رواية مطعم ست الكل الفصل الثاني 2 بقلم نور محمد
البنت بلعت ريقها وصوتها كان بيترعش وهي بتبص لصابرين ولأحمد، وقالت الجملة اللي جمدت الدم في عروقهم:
"أصل أنا عمري ما شفت ماما.. ليها خيال (ظل) على الأرض، حتى لو الشمس في وسط السما!"
أحمد حس إن الأرض بتلف بيه، وكريم سألها بذهول: "بتقولي إيه يا بنتي؟ يعني إيه ملهاش خيال؟"
البنت كملت وهي بتعيط: "وكمان.. كل المرايات اللي في البيت متغطية بقماش أسود، ماما كانت بتقولي إن المرايات بتوجع عينها، بس أنا مرة شفتها واقفة قدام مراية بالغلط.. والمراية كانت فاضية! ماما مكنتش باينة فيها!"
صابرين النادلة بدأت تصرخ وتلطم على خدها: "يا مصيبتي! يعني أنا كنت شغالة عند "عفريتة" كل السنين دي؟ وبقبض منها فلوس، وبناكل من إيدها؟"
أحمد مسك إيد البنت "هنا" وسألها بلهفة: "طب هي فين دلوقتي؟ راحت فين؟"
البنت شاورت على أوضة مقفولة في آخر الممر وقالت: "دخلت هنا وقفلت على نفسها بالمفتاح."
أحمد جري على الأوضة وبدأ يخبط بكل قوته: "ليلى! افتحي يا ليلى! أنا أحمد.. جوزك! افتحي وقوليلي إيه اللي بيحصل؟ أنتي عايشة ولا ميتة؟ وإيه اللي جابك هنا؟"
مفيش رد.. هدوء قاتل ورا الباب.
كريم ساعد أحمد وكسروا الباب بكتفهم.. ودخلوا.
الأوضة كانت فاضية تماماً!
لكن الشباك كان مفتوح، والستارة بتطير مع الهوا.. وعلى السرير كان فيه "علبة قطيفة" قديمة أحمد عارفها كويس. جرى عليها وفتحها، لقى فيها "دبلة" جوازهم اللي هو لبسهالها بإيده يوم الفرح، وجنبها ورقة مطبقة مكتوب فيها بخط إيد ليلى اللي يعرفه زي اسمه:
"يا أحمد.. كان نفسي العمر يطول بيا عشان أربي بناتي الاتنين سوا. أنا ممتش يوم الولادة بالمعنى اللي تفهمه.. الروح فضلت متعلقة عشان "هنا". بنتنا التانية اللي الدكتور قالك إنها ماتت، مكنتش ماتت يا أحمد.. الممرضة سرقتها عشان هي مابتخلفش وهربت بيها للبلد دي، وأنا روحي فضلت ورا بنتي لحد ما الممرضة ماتت وهي عندها سنتين، فظهرت أنا عشان أربيها وأحميها.. "ست الكل" مكانش مطعم، كان "ستر" لينا لحد ما تيجي تاخد بنتك وتجمعها مع أختها.. أمانتك معاك يا أحمد، واللقمة اللي أكلتها النهاردة هي آخر زاد ليا في الدنيا.. ودعتك الله."
> الکاتبه نور محمد
أحمد وقع على ركبه وهو بيشهق من البكا، وفي اللحظة دي.. النور اللي في الأوضة بدأ يطفي ويولع، وسمعوا صوت همس ناعم بيتردد في أركان الأوضة: "خلي بالك من "هنا" يا أحمد.. زي ما خليت بالك من "نور".. وحللني واهجرني يا حبيبي."
فجأة.. صابرين صرخت وهي بتبص على الفلوس اللي في شنطتها.. الفلوس اللي قبضتها من ليلى الصبح اتحولت لـ "ورق شجر ناشف"!
النهاية؟ لا.. لسه فيه مفاجأة!
أحمد خد "هنا" في حضنه وقرر يرجع بيها لبيته عشان يجمعها بأختها "نور".. لكن وهو طالع من البيت، البنت "هنا" وقفت فجأة وبصت لأحمد بعيون غريبة وقالتله:
"بابا.. هي ماما قالتلك إنها خلاص مشيت؟"
أحمد استغرب وقالها: "أيوه يا بنتي.. خلاص سرها انكشف وراحت لبارئها."
البنت ابتسمت ابتسامة باردة وقالتله:
"بس أنا لسه شايفة خيالها واقف وراك دلوقتي حالا.. وماسك في رقبتك!"
أحمد لف رقبته ببطء ورعشة..
الصرخة اللي شقت سكون البيت مكانتش نهاية الكابوس، دي كانت مجرد "المقبلات" للي جاي..
أحمد لف رقبته ببطء، وعروقه مشدودة لدرجة إنها كانت هتنفجر. ملقاش حد! الهوا كان بارد زي التلج، بس مفيش حد واقف وراه. بص لـ "هنا" وهو بينهج: "بتقولي إيه يا بنتي؟ مفيش حد ورايا! أنتي بتخوفيني ليه؟"
هنا فضلت باصة لنقطة فراغ ورا كتافه، وعينيها مبرقة وجامدة: "هي مش عايزانا نمشي يا بابا.. هي بتقول إنك سيبتها زمان لوحدها، ومش هتسيبك تاخدني وتمشي دلوقتي."
كريم شد أحمد من إيده وهو بيترعش: "بقولك إيه يا أحمد، البنت دي شكلها ملبوسة أو اللي رباها مش إنسانة طبيعية! خلينا ناخد البنت ونغور من البلد دي حالا، أنا مش مطمن للجو ده!"
ركبوا العربية، وأحمد ركب "هنا" ورا. كريم دور العربية، والموتور كان بيطلع صوت غريب كأن فيه حد بيخنق المكنة. "اخلص يا كريم! دوس بنزين!" صرخ أحمد وهو بيبص في المراية اللي في نص العربية.. وفجأة، قلبه سقط في رجله!
في الكنبة اللي ورا، جنب "هنا"، شاف طيف باهت لست بتبصله بابتسامة حزينة ومخيفة في نفس الوقت. غمض عينه وفتحها.. الطيف اختفى.
كريم طلع بالعربية بأقصى سرعة، بس الغريب إن الطريق اللي المفروض ياخد 10 دقايق عشان يخرجوا من البلد، بقاله نص ساعة مبيخلصش! هما بيلفوا في دايرة مقفولة، وكل ما يمشوا يلاقوا نفسهم راجعين قدام مطعم "ست الكل"!
"إحنا بنلف في ساقية يا كريم! البلد دي مش عايزة تسيبنا!" أحمد نزل من العربية وهو فاقد أعصابه، ودخل المطعم تاني اللي كان ضلمة كحل وريحته بقت ريحة "تراب وعفن" بعد ما كانت ريحة أكل تجنن.
دخل المطبخ وهو بيولع كشاف موبايله، ولقى "أجندة" قديمة محطوطة على الرخامة. فتحها ولقى فيها أسماء زباين المطعم.. الصدمة كانت إن كل الأسماء اللي مكتوبة هي أسماء ناس ميتين في البلد من سنين!
كريم دخل وراه وهو شايل "هنا" على كتفه: "أحمد، إحنا لازم نفهم.. الست دي مكانتش بتأكل أحياء، الست دي كانت فاتحة المطعم ده 'معدية' بين عالمنا وعالمهم، وأنت لما دخلت وأكلت من أكلها، بقيت 'مربوط' بيها!"
فجأة، "هنا" نزلت من على كتف كريم ومشت بخطوات ثابتة ناحية الحيطة، وشاورت على بلاطة معينة: "ماما بتقولكم احفروا هنا.. الأمانة مش بس أنا، الأمانة لسه تحت الأرض."
المفاجأة اللي قلبت الموازين
أحمد وكريم بدأوا يكسروا في البلاط بهستيريا، لحد ما وصلوا لصندوق حديد قديم. فتحوه ولقوا جواه:
* شهادة ميلاد تانية لـ "هنا"، بس بتاريخ قديم أوي.
* صورة لأحمد وليلى وهما شايلين بنتين توأم، بس الغريبة إن الصورة دي أحمد "عمره ما تصورها"!
بص أحمد للصورة بذهول: "دي ملامحي.. ودي ليلى.. بس إحنا متصورناش الصورة دي أبداً!"
هنا قربت منه وهمست في ودنه بصوت مكنش صوت طفلة أبدأ، كان صوت "ليلى": "عشان دي مش صورة يا أحمد.. دي كانت 'أمنيتي' اللي محققتهاش في الدنيا، فحققتها هنا.."
فجأة، المطعم كله بدأ يتهز، وصوت صريخ الزباين "الوهميين" رجع يملى المكان، والنار ولعت في المطبخ من غير سبب!
كريم زعق: "يا أحمد اخرج! المطعم بيتحرق! سيب كل حاجة واجري!"
أحمد مسك "هنا" من إيدها، بس البنت مكنتش بتتحرك.. كانت تقيلة كأنها جبل.
بصتله وقالت بدموع: "لو خرجت من باب المطعم ده يا بابا.. هنسى كل حاجة، وهنسى ماما.. هل أنت مستعد تعيش معايا وأنا مجرد 'بنت' عادية، ولا عايز تفضل هنا معاها؟"
أحمد وقف محتار بين نارين:
* يخرج ببنته "هنا" لعالم الأحياء بس يفقد "ليلى" للأبد.
* ولا يفضل في المكان ده اللي "الزمن" فيه واقف، ويعيش مع خيال حبيبته؟
أحمد خد بنته وجري ناحية الباب، وأول ما خطى عتبة المطعم، حصلت "انفجار" وراه سوى المطعم بالأرض!
أحمد فاق وهو نايم على الأرض في الشارع، وكريم جنبه بيحاول يفوقه.
"أحمد! أنت كويس؟ الحمد لله إننا خرجنا قبل ما المطعم يقع!"
أحمد قام مفزوع: "فين هنا؟ فين بنتي؟"
لقى "هنا" قاعدة على الرصيف، بتبصله بهدوء.. بس ملامحها كانت متغيرة، كأنها نسيت كل اللي حصل.
أحمد حضنها وبكى.. بس وهو بيقوم، لقى في جيب جاكيتته حاجة غريبة..
لقى "مفتاح" صغير عليه ورقة مكتوب فيها: "المطعم اتهد.. بس البيت لسه مفتوح. هستناك في أحلامك."
وهو بيركب العربية، "هنا" بصت في المراية وابتسمت لـ "فراغ" جنبه، وقالت كلمة واحدة خلت شعر جسم أحمد يقف:
"نورتي البيت يا ماما.."
