رواية ارض الدوم الفصل الخامس عشر15بقلم رحمة نبيل

رواية ارض الدوم الفصل الخامس عشر15بقلم رحمة نبيل
الخامس عشر [ ضباب ذكريات ] 

صلوا على نبي الرحمة 
كانت كلمة نطق بها مسلم قبل أن يشدد قبضته على رقبة عز الدين الذي أخذ يتحرك بين قبضته بصعوبة يحاول أن يفلت من شباكها ويتنفس بحرية، ورايانا في الخلف تبتعد عن مسلم بأعين متسعة مرتعبة، هذا الرجل هنا ورغم كل العنف الذي ينبض من جسده لم يكن يشبه مسلم الذي جاءها البارحة ولا مسلم الذي يبتسم لها ويعاملها بلطف، هذا الرجل كم شخصية يمتلك بالتحديد ؟؟

جذب مسلم عز الدين له وهو يهمس بصوت خافت وصل له :

_ مش شايف إن رجولتك مش بتظهر غير على البنات ؟!  مش مكسوف من نفسك ومن قلة أصلك ؟!

امسك عز الدين قبضته يضغط عليها بقوة وهو ينظر بشر في عيون مسلم يحاول ألا يُظهر ضعفه وهو يهمس من تحت أنفاسه التي تخرج بصعوبة :

_ وهي الرجالة اللي تغدر برضو براجل كبير قد ابوهم ؟! ثم أنت مين عشان تدخل بيني وبين بنت عمي؟!

رفع مسلم حاجبه بعدم فهم من جملته الأولى، لكن فجأة وقبل الاستفسار عما يقصد بحديثه شعر بمن يسحبه من الخلف بسرعة وصوت أحمد يصدح برعب مما يمكن أن يمسه :

_ خلاص ...مسلم خلاص هيموت في ايدك .

ومسلم فقط أخذ يشدد الضغط على رقبته بغضب شديد وهو يحاول أن يتماسك ولا يقتله، وحينما شعر أنه على بُعد شعرة من الموت فك قيد رقبته بهدوء شديد وبرود أشد، ومن ثم تراجع يراقب الأخير يسقط ارضًا بعنف أمام الجميع .

والغريب في الأمر أن أحدًا لم يتدخل ويساعد، كما لم يتدخلوا ويساعدونها، كان أهالي القرية يستمتعون بدور المتفرج، أو ربما جبنهم هو ما منعهم من ذلك .

تراجع مسلم وهو يدور بعيونه بين الجميع بشكل مرعب، قبل أن تتوقف على رايانا التي كانت تناظره بأعين متسعة لا تفهم ما يحدث حولها .

لا تدرك هل تخشاه، أم تشكره لأنه الوحيد الذي تدخل وساعدها، فقط تشعر بالحيرة من كل المشاعر التي تتصارع داخلها وصوته الهامس يرن في أذنها منذ الليلة الماضية .

" فاكرة لما قولتي قبل كده إن محدش بيقرب منك عشان خايفين منك ؟"

" متقلقيش ده مش هيحصل تاني، لأنهم بعد كده مش هيقربوا منك عشان خايفين مني أنا."

ابتلعت ريقها وهي تراقب نظراته لها، وهو فقط أبعد عيونه عنها بهدوء، ثم استدار حول نفسه يراقب نظرات الجميع يتحدث بصوت واضح :

_ غجر وهتفضلوا طول عمركم غجر، لما واحدة تتعامل بالاسلوب ده بينكم ومحدش يتحرك، يبقى غجر أقل وصف في حقكم .

ختم حديثه يبصق ارضًا بإهانة ولم يكد يتحرك وتركهم أجمعين، إلا وعلى صوت عز الدين من الخلف والذي نهض يستند على سيارته ينظر له من بين ضباب عقله :

_ الغجر دول يعرفوا الأصول إن محدش ليه الحق يتدخل بين العيلة وبعضها، مش هتيجي أنت على آخر الزمن تعلمنا ازاي نربي بناتنا، ولا تكونش البنت عجبتك فبترسم عليها ؟؟

اتسعت عيون مسلم وهو يستدير صوبه بصدمة لا يصدق أن الحقير يتحدث بهذا الشكل المشين وهذه التلميحات القذرة على ابنة عمه وأمام الجميع. 

وما لم يدركه أن عز كان في هذه اللحظة كالطير المزبوح يرفرف بجناحيه في الإرجاء دون علم لأي مرسى سيتوقف، القهر من رفض رايانا له مرة تلو الأخرى منذ طفولتهم كان قاسمًا لرجولته، خاصة رفضها واحتقارها الأخير له على مرأى ومسمع الجميع .

والآن كان يرد لها الضربة اثنتين، فحتى إن لم يمتلك دليلًا على ذنبها، فليقدم لهم مبررًا لرفضها له عدا ما ذكرته من اشمئزازها منه.

يكمل حديثه بجدية تحت عيون رايانا المصدومة مما يتحدث به وكأن كتفها وآثامها عند القوم ينقصها تشكيك في عفتها ليأتي ابن العم العزيز ويضيفها لدفترها لديهم .

_ بس أحب اقولك عشان تريح نفسك من الاول إن لا  رايانا ولا غيرها هيكون ليك، لأن معندناش بنت هنا تتجوز من برة الغجر، ده بيكون عار ليها ولعيلتها .

صمت يبتسم بسمة صغيرة مرة أخرى:

- فمتحاولش ترسم نفسك في دور البطل هنا كل شوية وأنت جاي عشان تشرد الناس دي كلها من بيوتها اساسا.

اتسعت عيون مسلم من كلماته وقد شعر بالاشمئزاز من كلماته وطريقته الملتوية في استمالة الجميع صوبه :

_ معتقدش عيلتك هيكون ليها عار أكبر من أنك واحد منها، اللي يتكلم كده عن عرضه فهو عار على أي حد قريب منه .

وكانت جملة بسيطة أجاب بها مسلم صارخًا بغضب من حديث الرجل عن فروشكا، يشعر بالمرارة تستحكم حلقه هو وكأنه هو من تلقى الإتهامات، والاسوء أنه يشعر بالذنب، يشعر أنه هو سبب كل ما يحدث لها رغم أنه لم يصدر منه شيء يوحي بمشاعره أو انجذابه لها :

- دفاعي عن بنت عمك ضدك كان شيء طبيعي لما لقيتكم كلكم فاقدين لأي نخوة، لكن لو أنت هتحسبها بالحسابات القذرة دي فأنت حر، دي مشاكلك النفسية تحلها بعيد عنها، شوفت ايه منها ولا مني عشان ترمي اتهامات بالشكل الحقير ده ؟؟ 

كان يحاول معرفة ما فعل وآثار انتباه عز الدين بهذا الشكل، ولا يدري أن عز الدين منذ اللحظة الأولى لوجودهم كان يلقي الاتهامات جزافًا وحتى قبل إجباره إياها على الزواج منه .

ختم مسلم حديثه في اللحظة التي أبصر بها وجه رايانا التي كانت تبكي دون شعور وهي متجمدة بأرضها، وصوت عز الدين في الخلف يصدح بكل ما كبته يومًا :

_ لما هي عفيفة اوي ليه كل شوية تخرج بحجة ترفض بيها الجواز، خايفة من ايه طالما هي ....

كان مسلم يسمع كلماته يتنفس بصوت مرتفع ودون تفكير استدار بسرعة كبيرة يلكم وجه عز الدين بغضب ودون مقدمات .

تلقى عز الدين اللكمة بصدمة لم يكن يتوقعها، ولم يكد يستقيم في وقفته حتى انهال عليه مسلم بضربات قوية وكأنه تحول فجأة بعدما كان يتحدث بكل سلام .

وأحمد ركض بسرعة يحاول أن يجذبه بعيدًا عن عز الدين، لكن بدا كما لو أن مسلم لا يبصر أمامه شيئًا فقط يضربه بغضب وهو يصرخ بجنون :

_ دي بنت عمك يا حيوان، بنت عمك .

وأحمد يصرخ به والرعب شل جسده من حنون مسلم :

_ لا مسلم أهدى، مسلم ابوس ايدك خلاص هيموت في ايدك .

في اللحظة التي وصلت بها ساڤا ركضًا للساحة بعدما وصل لها خبر ما يحدث، وصلت وتجمدت بارضها وهي تراقب ما يحدث بأعين متسعة، وفي ثواني هرولت صوب رايانا تفتح ذراعيها بسرعة لها مرتعبة عليها، لتلقي رايانا نفسها بين أحضانها منفجرة في البكاء بصوت مرتفع، وهذا ما لم يساعد مسلم في الهدوء .

ولولا أحمد الذي تمكن وبصعوبة من تحريك مسلم، لكان دمر ملامح وجسد عز الدين بالكامل، يطلق سبات عنيفة، وأحمد يجذبه بعيدًا عن عز الدين وعن الجميع، يبعده عن الساحة وهو يصرخ به أن يتوقف، ومسلم يأبى التحرك وهو ما يزال يصرخ دون وعي :

_ قسمًا بربي يا حيوان لو رفعت عينك فيهـ...

ومن ثم تلاشى صوته في المكان، بسبب أحمد الذي كان يرى كل شيء يزيد وقد أوشك مسلم على إفساد كل شيء بتهوره وجنونه .

ومسلم كان يجاهد ليستدعي هدوءه والأمر كان صعبًا في ظل بكائها، ومن بين كل تلك الضوضاء،  سمع صوتها وكأنها تهمس له باكية بجملة لم تكن واضحة بشكل كبير .

شعر وكأنه يسمعها تحدثه رغم أنه يبصرها الآن أمام عيونه صامتة مصدومة، لكن ذلك الصوت وتلك الجملة ..

" أنا...مسلم أنا معملتش حاجة يا مسلم...دراعي بيوجعني اوي ."

نظر صوب ذراعها وكأنها تشتكي منه الآن، ومن ثم رفع عيونه لها مشوشًا وقد شعر فجأة بضباب حول عقله، وصداع شديد أصابه وقد تداخل صوتها مع صوت آخر، صوت باكٍ ونبرة مكسورة تشبه نبرتها.

" معملتش حاجة، ...... ارجوكم فقط اقـــتلـــوني "

انتفض جسده بقوة حينما سمع صوت أحمد يأتي له من مكان قصيّ ونبرته لم تكن واضحة بالكامل، يجذبه بعيدًا عن المكان والجميع وهو فقط ينظر لها بجمود شديد يحاول فهم ما يحيطه وقد أبصر بعض الخيالات تتحرك حوله .

لولا أن صدح صوت صفعة في المكان بأكمله جمد الجميع، وجعله ينتفض من هذه الحالة، استدار بعنف صوب عز الدين ظنًا أنه صفع رايانا .

لكن الصدمة اصابته واصابت أحمد جواره حينما وجد أن من صُفع كان هو عز الدين نفسه، والذي صفعه لم يكن سوى رايانا نفسها التي رمته بشر وكره، وعز الدين تمالك نفسه بسرعة وهو يندفع صوبها صارخًا بجنون :

_ بتضربيني، بتضربيني يا عديمة الشرف ؟!

ولم يجيبه على كلماته سوى ساڤا التي جن جنونها وهي تلقي بجميع أوراقها أمام الجميع وقد اعماها الغضب تدفعه للخلف بعيدًا عن رايانا :

_ الشرف ده انت آخر حد يتكلم عنه يا عز الدين، ولا تكونش ناسي إن الست الوالدة كانت رقاصة قد الدنيا، اياكش تكون مفكر الكام طقم الجديد اللي بتلبسهم هيداروا ماضيها، لا فوق وقولها تحكيلك كده عن زمان، وبلاش نفتح أكثر عشان متندمش أنت وامك .

كان الجميع حولها صامتين إلا من بعض الهمسات وهي تستدير لهم تصرخ في وجوههم بجنون :

_ وأنتم يا حوش يا غجر، نسيتوا انتم كنتم ايه؟؟ نصكم رقاصين في الموالد والنص التاني حرامية ودجالين، وجايين على البنت عشان مش **** زيكم، بتطلعوا عقدكم عليها وتقولوا ساحرة ودجالة ؟!

صمتت تلوح بكفها في وجوه الجميع وقد تولت راية الدفاع من مسلم، وقد انتهى مسلم لتوه من تحطميهم بذراعه، وبدأت هي معركتها بلسانها تمر بعيونها على الجميع بخبث تكمل حديثها :

_ كل واحد فيكم عنده مصايب قد خيبة عز الدين، وكلها عندي، فصدقوني اللي هيجي يوم ويعمل نفسه شريف عليا أو على رايانا أنا هسمع الكل الشريف ده مخبي ايه ؟!

ختمت حديثها وقد بدا أنها لم تفرغ بعد مما تخفي :

_ أي ابن *** فيكم هيفكر في يوم بس يرفع عيونه فيها بكلمة واحدة أو نظرة متعجبنيش تاني يوم مش هيعرف يرفع عينه في إنسان في المكان، اعتقد كلامي واضح، اللهم بلغت .

صمتت وهي ترى نظرات الجميع المصدومة، لا أحد يفهم ما يقال سوى من كانت كلماتها موجهة لهم بوضوح، تراجعت وهي تشير لهم باصبعها بتحذير ولم تكد تستدير صوب رايانا، حتى توقفت فجأة وهي تردد :

_ آه وبالمناسبة الجميلة دي وإن الكل مجتمع، أنا بعلن اعتزالي الرقص، خلاص بطلت القرف بتاعكم، اشوف واحد فيكم بعد كده يرفع عينه فيا هخزقها ليه، اعتقد الكلام واضح ومش حابة أوضح أكثر.

أنهت حديثها ترفع رأسها وكأنها تتحدى أي نظرة استهانة أو كلمة لا تعجبها، تمرر عيونها على الجميع بتحدي، قبل أن تتوقف فجأة عليه، شعرت فجأة بخفقة هاربة من نبضها، تتساءل إن كان واقفًا طوال الوقت .

ابتلعت ريقها وهو يراقبها بأعين متسعة مصدومة ويده تمسك مسلم الذي كان يراقب ما يحدث برضا وسعادة كبيرة، ولولا الموقف لكان صفق لها وأطلق صفيرًا تشجيعيًا .

تنفست ساڤا بقوة وهي ما تزال تنظر لأحمد ولا تدري السبب لكنها كانت تشعر بالغضب لتحدثها بهذا الشكل أمامه، لكن فجأة تلاشى الضيق والغضب وحل محله صدمة كبيرة حينما ابتسم لها أحمد بسمة جانبية وضيق عيونه بشكل غريب .

اخفضت نظرها بسرعة قبل أن تظهر صدمتها للجميع، تتحرك صوب رايانا التي استفاقت من صدمتها واخيرًا حينما أدركت ما يحدث حولها، تشعر بيد ساڤا تجذبها بعيدًا عن المكان، لكن وقبل رحيلها أبصرت نظرة عز الدين لها لترميه بنظرة سوداء .

ثم غيرت اتجاه نظراتها صوب مسلم الذي كان يتابعها باهتمام وصوته يتردد في أذنها بجملته التي لا تسمع غيرها منذ بداية العرض السخيف الذي قام به عز الدين .

" متقلقيش ده مش هيحصل تاني، لأنهم بعد كده مش هيقربوا منك عشان خايفين مني أنا."

وكان آخر نظرة لها في المكان نظرة امتنان لمسلم الذي تحرك مع أحمد حينما اطمئن أنها أصبحت بخير بعيدًا عن الجميع، ورحل بهدوء تاركًا الساحة تغرق في الهمسات والصدمات التي سقطت على رؤوسهم جميعًا واحدة تلو الأخرى .

وكل ما يراه أمامه هو شياطينه التي استيقظت بمجرد رؤيته ما يحدث، هذا الأمر تطور إلى ما لا رجعة عنه، لذا استدار صوب أحمد يتساءل بهدوء :

- وصلت للمحامي ؟!

_ أخدت رقمه من جدك .

_ طب خلص في الحوار ده يا أحمد، عشان الموضوع بوخ وطول اوي، عايز امشي من هنا مبقتش قادر افضل هنا لفترة أطول ........

ـــــــــــــــــــــــــــــ

_ وبس كده، هما بقى سمعوا الكلمتين من هنا وقال ايه انا متربتش،  بالله عليك أنا غلطان في الحوار ده يا عم رجب ؟؟ 

كانت كلمات ختم بها يحيى حديثه وهو يجلس مع رجب داخل محله يتناول بعض التسالي ويقص عليه الظلم الذي يتعرض له من جميع أفراد عائلته داخل المنزل الآن وقد تكالبوا عليه .

وأصبح يشعر كما لو أنه منبوذ من الجميع .

رفع الرجل عيونه صوب يحيى وهو ما يزال يحرك أصابعه بين حبات سبحته، ثم تجاهله وعاد يكمل استغفاره بصوت مرتفع، ويحيى يهز رأسه:

- بعدين أنا بعمل كل ده ليه ؟! مش عشانهم !! بهزقهكم واذلهم ليه ؟؟ مش عشان مصلحتهم ؟! وفي الاخر يجوا عليا وكأني عدوهم .

اعتدل في جلسته بعدما كان متكئًا على المقعد خلفه وقد بدأت المرارة تستحكم حلقه ويتحول الحوار لحقيقي بعدما كان مجرد حديث يمرر به وقته مع عم رجب وقد ترك لهم المنزل :

_ عندك مثلًا أحمد، ده حاطنني في دماغه من صغرنا، تقولش واكل عليه ورث أمه مثلا  ؟؟

صمت يفكر بجدية في الأمر :

_ أنا كنت بفكر عامة في الموضوع،  بس لسه معملتش كده، بس ساعات بحس أنهم بيكرهوني يا عم رجب وده مأثر عليا نفسيًا بجد .

صمت وهو يشرد بحزن أمامه قبل أن يردد بصوت خافت :

_ كلهم بيكرهوني، بحس إني منبوذ بينهم، محدش فيهم بيحبني زي ما بحبهم كلهم .

واخيرًا منحه رجب اهتمام وهو ينظر له من أسفل رموشه بتشنج يهمس بسخرية لاذعة :

- يعني أنت قليت ادبك على ابن خالتك الكبير، وزعلت اخوك الصغير، وزعقت لأختك الكبيرة، واسأت الظن في صاحب أخوك، وناقصلك بس تحلي بمال اليتيم، وهما اللي جايين عليك ؟؟ 

استدار يحيى صوب رجب ينظر له بتعابير مغتاظة وقد شعر بالظلم يتسرب من كلماته، إذ بدا أنه اختار الشخص الخطأ ليشكو له :

- أنت ليه بتسرد الموضوع بالطريقة دي، على فكرة في طريقة تانية ممكن تقول بيها الكلام ده وتطلعني مظلوم،  أنت كأنك مصر تخرجني بدور الشرير في قصص الكل، ليه بتاخدها من الناحية دي بجد؟؟

_ أنت يابني عبيط ؟؟ هي ملهاش غير الناحية دي، أنت اللي  مصر تطلع نفسك مسكين وأنت ناقص تمص دمهم .

تشنجت تعابير يحيى وهو يبتلع آخر حبات التسالي بين أنامله، يتحرك من مكانه ينفض ثوبه بضيق شديد وهو ينظر لرجب برفض لما آلت إليه الأمور وقد ظن أن رجب سينصره ويواسيه : 

_ أنا عامة غلطان اني بحكي ليك مشاكلي يا عم رجب والله، اكيد مدفوعلك عشان تصغرني قدام نفسي، الحركات دي متطلعش برة أحمد أنا عارفه، بس قوله إني برضو مش هسامحه.

_ أحمد مين يابني أنا أعرف غيرك هنا؟! بعدين تسامح مين ؟! هو أنت اللي زعلان ؟!

_ بعد كل اللي حكيته ليك ومستخسر عليا حسرة قلبي ؟؟ 

ضرب رجب كف بالآخر وهو يتجاهله يكمل تسبيح بصوت خافت، بينما يحيى دفع ما اشترى أمامه يردد بضيق :

_ خد طيب شوف حسابك كام خليني احاسب وامشي، وأول وآخر مرة اشتكي ليك والله .

نظر رجب للأشياء التي اشتراها يحيى وهو يحسبها بعيونه بينما يضعها في اكياس بلاستيكية، ومن ثم وضع الحقيبة أمام يحيى :

- كده دول ٢٤٠ وكيس الكاراتيه اللي أكلته يبقى المجموع ٢٥٠.

نظر له يحيى بخيبة أمل وكأن رجب للتو خانه أو ما شابه :

_ اللي أكلته ؟؟ هتحاسبني على اللي بأكله كمان يا عم رجب ؟! 

ورحب فقط رمش بعدم فهم لا يدرك ما يقصد يحيى :

_ مش فاهم ؟؟ وفيها ايه دي بضاعة محل ؟!

_ طب و كرم الغجر يا عم رجب ؟؟! 

نظر له رجب دون فهم، ليبتسم يحيى وهو يخرج محفظته بضيق من هذا الرجل الذي لا يفهم مزحاته، يعد أمواله ليزفر بضيق :

- مش معايا كاش غير ٧٠ جنيه، فيه فيزا هنا او محفظة فودافون ؟!

_ فيزا ومحفظة ايه ؟؟ أنت عايز ايه ؟!

- يا الله يا عم رجب، بقولك ايه ما تعملي خصم وتبقى جدع أو قسطلي الطلبات دي لغاية ما اتصالح معاهم في البيت لأحسن كده مش نافع .

ورجب كان ينظر لما أمامه:

- خصم ايه يا بني دول ٢٥٠ جنيه ؟! 

_  يعني ايه مش هتعملي خصم، ده خير عشان ارجع المايه لمجاريها، مش أنت اللي نصحتني اصالحهم؟! شيل شوية معايا بقى .

كانت كلمات حانقة من يحيى وهو يضع أمامه ما اشترى للجميع من حلوى كي يحصل بها على الغفران، وكأن هذا هو سبيله الوحيد لتعديل صورته بعد تشاجره مع الجميع تقريبًا .

_ لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يهديك يابني .

_ ما أنت بتكسب زبون يا عم رجب، والله أنا أكثر واحد بشتري منك هنا، بلاش تخسرني وإلا هروح اشوف أي سوبر ماركت أو كشك غيرك، بعدين فيه ايه تعملي خصم وكده كده مكسبك محفوظ ؟! 

ضرب الرجل كف بكف وهو يسبح على حبات سبحته بيأس :

_ عايزني اديك بضاعة سعرها ٢٥٠ جنيه بس ٧٠ جنيه وتقولي مكسبي محفوظ ؟ ده لو غسيل أموال مش هعمل كده .

_ اسمع مني أنت بتكلم واحد أول دفعته في كلية تجارة، خلينا نحسبها بالعقل، لو افترضنا انك وافقت وعملت ليا خصم، فأنت كده كسبت زبون هدخلك ضعف أرباحك اللي خسرتها دلوقتي في المستقبل.

استغفر رجب وهو يتجاهل يحيى يكمل تسبيح على مسبحته وقد أدرك أن تحدثه مع هذا الشاب سيصيبه بأمراض الدنيا كلها، بينما يحيى تنهد بصوت مرتفع : 

_ ماشي يا عم رجب عامة أنت كده خسرت زبون .

زفر رجب بسخرية :

_ عمال خسرت زبون خسرت زبون، يا ابني أنت خسارتك مكسب والله .

وفي الثانية التي انتهى فيها رجب من حديثه سمع يحيى ضحكة مرتفعة في الخلف، استدار ببطء وهو يشعر أن تلك الضحكة مألوفة له، ليجدها كما توقع .

ابتسمت كارا وهي تتمالك نفسها تتجاوزه صوب المكتب الخاص برجب تضع ما اشترته على الطاولة وقد كان الكثير من الحلوى والتسالي :

_ اتفضل يا عم رجب شوف حساب دول عشان متأخرش على الأولاد .

جذب الرجل الحقيبة وأخذ يحسب ما اشترته ويحيى يقف جانبًا ينظر لها بحاجب مرفوع وكأنه ينتظر منها كلمة إضافية ليتشاجر معها وما تزال مرارة الخيانة التي تجرعها منها تستحكم حلقه .

وحينما أبصر منها تجاهلًا، لم يتمكن من الصمت كعادته، لذا تحدث بجدية وهو يبعثر الاغراض أمامه بعدم اهتمام : 

_ اسمهم ايه بقى؟؟

وكارا لم تجبه وهي تراقب رجب الذي أخذ يحزم كل ما اشترته بالحقائب بشرود، حتى سمعت صوت يحيى يردد بغيظ :

_ عاملة نفسك عبيطة يا بت ؟؟

استدارت له بعدم فهم وتعجب :

_ نعم ؟!

_ أنعم الله عليك يا ضنايا، كنت بسألك على الأولاد اسمهم ايه بقى ؟!

_ اولاد ايه؟؟

أشار لما اشترته بجدية بطرف عيونه :

- أولادك ياختي.

رمشت بعدم فهم وهي تردد كلمته بجهل،  بينما هو يتابعها بجدية كبيرة، وقد شعر بالفعل بالصدمة، الفتاة كانت تمتلك حياة كاملة بينما هو يكتب مقدمة روايته معها.

_ اولادي ؟؟ 

هز رأسه بنعم وهو ينتبه لرجب الذي انتهى تقريبًا من حزم كل الحلوى التي احضرتها للأطفال، يردد بجدية وكأنه وجد طرف خيط ينتقدها به:

_ مينفعش تاخدي كل الحلويات دي للأولاد، مضرة ليهم، مسمعتيش عن التربية الغذائية ولا ايه ؟! 

_ تربية غذائية ؟!

نظر لها نظرة سريعة قبل أن يعلق بسخرية لاذعة على ما يحدث حوله وهو يمد يده لها ببعض الحلوى التي لم يدفع بعد ثمنها :

- عامة خدي علبتين العصير دول مني للأولاد أي حاجة مفيدة غير القرف اللي أنتِ جيباه ده، قوليلهم من عمو يحيى .

نظرت له بجهل وهي تلتقط الحقائب من رجب تحاول الحديث عما يحدث فعليًا معها :

- عمو يحيى ؟! 

وعمو يحيى تجاهل كل ما تقول يظهر لها تمكنه في هذا المجال الخاص بتربية الاطفال، وهو خبرة سنوات في تربية عيسى : 

_  بعدين كمية الحلويات دي صعبة بجد على أطفال، محتاجة تعملي حسبة بسيطة وتقسمي الحلويات عليهم بشكل يضمن أنه ميضرهمش .

صمت وهو يتساءل بجدية وكأنه تطوع ليساعدها في تربية الأولاد :

- هما كام طفل بالضبط ؟!

نظرت له بجهل وهي تفكر في سؤاله تجيب بتلقائية دون التفكير بشكل جدي :

_ ١٥ طفل.

_ طيب يبقى ١٥ طفل في اتـ.....نعم ؟؟ ١٥ طفل ؟؟ ١٥ طفل ؟؟ ده ازاي ده ؟؟؟

كان يتحدث بصدمة كبيرة جعلتها تتراجع وهي تضم الحقائب تختفي خلفها منه وهو يحدق بها بصدمة مبتسمًا بعدم فهم، وهي بمجرد أن أبصرت نظرته حملت ما اشترت وهرولت وهي تردد :

_ هعدي عليك بعد ما اخلص عشان احاسبك يا عم رجب .

ومن ثم اختفت تاركة يحيى ينظر لاثرها بصدمة وهو يفكر من اين أحضرت هذا العدد من الاطفال، هل تعمل بتجارة الرقيق ؟؟

استدار صوب رجب الذي امسك مسبحته مجددًا يشرد بين حباتها متجاهلًا ما يحدث حوله، لولا أن ارتمى يحيى على المكتب أمامه يردد بجدية :

_ يعني ايه ؟!

فزع رجب وهو يتراجع للخلف :

- ايه ؟!

- يعني ايه ١٥ طفل ؟؟ بتعمل بيهم ايه دول ؟! وجابتهم منين ؟؟

فزع منه رجب وهو يردد بعدم فهم :

_ جابتهم منين ايه ؟؟ دول الاطفال اللي في الملجأ بتاع القرية .

ولم يفهم يحيى ما يردد رجب يتساءل بجدية :

_ ملجأ القرية ؟؟ القرية فيها ملجأ ؟؟ أنتم بتعملوا خير زينا عادي ؟! 

رفع رجب حاجبه بحنق وهو يبعد ذراع يحيى عن المكتب بضيق :

_ أنت ليه محسسني أنك وسط كفار ؟؟

_ والله اسود .

_ ايه ؟!

_ يا عم رجب محدش بيذكر ربه هنا غيرك، عامة مش موضوعنا فهمني ايه حوار الملجأ ده ؟! 

تنهد الرجل وهو يشرح له بجدية :

_ بيت فيه الاطفال اللي اهلهم ماتوا وملهمش عيلة، وكارا الله يكرمها بتروح ليهم كل فترة تقعد معاهم .

حرك يحيى عيونه صوب الباب الذي خرجت منه كارا قبل أن يردد بجدية كبيرة :

_ هو فين بالظبط ده ؟؟ 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان يجلس بعيدًا وهو ينظر أمامه بعيون ضبابية يراقب الفضاء أمامه ولا يبصره فعليًا، فقط ينظر للفراغ وعقله لا يعرض له سوى صور وأصوات مرتفعة تطن برأسه .

وحده بين طرقات المشفى يبحث عن عائلته بين الجثث المتناثرة، لكن لا شيء، وهذا أعطاه أمل أنهم ربما ...ربما كانوا احياء .

لكن فجأة اصطدم بعيونه بهم ليتجمد ارضًا ويسقط جوار الجثث المرتصة ارضًا، يحدق فيهم بأعين دامعة وملامح تجمدت من الصدمة .

" أستعين بالله يا خوي، اصبرك وما صبرك إلا بالله"

لكنه لم يسمع اصواتًا، لم يسمع شيئًا، ولا يدري ما حدث بعد هذا اليوم، سوى أنه وجد نفسه يهرب من وطن منكوب صوب مستقبل مظلم، انتقل من دمار لدمار، ومن جثث ودماء لخراب .

_ أنت كويس؟

كان سؤال صغير بسيط خرج من جواره ليرفع عيونه ببطء يبصرها تقف جواره وهي تحمل بين يديها كوب مشروب دافئ تراقبه بهدوء .

_ بكلمك من شوية ومفيش صوت منك، أنت....شكلك تعبان ؟!

وحاتم أخذ ينظر لها من ضباب أفكاره، يتساءل إن كان يستطيع يومًا العيش بشكل طبيعي، لكن كيف ولا مستقبل واضح أمامه، لا حياة ولا مستقبل ولا يستطيع حتى التمسك بالماضي .

هو حتى لا يعلم الخطوة التالية له، كيف سيحيا وأين ولماذا؟؟

_ حاتم ؟!

_ بخير .

نظرت له بتردد ولم تكن تدري كيف تفتح معه حديث، لكنها نظرت ثواني ليدها قبل أن تمدها له ببسمة صغيرة :

_ شاي بلبن لو بتحبه .

ابتسم وهو يرمق كوب الشاي باللبن بأعين ملتمعة وكأنه يتقبل منها هدية ثمينة، يمد كفه ببطء ليتلقطه منها يهمس بصوت منخفض :

_ تسلم إيدِك، أي إشي منيح طول ما إنك تعبتي حالِك عشان تعمليه.

ابتسمت لجملته ومن ثم جلست على بعد منه أسفل الشجرة تنظر صوب عيسى الذي يجلس على بُعد صغير منهم أمام المنزل بعدما أجبرته للقدوم والجلوس بالقرب منهم حتى تعتذر منه .

_ مش حابة أنك تزعل من يحيى، يحيى ميقصدش أي حاجة والله هو بس ...

قاطعها بهدوء وهو يرتشف من المشروب رشفة صغيرة، مبتسمًا بسعادة وقد كانت هذه المبادرة عيدًا له، أن ينال شيء من صنع يدها كان شيء يحبه ويقدره، وفي اللحظة التي رفع عيونه لها وابصر نظراتها الهادئة ارتجف صدره وكبت تأوهًا وقد اتخذ قراره الذي لا رجعة عنه .

 سيتحدث لمسلم عن رغبته في الزواج بأخته بمجرد أن تنقضي العدة، وحتى يحين ذلك الوقت وتصبح حلاله، يدعو الله أن يلهمه الصبر ويبعدها عن أنظاره .

_ أنا ما زعلت من يحيى، عكس ما بتفكري. أنا بعرف يحيى منيح من حكي مسلم عنه، وبفهم شو نوع الشخص اللي هو، فـ عادي وما في مشكلة.

ابتسمت بسمة صغيرة :

_ مسلم حكى ليك عننا كلنا ؟؟

رفع عيونه لها يتوه في لمعان عيونها يبتسم بسمة صغيرة :

- تقريبًا .

ونبرته التي تحدث بها جعلتها تخفض عيونها ارضًا وهي تتنهد بصوت مرتفع :

- عامة كنت حابة اعتذر منك نيابة عنه، وكمان ...اشكرك على مساعدتك ليا بعد اللي حصل ليا، تعبناك معانا .

_ ولو ...

ابتسمت بسمة صغيرة وهي ترفع عيونها له تقول بحماس دون شعور :

_ تعرف إني كان عندي صديقة سورية في الجامعة، وكنت بحب اكلمها عشان بحب لهجتها ؟؟ أنت لهجتك شبهها .

ضحك ضحكة صغيرة :

_ بالنهاية كلنا شوام.

_ ايوة بس انت بعض كلماتك زينا، كلمات كتير عامة .

هز رأسه وهو يرتشف من مشروبه ومن كلماتها وعيناها التي يتجاهلها وينظر ارضًا أو في كوبه أو السماء .

_ اللهجة الأردنية، وبالذات لهجة أهل عمّان، قريبة كثير عالمصري، وكمان الغزّاوي فيها ألفاظ مصرية. ومن حظّك إني جامع الاتنين .

ختم حديثه ببسمة جعلتها تبتسم بسمة واسعة له، ليتنهد تنهيدة مرتفعة وهو يبعد عيونه عنها وقد فكر في صرفها قبل أن تسوء الأمور، لذا تحدث ببساطة وهدوء :

_ بظن لازم تـ...

_ كان عندك حق .

قاطعته بلا مقدمات ليضيق ما بين حاجبيه بعدم فهم :

- بشو بالضبط ؟!

_ موضوع عادل .

وحينما نظر لها بتفكير وكأنه يحاول تذكر الاسم وضحت ببساطة :

_ طليقي .

وعند هذه الكلمة استيقظت كامل حواسه يستمع لها بهدوء، وهي ابتسمت بقلة حيلة :

_ كان لازم اقول للكل من الاول، بس كنت خايفة إني اتقل عليهم .

_شو اللي عمله بالزبط؟

نظرت لعيونه ثواني وهي تهز رأسها بهدوء تحاول تلاشى الحديث، لكنه لم يمنحها الفرصة لذلك :

_ شو اللي عمله بالزبط نورهان ؟!

نظرت له نورهان بصدمة بسبب السوداوية في حديثه، لكنها رفضت في النهاية التحدث حول ما حدث خجلًا من ذكر أمر الصور، لذا قالت بإيجاز :

- بيهددني اني اقول لمسلم يصلح كل اللي عمله وإلا هيأذيني .

نظر لها بعدم فهم لتنهض هي بسرعة وقد اكتفت من التحدث بالأمر، تشعر برغبتها في الاحتماء في غرفتها .

ولم تكد ترحل حتى أوقفها هو بسرعة :

_ أي إشي بيهدّدِك فيه، لا تخافي، كل إشي رح يكون تمام. هو اللي لازم يخاف، صدّقيني.

نظرت له من خلف كتفها بتعجب ليبتسم بسمة صغيرة وهو يبعد عيونه عنها يرتشف من مشروع بهدوء شديد وبرود يتحدث بنبرة غريبة :

_ تصبحي على خير آنسة .

نظرت له ثواني قبل أن تتحرك من أمامه تاركة إياه يفكر في نهاية يضعها لوجع الرأس المسمى بزوجها هذا ....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ أنتِ بخير ؟؟

رفعت رايانا عيونها صوب ساڤا ببطء وهي تحاول معرفة إن كانت بخير حقًا، هل كانت يومًا كذلك؟؟ أو هل ستكون في المستقبل ؟؟

" لما كل ده يخلص، أنا مش هسيبك لحد، هتيجي معايا، هتكوني معايا ."

_ رايانا ..

رفعت رايانا عيونها صوب ساڤا التي كانت قد ملئت الطاولة أمام الأخيرة بكل ما لذ وطاب من الأطعمة وكأنها تتحضر لمجاعة قادمة .

_ نعم يا ساڤا !!

_ نعم ايه ؟! أنتِ مش معايا ؟؟

_ لا معاكِ اهو كنتِ بتقولي ايه ؟!

ابتسمت ساڤا بسمة واسعة وهي تجلس أمامها تميل برأسها تهمس لها بصوت منخفض وكأنها تخشى أن تشاركهم الجدران ذلك السر :

_ بتفكري فيه ؟!

_ في مين ؟!

_ حفيد المريدي ؟؟ اللي كان هيقتل عز الدين عشانك ؟؟

أشتدت ضربات قلبها بشكل مؤلم، لكن الرعب من وصولها لمرحلة بعيدة في هذه المشاعر واصطدامها في النهاية بجدار صلب حالوا ما دون المواصلة في أحلامها الغبية وهي تجيب ببساطة :

_ افكر فيه ليه ؟! ثم هو معملش كده عشاني يا ساڤا الموضوع مش زي ما أنتِ مفكرة .

رفعت ساڤا حاجبها بسخرية لاذعة :

_ امال عمله عشان مين لو مش عشانك؟ ده كان هيخرج روح عز الدين في أيده .

_ الظاهر أنك مسمعتيش كلامه وهو بيقول إن تدخله كان مجرد نخوة وفعل إنساني لبنت أشفق عليها .

ابتسمت ساڤا بسخرية من براءة وغباء رايانا، الغبية الحمقاء التي لم تحتك يومًا بالرجال لتدرك الفرق بين المروءة والافعال الإنسانية، وبين الحمائية والشراسة في الدفاع عما ينتمي لك .

ورغم أنها هي نفسها لم تقابل النوع الأول ولا حتى الثاني، إلا أنها تكاد تقسم أن هذا الشاب ليس من ذلك النوع الأول، نظراته وجنونه وهو يضرب عز الدين قالوا عكس ذلك .

_ لو افترضنا كلامك صح، كان ممكن يضربه ويساعدك ويمشي، لكن ده فضل واقف وضربه أكثر من مرة وتقولي إنسانية ؟! ياريت حد يعاملني بنفس الإنسانية ولا هي الإنسانية لا تجوز عليا وعلى أمثالي ؟؟ 

أنهت حديثها بمزاح ورايانا جالسة رافضة أن تسقط في ذلك الفخ مجددًا كلماته البارحة وهو يعدها وعود كثيرة جعلتها تكاد تبكي من فرط العطاء، وحديثه اليوم عن أن ذلك بدافع إنساني بحت، وضربه عز الدين حتى كاد يقتله، كل ذلك يعاكس نفسه، هذا الرجل مختل لا ريب .

_ رايانا .

رفعت رايانا عيونها صوب ساڤا تهتف بصوت منخفض خافت وكأنها تبحث لها عن طريق لتخرج به من حصارها مع مسلم :

_ محمد كان بيسألني انهاردة عن جوزي .

تعجبت ساڤا حديثها وهي تدفع بعض الطعام صوب رفيقتها تحاول فهم ما تتحدث بشأنه :

_ جوزك ؟! جوزك مين ؟!

_ جوزي اللي مات يا ساڤا، آدم.

اتسعت عيون ساڤا بصدمة وكأنها نست هذا الجزء تمامًا من حياة رايانا، لكنها فقط رفعت حاجبها تقف عند كلمة واحدة :

- وهو الدكتور بيسألك عن جوزك ليه إن شاء الله ؟؟

تعجبت رايانا مقدار الحدة في صوت ساڤا :

_ معرفش بس ...

_ ايوة بس انا أعرف لسه عنده عشم تكوني ليه يا رايانا، بس ده بُعده .

حاولت رايانا فهم الحدة في نظرات ساڤا ولولا أن ساڤا كانت تشجعها منذ ثواني على مسلم، لشكت أنها تغار عليها من الرجال .

الأمر كان مضحكًا لكن تعجبها منعها من الضحك وهي تردد بجدية :

_ ليه ماله محمد ؟! انسان محترم وكويس .

_ لو اتقدم ليكِ هتوافقي ؟! 

كان سؤال باغتتها به ساڤا وهي تطرح عليها أسئلة تهرب عقلها من مناقشتها، وكأنها كانت تخشى الوصول لإجابة عنها .

مدت يدها تلتقط قطعة معجنات وهي تبتلعها وكأنها تشغل نفسها عن الإجابة بالطعام، لكن نظرات ساڤا أخبرها أنها تنتظر الإجابة ولن تغفل عنها.

_ مردتيش يا راي، لو محمد أتقدم ليكِ هتوافقي عليه ؟؟

بللت رايانا شفتيها وهي تحاول الحصول على إجابة منطقية وسط كل ما يحدث بحياتها :

_ بس هو مش هيتقدم .

انتفض جسدها فجأة برعب حينما ضربت ساڤا الطاولة وهي تردد ببسمة واسعة وكأنها حصلت على الإجابة الشافية لها تردد بصوت مرتفع :

_ بالظبط، هو مش هيتقدم، وده ليه يا ترى ؟؟

نظرت لها رايانا وكأنها تبحث عن إجابة بعقلها، ثم هزت كتفها ببساطة :

_ ممكن عشان هو مش...هو الموضوع قبول اكيد يعني مش هجبره يجي يتقدملي وهو مش قابلـ

قاطعها صوت ساخر خرج ساڤا التي ضحكت بصوت مرتفع :

_ مش قابل ايه يا ختي ؟! ده أنا بشوف ريالته عليكِ من على بعد كيلو، الولد هيزحف عشانك كمان ثانيتين وتكوني مراته .

رفعت رايانا عيونها بتعجب لوجه ساڤا التي عادت في جلستها للخلف وهي تمسك بعض اصابع البطاطس المقلية تضعها بفمها مبتسمة بسخرية :

_ هو عايز، بس مش قادر، واحد زي محمد هيلاقي لنفسه مليون حجة عشان ميوصلكيش، حبه ليكِ كبير بس مش كفاية أنه يدوس على رغبة أهله في أنه يتجوز واحدة شبهه، مكانته كدكتور هتمنعه يتجوز من واحدة زيك .

تشنجت ملامح رايانا بقوة وهي ترمي ساڤا بنظرات غاضبة لتضحك الاخيرة وهي تردد ببساطة :

_ زعلانة ليه ما أنتِ مش بتكلمي مهندسة في مشروع النووي، مش ده موضوعنا، اللي أقصده أن محمد بشخصيته دي آخر إنسان ممكن يكون جوزك، ده لو وقف قدام عز الدين ده لو يعني أهله سابوه يقف قدامه، عز الدين هيطحنه .

صمتت وهي تبتسم بسخرية :

_ تخيلي تتجوزي واحدة عز الدين يقدر يدوس عليه؟! حاجة في قمة المهزلة، أنا عندي تتجوزي عز الدين اكرملك من محمد، على الأقل ليه كلمة بين القرية والرجالة بتخاف منه هنا، وإلا كان زمان نصهم اتقدملك .

كانت رايانا تستمتع بجدية وهي تدرس الكلمات داخل عقلها، تدرك أن ساڤا محقة، محمد لم يكن سيئًا يومًا لكنه كان ...يشبه والدها، سلبي وهذا أكثر ما تكرهه بعد ما عاشته مع والدها، وهي ليست مستعدة لتحيا نفس الشيء مرة ثانية مع زوجها .

محمد كان يمثل الأمير الراقي والهادئ والحنون في قصتها، ولو أنها كانت تحيا في قصر ومدينة هادئة، لكان محمد وقتها أنسب زوج لها، لكن من سوء حظه أنها تحيا بأرض الدوم ...

_ حبيبتي أنتِ عايزة واحد يدي أهل القرية دي بالجزمة ومحدش يقدر يوقفه عشان يحميكِ، واحد مش بيهمه حاجة، يدوس على الكل عشان دمعتك يا رايانا، واحد يحبك ويعيش عشان بس يسعدك .

صمتت وهي ترى نظرات رايانا الشاردة لتكمل ببسمة :

_ واحد زي حفيد المريدي .

اتسعت عيون رايانا وهي تنظر صوب ساڤا بصدمة من كلماتها لتميل الأخيرة برأسها مبتسمة بسمة واسعة :

_ أنا لو في مكانك وعايشة حياتك، عمري ما هسيب الراجل ده يخرج من القرية غير وأنا مراته، فرصة ومش هتيجي كتير، ومش محتاجة تبذلي مجهود الراجل مستوي اساسا وكان على تكة ويجيب بنزين يولع فينا كلنا عشانك .

تنفست رايانا بصوت مرتفع وهي تحاول أن تستوعب كل ما تدفعه ساڤا لعقلها .

"  مفيش حد هيأذيكِ أبدًا يا فروشكا ."

ارتعشت على ذكرى همسه، ورغم أن الأمر ما يزال يثير رعشة خوف بصدرها كلما تذكرته، إلا أنها لا تنكر أن جزء صغير داخلها مفتونًا بكل ما يتعلق بهذا الرجل .

وهذا اعتراف لن يخرج من صدرها ما دامت حية، ستدفنه هناك في أعمق اعماق روحها جوار أحلامها .

ــــــــــــــــــــــــــــــ

كان صامتًا طوال الطريق وبمجرد أن دخلا المنزل حتى انفجر أحمد واخيرًا الانفجار المنتظر لدرجة أن عيسى خرج من الغرفة مرعوبًا .

_ ممكن اعرف ايه اللي عملته ده ؟؟ تدخل تساعد البنت ماشي رجولة منك وأي حد هيعمل كده، لكن تتغابى بالشكل ده على الراجل ؟! أنت اتجننت يا مسلم ؟؟

رفع مسلم عيونه له وهو ينظر له ثواني، قبل أن يرفع يده بهدوء يعلن استسلامًا وقد بدا أنه غير قادر على خوض هكذا نقاش مع أحمد:

_ عندك حق أنا غلطان اني ضربته .

" كان المفروض اقتله " لكنه كبتها بنفسه لأجل إنكاره لحقيقة كرهه لهذا الرجل لأجلها، و لخوفه على ضغط دماء أحمد إن اعترف بها صراحة .

_ عامة الموضوع خلص على خير اهو، سيبك منه وقولي عملت ايه في حوار المحامي ده ؟!

ويبدو أنه لم يكن يهدف لشغل أحمد عن الأمر فقط، بل كان يهدف لإبعاد عقله في التفكير بما يحدث .

_ جبت رقم استاذ علاء وهكلمه اشوف ازاي يقدر يساعدنا .

_ طيب ده عظيم جدا يا أحمد، انا فخور بيك .

ابتسم وهو يستدير في الإرجاء يبحث بعيونه عن شخص قبل أن يتحدث بجدية :

_ هو فين حاتم ؟! 

والعجب أن من أجابه كانت نورهان التي أشارت للساحة الخارجية تحديدًا جهة الشجرة :

_ قاعد تحت الشجرة برة .

رفع مسلم حاجبه بتعجب وهو يتحرك للخارج :

_ هشوفه واجي، وصحيح فين يحيى !؟

التوى ثغر نورهان فأدرك مسلم أن هناك ما فعله يحيى مرة ثانية، تنهد بصوت مرتفع وضيق :

_ عمل ايه تاني ؟!

_ اتخانق مع حاتم من غير سبب، وقاله كلام يسم البدن .

رفع مسلم حاجبه، فنعم ربما يكون يحيى مستفز ومتهور، لكنه لا يتصرف بطيش دون سبب أبدًا، أو في أغلب الأحيان لا يفعل .

لم يسألها عما حدث، بل تحرك ببساطة للخارج وهو ينظر للجميع بهدوء :

- هشوفه لغاية ما يحيى يجي عشان نشوف هنعمل ايه قدام .

وبالفعل خرج بسرعة يبحث بنظراته عن حاتم الذي وجده مستندًا على الشجرة شاردًا بشيء أمامه، ليقطع هو الطريق أمام نظارته وهو يتوسط المشهد أمامه يتحدث ببسمة مشاكسة :

_ خير شايفك بقيت تسرح كتير مؤخرا، بتحب ولا ايه .

_ اممم

وكانت همهمة شاردة منه جعلت مسلم يستقيم في جلسته وهو يميل بجسده صوبه متشنجًا :

_ اممم ؟؟ اممم ايه بالضبط معلش ؟؟ أنت بتحب يا حاتم ؟! مين ؟؟ 

رفع له حاتم عيونه ثواني قبل أن يهز رأسه بتردد ولم يكن يدري أيخبره الآن أم يتسرع، هل يخبره أنه يحب أخته ومنذ سنوات، لكن إن فعل سيعتقد مسلم أنه خانه، كان الأمر معقدًا، لقد تركه مسلم بين عائلته مطمئنًا، والآن حينما يخبره أنه يحب أخته ويود الزواج بها الله وحده يعلم كيف سيفكر .

كل ذلك ومسلم ينظر له بشك وصوت خبيث يخبره تحديدًا أنه يدرك هوية تلك الفتاة، لكنه يستمر بالانكار فمتى حدث كل هذا وهو لم يبصرها إلا من شهر او أكثر قليلًا، ولا يدري أكان الأمر يغضبه أم لا، لكنه كان يحيره .

حاتم رفيقه يترك حياته بين يديه دون ذرة شك واحدة، وما ابصره الفترة السابقة جعله يشك بمشاعر رفيقه تجاه أخته.

سمع واخيرًا صوت حاتم يتحدث بهدوء وتردد وكأنه يبحث عن ملاذ لأفكاره بعيدًا عن كل ذلك .

_ هي ...فروشكــــ....

ولم يكمل جملته بسبب مسلم الذي جذب مقدمة ثوبه يهتف من تحت أنفاسه وقد بدا أنه تحول في ثواني :

_ فروشـــكا ايــه ؟؟ 

اتسعت عيون حاتم بصدمة من تحول مسلم بهذه اللحظة، يرفع يده بسرعة يمسك بها قبضة الاخير وهو يردد بجدية وخوف من تصرفات مسلم :

_ أنت تفقد السيطرة على نفسك مسلم، لو كانت آخر نساء الأرض يا أخي ما رفعت عينًا بي، قسمًا بالله تُحرّم عليّ .

ومسلم كان ينظر له بأعين غير ثابتة وحدقته تهتز بشكل غريب، جعل حاتم يربت على ظهره :

_ مسلم ما بك كنت سأسألك إن تحدثت معها بشأن ذلك المحامي ؟! 

ترك مسلم ثوب حاتم ببطء قبل أن يستند برأسه على كتف حاتم بتعب شديد يهمس بصوت متقطع ومازال التوتر والتشوش يسيطر على حالته :

_ ما الذي حدث لي حاتم ؟؟ أنا لا ...حاتم ما الذي حدث لي البارحة، لا تكذب أرجوك هل ....هل حدث الأمر مجددًا ؟؟

نظر له حاتم بتردد وهو يرفع يده يربت على كتف مسلم وهو يردد بحنان شديد :

- لا شيء أخي، أنت بخير، لم يحدث شيء مسلم .

ومسلم لم يصدقه وهو يهتف بعيون ظهر بها عذابًا داخليًا لحاتم الذي حاول التماسك يرفض الدخول لتلك الدوامة مجددًا .

_ حاتم ارجوك، هل ....فعلت لفروشكا شيء، أتوسل إليك أن تخبرني أنني لم اقابلها بتلك الحالة، لقد ....

صمت من بشاعة الفكرة، أن تبصر الفتاة جانبه المظلم جعله يشهق بخوف :

_ لقد نظرت لي اليوم بتعجب و...خوف، وأشارت في حديثها لشيء حدث البارحة، ما الذي يحدث حاتم، لقد ...شُفيت ...لقد شُفيت .

كان يكرر الكلمة مرتعبًا من عودة حالته مرة ثانية بعد علاج استمر لعام كامل، مسلم والذي تعرض لعلاج مكثف وجلسات كهرباء للمخ مباشرة وعذاب استمر لعام كامل، لم يكن على استعداد ليعيد نفس الأمر مجددًا .

_ لقد ... أنت بخير مسلم، لكن ...الطبيب أخبرنا أن العلاج يستمر بالمتابعة و....لم تدخل بنوبة لشهور وهذا إنجاز كبير، نوبات قليلة كل فترة ليس شيء تخشاه .

أطلق مسلم تأوه وهو يتحدث بيقين وخوف :

_ إذن حدث ؟! لقد ...كنت في نوبة البارحة ؟؟ لقد ... أبصرتني بهذه الحالة يا ويلي ما الذي فعلته معها ؟؟

أبتعد عن حاتم وهو يشعر بالرعب، لقد كانت حالته أشبه بوحش يخرج من داخله، هل اضطرت فروشكا لرؤية ذلك الشيء والتعامل معه؟! ما الذي فعله معها البارحة ؟!

كانت نظراته مصدومة وهو يحاول تذكر شيء، لكن لا شيء كل ما يتذكره هو همستها الباكية بأنها لم تفعل شيء، أن ذراعها يؤلمها .

انتفض برعب وفكرة واحدة جمدته وقد شحب وجهه ورغم أن الفكرة كانت مستبعدة، لكنها لم تكن كذلك على الوحش الذي يسكنه :

_ أنا....يا ويلي يا حاتم ...هل أنا....يا ويلي ... يا ويلي، هل أنا من فعل ...من فعل بها ذلك ؟؟ 

نظر له حاتم بعدم فهم ولم يكد يتساءل عما يقصد مسلم حتى اندفع الأخير بسرعة بعيدًا عن المنزل وهو لا يبصر شيء أمامه سوى أنه ربما هو من تسبب لها بهذه الجروح، أمر غير مستبعد وقد أصاب حاتم بالكثير والكثير من الجروح سابقًا، لقد كان ذلك الوحش الذي يسكنه قاتلًا قذرًا، كان شر يسكن جسده، شر تجمع من كل ما حدث له وأصبح يخرج له على هيئة نوبات لا شعورية لما يحيط به، ما يزال يبصر نفس الخيالات ويسمع نفس الأصوات، لكن أن يخرج ذلك الجزء المظلم لها كان القشة التي قسمت ظهره ...

ركض وهو لا يعلم أين يجدها، عليه فقط التحدث معها والتأكد أن لا شيء حدث، هو لم يفعل ذلك لها، وهمستها الباكية وهي تخبره أنها لم تفعل له شيء جعلته يزداد في جنونه .

ولجهله بمكانها تحرك بسرعة صوب منزلها وقد قرر أن يستقر هناك ريثما يلمح طيفها ويتأكد أنه لم يفعلها ...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

توقف أمام الحديقة الكبيرة التي كانت تطوق منزل متوسط الحجم، والكثير والكثير من الصغار داخل الحديقة يلعبون في كل مكان بسعادة، وهي ....

هي تتوسطهم وتنافسهم في البراءة، من هذه الفتاة ؟؟ لا تشبه بأي شكل من الأشكال المرأة التي جاءت تطلب مساعدتهم ليخلصونها من زفاف وشيك، ولا تشبه كذلك المرأة التي كانت تقف وتصرخ في وجهه من يوم .

كانت تشبه ....بطلات الحكايات التي يقرأ ويقسم بالله أنهن خيال ولن يصطدم بواحدة منهن .

ابتسم وهو يتابعها توزع الحلوى عليهم والجميع يلتف حولها لينال نصيبه من الحلوى، وهو هنا وحيد لا نصيب له مثلهم .

كانت عيونه تتحرك معها، وهو شاردًا بها يحاول البحث بها عن عيب ينفره من لذة تأملها، لكن لا شيء الفتاة بهذه الحالة وهذه البسمة كانت مثالية .

ضحك بصوت مرتفع حينما تحركت خلف الأولاد، لكنها في طريقها تعرقلت وسقطت ارضًا بقوة .

وعلى صوت ضحكاته استدارت هي ببطء لتصطدم بوقوفه بهذه الطريقة، اعتدلت بسرعة كبيرة وهي تنظر له بحاجب مرفوع وضيق وكل الظن أنه جاء فقط ليسخر منها ربما .

لكنه لم يفعل فقط اقترب منها ببطء وهو يحمل بين يديه حقيبة سوداء كبيرة، وقد كانت نفسها الأغراض التي أحضرها لعائلته ليصالحهم، لكنه فقط جلس القرفصاء أمام طفلة صغيرة تقف جانبًا بضفيرة طويلة وفستان ملون يشبه فساتين الكبار هنا يجذب إصبعها من فمها وهو يردد بحنان :

_ اسمك ايه يا مسكرة أنتِ ؟!

نظرت له الفتاة بعيون كبيرة جعلته يتوه بها وهو يشعر بالحزن لأجلها، اخرج منديل من بنطاله يمسك لها كفها بحنان ومن ثم قبله بلطف شديد :

_ ازاي مسكرة كده ؟؟ 

نظرت له الفتاة ومن ثم رفعت عيونها صوب شعره بفضول شديد، وهو أبصر اهتمامها بشعره، ليبتسم ويسمح لها وللمرة الأولى أن تقترب وتلمسه :

_ عجبك شعري ؟؟

هزت الصغيرة رأسه بنعم، فمال يحيى برأسه قريبًا منها :

_ شوفيه .

مدت الصغيرة يدها بتردد شديد وهي تتلمسه مبتسمة ويحيى ابتسم وهو يبتعد يخرج من حقيبته بعض الحلوى :

_ والله خسارة فيهم، خد يا مسكر أنت، اسمك ايه بقى ؟! 

وصوتها الصغير خرج برقة :

_ سماء .

_ سما ؟؟

_ سماء، اسمها سماء مش سما .

كان ذلك صوت كارا التي اعتدلت في جلستها تنفض ثوبها تراقب هذا المشهد العجيب أمامها لا تصدق أن كل ذلك يصدر من يحيى .

أما عن يحيى ابتسم لها ومن ثم نظر للصغيرة :

_ اسمك قمر يا سماء .

_ وأنت اسمك ايه ؟؟

_ يحيى المريدي يا قمر .

نظرت له الفتاة بعيون واسعة ملتمعة، ثم مالت عليه بهدوء ليبتسم يحيى وهو يمنحها خده بعدما ابصرها تتجهز لطبع قبلة على وجنته، ابتسم بسعادة وهو ينظر لها بحب يجلس ارضًا دون اهتمام : 

_ انا محظوظ بقى الأميرة سماء بنفسها باستني ؟!

نظرت له سماء بخجل وهي ترفع الحلوى أمامها وكأنها تخبره أن تلك القبلة الصغيرة كانت شكرًا على حلواه، فابتسم هو لها بحب يشعر بعيون تراقبه وقد بدا أن الأدوار انقلبت .

رفع عيونه ليجد أن كارا تراقبه ببسمة صغيرة جعلته يبتسم في المقابل، والأخيرة ابتسمت تردد بهدوء :

_ عمرها ما حبت تقرب من حد غريب، شكلها حبيتك .

رفع حاجبه وهو يجيب بمشاكسه :

_ بتفهم .

رفعت حاجبها بسخرية له، وتجاهلها هو يعطي كامل انتباهه صوب سماء وهو يتحدث لها بجدية كبيرة :

_ أنا عامة خلاص عرفت عايز مراتي تبقى ازاي، قررت مش هتجوز حد غير لو برقة الأميرة سماء، تكون بنوتة كبيرة رقيقة زي سماء كده .

نظرت له سماء بأعين متسعة وهي تفكر في حديثه الذي كان يبدو كبيرًا عليها :

_ سماء ؟؟

_ سماء السكر هتكبر وتبقى اجمل أميرة وانا اللي هزفها لواحد حلو زيها .

_ ياريت والله واحد محترم لسانه نضيف وهادي مش زيك كده .

أمال يحيى رأسه لكارا بضيق لتبتسم له الأخيرة وهي تضم يديها لصدرها بتحدي في اللحظة التي بدأت امطار كثيفة تهبط على الجميع .

انتفضت كارا وهي تنظر لزخات المطر فوقها بعيون مبتسمة ملتمعة ولم تكد تندمج في الاستمتاع بالامطار وتدعو الاطفال للعب معها، حتى سمعت صوت فتح باب المنزل، و خرجت مشرفة الملجأ تتحدث بجدية :

_ يلا يا ولاد كله على جوا بسرعة عشان متبردوش .

نظرت صوب كارا وهي تجمع الاولاد :

_ كارا هاتي قريبك وادخلي من المطر بدل ما تبردي .

كادت كارا تنفي معرفتها به، لولا أن يحيى نهض من مكانه وهو ينفض ثوبه يبتسم للمرأة ومن ثم تقدم لها يمد يده بحقيبة الحلوى للباقيين:

- شكرا لذوقك بس أنا هرجع للبيت عشان متأخرش، دول للأولاد قوليلهم من عمو يحيى .

ابتسمت له المرأة شاكرة، وهي تجمع الاطفال بسرعة تاركة خلفها كارا تقف في ساحة الملجأ الأمامية وجوارها يقف يحيى الذي كان يراقب المكان حوله براحة، تلك اللحظات التي قضاها مع الصغيرة اشعرته بأن الحياة ما يزال بها شيء حلو .

ابتسم وهو يستدير صوب كارا التي كانت تراقب السماء بسعادة وبسمة، لكن حينما انتبهت بنظراته نظرت له ببسمة لم تنمحي عن وجهها :

_ شكرًا لأنك فرحتها، هي مش من عادتها أنها تكلم حد كتير .

ابتسم لها يحيى وهو يهز كتفه بهدوء :

_ هي عسولة تبارك الله، هو أنا ممكن اجي ازورهم تاني ؟؟

_ اكيد وقت ما تحب، هما هيحبوا أن فيه حد فاكرهم وبيجي يزورهم .

ختمت حديثها وقد مرت رعشة على طول جسدها، وفستانها الملون بدأ يلتصق بجسدها، تنحنح يحيى وهو يبعد عيونه عنها، يخلع سترته بحنق وهو يمدها له يدعي الغيظ :

_ عارف عينك عليها، خدي بس ابقى اغسليها واكويها قبل ما ترجعيها .

نظرت ليده بعدم فهم، ليتحدث وهو لا ينظر لها :

_ هتفضلي تبصي عليها كتير، خدي الجاكت اخلصي.

ترددت ثواني وهي تمد يدها تنتزع منه الجاكت ترتديه مبتسمة بامتنان تهمس له :

_ شكرا .

هز رأسه دون أن يجيب بكلمة، وهي ابتسمت تردد بهدوء شديد :

- فيك بذرة صالحة في النهاية ..

استدار لها يرفع حاجبه بسخرية ليبتسم دون وعي من مظهرها بسترته، حسنًا ها هو نال مشهدًا سيرياليًا بامتياز، مشهدًا هرب من رواياته الرومانسية، لكن ولحظه السعيد بن يتمكن من إتمام المشهد بعناق واعتراف كما قرأ سابقًا، ربما ينتهي بصفعة وسبة إن حاول فعل ذلك .

تنهد وقبل التحدث بكلمة تراجعت وهي تحمل باقي اغراضها :

_ ارجع البيت بسرعة عشان المطر الموسمي هنا صعب وممكن شوية والطرق تبقى صعبة في المشي .

ومن ثم اختفت بسرعة كبيرة وكأنها تهرب منه، تستدير له أثناء تحركها تنظر خلفها صوبه وهو يحدق فيها بلا أي حركة من طرفه .

وفجأة أثناء هروبها صوب منزلها انزلقت قدمها وسقطت ارضًا بقوة في بركة وحل لينفجر يحيى في الضحك بصوت مرتفع .

_ الجاكت لو جه عليه طين هطفحهولك.

وهي اغمضت عيونها من الحرج والغضب، تنهض بسرعة تنظر له بشر وهو بمجرد أن أبصر مظهرها مجددًا ازدادت ضحكاته، أما عنها تجاهلته وهي تركض بعيدًا عنه بسرعة وكم ودت لو اختفت من أمام عيونه في ثواني .

تاركة إياه ما يزال يراقب أثرها ضاحكًا، وكأنه لم يضحك يومًا .......

ــــــــــــــــــــــــــــــ

    
ازدادت الأمطار بشدة حتى بدأ جسده يرتجف، لكنه لم يتحرك خطوة واحدة بعيدًا عن منزلها، يراقب نافذتها وهو يحاول الوصول لها بأي طريقة، أفكاره السوداء لك تتركه يفكر بعقلانية أو يسأل أحدهم، وماذا يسألهم؟؟

 هل تراي ضربت المرأة بغير وعي ؟؟

كان لا يفكر بشكل جيد، ولو كان يفعل لبحث في حاسوبه عن تسجيلات ما حدث ربما، لكنه فقد كل تفكير عقلاني في هذه اللحظة .

تنفس بصوت مرتفع يدعو الله أن يجد مدخلًا للمنزل أو تخرج من نافذتها لمشاهدة المطر بفضول حتى ويلتقطها، و فجأة شعر أن الحظ جانبه وهو يراها تهرول صوب المنزل تحمل بين يديها مظلة تتحرك صوب المنزل بسرعة كبيرة لولا أنه خرج من مخبأه يظهر نفسه لها وهو يهتف بصوت منخفض :

_ فروشكا .

صوت خافت لكنه وصل لها لتتوقف في طريقها وتنظر صوب الصوت الذي تعلمه بصدمة، فهذا الصوت لابد أنه من عقلها اللعين الذي أخذ يستدعيه كل ثانية، لكنه كان هناك شامخًا بجسده جوار الشجرة يحدق بها مبتل بالكامل ينظر لها وكأنه.....بدا معذبًا .

همست بصدمة كبيرة وهي تتوقف في منتصف الطريق بينه وبين منزلها :

_ مسلم ؟!

أما عنه فنظر لكل الجروح على وجهها، ويدها، يطيل النظر بها حتى شعرت بشيء خاطئ، فاقتربت بهدوء منه تهمس بعدم فهم :

_ مسلم أنت كويس ؟؟ بتعمل ايه هنا ؟؟

رفع عيونه لها بأمل، كانت تطمئن عليه إذن هو لم يؤذها؟؟ صحيح ؟؟

_ فروشكا .

ضيقت ما بين حاجبيها بعدم فهم تبتسم بسمة صغيرة :

_ فروشكا ؟؟ اسمي معجبكش ولا ايه ؟؟

نظر لها بعدم فهم وريبة وحديثها هذا يؤكد أن هناك ما حدث دون علمه، أو بالأحرى دون درايته .

_ اسمك ؟!

تلاشت بسمتها وهي تراه يتلاشى الحديث عن ليلة البارحة لتتحدث بصوت خافت :

_ امبارح لما جيت ليا و...

صمتت وقد شعرت أنها تخطأ بكل هذا، وقفتها هذه والحديث عن ليلة البارحة، يجعلها ترتجف من الذكرى فقط لذا هزت رأسها بعدم اهتمام .

_ انسى الموضوع، أو شكلك نسيته بالفعل .

ختمت حديثه وهي تتحرك بسرعة بعيدًا عنه لولا أنه توقف في طريقها مانعًا إياها من تجاوزه، يرفض السماح لها بتركه داخل هذه الهوة لفترة طويلة، نطق وبدا أنه عاجز عن قول شيء غير اسمها الوحيد الذي يعرفه :

_ فروشكا ...

رفعت عيونها له وهي تهمس بصوت مرتجف ببسمة غير مصدقة لتلاشيه حتى نطق اسمها  :

_ أنت بجد مش فاكر اسمي ؟؟ ولا ده عشان اتعودت على فروشكا ؟!

ابتلع ريقه بصعوبة وهو يحاول فهم ما تقول، يتجاوزه بسرعة وهو يفرك وجهه وصوته خرج غير مستقر بالمرة :

_ بصي هو الموضوع معقد أوي بس ... أنا امبارح ... أي حاجة عملتها امبارح أو قولتها أنا مكنتش .... مكانش أنا و....مش قصدي و....

صمت بصدمة حينما أبصر دموعها تهبط دون شعور منها وهي تسمعه ينكر كل وعود الأمس، هل ينكر كل الأمان الذي بثه له، عهده لها أنها ستكون معه، لن يؤذها شيئًا بعد الآن، كل ذلك أتى خصيصًا لينكره، وكأنه أدرك فجأة حجم ما فعل .

نظر لها بصدمة من دموعها وهو يحاول فهم ما يحدث وقد فهم من ملامحها أن ما حدث البارحة يتجاوز كل ما تخيله، ابتلع ريقه وهو يهمس بصوت متردد :

_ فروشكا أنا مش بـ....

_ رايانا .

نظر لها بعدم فهم وقد شعر أنه اصطدم بهذه الكلمة كثيرًا في مرات عديدة لكنه لم ينتبه لها يومًا، أو توقف عندها لحظة، ربما لأن كل مناسبة سمعها بها كان يملك من الهموم ما يجعله لا ينتبه لها، لكن الآن سمعها ترددها بصوت خافت رقيق وكأنها تتلو عليه قصيدة.

ضيق ما بين حاجبيه بعدم فهم لتوضح ببسمة من بين دموعها والقهر يتسرب مع نبرتها:

_ اسمي رايانا ......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يا حبي الأوحد.. لا تبكي
فدموعك تحفر وجـداني
إني لا أملك في الدنيـا
إلا عينيـك ..و أحزاني
أأقـول أحبك يا قمـري؟
آهٍ لـو كـان بإمكـاني
فأنـا إنسـانٌ مفقـودٌ
لا أعرف في الأرض مكاني
ضيعـني دربي.. ضيعـني
تعليقات



<>