رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل الثاني عشر12بقلم اسماعيل موسي
حين أخبرته سادين بنيّتها الرحيل المؤقت، لم يظهر على بدر شيء يُذكر.
أومأ فقط، وقال ما يلزم قوله، ثم عاد إلى عادته في الصمت، كأن الأمر لا يعنيه، وكأن البيوت لا تتغير بخروج شخص واحد.
لكن ما إن أُغلق الباب بعدها، حتى بدا البيت مختلفًا
ليس فارغًا، بل أوسع مما ينبغي، أهدأ أكثر مما يحتمل، كأن الجدران نفسها تمددت فجأة، وكأن الأصوات انسحبت دون وداع.
لم يدرك بدر إحساسه بالوحدة فورًا، فقد عاش سنوات طويلة بصحبة هذا الشعور حتى صار مألوفًا، لا يزعج ولا يُفاجئ
لكنه هذه المرة كان مختلفًا.
لم يكن وحدة معتادة، بل خواء محدد المصدر، فراغًا له ملامح واسم وصوت كان موجودًا ثم اختفى،
لاحظ غيابها في أشياء تافهة لا تستحق الانتباه، في فنجان قهوة لم يُترك في مكانه المعتاد، في خطوة لم تعد تُسمع في الممر، في صمت لم يعد حياديًا كما كان.
غيابها لم يكن صاخبًا، بل دقيقًا، مدروسًا، كأنها انسحبت من البيت كما تعيش فيه، دون ضجيج.
أدرك بدر، للمرة الأولى، أنه لم يكن ينتبه لوجودها بوعي، بل بجسده
كان يعرف أنها هناك حتى وهو لا يراها، يعرف حركة البيت من خلال خطواتها، يعرف وقته من خلال إيقاع يومها
وحين اختفى هذا الإيقاع، شعر بأن الزمن نفسه اختل قليلًا
جلس في غرفته طويلًا دون أن يرسم، دون أن يقرأ، فقط يُقلّب هذا الإحساس الجديد بحذر
لم يكن حزنًا، ولا شوقًا واضحًا، بل فقدانًا خفيفًا، كأن شيئًا كان يستند إليه دون أن يعلم، ثم أُزيل فجأة.
أزعجه الإدراك أكثر مما أزعجه الغياب
إدراك أنه افتقد وجودًا مجردًا، لا علاقة، لا التزام، لا وعد، فقط شخص يتحرك في البيت ويمنحه معنى غير معلن
وجود لا يطالب ولا يقترب، لكنه يغيّر الجو العام كما تفعل النوافذ المفتوحة.
حاول أن يقنع نفسه أن ما يشعر به عابر، أن الفراغ سيُملأ بالروتين كما كان دائمًا، لكن البيت لم يتعاون معه
كان صامتًا أكثر من اللازم، مطيعًا أكثر من اللازم، خاليًا من الاحتكاك الذي كان يزعجه ويطمئنه في آن واحد
لأول مرة منذ زمن، شعر بدر بأنه وحيد حقًا
لا لأنه بلا أحد، بل لأنه فقد شخصًا لم يسمح لنفسه يومًا بالاعتراف بأهميته
وذلك الإدراك، الصغير والصامت، كان أثقل عليه من أي خسارة معلنة.
كان بدر يعرف نفسه أكثر مما يعترف، ويعرف جراحه جيدًا، يعرف كيف يضعها في أماكن بعيدة عن الضوء، كيف يعيد ترتيبها حتى لا تعيق حركته.
لم يكن من أولئك الذين ينهارون عند الفقد، بل من الذين يحوّلون الخسارة إلى مادة صامتة، شيء يمكن التعايش معه دون إعلان.
سرعان ما عاد إلى لوحاته كما يفعل دائمًا حين يختل العالم
حامل الرسم في مكانه، الألوان مرتبة بصرامة، والفرشاة بين أصابعه بثبات يخفي ما تحته.
غرق في التفاصيل الصغيرة، في شدّ خط، في تخفيف ظل، في ضبط التوازن بين الضوء والفراغ، كأن الرسم ممارسة للنجاة لا للإبداع فقط.
لم يسمح لرحيل سادين أن يفسد مزاجه، أو هكذا أقنع نفسه
لم يغضب، لم يحنّ، لم يتذمر من الصمت الجديد، بل قبله كجزء من نظام الحياة الذي اعتاد عليه.
البيت عاد كما كان، أو هكذا بدا ظاهريًا، هادئًا، منظمًا، لا يشتكي،لكن الزمن عند بدر تغير دون أن ينتبه.
لم يعد يُقاس بالساعات ولا بالأيام، بل بتواريخ صغيرة غير مكتوبة،قبل مغادرتها،بعد مغادرتها،كان يعرف كم مضى منذ رحيلها دون أن يعدّ.
يستيقظ وفي داخله رقم غير مرئي، يتغير بصمت، كأن جسده وحده يحتفظ بالحساب،ليس شوقًا صريحًا، بل وعيًا دقيقًا بالغياب.
حتى لو انغمس في لوحاته لساعات طويلة، حتى لو نسي العالم كله، كانت هناك لحظة عابرة، قصيرة، يظهر فيها هذا القياس الغريب للوقت.
يُدرك فيها أن هذا اليوم يبعد خطوة أخرى عن اليوم الذي خرجت فيه من البيت حاملة وعدها بالعودة.
لم يكن ينتظرها، ولن يعترف بأنه يفعل، لكنه كان يعرف أن الزمن منذ ذلك اليوم لم يعد محايدًا،صار له اتجاه واحد، يبدأ منها ويمتد بعدها.
حين وصلت سادين إلى بيتها، بدا الأمر وكأن الباب لم يُفتح على منزل واحد، بل على عالم كامل كان متوقفًا عند لحظة غيابها.
لم تدخل وحدها، دخلت محمولة بالضجيج والدهشة والفرح المؤجل، دخلت كما لو أن الجميع كان يعدّ الأيام سرًا دون أن يعترف.
استقبلتها الأسرة باندفاع لم تتوقعه، عناق طويل، أصوات متقاطعة، دموع لم تُخفَ، وضحكات خرجت مرتبكة من فرط الامتنان.
كانت الأيدي كثيرة، والوجوه قريبة، وكل واحد يحاول أن يكون أول من يطمئن، أول من يسأل، أول من يؤكد أنها عادت فعلًا، بجسدها لا فقط باسمها.
الأصدقاء حضروا تباعًا، كأن الخبر انتشر أسرع مما ينبغي
وجوه من الماضي القريب، وأخرى من حياة ظنت أنها انتهت، هدايا صغيرة، كلمات كبيرة، وأسئلة لا تنتظر إجابة دقيقة.
كان واضحًا أن غيابها لم يمر مرورًا عابرًا، وأن مكانها ظل شاغرًا في الذاكرة الجماعية رغم استمرار الأيام
حتى حازم، الذي فسخ خطبته منها يومًا ما، لم ينتظر كثيرًا.
ما إن علم بوصولها حتى ركض إلى البيت، دون حساب للتوقيت أو المعنى أو الماضي.
وقف أمامها لاهثًا، مرتبكًا، ينظر إليها كأنها فكرة ضاعت منه ثم عادت فجأة دون إنذار،لم يقل شيئًا مهمًا، لم يحتج إلى ذلك.
وجوده وحده كان رسالة واضحة، أن بعض الخيوط لا تنقطع مهما حاولنا، وأن بعض العلاقات تعيش في الهامش لكنها لا تموت.
شعرت سادين للحظة أن حضوره ليس حبًا بقدر ما هو تأكيد على أنها كانت غائبة أكثر مما ينبغي،وحاولت ان تكذب عينيه الناضحه بالأشتياق.
وسط هذا الاحتفاء كله، شعرت بشيء غريب
إحساس بأن العالم كان ينتظر عودتها فعلًا، أن الزمن هنا لم يتحرك كما ظنت، بل كان يسير وهو يلتفت للخلف، يحصي غيابها، ويستعد لاستقبالها حين تقرر الرجوع.
كانت تبتسم، تشارك، تطمئن الجميع، لكنها من الداخل كانت تراقب هذا المشهد بدهشة صامتة.
لم تتوقع أن تكون مرئية إلى هذا الحد، أن يكون غيابها قد ترك كل هذا الأثر، أن تشعر فجأة بأنها مركز دائرة لم تطلب يومًا أن تكون فيها.
في تلك الليلة، حين خف الضجيج قليلًا، وحين بدأت الوجوه تتفرق، جلست وحدها لدقائق نادرة،فكرت أن العودة لا تشبه الرحيل أبدًا،الرحيل فعل فردي صامت، أما العودة فحدث جماعي، يحمل توقعات الآخرين بقدر ما يحمل رغباتك.
ورغم كل الحفاوة، ورغم هذا الشعور بأن العالم كله كان ينتظرها، أدركت سادين أن ما عاد إليها ليس فقط الماضي، بل الأسئلة أيضًا، وأن طريقها لم يُحسم بعد، بل بدأ من جديد، أكثر ازدحامًا مما تركته.
في اليوم الذي عادت فيه إلى الجامعة، لم يكن الدخول عاديًا، ولا المرور في الممرات حياديًا كما ظنت
ما إن لمحَتها صديقاتها حتى التففن حولها تلقائيًا، كأن الغياب لم يكن سوى فاصل قصير بين جملتين قديمتين.
جلسن معها في الساحة المعتادة، نفس المقاعد، نفس الظل، لكن سادين لم تكن النسخة نفسها
الأسئلة جاءت متتابعة، بلهفة واضحة لا تخلو من حذر:
أين كانت؟ كيف عاشت؟ ولماذا اختفت فجأة دون وداع؟
كانت تنظر إلى وجوههن واحدة تلو الأخرى قبل أن تتكلم، تختار الكلمات ببطء، كمن يفتح بابًا يعرف أنه سيكشف أكثر مما يريد.
لم تحكِ كل شيء، لم تكن مستعدة لذلك، لكنها لم تكذب
قالت ببساطة إنها عملت
وحين استقرت الكلمة في آذانهن، أضافت بعد صمت قصير، كأنه اعتراف مؤجل:
عملت خادمة،سكن المكان فجأة.
تبادلت الصديقات نظرات خاطفة، ثم عدن بأنظارهن إليها، هذه المرة دون فضول، دون شفقة، فقط إنصات حقيقي
لم يقاطعها أحد، لم يطرح أحد سؤالًا زائدًا، وكأنهن أدركن أن القصة ليست في التفاصيل، بل في الثقل الذي تحمله الجملة وحدها.
كان ما تنطقه سادين عالم بعيد عن اذهان الفتيات المرهفات
تجربه تحمل فضول عميق كأن سادين ذهبت لعالم اخر غير الذى يعيشون داخله ،عالم رغبت كل واحده منهن ان تعيشه حتى ولو ليوم واحد.
كانت سادين تتحدث بجمل قصيرة، غير متحمسة ولا خجِلة
تروي بعض المشاهد، لا الأكثر قسوة ولا الأكثر حميمية، فقط ما يكفي ليشرح الغياب دون أن يعرّيها.
كانت تتكلم بهدوء غريب، وكأنها تحكي عن شخص آخر، بينما يدها ثابتة في حجرها، وعيناها معلقتان بنقطة بعيدة
الدهشة لم تختفِ من وجوههن، لكنها تحولت إلى شيء أنضج
شيء يشبه الاحترام الصامت.
لم يحاولن مواساتها، ولم يغرقنها بالكلمات، فقط بقين حولها، قُربًا حقيقيًا بلا ضجيج.
في تلك اللحظة، شعرت سادين أن قصتها، حتى في أكثر أجزائها قسوة، لم تعد عبئًا تخفيه، بل جزءًا منها تعلمت أن تحمله دون أن ينكسر ظهرها
وحين نهضن معًا بعدها بدقائق، كانت تعرف أن الغياب لم يعزلها كما خافت، بل أعاد رسم علاقتها بنفسها… وبالآخرين أيضًا.
لم تمضِ دقائق من الصمت حتى مالت يارا نحوها، كعادتها، الأقرب جسدًا وروحًا، والأكثر جرأة في الأسئلة.
كانت عيناها تلمعان باهتمام لا تخفيه، لا بالقسوة التي مرت بها سادين، بل بذلك التفصيل الوحيد الذي لم يُستنفد بعد
قالت وهي تخفض صوتها قليلًا، كأنها تخشى أن يسمعها أحد:
«طب… السيد ده؟ اللي كنتِ شغالة عنده… كان عامل إزاي؟»
رفعت سادين رأسها ببطء، وكأن السؤال أعادها فجأة إلى
البيت، إلى البيت إلى المساحات الهادئة التي كانت تمشي فيها على أطراف أيامه،لم تُجب فورًا،تابعت يارا، وقد ازداد فضولها حدة:
«كان عايش ازاى ؟ شخصيته؟ تصرفاته؟»
ثم ابتسمت ابتسامة جانبية، تلك التي تعرفها سادين جيدًا، وأضافت بسؤالها اللئيم المعتاد:
«وما حاولش… يتقرب منك؟»
ابتسمت سادين رغماً عنها، ابتسامة قصيرة لم تفهمها هي نفسها، لم يكن في السؤال ما يزعجها، بل ما كشفه داخلها
قالت أخيرًا، بنبرة هادئة، كأنها تصف لوحة:
«كان مختلف…»
ثم توقفت.
توقفت لأن الكلمات التي تلت لم تكن مألوفة عليها، ولا آمنة
للمرة الأولى، وجدت نفسها تستدعي ملامحه بوضوح،
ليس كرجل صاحب بيت، ولا كسيد عمل، بل كرجل فقط
قالت ببطء، وهي تنظر أمامها لا إليهن:
«كان عنده عيون بنية… مش غامقة، ولا فاتحة، عيون ساكنة
وساعة بني فخمه … قديمة شوية، كأنها لازقة في إيده من زمان، شَعره ناعم، مرتب من غير مبالغة، ووشه…»
سكتت لحظة، ثم أكملت بصوت أخفض:
«وشه مشرق.
تحسي كأنه بيضحك حتى وهو ساكت.»
تبادلت الصديقات النظرات، ومالت يارا أكثر، لكنها لم تقاطعها
تابعت سادين، وقد بدا عليها شيء يشبه الدهشة من نفسها:
«جسمه… رغم الإصابة، كان رشيق.
قوي، متماسك، مفيهوش استسلام.
وكنت دايمًا بسأل نفسي… إزاي حافظ على رشاقته بالشكل ده؟ رغم الاصابه ؟
إزاي ما سبش نفسه؟»
سكتت.
كأن الوصف انتهى عند حدٍ لا تريد تجاوزه.
لم تضف شيئًا عن صمته، ولا عن حضوره، ولا عن الفراغ الذي تركه بغيابه، لكن يارا فهمت أكثر مما قيل.
ابتسمت بخبث خفيف، وقالت،«واضح إنه ساب أثر وانه شاب جذاب صاحب كاريزما
لم تنفِ سادين ولم تؤكد
اكتفت بأن تنظر بعيدًا، شعرت ان الحديث أكثر من ذلك يعد خيانه وقد أدركت بأسفٍ خفي، أنها رأت بدر الآن لأول مرة… بعد أن خرجت من حياته.
لكن يارا لم تستسلم هو وصديقه أخرى صامته دوما سألت كيف تمكنتى من الوصول اليه؟
كيف حصلتى على الوظيفه ؟
حكت سادين قصة الايميل الخاطئ وهى تضحك مكرره انها كانت صدفه عندما وصلها ايميل من مكتب عمل.
