رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل الثالث عشر13بقلم اسماعيل موسي


رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل الثالث عشر13بقلم اسماعيل موسي

عاد حازم إلى حياة سادين كما يعود شخص ظن أن الغياب يمنحه حق الرجوع.
لم يكن ظهوره مفاجئًا بقدر ما كان مثقلًا، وكأن الزمن أعاده محملًا بما فشل في حمله من قبل.
 منذ الأيام الأولى لعودتها إلى بيتها بدأ حضوره يتسلل مجددًا، باتصالات متكررة لا تجيب عنها، ورسائل طويلة تقرأها بصمت ثم تغلق الهاتف، إلى أن صار يقف أسفل بيتها، ثابتًا في مكانه، كأنه يخشى الحركة أكثر مما يخشى الرفض.

حين رأته لم تشعر بالدهشة، لم يتحرك في داخلها شيء يشبه الفرح أو الغضب، كان الإحساس الوحيد هو تعب قديم يعود، أخبرها بهدوء أنه فسخ خطبته، لم يذكر اسم الفتاة الأخرى، لم يحاول تبرير التفاصيل، قال فقط إن تلك الخطوبة كانت محاولة فاشلة للهروب، وإن خطأه الحقيقي لم يكن في الارتباط بغيرها، بل في تركه لها.

جلس أمامها أقل صلابة مما اعتادت، كتفاه مائلتان قليلًا، صوته أخفض، ونظرته تبحث عن قبول ولو مؤقت.
 تحدث طويلًا عن الندم، عن الإدراك المتأخر، عن أنه لم يعرف قيمتها حين كانت قريبة بل حين صارت بعيدة.
قال إن الغياب علّمه ما لم تعلمه الأيام المشتركة، وبذل جهدًا واضحًا ليلفت انتباهها، تذكر تفاصيل صغيرة كانت تظن أنه نسيها، وحاول أن يبدو مختلفًا دون أن يبالغ، لكنه كان حاضرًا أكثر مما تحتمل.
ثم قال ما جاء من أجله دون مراوغة، قال إنه يريد العودة، وإنه مستعد لأي عقاب تختاره، لأي شروط تفرضها، لأي مسافة تقررها، وأكد أنه سيقبل بكل شيء، فقط ليُمنح فرصة أخرى.
سادين استمعت حتى النهاية، لم تقاطعه ولم تدافع عن نفسها، تركت كلماته تمضي كاملة، كما تمضي الأشياء التي تأتي بعد فوات أوانها.

لم تغضب ولم تضعف، كانت تنظر إليه بوعي لم تعرفه من قبل، كأنها ترى شخصًا من ماض بعيد يحاول استعادة مكان لم يعد موجودًا.
 أدركت دون أن تنطق أن العودة لا تعني التصحيح دائمًا، وأن بعض الاعتذارات تأتي متأخرة إلى حد لا يمكن معه الإصلاح.

لم تطرده، ولم تمنحه وعدًا، لكنها عرفت في تلك اللحظة حقيقة حاسمة، أن سادين التي تركها لم تعد هي نفسها التي تقف أمامه الآن، وأن الحرب التي أعلنتها على الحب والرجال لم تكن صرخة غضب، بل نتيجة نضج مؤلم.

نصحتها عائلتها بصوت هادئ ، بأن تمنح حازم فرصة أخرى، وأن تفكر بعقلها قبل قلبها، وأن تراعي نفسه أيضًا، وأن تتذكر أنه كان لها قبل أن يخطئ، وأنه الآن يبدو نادمًا وجادًا.

كانت سادين تستمع، تتأمل تعابيرهم، تشعر بالحب والحرص في كلماتهم، لكنها لم تهتز بسهولة، فقد كانت تعلم أن القلب لا يعود لمجرد كلمات، وأن الثقة تحتاج وقتًا لتتجدد.

ومع ذلك، لاحظت شيئًا غريبًا في حازم خلال الأيام التي تلت ذلك، شيء لم تلاحظه من قبل، عزمًا صادقًا على إرضائها وإسعادها، على التعويض عما فات، على بذل كل جهده ليوفر لها شعورًا بالطمأنينة والراحة.

رغم الحذر الذي وضعته حول قلبها، لم تستطع إنكار ذلك الشعور، لمست في أفعاله استقرارًا لم تشهده من قبل، حتى في سكونه، كان حضورُه مشحونًا بعزم لا يمكن تجاهله، وكأن كل حركة وكل كلمة محسوبة لتثبت لها أنه موجود من أجلها فقط، وأن نيته صادقة، وأنه فعلاً يريد أن يكون جزءًا من حياتها من جديد.
ظلّت سادين تتأمل ذلك العزم، بين الشك والرغبة، بين رفض قديم وحذر جديد، حتى شعرت أن شيئًا ما في داخله بدأ يلين قلبها، ولو ببطء شديد، لكنها لم تتعجل القرار بعد.

كتبت سادين رسالة قصيرة إلى بدر، تقول فيها إنها ستتأخر في العودة لبعض الوقت، وأن لديها أمورًا تحتاج إلى ترتيبها قبل العودة إلى البيت.
أرسلت الرسالة بلا تفاصيل كثيرة، بلا عاطفة زائدة، فقط إعلام بالغياب المؤقت، مع وعد ضمني أنها ستعود لاحقًا.

وصلت الرسالة إلى بدر، ففزع بشكل لم يعتد عليه
كاد قلبه يتوقف حين قرأها، شعوره بثقل مفاجئ يضغط على صدره.
جلس وحيدًا في غرفته، معاطفه مبعثرة على الكرسي، فرشاة الرسم موضوعة بلا ترتيب، واللوحة التي كان يعمل عليها على الطاولة كما تركها قبل قليل.

بدأ الشعور بالملل يتسلل إلى داخله، ملل لا علاقة له بالهدوء المعتاد، بل شعور فارغ، ثقيل، كما لو أن كل حركة وكل نفس بلا معنى.
تجول في أرجاء البيت بلا هدف، يتفحص الكتب على الرفوف، الأوراق على المكتب، الكؤوس على الطاولة، لكنه لم يجد شيء يشغل ذهنه كما كانت تفعل سادين.
كانت فكرة أنها قد لا تعود أبدًا تخييم على كل زاوية في البيت، حتى الصوت الصامت للمطر على النوافذ بدا وكأنه يكرر المعنى نفسه، أن الآمل الذي كان يختبئ بداخله بدأ يتبخر شيئًا فشيئًا.
شعر فجأة أن كل شيء حوله بلا حياة، أن البيت الكبير، الأثاث، اللوحات، حتى القط كيمو واكا، كلها تشارك في صمتها نفس الخواء الذي يملأ صدره.
كانت فكرة غياب سادين بلا موعد للعودة تمثل له فقدانًا مزدوجًا: فقدان حضورها الجسدي، وفقدان جزء من ذاته الذي لم يعرف أنه يحتاجه حتى فقده.

نهض بدر فتح صالة الجيم، القى معطفه على الأرض ارتدى القفازات ودون ان يدرى كان دوره قد حان فى تنفيس الغضب ،كان يضرب كيس الملاكمه بقوة زائده حتى شعر ان كتفيه ستنخلع ،حمل على قدمه المصابه أكثر مما ينبغى نسى نفسه لحظات فعاد الألم مجددا ممضى وقاسى
كنت اعرف انها لن تعود فلا شخص فى هذا العالم يمكنه ان يتحمل مزاجيتك يا بدر
انت صامت، صامت كمقعد ابتاعه شخص وحيد ثم مات وتركه فى مكانه ،ترنح جسد بدر سمع همس صوت
قتلك نفسك لن يصلح من الأمر شيء، لما تختار الانسحاب عندما تكون المواجهه اسلم حل
استدار بدر، كان الهر كيمو واكا يقف على ميزان الحديد يرمقه بغضب.
تعليقات



<>