رواية نصف زوجة الفصل الثالث 3 بقلم زارا

 

 رواية نصف زوجة الفصل الثالث 3 بقلم زارا

​​انتبهت على صوت العسكري وهو ماسكني من كتفي و بقى يصرخ فيني .. يلا يابت اطلعي قدامي على الدفار.. وبدون صوت!.
نفضت يده مني وقلت ليه.. إياك تلمسني! ، ضحك بسخرية وهو بعاين لي من فوق لتحت قال لي.. أوعك تعلي صوتك.. عشان ما اضربك ، عاملة فيها بت ناس ، وانت محشورة في نص القرف ده؟!. 
​تقوى مسكتني وهي بترجف .. عليك الله اسكتي يا لينا ح يضربك! ، كلامو جرحني و العبرة خنقتني ، بقيت أبكي بحُرقة ، في لحظات لقينا نفسنا في "دفار النظام العام" مع أشكال وألوان من الشباب ، نظرات الناس لينا في الشارع ونحن مارين بالدفار مليانة احتقار وكره ، وكأننا مجرمين اتحكم علينا ، كنت مغطية وشي بطرف طرحتي ، ودموعي ما عايزة تقيف وبردد.. يا رب سترك.. يا رب سترك. 
تقوى جمبي من الخوف والبكاء مسكها وجع بطن ، وكل دقيقة اقول ليها دا كله بسببك انتِ. 
​وصلنا القسم.. المكان الكنت بحلم أدخله بهيبتي كمحامية ، بشنطتي وورقي، دخلته وأنا.. مشتبه فيها ، العساكر بدو الكلام والإساءة فينا من طرف ، يا مدمنين.. إنتو الخاربين البلد دي بقرفكم دا!، هسي أهلكم المساكين ديل عارفين فوضتكم دي؟ ولا إنتو أصلاً ما عندكم أهل ربوكم؟!. 
​وسط الجوطة والتحقيقات ، عرفنا إنو الكافيه كان تحت المراقبة من فترة بسبب بلاغات عن شباب بتاجروا وبتعاطوا "ممنوعات" في الغرف الداخلية ، ونحن كلنا اتمسكنا بجرم الاشتباه ، الكارثة إنو الشباب المعانا زاتهم كانوا في حالة تعاطي كاملة و غايبين عن الوعي. 

​وقفونا صف طويل عشان يسجلوا بياناتنا في الدفتر الكبير ، في واحد من الضباط، كان باين عليه الصرامة، بقى يتفحص في وشوش الناس ،كنت منزلة راسي من الإحراج ، لغاية ما جاء وقف قصادي أنا بالذات.. عاين لي مسافة طويلة بنظرة فاحصة خلت قلبي يقع في رجليني ، قال لي بنبرة جافة.. بطاقتك؟! ، طلعت ليه البطاقة ويدي بترجف ، شالها وعاين فيها بتركيز مبالغ فيه ، و فجأة ملامحه اتغيرت للصدمة ، قال لي بصوت مذهول..لينا الطيب علي؟! بت مولانا الطيب؟! الجابك هنا شنو يا بت.. ولا ده تشابه أسماء؟!. 
​سكتّ مسافة الخوف شلّ لساني ، حاولت أنكر قلت ليه بصوت مقطع لا.. لا.. ما هو.
قاطعني بحدة ونهرة.. أوعك تكذبي! ملامح أبوكِ مطبوعة في وشك.. أطلعي من الصف ده وأمشي أدخلي المكتب الجوه داك بسرعة!. 

​تقوى لما شافتني طالعة ، مسكت في يدي وبقت تبكي بشهقات... ما تخليني براااي يا لينا.. ح يعملوا فيني شنو؟! ، الضابط بقى يضحك قال ليها.. ح نعمل فيك شنو؟!! ، فجاة نهرها بقسوة.. فكيها يا بت! أرح قدامي ، اضطريت أفك يدها ودخلت المكتب وأنا حاسة إني ماشة لمشنقتي.
وقفت في نص المكتب ، والأصوات البرا كانت كابوس أصوات الضرب والصراخ و جوطة العساكر، رجولي ما كانت شايلاني، وراسي يودي ويجيب ، تقوى ح يحصل ليها شنو؟ ولو الضابط ده اتصل على أبوي، نهايتي ح تكون كيف؟!. 

​أبوي وأمي القايلني هسي في قاعة المحاضرات ، فجأة يلقوني في قسم شرطة وفي قضية مخدرات واشتباه  سمعتي و مستقبلي كلهم ح ينهارو قدامي ، ما قدرت أتحمل أكتر وانفجرت بالبكا بطول حسي. 

​الضابط قعد ورا مكتبه وعاين لي بأسف و لوم ، قال لي أقعدي في الكرسي ده يا لينا.. وتاني سألني بتأكيد.. إنتِ بنته صاح؟!.. هزيت ليه راسي ، وبقيت أحنس فيه .. أيوه أنا بنته.. بس عليك الله يا سعادتك، الله يرضى عليك استرني وما تكلمه.. أبوي لو عرف ح يروح فيها ، هو مريض ضغط وسكري ، ما بتحمل الفضيحة دي ، والله يا سعادتك أنا ما عارفة المكان ده مشبوه، ولا بعرف الناس ديل.. أنا جيت مع صاحبتي بس ، الله يخليك ما تضيعني!. 

خبط الدرج بقوة ، ونهرني بصوت عالي خلى دموعي تجمد في عيوني... وكمان طالبة قانون؟! ، أبوكِ راجل محترم ليه سمعته وكلنا بنعزه و نقدره ، من حقه يعرف بته بتعمل في شنو من وراه!، إنتِ بتمشي أي مكان من غير ما تعرفي؟ المحل الكنتِ فيه دا ، كلو مرة بنداهمو وبنلقى فيه نفس الأشكال والقرف.. نحن ما بنستر في وضع زي دا، ولازم أهلك يعرفوا عشان يحموكِ من أصحاب السوء الفي حياتك ديل!. 
​من غير احس لقيت نفسي قمت من محلي ، مشيت مسكته من يده، بقيت أحنس فيه بذل ما كنت بتخيل إني أصل ليه في يوم، بكيت لدرجة حسيت قلبي انقطع من الوجع، بس هو كان زي الحجر، ما اشتغل بي ولا بتوسلاتي بكل برود ، مد يده وشال تلفونه إتصل عليه.. 
السلام عليكم.. مولانا الطيب.. بتك لينا دي عندنا هنا في القسم.. في مشكلة بسيطة ومطلوب حضورك هسي.
​في اللحظة ديك، اتمنيت الموت.. اتمنيت الأرض تنشق وتبلعني قبل ما عيني تقع في عين أبوي وهو جاييني في قسم شرطة ، دموعي نشفت من كتر البكاء، والضابط بعد ما قفل الخط ملامحه هدت شوية وبقى يحاول يحنس فيني ويقول لي.. ما تبكي أنا عايز مصلحتك ، وقال لي إنه عرفني لأنه شافني كتير مع أبوي في المحكمة وكان بس عايز يتأكد.
​أنا ما كنت مركزة معاه ولا مع كلامه، كنت غرقانة في دوامة من الرعب.. بتخيل في منظر أبوي الخيبت ظنه و مفتكرني خلاص عقلت و بقيت أرفع رأسه.. كيف ح يقدر يعاين في وشي وهو شايفني وسط المجرمين. 

​​بعد نصف ساعة مرت وكأنها سنين، الباب اتفتح بقوة رفعت راسي بخلعة، وأول ما عيني وقعت في عينه ، شفت الانكسار ف وشه ، من غير مقدمات خطف خرطوش كان في يد العسكري الواقف ، وبدون ما ينطق بحرف واحد ، وقع فيني خبط.. بكل قهر وغِل وانا بس ختيت يدي في راسي  الضابط والعسكري قاموا بسرعة وحجزوه مني وهم بحاولوا يهدوه... 
اهدى يا مولانا.. استهدي بالله يا الطيب! ما تضربها هنا، بتك بريئة والله نحن بس جبناها عشان تنتبه وتبعد من أصحاب السوء.. الموضوع انتهى بضمانتك يا مولانا.
​أبوي رمى الخرطوش في الأرض بقرف و هو برجف ، الا جابو ليه موية هدوه ، قال لي قدامي سرييع.. والتفت علي الضابط قال لي بصوت مكسور... شكراً يا عبد الرحمن.. دي غلطتي أنا الدلعتها زيادة ، وما عرفت أربي!. 
​مشيت وراه وانا جسمي كلو برجف من الألم ، بقى سايق بسرعة لدرجة قربنا ننقلب ، وطول الطريق كان بضرب الدركسون بيده ويصرخ فيني... 
أنا الطيب علي! أمشي القسم عشان ألم بتي من نص المدمنين والمجرمين؟! كنت مفتكرك عقلتِ يا لينا.. كنت بقول بتِ كبرت وبقت بتشرفني وسط الناس وبتسند ضهري! كنتِ بتمثلي علي دور البت الملتزمة والناجحة وإنتِ بتلعبي من وراي؟! ، ​قبل علي و لأول مرة في حياتي ، أشوف دموعه محبوسة في عيونه بقهر.. 
عايزة تبقي قانونية؟ عايزة تدافعي عن الحق وإنتِ أول من يكسر القانون برجليك؟ الوداكِ في نص ناس بتتعاطى مخدرات وسموم شنو؟! ، أضمن من وين إنك إنتِ زاتك ما بقيتِ زيهم؟ أضمن من وين إنك ما اتلوثتِ بقرفهم ده؟!. 
​حاولت أفتح خشمي وأدافع عن نفسي ، والله يا أبوي أنا...
قاطعني بنهرة... ولا كلمة! ثقتي فيكِ يا لينا.. ماتت واندفنت في باب القسم داك!. 
​وصلنا البيت وهو لسه بكرر بمرارة... قال قانون قال! القانون ده مفروض يتطبق فيكِ إنتِ أول.. عشان تعرفي حدودك!. 

أمي أول ما شافت دموعي و منظري الأنا فيه ، جرت علي بخوف... لينا مالك؟ حصل شنو يا الطيب؟ البت مالها؟!. 
​أبوي صرخ فيها زحي منها يا سعاد! زحي من بتك الشرفتنا بعمايلها! ، آخر الزمن أمشي أطلع بتي من السجن؟! ، و هي مقبوضة في كشة مخدرات ومن مكان مشبوه. 
​أمي شهقت بصوت عالي، ويدها على صدرها من الصدمة.. دا كلام شنو؟ صحي يا لينا الكلام دا؟ أنتِ ما مشيتي الجامعة؟!. 
ما قدرت أنطق بكلمة من الخجل ، نزلت راسي وانا ببكي. 
​أبوي واصل كلامه... من متين بناتنا بدخلوا الأقسام؟ أنا يا سعاد كنت رافض أزوجها ليوسف ، و قلت حرام بتِ تدفن مستقبلها في بيت راجل أرمل وعيال ما عيالها.. بس أنا ما بقدر أتحمل بلاويها دي ، ولا عندي طاقة أدس راسي في التراب بسببها أكتر من كدا! ، قبل علي.. لكن يا لينا.. أنا تاني ما عندي معاك كلام غير تعرسي يوسف دا! ، هو الوحيد الح يقدر يكسر عينك دي ويلمّك، وبناته أمانة في رقبتك بدل الصياعة في الكافيهات!. 
​الكلام نزل علي زي السكين ، رفعت راسي وبقيت أصرخ... لا! ما عايزة يوسف يا أبوي.. والله ما كان قصدي أوطي رأسك، والله أنا...
قاطعني ورفع التربيزة عايز يفكني بيها ..اسكتي! كمان عندك عين تتكلمي وتناقشي؟! 
أمي جرت عليه بسرعة و مسكت منه التربيزة وهي بتصرخ فيني أمشي سريع من قدامه يا لينا!. 
​جريت وأنا شبه منهارة ، الوجع ما كان بس من الخبط، كان من شكه فيني إني بتعاطى ومن الكابوس الرسمه لي... في شكل يوسف. 
​حسيت إني وحيدة ومحاصرة، وما عندي مخرج غير وليد ، شلت التلفون ويدي بترجف ، اتصلت عليه أول ما فتح الخط، انفجرت بالبكاء.. الحقني يا وليد... أبوي عايز يزوجني غصباً عني.. عليك الله أعمل أي حاجة، تعال اتقدم لي، اتصرف.. أنا لو عرست يوسف ح أموت يا وليد.. ح أموت!

​ردّ علي بصوت مذهول عرس شنو؟ ، ويوسف منو يا لينا؟! إحنا مش اتفقنا إنو الموضوع ده بعد التخرج؟
حكيت ليه الحصل في القسم بسرعة، وكيف أبوي فقد الثقة فيني وقرر يسترني ، سكت مسافة و بقى يلومني.. إنتِ لما اتكلمتي معاي الصباح ليه ما قلتِ لي إنك طالعة؟ يا لينا ده شنو الموقف الدخلتي نفسك فيه ده؟!. 
​قلت ليه عليك الله يا وليد ما تلومني.. كفاية تأنيب الضمير الحاسة بيه هسي.. أنا محتاجة ليك.
سكت تاني مسافة ، وقال لي.. طيب هسي أنتِ اهدي وما تبكي، أي مشكلة عندها حل.. رسلي لي رقم أبوكِ.. أنا ح أتكلم معاه وبفهمه إني شاريكِ ومستعد أتقدم ليكِ هسي ، ومهما حصل أنا ما بتخلى عنك!.

​كلامه طمئني ،عديت يومين في البيت .. لا كلية، لا طلعة، ولا حتى قادرة أعاين في وش أمي ، وليد اتصل على أبوي واتكلم معاه، ولما رجع لي كان صوته مخنوق بالعبرة.. قال لي أبوكِ رافض تماماً يا لينا.. ردّ لي بكلمة واحدة، إنه أعطى كلمة ليوسف وكلمته ما بتنزل الأرض ، وما أداني أي فرصة أتجادل معاه. أنا آسف يا لينا، عملت كل الممكن.
​في اللحظة ديك ، عرفت إنو كل السكك اتقفلت في وشي ، بقيت ألوم في نفسي... أنا الخلاني أمشي مع تقوى شنو؟، اتصلت على ليلى أختي عشان أفضفض ليها، لقيت أمي سبقتني وكلمتها ، نبزتني وما خلت لي كلمة، قلت ليها... والله مشيت مع تقوى بحسن نية ولو كنت عارفة الح يحصل ما كان خطيت خطوة.. عليك الله اتكلمي معاه، هو بسمع ليكِ.. والله أنا مالي ذنب، امتحاناتي قربت وعايزة أقرأ، وأنتِ عارفة إنو وليد في حياتي وبحبه!. 
​قالت لي.. عقلك كان وين يا لينا؟ العملتيه ده ماف زول سبقكِ عليه، بس ح أحاول أتكلم معاه ، وما تلوميني لو رفض.
ليلى جاتنا البيت ، و اتكلمت معاه ، جاتني قالت لي اتجهزي لعرسك سااي ، ابوي قال لي .. إنتِ ما عارفة أختكِ وعمايلها، الأحسن تنستر بسرعة! ويوسف ما ح يحرمها من قرايتها، ده لو كان هي أصلاً باقية على القراية!. 

عملت كل القِدرت عليه ، دخلت وساطات بكيت، وحنست، بس في النهاية استسلمت للأمر الواقع.. أبوي وخالتو زينب حددوا العرس بعد أسبوعين بس! كأنه أي واحد فيهم عايز يتخلص من هم تقيل على قلبه.

​كنت بمسك الكتاب بيدي وعيوني سرحانة في الفراغ، وأمي وخالاتي شغالين في شنطتي وأرياحي، والبيت مقلوب بالتجهيزات .. و كل ما يطلبوا رأيي في حاجة تخصني، بقوم بصمت وأخليهم. 
​فجأة، وأنا قاعدة في دوامة تفكيري، سمعت أصوات ضحك وونسة صحباتي، وأمي بترحب بيهم ، جريت لبست التوب بسرعة ، أول ما دخلوا، عيونهم وقعت علي بلهفة.. 
كدا يا لينا؟ تقطعي قلبنا عليكِ.. تقفلي تلفونك وتقيفي من الجامعة؟!. 
​عيني وقعت على تقوى واقفة وراهم، وشها كان مخطوف ومنزلة راسها ، قلت ليها بضيق وحرقة... انتِ الجابك معاهم شنو؟، سكتت وما ردت ، جوا سلموا علي ، أسيل بدت تشمشم فيني بدهشة... قالت لي.. أجي يا لينا! دي شنو ريحة الدخان دي؟ أنتِ محبوسة يا بت؟!. 
صفاء ما انتظرت ردي ، طوالي مسكت يدي وقلعت الجونت بسرعة وشافت آثار الدخان بقوا يصرخوا بذهول... لينا دا شنووو؟ بتتجهزي لعرسك وما بتكلمينا؟ بنسمع بغتاتة الصحبات ، لكن الليلة شفناها عندك!. 
​قلت ليهم و أنا بأشر على تقوى... دا الحصل لي بسبب الهانم دي.. دا عرس السترة الأبوي عاقبني بيه..
​تقوى انفجرت بالبكاء ورمت نفسها فيني.. لينا.. عليكِ الله سامحيني.. أنا والله ما كنت قايلة الح يحصل كدا.. والله ندمانة، يا ريتني لو كنت أنا المكانك ولا يحصل ليكِ الحصل ده ، ​أسيل قاطعتها وهي بتحاول تهدي الجو.. يا بت ما شفتِ تقوى؟ دقوها دق العيش، وأنتِ عارفة أهلها صعبين كيف.. اتصلت علينا بليل تبكي، إلا أنا وصفاء رسلنا ليها واحد عسكري بنعرفه، اتصرف ومشى طلعها بطريقته من غير ما أهلها يعرفوا التفاصيل ، وسألنا منك قال أبوها جاء ضربها وساقها.. شوفي آثار الضرب في يد تقوى لسه قاعدة.
شفت الآثار السوداء ​، وحسيت بوجع مشترك، بس الفرق إنو تقوى انضربت واتسترت، وأنا انضربت واتحكم على. 

حكيت ليهم الحصل لي كلو، وهم يشيلوا وينبزوا في الضابط وتصرفه، ولما وصلت لإنو عرسي اتحدد من يوسف .. فتحوا خشمهم من الصدمة وبقوا يعاينوا لبعض بذهول.. يوسف الأرمل الكنتِ بتحكي لينا بيه زمان دا؟! ، أيوه.. هو ذاته.
​صفاء قالت لي ..سبحان الله.. شفتِ الحب القديم ده ما بتنسي كيف والأيام لفت وجمعتكم تاني تحت سقف واحد!
رديت عليها بضيق وقرف... حب شنو يا صفاء؟ يوسف هسي بقى حياة ح أدخلها وأنا مجبورة.
​أسيل عاينت لي بشفقة وسألتني السؤال الكنت بهرب منه... طيب يا لينا.. ووليد؟ وليد المسكين موقفه شنو؟ الزول ده كان شاريكِ ومستني تخرجك بفارق الصبر، ح يعمل شنو لما يسمع إنكِ بقيتي لغيره؟. 
​قلبي وجعني و انا بتذكر صوته في التلفون، ملامحه، ضحكته، والوعود البنيناها سوا.. بكيت من كل قلبي وأنا بتذكر علاقتنا الكانت مليانة أمان ، وهسي بتنهار قدام عيني. 
أسيل حضنتني عليها وهي بتهدي فيني.. يا لينا ما تبكي.. أمر المؤمن كله خير، ونحن جنبك ما ح نخليكِ عاينت لتقوى لقيتها لسه غرقانة في دموعها، قلت ليها حصل خير يا تقوى.. ما تبكي، ده قدري وأنا اللازم أواجهه.... 

​خالتو زينب، من سمعت إني رافضة أي شكل للفرح وما متحمسة لشي، جات قعدت جمبي وقالت لي بحنية اعملي النفسكِ فيه يا لينا، دي أول فرحة ليكِ وما عايزين نكسر بخاطرك ، قلت ليها.. ما عايزة حاجة يا خالتو.. بس خلوني في حالي.
ردت علي بحنية.. عارفاكِ خايفة من مسؤولية البنات وأبوهم، بس صدقيني يا لينا، أنا ما اخترتكِ ساي.. أنا من زمان كنت شايفة حبكِ ليوسف في عيونك و إنتِ شافعة، و أنا عارفة قلبك حنين و طيب زي نور ، و أنتِ الوحيدة الح تقدري ترعي بناتها ، و صدقيني يوسف طيب بس الدنيا قست عليه مرتين، ومتأكدة ح تطلعي من الحالة العايش فيها دي.. وما تشيلي هم، أنا بشيل مسؤولية البنات لغاية ما تتخرجي.
​هي بتتكلم عن حب حب داس عليه  ولدها ببروده زمان ، و هسي كل البهمها هو مصلحته هو وبناته ، ناسية تماماً إنو لينا الشافعة اتغيرت و بقى ماف يوسف ف حياتها. 

قبل العقد بيوم ، صحباتي جُوا باتوا معاي عشان يونسوني ويخففوا على ، بس ونستهم كانت بتزيد ضربات قلبي توتر وضيق.
​كنت بعاين ليهم بنص عين وأنا شايفة صفاء بتضحك وتقول  يا بت يا لينا، الليلة آخر ليلة ليكِ في حياة العزوبية.. بكرة خلاص ح تدخلي القفص الذهبي وتنسينا! أمانة ما وقعت واقفة يا مدام يوسف.
أسيل كانت ماسكة تلفونها وبتقرب في صورته وهي منبهرة.. أمانة يا لينا حبيبك ما سيد الرجال! وجاهة وهيبة، الله يهنيكِ.
​عدلت قعدتي بضيق... حب شنو وقفص ذهبي شنو يا بنات؟ الحب ده كان زمان وأنا شافعة موهومة.. يوسف البعرفه مات مع نور، والهسي ده زول تاني خالص.. أنا خايفة منه ومن نظراته أكتر ما خايفة من الموت نفسه.
اتذكرت لما شفته ف العربية قلبي قبضني وحسيت بالرهبة منو.. 
​تقوى قالت لي.. يمكن أنتِ مكبرة الموضوع عشان الصدمة، و نظراته دي وجع وفقد على مرته.. بكرة تعيشي معاه ويعرف حنيتك وح يتغير. 
صفاء قاطعتها وهي بتضحك..خلوها، لينا هسي بتتدلع علينا.. بكرة لما تشوف الدلال ح تنسانا وتنسى وليد وسنينه! المهم البنات الصغار ديل في رقبتك، وديل هم طريقك لقلبه ، ​ضحكت بمرارة وقلت في سري... يا ريت الموضوع بالبساطة دي.. 
                       
                           *                     *                    *

تم العقد.. وعرسي طلع أبسط من البسيط ،لا حفلة، لا لمة كبيرة، اكتفيت بتوب العقد وميكاب هادي ونقش بسيط.. كل شي تم بسرعة، كأنه "سر" بنحاول ندسه عن عيون الناس.
​بس الناس كعادتهم ما رحموني، الكلام بدأ ينهش فيني طعنوني في سمعتي وفي شرفي... شفتوا لينا المتبوبرة؟ عرسها طلع كتامي كيف؟ ، قالوا عملت عملة وأهلها ستروها بيوسف الأرمل عشان يلم الفضيحة!. 
والتانية ترد بـ غل.. أيوا.. ما شفتوها عاملة فيها شيخة؟ وهي قالوا رفعوها من كافيه ببوكس الشرطة للقسم، وأبوها اترجى يوسف يلمها!. 
​ما عرفت الكلام ده جابوه من وين وكيف؟ بس كل كلمة كانت بتنزل في قلبي زي السكين ، آلاء شافتني منهارة ، قالت لي.. لينا، ما تشتغلي بكلام الناس، يكفي إننا عارفنك أنتِ شنو.. و أنا بجد مبسوطة إنك أخيراً عرستي الكنتِ بتحلمي بيه.
قلت ليها بس أنا ما مبسوطة يا آلاء.. أنا مكسورة.
صدقيني بكرة لما تعيشي معاه ح تعرفيه من قريب، وح ترجعي تحبيه أكتر من أول..​هزيت راسي بصمت وأنا بعاين لمرايتي.. كنت شايفة عروس بس بروح ميتة. 

بعد دقائق سمعت أصوات النسوان بزغردوا، وصحباتي يتهامسوا ويغمزوا.. العريس وصل ، أول ما دخل الصالون ، الجو كله اتغير.. خطواته كانت تقيلة، ووشه صارم خالي من أي ملمح للفرح ، لابس جلابية بيضاء وعمة لافيها بدقة وهيبة، و الحنة في أطراف أصابعه كانت باهتة، كأنها واجب عمله عشان يرضي أمه.
​بدأ الجرتق.. اللحظات المفترض تكون الأجمل لأي عروس ، كانت عبارة عن تمثيلية تقيلة. 
قعد جنبي وما حاول حتى يهمس بكلمة مباركة ، كنت حاسة بنظراته لي من تحت لتحت.. نظرات غريبة ، كأنه بشوفني زولة تانية ما أنا.
 يده كانت بتترعش بشكل ظاهر ، ما كانت رعشة عريس خجلان كانت رعشة غضب و توتر ، وكل دقيقة  يقبض كف يديه بقوة كأنه بحاول يسيطر على نفسه عشان ما ينفجر أو يقوم ، كل م النسوان يزغردوا ، كان بغمض عيونه بضيق، ونفسه يعلى ويهبط ،كأنه في حلبة مصارعة ما في جرتق.
​النسوان كانوا بتهامسوا ف وشي... شوفوا يوسف عابس كيف؟ أكيد عارف الحقيقة ومغصوب عليها!.. أصواتهم كانت عالية، وهو ولا كأنه سامع، متسمّر في مكانه. 
بمجرد ما اتجرتقنا ، قام وقف نفض جلابته بسرعة مبالغ فيها ، أشر لي بيده بمعنى "يلا"، ونظرته كانت حادة خلتني أرتعب منه  
​أسيل همست لي.. لينا، يوسف ده طبيعي؟! ، ولا مالو بالضبط.. غايتو الله يعينك على الراجيكِ!. قلبي انقبض من كلامها يعني هي كمان لاحظت ليه. 

طول الطريق ، ما نطق ولا بكلمة ، وكل ما نمر بإنارة عمود الضوء كان بعكس لي ملامح وشو الحادة ، أول ما وصلنا البيت فضل قاعد ورا الدركسون لمسافة طويلة ، فجأة و من غير مقدمات سألني... 
أنتِ كنتِ بتعملي شنو في الكافيه داك؟!. 
​اتجمدت في مكاني من السؤال ، حاولت أبلع ريقي عشان أدافع عن نفسي، بس نزل من العربية بسرعة كأنه ما عايز يسمع مني رد، فتح لي الباب وشال الشنطة ومشيت وراه.  ختّ مفاتيحه على التربيزة والتفت على بكل برود من غير رومنسيات أو مجاملات عرسان... 
أقيفي.. عايزك في كلمتين ، وقفت مكاني من غير ما أعاين في عيونه ، بنبرة آمرة قال لي... 
خليكِ عارفة إن العرس ده تمّ لأن أمي أصرت وربطته برضاها ومصلحة البنات ، وعشان وضعك الحكاه لي أبوكِ، وإنك محتاجة سِتر.. و أبوك ليه مكانة عندي و في مقام الوالد الله يرحمه ، بس أنا ما عايزك، ولا كان عندي الرغبة أتزوج تاني.. فما تنتظري مني مشاعر، ولا تنتظري إني أبقى ليكِ زوج فعلي بالمعنى الأنتِ عارفاه. 
​حيست بإهانة من كلامه ، بس سكتت وانا بسمع ليه.. 
البيت ده ح يجمعنا عشان نربي البنات وبس.. أنتِ ليهم أم راعية، وأنا ليكِ غطاء قدام الناس ، مادياً ما  ح أقصر منك، بس قلبي وحياتي الخاصة ديل حدود ممنوع تقربي منهم.. أنتِ هنا مربية ب"لقب زوجة" .. وغرفة البنات هي غرفتك.. مفهوم؟!. 
​في قلبي قلت ليه.. أصلاً ما اتغيرت.. لسه المفتري الجارح ، كنت عايزة أصرخ وأقول ليه أنا كمان مجبورة عليك ، بس كبريائي منعني ، هزيت راسي ببرود وقلت ليه... 
​كويس إنك بديت بالوضوح ده، لأنه بوفر علينا وقت كتير ، أنا كمان جيت هنا عشان أقفل صفحة وجع.. بناتك في عيوني لأنهم أطفال وما عندهم ذنب، أما أنت.. فما تشيل هم، لأني ما عندي مساحة في قلبي لزول.. ولا مهتمة بحياتك. 

حسيته اتفاجأ ببرودي من ملامح وشه ، كأنه ما اتوقع ردي
 هزّ راسه بضيق ودخل غرفته وقفل الباب وراه بقوة.
 شلت شنطتي ودخلت غرفة البنات، وأنا طايرة من الفرح ، مفتكر نفسه بعاقبني؟ و ما عارف انه قدم لي أكبر خدمة.. انه وفر علي تعب التمثيل.
                   
                        *                    *                      *   

استحميت وصليت ركعتين لربنا طلبت منه القوة، وقفت قدام المرايا وقلت لنفسي ، ركزي يا لينا.. فضل أسبوع واحد للامتحانات ضيعتِ كتير ، وما ينفع تضيعي مستقبلك ، إنتِ هنا عشان تثبتي لأبوكِ إنك فعلاً قدر الثقة. 
​بكل هدوء، رصيت ملابسي الساترة والواسعة في الدولاب، وعاينت بطرف عيني لعطوري وملابسي الخاصة ، خليتهم في شنطتهم ، ما في داعي ليهم في حياة مربية ، شلت كتبي و شيتاتي رصيتها على التربيزة ، وعملت جدول مذاكرة صارم، كأني بجهز لمعركة مش مجرد امتحان.

​في لحظة ضعف، شلت التلفون.. عيني وقعت على اسم وليد ، كنت عايزة أسمع صوته ، و أقول ليه إني لسه بحبه، وإني مخنوقة بس فجأة اترددت.. خفت يغير نظرته لي.. عروس في أول ليلتها بتتصل بحبيبها القديم؟ هل حيفهم إني مكسورة بفتش عن أمان، ولا حيشوفني خااينة ؟!.
جدعت التلفون بعيد ، ومسكت الشيت وبديت أقرا بكل تركيز. 

​مرت أيام الأسبوع الأول وأنا عايشة كأني "شبح" في البيت ، كنت براقبه من ورا الباب، أول ما يطلع للمسجد، بطلع أجري المطبخ، أشيل أكل كافي وأعمل شاي، وأرجع غرفتي أقفل علي الباب.
كنت حاسة إن يوسف "ما طبيعي"، طول الليل بسمع حركة رجوله في الصالة.. خطوات تقيلة ، ماشي وجاي كأنه ما بنوم. 
ما ركزت معاه كتير. 

بس ​في ليلة الامتحان ، كنت بقرا للساعة ١٢.. و البيت غارق في سكون غريب ما بتسمع فيه إلا حركة المروحة وصوت الصفحات البقلبها ، حسيت إني عطشت ، و الموية العندي خلصت ، شلت الباقة و طلعت ، أول ما وصلت نص الصالة شفته مقبل ضهرو ، وبهمس بكلام ما مسموع ، قلبي وقف من الرعب عايزة أرجع ، فجأة قبل وشو علي كأنه حسه بحركتي ، بقى يقرب علي بخطوات بطيئة ، و ملامحه كانت مختفية مع الضلام ، و صوت أنفاسه عالية ، رجولي بقوا ما شايلني ، الباقة وقعت مني ، و من غير أحس فكيت صرخة عالية هزت أركان البيت.... 
                 الفصل الرابع من هنا 
تعليقات



<>