رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل الرابع عشر14بقلم اسماعيل موسي
كتبت سادين الرسالة الثانية بعد تردد طويل، جلست وحدها، الهاتف بين يديها، الكلمات تخرج ببطء كأنها تنتزع من صدرها انتزاعًا، وقالت له إنها تعتذر عن العودة في الوقت الحالي، وأن هناك ظروفًا خاصة فرضت نفسها عليها، ظروفًا لا تسمح لها بالرجوع الآن، وربما لا تسمح قريبًا أيضًا، وختمت رسالتها بعبارة مهذبة باردة، خالية من أي وعد، كأنها تغلق بابًا بهدوء دون أن تصدر صوتًا.
أرسلت الرسالة ثم وضعت الهاتف بعيدًا عنها، شعرت بخفة مؤقتة، خفة تشبه تلك التي تأتي بعد قرار صعب لا يمكن التراجع عنه، لكنها لم تبتسم، فقط تنفست بعمق، كأنها تستعد لحياة أخرى بدأت دون أن تعلن عنها رسميًا.
في الأيام التالية، وافقت سادين على خطبتها من حازم، لم يكن القرار صاخبًا ولا احتفاليًا، بل جاء كخطوة محسوبة، عقلانية، محاطة بنصائح الأسرة وضغط الذكريات ورغبتها في الاستقرار بعد حرب طويلة أعلنتها على الحب ثم تعبت من حمل رايتها وحدها.
كان حازم يبذل كل ما في وسعه لإسعادها، يحرص على أدق التفاصيل، يراقب مزاجها، يتجنب ما يزعجها، يسبقها بخطوة في كل شيء، يحاول أن يعوض غيابه وخذلانه القديم بالفعل لا بالكلام فقط، وكان واضحًا في عينيه أنه لا يريد فرصة ثانية فحسب، بل يريد أن يتمسك بها كما لو أنها الفرصة الأخيرة.
راقبته سادين بهدوء، لم تمنحه قلبها بالكامل، لكنها لم تغلقه أيضًا، تركت له مساحة يتحرك فيها، مساحة اختبار، كانت ترى جهده، تشعر بثقله وصدقه، وتقبل به دون اندفاع، وكأنها تقنع نفسها أن هذا الطريق آمن، أو على الأقل أقل وجعًا من الطرق التي تعرفها جيدًا.وضعت سادين حازم في أكثر من اختبار، اختبارات لم تعلن عنها ولم تصفها بالكلمات، لكنها كانت تراقب أفعاله في التفاصيل الصغيرة، في صبره، في طريقته حين تغضب، في حضوره حين تصمت، وفي استعداده للتنازل دون أن يطلب مقابلًا.
وفي كل مرة كان يثبت لها أنه يحبها فعلًا، لا بالوعود، بل بالاستمرار، بالثبات، وباختيارها كل يوم وكأنها خيار أول لا بديل له.
ومع مرور الوقت، لم تجد سببًا حقيقيًا لتأخير الزواج، لم تجد حجة تقنع بها نفسها قبل الآخرين، بدا القرار منطقيًا، هادئًا، خاليًا من التوتر، كأنه الحل الأسلم بعد تعب طويل.
في تلك الليلة، جلست وحدها مرة أخرى وكتبت الرسالة الأخيرة إلى بدر، كتبتها هذه المرة دون تردد، دون توقف طويل بين الجمل، أخبرته فيها أنها لن تعود مرة أخرى، وأن عليه أن يبحث عن خادمة أخرى، وأن حياتها أخذت مسارًا مختلفًا، ورسالتها كانت مباشرة، واضحة، نهائية.
أرسلت الرسالة ثم أغلقت الهاتف، شعرت بوخزة خفيفة في صدرها، لكنها تجاهلتها، أقنعت نفسها أن ما فعلته هو الصواب، وأن الإغلاق الكامل أفضل من الأبواب المواربة.
حين قرأ بدر الرسالة، اختل توازنه للمرة الأولى منذ زمن طويل، لم يكن مستعدًا لهذه الصيغة الحاسمة، لهذا القطع الجاف الذي لا يترك مساحة للتأويل.
شعر بارتباك شديد، كأن شيئًا ما انكسر داخله دون صوت، جلس طويلًا دون أن يتحرك، نظر إلى الجدران التي اعتاد صمتها، إلى اللوحات، إلى المكان الذي كانت تجلس فيه سادين أحيانًا دون أن تتكلم.
تداخلت مشاعره بشكل مربك، غضب لم يكتمل، حزن لم يُعترف به، فراغ ثقيل لم يعرف كيف يسميه، سأل نفسه متى بدأ يعتمد على وجودها، ومتى صار غيابها مؤلمًا إلى هذا الحد.
حاول أن يعود إلى عادته القديمة، أن يمسك الفرشاة، أن يغرق في الرسم، لكن يده كانت مترددة، واللوحة بدت له فجأة بلا معنى، كأن الجسد الذي يرسمه بلا وجه صار يشبهه أكثر مما يحتمل.
أدرك بدر أن اضطرابه لم يكن بسبب الخادمة التي رحلت، بل بسبب شيء أعمق، شيء كان ينكره بعناد، وأن البيت الذي ظنه محصنًا من الخسارة، أصبح فجأة مكانًا فاضيًا لا يعرف كيف يملؤه من جديد.
وصلت رساله إلى هاتف بدر في وقت لم يكن ينتظر فيه شيئًا، اهتز الهاتف فوق الطاولة الصغيرة بجانب الأريكة، نظرة سريعة كانت كافية ليعرف أن الرقم غريب، ليس من أرقامه المعتادة، وليس رسالة عمل رسمية كما اعتاد أن تصله عبر البريد الإلكتروني.
فتح الرسالة ببطء، فوجد اسم لورين، صديقة سادين الصامتة، تلك التي لم يسمع صوتها إلا نادرًا، والتي كانت دائمًا تقف في الخلف، تراقب أكثر مما تتكلم، وتختفي قبل أن يلاحظ أحد وجودها.
كتبت تطلب العمل في بيته كخادمة، صيغة مختصرة، مهذبة، خالية من الزوائد، بلا شرح طويل ولا تقديم زائد، وكأنها تعرف أن الإيجاز يناسبه.
توقف بدر عند نقطة واحدة أربكته أكثر من مضمون الرسالة نفسه، الرسالة لم تصل إلى بريده الإلكتروني، لم تمر عبر القنوات المعتادة، بل جاءت مباشرة إلى هاتفه الشخصي، ذلك الرقم الذي لا يملكه سوى دائرة ضيقة جدًا.
في تلك اللحظة، لم يحتج إلى جهد كبير ليستنتج أن رقمه وصلها عن طريق سادين، لم يكن استنتاجًا عاطفيًا، بل منطقيًا بحتًا، ومع ذلك حمل داخله ثقلًا غير مبرر.
بقي ينظر إلى الشاشة لدقائق، لم يرد فورًا، شعر بمزيج غريب من الامتعاض والحنين، وكأن اسم سادين عاد ليتسلل إلى يومه من باب جانبي ضيق، حتى بعد أن أعلنت رحيلها النهائي.
أغلق الهاتف ووضعه مقلوبًا على الطاولة، ثم نهض يتمشى في الغرفة، خطواته بطيئة، غير منتظمة، يحاول أن يقنع نفسه أن الأمر عملي، بسيط، مجرد طلب عمل عادي، لكنه كان يعرف في داخله أن لا شيء أصبح عاديًا منذ غادرت سادين البيت، وأن حتى الرسائل الصامتة صارت تثير فيه ما لا يريد مواجهته.
