بقى يقرب علي بخطوات بطيئة ، و ملامحه كانت مختفية مع الضلام ، و صوت أنفاسه عالية ، رجولي بقوا ما شايلني ، الباقة وقعت مني ، و من غير أحس فكيت صرخة عالية هزت أركان البيت.
قبل ما أستوعب الصرخة أو أحاول أتحرك ، هجم علي بحركة سريعة ومفاجئة كأنه نمر مستني لحظة الهجوم مسكني من ورا شعري بقوة ، ورفع راسي لدرجة رقبتي طقت وقربت أفقد توازني ، و بيده التانية ضغط بإصبعه السبابة على خشمي ، همس لي بصوت مخيف وغااضب.... هشششششش! .. صراخك دا بوترني ، ما عايز أسمع صوت غريب في بيتي.. فاهمة؟!.
كنت حاسه بيديه بترجف شديد ، وجسمي كله بنتفض صرخ فيني فاهمة؟!!! ، رديت وانا بهز راسي و دموعي نزلت من الخوف ، عيونه كانت بتتفحص ملامحي بدقة مخيفة كأنه بفتش عن زول تاني في وشي ، بلعت ريقي بصعوبة و قلت ليه بصوت مخنوق... يوسف بتعمل في شنو ؟ فكني.. أنا لينا!.
ما ردّ علي بكلمة ، فضل مثبتني مسافة ، ضاغط على شعري ، أول ما حس باستسلامي التام ، فكّ شعري فجأة ونفض يدينه ، مشى لغرفته ببرود، وخلاني واقفة مكاني، مذهولة والدموع نازلة مني بصمت من الصدمة.
جريت بسرعة قفلت الباب و جسمي كله برجف ، ما كنت قادرة أستوعب هو ماله؟ والتحول المخيف الجاه دا؟! ، و الرعب الدخله فيني والمسكة القوية لشعري خلت فروة راسي توجعني. والنظرة الخالية من أي رحمة.. خلتني أحس إني عايشة مع وحش متنكر في هيئة بني آدم.
حاولت أرجع ل الشيت ، بس الكلمات بقت تطير مني فضلت مساهرة طول الليل، عيني على مقبض الباب، خايفة يفتحه علي في أي لحظة، وخايفة حتى أطلع أشرب الموية الطلعت عشانها.. فضلت محبوسة مع عطشي ورعبي لغاية الصباح.
لما الصباح جاء، قمت بجسم مهدود ، لبست وجهزت شنطتي طلعت ، كنت متوقعة ألقى الجو مشحون أو ألقاه بعتذر عن جنونه بتاع أمس.. بس الصدمة كانت أكبر وأغرب!
يوسف كان قاعد في الكرسي ، لابس جلابية بيضاء مكوية ونظيفة، ومتأنق بدقة مبالغ فيها كأنه عريس بالجد ، قاعد يشرب في شايه بكل هدوء و سكينة، ولا كأنه قبل ساعات كان بجرجرني من شعري في الضلام. أول ما شافني ، رفع عينه عاين لي من فوق لتحت.... قال لي.. على وين كمان؟!...
قلت ليه.. عندي امتحان.. الليلة أول يوم.
ختّ كباية الشاي وتاني سألني... إنت متأكدة ماشة امتحان؟ والشنطة دي فيها شنو؟!..
سؤاله استفزاني لدرجة خلتني أنسى خوفي ، رديت ليه بحدة.. فيها كتبي و شيتاتي!، وده ما سؤال يتسأل أصلاً.. وبعدين إنت بتتعامل كدة ليه؟ ليه بالليل كنت بترعبني وتعمل فيني كدة؟ لسه فروة راسي بتوجعني من مسكتك لي.. كنت عايز مني شنو؟!.
رفع حواجبه ببرود واستغراب متقن، وكأنه بسمع الكلام لأول مرة..
بالليل؟! ، أنا لا لاقيتك ولا شفتك بالليل.. كنت نايم في غرفتي وقافل علي الباب ، الظاهر كنتِ راسمة أحلام ف راسك وما اتحققت.. يا مدام لينا.
اتجمدت من الذهول.. هو بقول في شنو؟ أنا لسه حاسة بأثر أصبعه ع خشمي! وقبل ما ألقى كلمة عشان أرد ، ضحك بخبث... ولا يكون عقلك هو الصور ليكِ إني جيتك؟ قولي كدة من الصباح إنك مشتهية قربي وما قادرة تصبري ، فقام خيالك هيأ ليكِ إني كنت معاكِ..
وشي بقى كبدي من الاحراج والخجل.. كمان بتهمني في رغبتي ويطلعني أنا الولهانة والمتخيلة؟ ، فتحت خشمي عشان أصرخ فيه ، قام وقف شال مفاتيحه و قاطعني أرح.. أنا ح أوصلك ، وما عايز أي لف ودوران برا الجامعة.. كفاية الفضيحة الجبتيها لأبوكِ ولسمعتك.
مشيت وراه وأنا بضرب أخماس في أسداس ، هو لو بتعاطى حاجة دا كلام تاني ، بس مستحيل يكذبني.
طول الطريق كنت داسة راسي في شيتاتي، وشوية أعاين ليه بطرف عيني وأنا شايفة ملامحه الصارمة الما بتوحي بأي جنون! ، أول ما وصلنا بوابة الجامعة، لمحت أسيل وصفاء وتقوى واقفين منتظرني ، وبدوا يضحكوا بصوت عالي ويسلموا علي بحماس.
يوسف وقف العربية و عاين ليهم مسااافة بقرف و ضيق كأنه بقيم فيهم! ، قال لي.. ديل هم صحباتك؟!.
رديت بكبرياء... أيوه ديل أخواتي.
نزلت بسرعة من غير ما أنتظر تعليقه، بس لمحت نظرته ليهم.. ما كانت نظرة عادية، كانت نظرة احتقار كأنه بعاين لبؤرة فساد..
مشيت ليهم وأنا مرتبكة ، سلموا علي بجوطة أووووو.. عروستنا وصلت! الشوووق يا بت.. هو العرس بخلي الناس سمحة كدة؟!.
أسيل غمزت لي و عينها ليوسف.. طبعاً لسه واقف بعاين ليكِ.. خايف ناكلك ولا شنو؟!.
التفتّ وراي لقيته لسه واقف، نظرته لينا حادة ، و بدل ما يتجاهلوه و يتقلوا ، بقوا يضحكوا بصوت عالي ، دور العربية بسرعة وفات ، عرفت إنه اتضايق من أسلوبهم.
صفاء غمزت لي.. أها يا بت.. يوسف طلع كيف؟!، شكله الأمور سلكت..
ابتسمت ليهم بخجل مصطنع، وبقلبي قلت... يوسف طلع لغز بمية وش ، والظاهر إنه من أول دقيقة.. حكم عليكم بالإعدام في نظره.
دخلنا الكلية، والدفعة كلها اتلمت حولي لما شافوا الحنة في يدي.. لينا! عرستِ متين؟ ألف مبروك!،
كنت بهز راسي وبشكرهم بآلية ، بس عيوني كانت بتفتش وسط الزحمة عن زول واحد بس.. وليد!. كان نفسي أشوفه، مش عشان أرجع ليه ، بس عشان أحس بلمحة من الأمان الفقدته في ليلة واحدة.
زمن الامتحان جاء.. دخلت القاعة و استلمت ورقتي بالي مشغول وليد وين؟ وليه ما ظهر من عرف بموضوع العقد؟ هل اتهرب مني وقرر ينسحب؟! ولا الخذلان كسر قلبه لدرجة إنه ما قادر يعاين في وشي؟ الأسئلة كانت بتنهش في راسي، بس استعذت من الشيطان وركزت في ورقتي، و الحمدلله الامتحان كان ساهل.
أول ما طلعت، قعدت مع صحباتي راجعنا الأجوبة، و بدينا نشرح لبعض المادة الجاية ، وفي نص المراجعة تلفوني رن.. يوسف!.
حسيت بقلبي انقبض ، رديت بصوت واطي.. أيوة؟
وين أنتِ؟ أنا واقف قدام البوابة.. وما بحب الانتظار.
شلت شنطتي بسرعة واستأذنت منهم ، أسيل قالت لي.. أها خلاص.. بدينا في "وين أنتِ" و"ما تتأخري" يختي يحليلنا و يحليل لينا البتقعد معانا لنص الليل.
صفاء ضحكت وردت.. يحليله الجديد شديد.. متلهف وما قادر يصبر على غيابك ساعات الامتحان دي!
تقوى أضافت ببراءة... الأخت شكلها وقعت بكله.. الله يدينا!.
رديت عليهم بضيق بحاول أخفي بيه وجعي... يا بنات وبعدين معاكم؟!..
مشيت وانا قلبي بقول.. يا ريتكم لو عرفتوا المتلهف ده عمل فيني شنو بالليل.. كان بكيتوا علي بدل ما تضحكوا فيني.
طول الطريق كان هادئ ، ولا حتى سألني اشتغلتِ كيف في الامتحان؟!.
وصلنا البيت ، دخلت غرفتي قبل أرمي شنطتي وأغير ملابسي ، اتجمدت في مكاني.. في حاجة غلط! الملاية ما مشدودة بالطريقة الخليتها بيها، وعيني وقعت على الدولاب.. قميصي نازل بطرفه لبرا ، قلبي بدأ يدق بسرعة ، مشيت فتحت الباب ولقيت الملابس جايطة وكأن في زول كان بفتش ، لدرجة شنطة عطوري كانت مفتوحة و العطوركانت متبدلة من أماكنها و حتى الأوراق ما سلمت.
جسمي كله قشعر.. يوسف دخل غرفتي وأنا في الجامعة؟ ، بهبش في خصوصياتي ليه؟ بفتش عن شنو.. خيانة وهمية في راسه ولا هو مهووس سيطرة ولا ناسي انه ماف واحد بدخل في خصوصيات غيره؟! طبقت ملابسي بسرعة ، حلفت الا امشي اسأله، تاني خفت أمشي أسأله ، يسمعني وسخ أذنه و يطلعني متلهفة.
صليت و طلعت المطبخ ، لقيت السفرة جاهزة ، وهو قاعد ياكل ببرود مبالغ فيه ، قال لي.. تعالي أكلي.
قعدت وأنا ميتة من الجوع ، بس اللقمة كانت بتقيف في حلقي من الغضب.
فجأة انتبهت ليه ، يوسف ما كان بيأكل عادي...
كان ماسك السكين وبقطع في قطع اللحم قدامه بحركات بطيئة، رتيبة، وقوية بشكل مستفز.
صوت اصطدام السكين بالصحن كان بضرب في أعصابي.. تيك!..تيك! ، كان بقطعهم لقطع صغيرة شديد، بدقة جراح بشرح في جثة ، أو كأنه بقطع في زول بكرهه وبتخيل نهايته في الصحن ده!.
عيونه كانت سارحة وتايهة في الفراغ، ملامحه متجمدة كأنه تمثال ، المنظر كان مرعب لدرجة خلتني أنسى جوعي وضيقي ، قلت ليه بصوت مهزوز.. يوسف.. يوسف؟!.
ما ردّ علي ، ولا حتى رمش، حسيت بخوف حقيقي، أترددت المسه تاني اتشجعت وهزيت كتفه.. يوسف! أنت سامعني؟!.
فجأة، انتبه لي بخلعة، كأنه كان في عالم موازي وجاء راجع بصعوبة ، عاين لي بنظرة غريبة.. نظرة زول ما عارف هو وين، ولا بياكل مع منو. وقبل ما يقوم، شال منديل ، وبدا يمسح السكينة من آثار الاكل بطريقة دقيقة ،كأنه بنظف في "أداة جريمة" من آثار الدم ، وبعد ما السكينة بقت تلمع ختاها في نص التربيزة جمب الشوكة، وفضل يعدل في ميلانها لما بقت موازية للشوكة ، و دا كله وانا مبرقة عيوني مصدومة فيه.
رفع عينه علي لثانية واحدة كانت كفيلة تخلي جسمي يبرد ، قام وقف من غير ما يكمل لقمته ، وطلع من المطبخ بصمت غريب.
الأفكار بدت تضرب في راسي.. يوسف ده ماله؟! هل أنا متزوجة مريض نفسي بعاني هوس قهري؟ ولا يوسف ده ممثل بارع ، و بمارس علي إرهاب نفسي عشان يكسر عيني؟! ، بس طريقة لمسته للسكينة وكأنه بمسح في دم ، ما كانت عشوائية.. دي كانت رسالة صامتة... أنا بقدر أشرحك من غير ما أنطق بكلمة.
قلت في سري .. الزول ده لو مضطرب نفسياً، يبقى أنا في خطر حقيقي جوه البيت ده. والامتحان الحقيقي اللازم أنجح فيه ، هو كيف أقدر أنوم تحت سقف واحد مع لغز متحرك باسم يوسف؟!.
حاولت أركز في كتبي ، لغاية ما الساعة مشت على ٩ بالليل ، العطش والحاجة للحمام بقوا يلحوا علي، بس الخوف كان مانع حركتي تماماً ، بقيت أتخيل يوسف واقف لي في نص الصالة المضلمة، مستني صرخة تانية عشان يهجم على ، لما خلاص ما قدرت استحمل، فتحت الباب ببطء شديد ، و بقيت أتسحب على أطراف أصابعي ، دخلت الحمام بسرعة و جريت كأنه في وحش بطاردني.
حاولت أغصب نفسي على القراية، بس خيالي كان بسرح معاه.. مع مسكة يده للسكين وتقطيعه للحم. من كتر الإرهاق والضغط النفسي الفوق طاقتي، جسمي استسلم ونمت نومة تقيلة ومخطوفة، وما صحيت إلا الصباح.
لقيته فات شغله ، اتنفست بإرتياح و استغليت الهدوء عشان أعوض الفاتني ، اتصلت بصحباتي مكالمة جماعية ، شرحنا المادة وضحكنا شوية ، واليوم مرّ بسلام نسبي.. بس أول ما سمعت صوت حركته ف الباب ، قفلت الباب علي ، و ما ظهرت ليه خالص، وهو ما حاول يقرب من غرفتي.
الساعة دقت ١٢ بالليل، وعيني بدأت تغمض.. وفجأة!.. سمعت صوت.. طاااااخ!.
صوت تكسير قزاز هز أركان البيت ، رفعت راسي وأنا مرعوبة ،وتاني جاء صوت صحن أو كباية بتضرب بقوة في الأرض..طاااخ! ، قمت براحة ، ونزلت على الأرض زحفت لغاية ما عاينت من تحت الباب ، شفت نور الصالة فاتح، وظل يوسف بتحرك بسرعة جنونية..
ماشي وجاي.. ماشي وجاي! ، كأنه نمر هائج ومحبوس في قفص ضيق.
رجعت لسريري وأنا كاتمة نفسي بيدي ، وبضغط على خشمي عشان صرختي ما تطلع ، ما قدرت أغمض جفني ولا لحظة.. كنت بسمع صوت تكسير العدة بفواصل زمنية. لما ف الآخر شكله هدى ، و الأصوات وقفت ، بس دقات قلبي البوقفها شنو ،اسئلة كتيرة بدت تدور ف راسي ، يارب يوسف دا عيان وأهله ما كلموني؟! ، و هل نور كانت عايشة معاه كدا، ولا هو عايز يقطع قلبي؟! ، بس مستحيل يكون إنسان طبيعي ، ف الآخر غلبني النوم قبل الفجر بشوية..
صحيت مفزوعة ، عاينت للساعة.. لقيت الامتحان فضل ليه ٢٠ دقيقة بس! قمت زي المجنونة، لبست عباية، وما كان في زمن حتى أعمل ميكاب أخفي بيه الهالات السوداء الرسمها الرعب تحت عيوني.
طلعت وأنا متوقعة القى المكان ساحة معركة بس كان نضيف ومرتب بشكل مُريب ، كأن أصوات التكسير دي كانت مجرد كابوس ف راسي.
لقيته لابس ، ومتأنق كالعادة، بس الصدمة كانت في يده.. ملفوفة بشاش أبيض ، و فيها آثار دم قلبي انقبض ، و بدون وعي سألته.. يوسف.. مالا يدك؟ حصل شنو؟!.
عاين ليده ببرود... مافي حاجة.. جرحتها بسكين وأنا بقطع برتقال بالليل ، بس أنا كنت عارفة.. انه ما من السكين ، من المعركة الكانت شغالة آخر الليل دي.
عاين لي وسألني بسخرية .. خايفة علي؟! ، وضحك ضحكة استهزاء قال لي .. هي ذاتها كانت عاملة بتخاف علي.. اخلصي، اتأخرتِ، أرح أوصلك.
بقيت واقفة في مكاني، مذهولة.. كيف الإنسان ده قادر يتبدل بألف وش في ثانية؟ ومنو القاصدها بالاستهزاء ده؟! ، أكيد "نور" ، بس ليه بتذكرها بالقرف ده؟ هل كان شاكي في حبها؟ ولا هي كانت بتمثل عليه زي ما هو متخيل إني بعمل هسي؟!.
ركبنا العربية ، وقعدت ملصقة في طرف الباب، كنت عايزة أبعد منه قدر ما أقدر، لأنه بديني إحساس إنه قنبلة ح تنفجر في أي لحظة ، لاحظ حركتي دي.. صرخ فيني بضيق وغضب.. أنتِ مالك كاشة كدة؟! في شنو.. شايفة شيطان؟!. ، ما رديت عليه خوفت يمسكني من شعري انكمشت ذيادة ،
و بدون مقدمات، مسكني من كتفي بقوة.. بتكلم معاك أنا ردي ؟! ، من الخلعة راسي ضرب في القزاز ، من غير احس صرخة بصوت عالي.. قلت ليه.. فكني يا يوسف.. زح مني!.
فرمل العربية بقوة في نص الشارع ، اتلفت علي وعيونه كلها شرر.. أنتِ بتصرخي كتير كدة لشنو؟ صراخك ده بوترني،أنا ما بحب الصوت العالي في عالمي.. فاهمة؟! قرب من وشي ... وبعدين أنا لسه ما عملت ليكِ حاجة تخليك تصرخي بالشكل ده!.
الكلمة دي نزلت علي زي الصاعقة.. "لسه ما عملت ليكِ حاجة؟!" قلت ليه.. أنت بتقول في شنو يا يوسف؟ في أكتر من كدة؟ سهر، وأرق، وتكسير، و تصرفات غامضة .. أنت عايز توصلني لشنو تجنني؟!.
سكت مسافة وهو بعاين لي ، كأنه بقيس مدى تحملي، قال لي ببرود.. أنا لسه بختبر في الأساسات يا لينا.. ما تستعجلي على البناء ، اطلعي امتحني وما تنسي.. الصراخ بجيب ميكروبات الغضب، وأنا عايزك نضيفة.
نزلت بسرعة دخلت الكلية ، و انا بفكر ف كلامه المبهم و بتكلم برااي ، ياربي يوسف دا فهمه شنو؟!..و ليه بتعمد يرعبني كدا ، فجأة لقيت نفسي خبطت زول ، رفعت راسي لقيته وليد ، عاين لي باستغراب و صدمة.. لينا!! بتتكلمي براك؟!، وشك ماله مخطوف كدة؟! ، ما ممتحنة انتِ؟!.
فجأة اتذكرت امتحاني، ما قدرت أرد عليه، ولا فيني طاقة أحكي، خليته واقف وجريت لقاعة الامتحان.
لقيت الطلاب كلهم مركزين ف ورقهم و شبه خلصوا، الدكتور عاين لي بشفقة قال لي.. لينا مالك اتأخرتِ ؟ امسكي الورقة وأمشي أقعدي هناك، الزمن فاتك! ، قعدت وأنا مشوشة تماماً، كنت بشوف الحروف اتنين اتنين ، و يوسف بطاردني في كل سطر بكتبه.. طلعت آخر واحدة من الامتحان دموعي ف وشي ، و متأكدة إني ما اشتغلت حاجة.
لقيت صحباتي مستنيني بضحكهم المعتاد ، أول ما قربت منهم سألوني بفضول... لينا! مالك جاية متأخرة كدة؟!، وشك مخطوف ولونه شاحب حصل شنو؟!.
في اللحظة ديك ، انهرت تماما و انفجرت بالبكاء من غير ما أحس.. دموعي كانت بتنزل بحرقة قلت ليهم.. أنا خايفة و تعبانة نفسياً، حاسة إنه يوسف ده بالليل ببقى متوحش .. ما بعرفه ولا بشبه البشر!.
مرت ثواني من الصمت، كنت متوقعة انهم يتعاطفوا معاي و يطمئنوني.. وفجأة.. انفجروا كلهم بالضحك! ضحك عالي ومستفز لدرجة الطلاب في الممر انتبهوا لينا.
صفاء ردت و هي بتضحك.. يا لينا.. أنا مفتكرة حصلت ليك حاجة!، يعني الامتحان طار منك عشان سهرة حمراء وجاية تتبكي لينا هنا؟ يا ريتنا كلنا نضيع امتحاناتنا في سهرات زي دي!.
أسيل مسكت بطنها من كتر الضحك وهي بتمسح دموعها... يا عيني على الرومانسية المتوحشة! يختي خلاص عرفنا إنك عايزة تكرفسي مشاعرنا وتغيظينا.. بطلي قلة أدب ودلع ، غيرك يفتش لوحش زي يوسف وما لاقي!.
رديت عليهم وأنا مصدومة، مذهولة من تفكيرهم الماشي في اتجاه واحد.. ده شنو خيالكم المريض ده؟ أنتوا ما فاهمين حاجة.. والله الموضوع ما كدة!، يوسف ده بعمل حاجات بتخوف، يوسف ده..
قاطعتني تقوى وهي بتلوي خشمها.. خلاص يا ستي، ارحمي نفسك و اتقلي عليه شوية فترة الامتحانات دي.. وفري طاقتك للقراية ، الله يستر على النتيجة لو مشيتوا بالمنوال ده بتشيلي المواد! ، و يلا نمشي ناكل لينا حاجة ونراجع ، قبل ما وحشك دا يجي يخطفك.
تاني فكوها ضحكة وهما بجروني معاهم للكافتريا.
مع إني كنت ببكي بحرقة وبكل حواسي من الرعب وهما بضحكوا من أعماقهم ، كنت حاسة إني بتكلم لغة تانية ماف زول بفهمها.. ما قادرة أقول ليهم إنه بكسر القزاز، وإنه بمسكني من شعري، وإنه بكلم نفسه في الضلام.. لأنهم ببساطة ح يفتكروها أكشن عرسان!.
مشيت وراهم وأنا حاسة إني وحيدة أكتر من أي وقت فات.
فطرنا وراجعنا شوية ، وانا شبه شاردة ، طلعنا نشرب قهوة ونشوف ركن هادي نكمل فيه مراجعة ، أثناء ما إحنا ماشين سمعت صوت وليد بناديني ، بس قررت أتجاهله وأواصل مشي.
صفاء قالت لي شوفي الخروف ده عايز شنو ، ما يكورك فينا ، خليتهم يتقدموا و مشيت ليه ، قلبي بدق من الخوف.. خايفة من يوسف، و من الحنين اللسه ساكن فيني ، وقفنا في ركن بعيد عن الزحمة ، عيونه كانت بتفحصني بلهفة، كأنه بحاول يقرأ في وشي تفاصيل الأيام الفاتتني مع يوسف.
قال لي بصوت مليان حزن.. لينا.. أنا والله ما كنت عايز أمر بجنب لجنتك ولا أراقبك عشان ما أضعف وأخرب عليك تركيزك.. بس ما قدرت أمسك نفسي، لما شفتك داخلة متأخرة بتتكلمي براك ووشك مخطوف، قلبي أكلني عليكِ.. أنتِ كويسة؟!
نزلت عيوني في الأرض وقلت ليه.. أنا كويسة يا وليد.. بس ضغط الامتحانات و الإرهاق.
قال لي... ليه أنا حاسي إنك ما مرتاحة يا لينا؟ في حاجة مضايقاك؟ راجلك ده.. كويس معاك؟.
ما قدرت أرد عليه، حسيت بغصة في حلقي كأنها شوك
والدموع بدت تلمع في عيوني غصب عني ، سكوتي كان أبلغ من أي كلام.
وليد قرب مني خطوة، والعبرة خانقاه... لينا.. أنا ما قادر أنساكِ.. ما قادر أستوعب إنك بقيتي لغيري، وكل ما أتخيل إنك في بيت واحد مع زول غيري بحس بروحي بتطلع.. أنا عارف إني انسحبت، بس والله كان غصب عني، أبوك قفل كل الأبواب في وشي وما كان بيدي حل غير إني أبعد عشان ما أزيد وجعك.
مسح وشو بيده وكمل بصوت مهزوز.. لينا.. أنا ما قادر أشيلك من قلبي بسهولة، وعايزك تعرفي حاجة واحدة..لسه كتفي موجود عشان تتكي عليه لو حسيتِ إنو الدنيا ضاقت بيك أنا لسه هنا، وما ح أتخلى عنك.
كلامه حسسني للحظة إنو لسه هو الملجأ الكنت بحلم بيه.. بس فجأة، صوت تلفوني قطع اللحظة دي.. كان يوسف..
قلت لوليد.. أنا ح امشي زوجي منتظرني ، مشيت للشلة.. شلت شيتاتي.. وأنا بحاول أخفي ارتباكي، تقوى رمت لي كلمة بضحكة مستفزة.. غايتو الله يصبرنا على فيلم لينا ويوسف ده! ، اسيل ردت بعديها.... برااحة ما تقعي! .. طنشتهم ومشيت.
لقيت القزاز مفتوح وهو بعاين للساعة بضيق ، أول ما ركبت، سألني بصوت خالي من أي تعبير وبدون ما يلتفت علي.. مالك كنتِ بتبكي؟!.
رديت باختصار وأنا بتهرب منه.. ما اشتغلت كويس في الامتحان.
سكت مسافة، وبعدها ضحك ضحكة قصيرة.. ما ليها اي علاقة بالوقت ولا بالموقف.. قال لي..
جميل! .. إنتِ درستِ قانون، وعارفة إنو أي جريمة وليها أدلة، وأي خيانة وليها تمن ، أوعى تفتكري إنو الغموض بحمي صاحبه يا لينا.. الحقيقة دايماً بتطلع، وأنا صبري طويل.. طويل جداً.
قلبي ضرب بقوة، وبقيت أسأل نفسي.. ياربي شافني واقفة مع وليد؟! ، ولا عايز يوريني انه مراقبني ، بس ما حبيت أظهر ليه خوفي رديت بحدة...
أنت بتقول في شنو؟ وبعدين ملاحظة ليك بتحاول تتحشر في حياتي؟ موش أنت قلت كل واحد في حاله؟ وإنك ما عايز مني مشاعر ولا عايزني أقرب من خصوصياتك؟!
بلعت ريقي وكملت.. طيب بصفتك شنو هسي جاي تحكي لي عن الجرائم والأدلة؟ لو أنت ناسي أذكرك، أنت قلت إننا أغراب في بيت واحد، فما تحاول تعمل فيها الراجل المهتم بخصوصياتي، لأني زي ما أنا محترمة حدودك.. المفروض أنت كمان تحترم حدودي.
أول ما قلت كدة.. ضغط على الفرامل بقوة للمرة التانية خلال اليوم.. قال لي..
عيدي كلامك.. ولسانك ح يتقطع! .. قلتِ أتحشر في حياتك؟، إنتِ فاهمة الستر غلط يا لينا ، أنا لما قلت ليكِ حياتي الخاصة خط أحمر ، ده لأني أنا نظيف ، وما عندي حاجة أخفيها ، بس إنتِ.. إنتِ حالة خاصة ، إنتِ تحت المراقبة لغاية ما أثبت لنفسي إن الستر ده كان في محله، مش مجرد غلطة تانية من أغلاط ابوكِ الطيب....
و طال ما إنتِ شايلة اسمي ، فحياتك كلها بقت ملكي، وتحت المجهر حقي ، مش بمزاجك.. بمزاجي أنا ، وأي محاولة منك عشان ترسمي حدود بيني وبين تصرفاتك، بتأكد لي حاجة واحدة بس.. إنك خايفة ألقى الدليل البفتش عليه.
واوعك تعلي صوتك علي تاني فاهمة ، و رجع ساق العربية بسرعة ، خلاني في حالة ذهول و تشتت ، وكلامه لسه برن في أذني زي التهديد.. "أنا لسه ما عملت ليك حاجة تخليك تصرخي" و"لسه بختبر في الأساسات"..
ياربي أنا ماشة لوين؟ ومنو الزول القاعد جنبي ده؟ هل هو يوسف البظهر قدام الناس بتوب الوقار والاتزان؟!، ولا يوسف اتبدل وبقى وحش بنهش في أعصابي كل يوم؟ ، غمضت عيوني ، و فجأة جاني إصرار غريب إني لازم اعرفه مالو بالضبط ....
