نَفَس لبشر.. بس صوت الشجر الناشف في الجنينة التحت وهو بهتز مع الريح.
طارق جاء وقف جنبي قال لي...
صدقيني يا هديل ، المكان دا أبسط بكتير مما إنتي متخيلة ومتخوفة ، وبكرا لما تطلع الشمس ، ح تشوفي الجمال الحقيقي للهدوء دا.
قلت ليه ماف جيران هنا نهائي؟ ، قال لي ف تلاته أسر بس بعيدين شوية ، قبل ما أكتر عليه الأسئلة.
قال لي... عايز أصلي اعملي لي قهوة ، بتلقي كل حاجة ف الأدراج ، و مشى خلاني واقفة ف مكاني مسافة ..
أثناء ما أنا طالعة ع المطبخ وقفت ف مرايا الصالون الكبيرة ، عشان أعاين لشكلي ، بس فجأة لمحت بطرف عيني ظل باهت مرّه من وراي بسرعة ، كأنو كان وراي و اتحرك أول ما أنا وقفت.
لفيت راسي بسرعة .. بس المكان كان فاضي ، ماف أي حركة ، رجعت عاينت للمراية تاني وأنا ببلع في ريقي، انعكاسي كان طبيعي ، بس لثواني كان ف غباش خفيف على القزاز كأنو ضباب ، خلا صورتي تظهر مهزوزة و تاني رجعت واضحة ، مسحت وشي بيدي و أنا بقول اكيد دي الإضائة بتعمل كدا.
دخلت المطبخ ، و بديت أطلع في عدة القهوة،
المطبخ كان موقعو بخلي ضهري مكشوف للصالة، وقدامي شباك صغير بفتح ف العمارة المحروقة ، الهدوء كان مسيطر ع جو البيت ، لدرجة بخلي أي صوت يطلع مني يعمل صدى ، كنت مركزة شديد مع ريحة البن البدت تطلع و بحاول أطرد الأفكار المقلقة من راسي ، و كل دقيقة بسمع أصوات حركة خفيفة جاية من جهة الغرف المقفولة ، و دقائق بتهيأ لي كأنو في زول واقف وراي ، بلتفت لمسافة وتاني أواصل شغلي.
فجأة ومن غير أي صوت أو مقدمات، حسيت بأنفاس دافية قريبة من رقبتي ، ومعاها يدين اتختت على خصري بقوة.
من الخلعة صرخت صرخة مكتومة ، نطيت لقدام من كمية الرعب ، التفتت بسرعة وأنا ميتة من الخوف ، لقيتو طارق بضحك و هو مستغرب من ردة فعلي ، قال لي ...
بسم الله عليكِ يا هديل! مالك اتخلعتِ كدة؟ أنا طارق يا بت الناس..
نفسي كان طالع ونازل ، ختيت يدي على قلبي و قلت ليه بإنفعال...
جيت متين من غير حركة؟ والله قلبي كان ح يقيف.. هدوء المكان دا بِخوف ، و ما بِتحمل حركاتك دي أبداً!.
قال لي.... و الله ما قصدي اخلعك ، أنا جيت بهدوء عشان ما أزعجك ، كنت بفتش على شاحني في الصالة ختيتو قبيل ، و لقيتك سرحانة مع القهوة قلت أجيكِ.. معقولة الرعب دا كلو عشان أنا جيت وراكِ؟!.
قلت ليه....
طارق إنت ما فاهم.. صراحة انا أعصابي مشدودة ولسه م اتعودت ع أجواء البيت الكبير دا ، وخايفة مووت والله.
قال لي باستغراب... تخافي من شنو وأنا معاك يا هديل؟! ، انتي عارفة انو الهدوء دا هو الأمان الكنا بنحلم بيه في نص الرصاص.. عليك الله ما تخلي خيالك يسرح بيك بعيد.
كنت لسه واقفة مخلوعة ، قال لي... سرحتي وين؟!. أعملي حسابك ، القهوة دي لو بردت حتكوني مدونة في كشف التقصير! ، أول ما قال كدا انفجرت بالضحك قال لي ايوا كدا اضحكي!.
يلا شيلي القهوة دي عشان ريحتها قلبت راسي ، و
خلينا نقعد في البلكونة ، نشم شوية هوا.
قعدنا في البلكونة ، بدا يحكي لي ف مواقف حصلت ليه و بضحك فيني! ، من دون مقدمات قلت ليه طارق.. إنت لما كنت محاصر، كنت بتتذكرني؟ كنت بجي في بالك زي ما إنت كنت حاضر في بالي و دعواتي كل ثانية؟!.
خت كباية القهوة، وعاين لي بنظرة عميقة ، قال لي...
ولا يوم نسيتك يا هديل.. ولا لحظة غبتِ عن بالي تعرفي؟ المكالمة الودعتك فيها ديك ، أنا حياتي وقفت عندها ، كنت دايماً بسأل نفسي ، حالك كيف هسي؟ بتعملي في شنو؟ وهل ح نتلاقى تاني ولا خلاص؟!.
سكت مسافة ، سرح بعيد كأنو بسترجع شريط ذكريات قاسي ، اتنهد وهو بِحكي لي عن أصعب ليلة مرت عليه قال لي...
يا هديل.... أنا شفت الموت عيان بيان.. في أيام الحصار ، كان التدوين علينا تقيل لدرجة تخلي الأرض تهتز تحت رجولنا ، في ليلة وقعت دانة قريبة مننا هدمت الساتر الكنا فيه ، لقيت نفسي تحت الأنقاض الظلام كان شديد ، الغبار سدّ نفسي ، والرؤية انعدمت تماماً.. في اللحظة ديك ، روحي بتنازع ، كنت بتشهد و ما جا في بالي غيرك ، كنت بنادي باسمك في سري وبقول يا رب ما أموت قبل ما أشوفها تاني ، وتعرف إني حي ، لغاية ما جوا وأنقذونا...
قال لي أنا متأكد دي دعواتك الصادقة هي الكانت بتنقذني ف كل مرة.
و لما قلتي لي عايزة أرجع من مصر ، كنت في صراع مع نفسي ، قلبي كان محتاج ليكِ وعايزك جنبي وبفتش عليكِ في كل لحظة ، بس عقلي كان بِقول لي ما ترجعي ، إنتِ ما ح تستحملي الوضع ولا قسوة الخراب الشفتيه الليلة ، كنت خايف عليكِ.. بس لما لقيتك مُصرّة وما اتراجعتِ ، فرحت من جوه قلبي فرح ما بقدر أوصفو ليكِ ، رجوعك دا رد فيني روحي من جديد بعد ما كنت عايش على ذكريات الغوالي الفقدتهم.
كلامو لمس قلبي وخلاني أحس بفخر غريب ، نسيت الخوف والقبور والعمارة ، حسيت إني فعلاً سندو ، قمت من مكاني ومشيت عليه احتويتو وقلت ليه...
أنا معاك يا طارق في أي مكان ، والبيت دا طالما أنت فيه، يبقى بالنسبة لي أمان الدنيا كلها.
بعد ما ونسة طارق خففت عني حدة التوتر ، عاين لساعة يدو و قال لي....
الزمن سرقنا والوقت اتأخر أنا لازم أنوم ، تعبان شديد و بكرة عندي تقارير لازم تترفع من الصباح يلا ندخل.
طارق ع طول غرق ف نوم عميق ، السكينة الغطت وشو خلتني أبتسم وأنا بحمد الله إنو رجع لي بالسلامة.
فتحت تلفوني ، الشبكة كانت كعبة ، و الرسائل بدت تنزل متقطعة ، لقيت صوتيات من امي ، فتحتها بصوت واطي ، كانت بتلومني بتقول لي يا هديل خلاص من لقيتي طارق نسيتينا تماماً؟! ، لا حس لا خبر نسيتي عندك ام بتقلق عليك و شايلة همك ، و إنت ولا على بالك ، شلت سماعتي ، اتسحبت ع البلكونة عشان ما ازعج طارق.
اتصلت عليها ، ما عدت ثواني فتحت الخط ، قبل اسلم عليها بقت تشاكلني ، قلت ليها والله يا أمي ما نسيتكم بس ما بكون فاضية للتلفون ، قالت لي الشاغلك شنو قدر دا؟، لما يغلبك ترسلي لي؟! ، و طارق كيف ان شاء الله طيب؟! ، قلت ليها كويس ، سألتها من هبة اختي وناس خالو ورحاب وامها قالت لي كويسين ، إلا اختك غلبتني ما عارفة تاني اجيبها معاي السودان كيف؟! ، قلت ليها يمة انتو الاتنين ما اظن ترجعوا تاني! ، قالت لي برري والله راجعة بس الوضع يتصلح والكهرباء ترجع ، قلت ليها أن شاء الله بتجي.
قالت لي... انتي ان شاء الله مبسوطة و الوضع كويس اي حاجة متوفرة؟! ، قلت ليها ايوا وطارق ما مقصر معاي بس الليلة ، رحلنا الخرطوم عشان نكون قريبين من شغلو.
أمي بدت تمطرني بالأسئلة وهي قلقانة...
الخرطوم يا هديل؟ والبيت دا كيف؟ في ناس حولكم رجعوا و المنطقة دي أمان؟.
حاولت اطمئنها انو كل حاجة تمام ، لأني عارفة أمي أقل حاجة بتشيل هم ، قلت ليها جمبنا ناس ساكنين ، و ف ارتكاز واحد ، كنت برد عليها وعيوني تلقائياً كانت بتمسح في واجهة العمارة المضلمة القصادنا.
قالت لي... اها البيت ما فيه حاجة؟! و نضفتو كويس ، وشغلتو فيه قرآن؟!.
قلت ليه... حاجة زي شنو يا أمي؟! ، طارق نضفو ورتبو لي كويس حتى جيت ، مافيه حاجة.
قالت لي.. شغلي فيه سورة البقرة ليل ونهار ، البيوت دي يا هديل قعدت فترة طويلة فاضية مهجورة والبيوت لما تخلا من الناس بسكنوها "عُمار" تانيين. نحن ما عارفين المصايب الحصلت فيها ، من الناس الاستبحاوها ، الأرواح البريئة و الدم السال فيها دي كلها بتجذب حاجات ما بتتشاف.
كلام أمي كان بينزل عليّ زي الموية الباردة ، بقيت أبلع ريقي بصعوبة ، وهي ما عارفة إنو البيت الأنا فيه دا أصلاً واجهتو على "المقابر" مباشرة ، ولا عارفة إنو في عمارة قصادي مهجورة وقلبي م أرتاح ليها.
رديت عليها وأنا بحاول أخلي نبرة صوتي طبيعية ، قلت ليها ....
يا أمي بسم الله ، دا كلام شنو؟! ، مالك عايزة تخوفيني كدة في الليل دا؟! ، البيت نضفناه وطارق مأمنو تماماً، وبكرة ح أملاه ليكِ بالقرآن.
قاطعتني بحدة ، و بكل جدية.....
ما بخوفك يا هديل ، دا واقع إنتِ بعيدة عنو ، الأرواح الهايمة والمظلومة دي لسه حارسة الأماكن! ، أنا بقول ليكِ كدا ، لأنو جيران خالتك بتول ، لما رجعوا يشوفو بيتهم ، لقو فيه جثتين اتحللوا ، ف البدروم حقهم ، و جيرانهم كل يوم بسمعوا أصوات و حركة غريبة ، لما ف النهاية اتأكدو انو البيت اتسكن.
بقيت متسمرة من كلام أمي وقلبي بضرب تلقائياً ، من الخوف.
ف نفس اللحظة الكنت بسمع فيها تحذيرات أمي عن الأرواح و البيوت المسكونة ، عيني وقعت على شباك العمارة القصادنا.. فجأة شفت ضوء سجارة.. جمرة حمراء صغيرة بتلمع في نص الضلام ، بتولع وتطفي ببرود غريب ، وكأنو صاحبها واقف براقبني و بسمع في كلام أمي معاي.
دعكت عيني كم مرة عشان اتأكد إني ما بحلم ، للحظات جسمي كلو قشعر ، حسيت إنو الهوا في البلكونة بقى تقيل و بارد ، بقيت أقول دا اكيد زول! بس طارق قال لي البيت دا فاضي طيب دا منو؟!
أمي لما حست بسكوتي ، حاولت تغير كلامها عشان ما تخوفني ، قالت لي.....
ما تشيلي هم ما كل البيوت اتسكنت ، وبعدين إنتِ معاكِ رب العالمين و طارق ما عليكِ خوف ، قلبي و دعواتي معاكم.
بقيت ما مركزة مع كلام أمي ، عيني ف شباك العمارة قلت ليها برجع ليك تاني يا أمي ، طارق صحى بنادي فيني.. قفلت الخط من غير انتظرها ترد علي.
فضلت واقفة و مثبتة نظري على الجمرة البتتحرك دي و فجأة اتطفت بقوة ، كأنو الزول دا استوعب إني شفتو و مركزة معاه ، في ثانية لمحت خيال كبير ، كأنو طيف أسود ، اتحرك بسرعة البرق من قدام الشباك واختفى ف الضلام ، الرعب السكن قلبي في اللحظة ديك ما كان طبيعي ، بس الخلاني فعلاً أفقد أعصابي هو "الريحة".
كانت ريحة سجائر تقيلة و تخنق ، مالية المكان كلو ، وكأنو الزول دا كان واقف معاي في البلكونة بدخن ، ما بعيد عني أمتار.
جريت جوا الغرفة ، وأنا كاتمة صرختي ، مشيت لطارق و بقيت أهز فيه بشدة.... طارق!.. طارق قوم سريع... ف زول ف العمارة ! ، في زول كان بيعاين لي يا طارق!.
طارق قام مخلوع ، أول ما سمع كلمة زول ، يدو مشت تلقائياً لسلاحو الكان تحت المخدة ، بقى يحاول يستوعب وهو بقول لي.. في شنو ياهديل ؟! ، اي عمارة ؟! في زول حاول يدخل البيت؟!.
قلت ليه.. لا ما في البيت ، في العمارة القصادنا.. شفت جمرة سجارة بتولع وتطفي ف الشباك ، ولما ركزت شفت خيال زول أختفي ف الضلام .. و ريحة السجائر مالية البلكونة.
بقي يقول لي اهدي يا هديل!... قام طلع ع البلكونة عاين لمسافة بس الريحة اختفت ، قال لي... أنتي متأكدة شفتي زول؟! ، قلت ليه والله متأكدة ما بكذب ، قال لي طيب ... شال تلفونو اتصل لناس الارتكاز كلمهم يجوه بسرعة ، قال لي... خليكِ هنا واقفلِ عليكِ الباب من جوه ، لغاية ما أرجع ، و شال سلاحو نزل......
يتبع....
