
رواية ارض الدوم الفصل السادس عشر16بقلم رحمة نبيل
[ الحب قرار ]
الحب قرار، لا أدري تحديدًا صحة هذه المقولة، لكنني شخصيًا لم اؤمن بها يومًا، فالحب في حالتي لم يكن قرارًا، بل كان أشبه بـ إجبار، لكن الاستمرار به كان قرار، قرار اخترت خوضه حتى النهاية ........
صلوا على نبي الرحمة ..
ألقاكم في الفصل القادم الخميس المقبل بإذن الله ....
ــــــــــــــــــــــــ
فإذا وقفت أمام حسنك صامتاً
فالصمت في حرم الجمال جمال
كلماتنا في الحب .. تقتل حبنا
إن الحروف تموت حين تقال..
قصص الهوى قد أفسدتك .. فكلها
غيبوبة .. وخرافةٌ .. وخيال
الحب ليس روايةً شرقيةً
بختامها يتزوج الأبطال
لكنه الإبحار دون سفينةٍ
وشعورنا أن الوصول محال
كانت كلمة ومن ثم صمت طويل، ينظر لها وقد هاله نظرات الخيبة في عيونها، للمرة الثانية يبصر نفس النظرات، للمرة الثانية يكون هو سببها .
لكن المرعب أنه هذه المرة لا يدري بأي الطرق خذلها حتى، ابتلع ريقه يحاول معرفة ما حدث، ولا شيء برأسه سوى بكائها وهي تشكو له .
عجز وشعر أنه مكبل، سيقبل أن يكون حقيرًا أمامها، ولا يفضح مرضه، كيف يخبرها عن مرضه، كيف يخبرها أن من تحدثت معه لم يكن هو، بل كان شخص آخر يكره أن يبصره الآخرون، فما بالكم بها ؟!
تراجع خطوة للخلف وكأنه كان أضعف في هذه اللحظة من أن يواجه، وهي أبصرت تراجعه بخذلان، عيونها على قدمه التي تتحرك للخلف .
لقد صدقت، صدقت حين وعدها وعودًا بنت لها من الآمال قصورًا، رغم تخوفها مما قد يحدث إلا أنها سمحت لنفسها، منحت أذن الحلم للمرة الثانية، ورغم كل القلق داخلها، لكنها حلمت خفية بأن ينفذ وعده لها، قال لها أنه لن يسمح لأحد أن يمسها بسوء، وقد فعل، أخبرها أنه لن يتركها، لكنه الآن وبهذه النظرات تشك أنه سيفعل ذلك .
ابتسمت له بسمة صغيرة تحاول ألا تظهر بمظهر مثير للشفقة للمرة الثانية، هي لن تجلس على قارعة الطريق تنتظر أن ينتشلها الأمير، وقد كان الأمر محسومًا، مسلم كان أي شيء إلا أمير، ليس هو الأمير الذي سينتشلها .
وهي لا تنتظر أمير من الأساس.
ابتسمت له بسمة صغيرة وهي تبعد المظلة عنها، تمدها له وقد بدأت قطرات المطر تغرقها بالكامل ترمش بصعوبة وهي تهتف بصوت حاولت أن تخرجه طبيعي :
_ روّح يا مسلم عشان المطر الموسمي بيكون صعب، وحاول تشرب حاجة دافية عشان متبردش .
نظر للمظلة التي تحملها ثواني قبل أن يرفع عيونه لها، يهتف بصوت ضعيف :
_ امبارح ...
_ محصلش حاجة، امبارح محصلش حاجة، وصدقني اللي حصل امبارح ده مش في دماغي، هو بس نصيحة بعد كده ليك أنك مينفعش تدخل اوضة بنت بالطريقة دي تاني لأي سبب، وجودك امبارح في اوضتي شيء غير مقبول .
رفع عيونه لها يرمش بعدم فهم وعجز عن معرفة ما حدث، وقد توقف السؤال على طرف لسانه وهو يحاول طرحه دون أن يظهر لها بمظهر المريض .
بلل شفتيه بهدوء وهو يهمس بصوت خافت :
_ مين ضربك ؟؟
نظرت صوب ذراعها ثواني قبل أن تبتسم له بسمة صغيرة :
_ اعتقد أننا عدينا النقطة دي من امبارح .
ختمت حديثها وهي تتراجع بعيدًا عنه تنظر له نظرات أخيرة وقبل أن ترحل بالكامل أوقفها دون شعور وهو يردد بصوت مرتجف ليس من البرودة، ولكن من الخوف، يتساءل بعجز وقلة حيلة :
_ فروشكا ...
توقفت أقدامها مذهولة من مقدار العجز في صوته والحزن الذي سمعته، لم تستدر له وهي تسمعه يتساءل بجدية :
_ امبارح ... أنا.... أنا اذيتك بأي شكل من الأشكال ؟؟
ضيقت رايانا ما بين حاجبيها وقد شعرت بصوته وقد بدا معذبًا، استدارت ببطء وهي تنظر له بعدم فهم، كان ينظر لها متوسلًا أن تقول أنه لم يفعل، لم يكن سؤالًا استنكاريًا أو ما شابه، بل كان سؤالًا حقيقيًا.
كان يسألها إن أذاها ؟!
كيف تخبره أن ما فعله بالأمس ورغم أنه اخافها، إلا أنه كان أكثر شيء حنون سمعته في حياتها، وما أذاها هو أنه يتخلى عن وعوده، بل نسيها بالكامل .
_ أنت...مش فاكر قولت ايه امبارح ليا ؟؟
ضغط مسلم على المظلة بقوة وهو ينظر ارضًا يحاول ألا ينظر لها ويخبرها أنه كذلك، أنه يخشى عليها من شيطانه الذي يسكنه متعطشًا لأذية الجميع، للأنتقام لنفسه من العالم، للأنتقام حتى من عقله الذي يرسم له خيالات .
_ بس ...خايف اكون اذيتك من غير ما أقصد امبارح، و... أنا مكنتش المفروض أدخل اوضتك بالشكل ده و...
توقف ولا يدري ما يقول فهو لا يتذكر ما تقول، هو لا يصدق أنه اقتحم غرفة فتاة بهذه البساطة .
_ أنا بس مش حابب أكون سبب في إني اضرك بأي شكل من الأشكال صدقيني، امبارح أنا مكنتش في وعيي تقريبًا، كنت تعبان .
وأي مرض يبرر فعلته ؟؟
وكيف تخبره أنه فعل الآن، أنه يضربها كما لم يفعل أحدهم، هو يؤذيها كما لم يقدم أحدهم على الأمر من قبل، مسلم ودون أن يشعر كان أول بطل في روايتها، أو هكذا ظنت قبل أن يتضح أنه يتمنى أن يكون شرير حكايتها ولا يكون بطلًا أمامها.
ولماذا يكون وهي لطالما عاشت منبوذة، لماذا سيحب أن يكون .
سقطت دموعها بقوة من القهر، من الحزن على نفسها، على حياتها التي هدمها عز الدين وهو يحكم عليها أن تحياها وحدها، ومن ثم أتى مسلم ليؤكد الفكرة .
فزع مسلم من دموعها وهو يقترب منها بعدم فهم يهمس بصوت منخفض :
_ فروشكا ...
_ صدقني انت معملتش كده خالص، بالعكس أنت...ساعدتني كتير اوي وآخرهم انهاردة، أنا لو فيه حد هكون ممنونة ليه في حياتي فهو أنت، أنت ساعدتني كتير .
رفعت عيونها له تبتسم بسمة لا تشبه بأي شكل من الأشكال دموعها المسجونة في عيونها وكم ودت لو سألته إن لم تكن تستحق الحب كما الجميع .
لكنها توقفت عن الظهور مثيرة للشفقة وهي تتحدث بصوت متقطع من غصة البكاء التي تكبتها :
_ أنا بس ...كنت طمعانة في كرة التلج الكبيرة اللي وعدتني بيها امبارح لو لسه فاكر .
ورغم أنه يعلم يقينًا أنها تكذب وأن ليس ذلك ما احزنها، وأن وعوده بالأمس لم تقتصر على ذلك الوعد وذلك علمه من كل نظرات الخذلان التي تزين عيونها، لكنه لم ينغمس في هذا الحوار مخافة أن يظهر هشاشته النفسية أمامها، يبتسم لها بسمة واسعة :
_ اعتبريها معاكِ .
ابتسمت بصعوبة وهي كتبت دموعها بصعوبة :
_ تصرفات غريبة على الشرير، بس شكرًا ليك .
ضحك ضحكة صغيرة وهو يكبت صرخاته، يبلل شفتيه بهدوء، قبل أن يرفع عيونه لها يهمس بجدية :
_ الشرير برضو ليه قصة هو بطل فيها ..
_ بس لسه شرير برضو حتى في قصته .
ابتسم لها بسمة جانبية :
_ عندك حق، هو فعلا شرير قصته، كان الأمير لكن الدنيا داست عليه لغاية ما بقى الشرير .
نظرت له بعدم فهم لكنه تراجع بهدوء وهو يبتسم لها يلوح بيده لها، وقد جاء ورحل بعدما اطمئن أنه لم يفعل ذلك، هو لم يؤذها، وهي فقط تتابع رحيله ببطء وبسمة صغيرة مرتسمة على فمها .
_ ادخلي البيت عشان المطرة وآسف لو عطلتك .
هزت رأسها وهي تتابع من أسفل رموشها المبتلة، يضم المظلة لصدره ولم يفردها حتى، وكأنها يحمي المظلة نفسها من المطر .
كاد يتحرك لكنه توقف فجأة وقد شعر برغبته في قول تلك الكلمات قبل رحيله، في ترميم جزء من روحها التي كانت تتوسله المساعدة :
_ وفروشكا .
نظرت له نظرات منطفئة سرعان ما التمعت وهي تسمعه يردد :
_ مينفعش اقول كده، وهندم على كلامي ده بعد ما افوق من كل ده، بس ..
ضحك ضحكة صغيرة وهو يراها تراقبه بفضول وعيون ملتمعة :
_ لو فيه بس واحد عاقل في القرية دي وعنده مخ يفكر بيه، عمرك ما كنتِ هتقفي معايا كده ولا كنتِ هتبقي لوحدك كده، والحمدلله أنه مفيش حد فيهم عاقل .
ختم حديثه ببسمة واسعة يدرك أنه لا يستطيع قول ذلك، لكنه فعلها يكمل بجدية :
_ وبالمناسبة لو مستنية الأمير، فهو للاسف مش هيقدر يوصل ليكِ حتى لو حاول .
ختم حديثه وهو يفرد يديه في الهواء يردد بجدية وكأن ما يحدث ليس بيده :
_ أنتِ تستحقي أكتر من مجرد أمير يرفعلك طرف الفستان، ويمسك ايدك ويمشي بيها يا رايانا ....
وكانت تلك آخر كلماته قبل أن ينحني نصف انحناءة وهو يحرك المظلة باحترافية، ومن ثم رفع رأسه قليلًا يهمس بصوت منخفض ولغة :
_ تصبحين على خير جلالتك ..
استدار ببطء ورحل بعيدًا عنها تاركًا إياها تقف في الطريق تراقبه بعيون ملتمعة بمشاعر عدة، لا تدري لها من تصنيف ولا تدري سوى أنها وبالخطأ ...انجذبت لشرير القصة بدلًا من بطلها، الشرير الذي يأبى أن يلعب دور البطولة في قصتها .
ابتسمت وهي تفتح ذراعيها تستقبل بعض الأمطار علها تغسل أحزانها وكل نفس يخرج منها يخرج مرتجفًا، وقد أدركت في هذه اللحظة أن سبيل النجاة الوحيد لها من هذه الحياة ...هو الموت .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإذا وقفت أمام حسنك صامتاً
فالصمت في حرم الجمال جمال
كلماتنا في الحب .. تقتل حبنا
إن الحروف تموت حين تقال..
قصص الهوى قد أفسدتك .. فكلها
غيبوبة .. وخرافةٌ .. وخيال
الحب ليس روايةً شرقيةً
بختامها يتزوج الأبطال
لكنه الإبحار دون سفينةٍ
وشعورنا ان الوصول محال
توقفت أمام الباب بتردد تخشى التقدم، وتخاف العودة للخلف، ابتلعت ريقها ولا تدري سبب وجودها بهذا المكان في هذه اللحظة، لكنها فقط هنا، تائهة على عتبته تسأله طوق النجاة من حياتها تلك .
تنفست نفس عميق وهي ترفع يدها بتردد قبل أن تطرق الباب بهدوء تحضر جمل كثيرة لمن سيفتح لها الباب مفادها أنها تود لقاءه، ولا تدرك بأي وجه ستطلب مقابلته، تخفض رأسها تفكر في حجج كثيرة، لكن جميع الحجج تلاشت بمجرد أن سمعت صوته هو، ويبدو أن الحظ قرر لمرة واحدة أن يقف جوارها وهي تسمع صوت أحمد يردد بصدمة من وجودها .
_ أنتِ ؟!
ويبدو أن وجودها على باب منزله كان أشد صدمة من وجود كائن فضائي ربما لينظر لها بهذه النظرات المصدومة، أبتعد عن الباب بسرعة وهو يشير لها لتدخل من الأمطار :
_ ادخلي من المطر، ازاي تخرجي في الجو ده ؟؟
نظرت له بتردد وحاجب مرفوع، ليهتف بجدية :
_ اخواتي جوا البيت انا مش لوحدي، وهسيب الباب مفتوح متقلقيش .
ابتسمت بسمة مذبوحة، هل يظنها تخاف أن تظل معه بمنزل وحدها، هي سبق واختبرت بنفسها عواقب هذا الأمر حتى أصبحت تجيد التعامل مع كل ذلك .
_ أنا...عملت زي ما قولت ليا ... أنا بطلت ومش ...مش عارفة ايه اللي بعد كده ؟!
اتسعت عيون أحمد بقوة، هو بالفعل سمع كلماتها في الساحة لكنه لم يعتقد أنها ستنفذها بهذه السرعة .
رمش وهو يحاول فهم ما يحدث وهي تقف منكمشة على نفسها تهمس بصوت منخفض :
_ أبدأ منين واعمل ايه ؟!
تنفس أحمد وهو يبتعد عن الباب يشير لها أن تدخل المنزل، لكنها فقط ظلت واقفة دون كلمة واحدة ليزفر بضيق شديد :
_ طب على الأقل ادخلي جوا من المطر وبعدين نتكلم .
وبالفعل تقدمت خطوة واحدة لتصبح جوار الباب من الداخل ولم تزدها بخطوة إضافية، ليزفر احمد بضيق وهو يشير لها بالبقاء مكانها، يتحرك بسرعة داخل المنزل صوب غرفته بسرعة يلتقط أول سترة وقعت يده عليها.
ثم عاد بسرعة صوبها وهو يحمل السترة بيده يمدها لها، وهي فقط حركت عيونها ببطء للسترة تنظر لها ثواني قبل أن تسمع صوته يردد بجدية وصوت حاد وكأنه يوبخ أحد إخوته:
_ يا بنتي ما تاخدي الجاكت هتموتي من البرد، بلاش عناد غبي في صحتك .
ارتجف جسدها وهي تتمسك بالسترة دون كلمة وقد كانت الرجفة بسبب صراخه بها، التقطتها تضمها لها وكأنها تستنجد بها من صاحبها، لينظر لها أحمد بصرامة :
_ البسيها.
وبالفعل نفذت ما قال ولأول مرة تزعن لحديث أحدهم، وهو تنفس بصوت مرتفع ولم يكن يحب أن يظهر بدور الأب الخانق لها، لكن الفتاة ستموت متجمدة لعنادها .
مسح وجهه بقوة وهو يحاول معرفة ما سيفعل في هذه اللحظة معها :
- تمام ؟؟
رمشت وهي ترفع عيونها له وقد بدا أنها نست ما جاءت لأجله هنا .
_ أنا كنت ...
صمتت وهي تبلل شفتيها تجمع كلماتها، وأحمد صمت وتحلى بالصبر، كامل الصبر وهو يراقبها .
وفي الخلف كانت نورهان تقف وهي تراقب ما يحدث بصدمة، لكنها فقط جلست بعيدًا تراقبهم دون أن تتدخل أو تسمع حتى ما يدور بينهما، لكنها جلست فقط كي لا يختلي بها شقيقها .
أما عن ساڤا همست بصوت ضائع :
- مش عارفة اعمل ايه ؟! أنا عمري ما فكرت إني ممكن اوقف اللي بعمله و...
رفعت عيونها له تنظر له نظرة الشارد والتمعت عيونها بدموع أبت أن تدعها تهبط من عيونها :
_ خايفة اكون اتأخرت وكل اللي بعمله ده ملوش أي لأزمة وأنه خلاص بيضيع كل حاجة مني .
كان أحمد يستمع لها وهو يشعر بالضياع الذي تغرق به بهذه اللحظة، لذا ابتسم لها بسمة حنونة وهو يردد بجدية وفخر التمع بعيونه :
_ بالعكس أنتِ متأخرتيش، كل لحظة بتمر على الإنسان بينقذ نفسه فيها من الغرق، بتكون ثانية زيادة في نجاته، أنتِ كنتِ هتخسري بجد لو سيبتي نفسك لعقلك يقنعك أنه خلاص مبقاش فيه فايدة دلوقتي .
_ بس كلهم شايفين إني...
قاطعها يكره أن تتوجه بأفكارها صوب تلك النقطة التي لا تنفك تتحرك لها :
_ هل كان همك قبل كده يشوفوكِ ازاي ؟؟ أصل من خلال معرفتي بيكِ خلال الفترة اللي فاتت أنك عامة مش بتهتمي بآراء أي حد، ليه جاية تهتمي بيهم دلوقتي؟
صمت وهو يراها تخفض رأسها بحيرة وتفكير، تبلل شفتيها وكأن نفسها توسوسها للعودة عن قرارها، لذا تحدث بسرعة :
_ ساڤا ..
ارتجف قلبها لطريقة نطقه اسمها، ترفع عيونها له ليبتسم لها بسمة صغيرة وهو ينصحها :
_ محدش هينفعك غير نفسك، توكلي على الله وانوي وخدي أول خطوة وأنا هساعدك، وهقول لنورهان كمان تساعدك لو تحبي .
هزت رأسها بتردد ليشعر أنها ليست مقتنعة بالكامل حتى الآن ليهمس بصوت منخفض :
- ايه اللي مخليكِ قلقانة ؟؟ الناس ؟؟
_ نفسي .
ضيق ما بين حاجبيه لتهمس بصوت متردد :
- خايفة أضعف مرة تانية، أنت مش فاهم انا في كل ده من وقت ما كنت مراهقة و...
_ ازاي ده حصل ؟؟ فين أهلك يا ساڤا ؟؟
ابتسمت بسمة صغيرة وقد سمع صوت تنفسها الذي ارتفع فجأة ترفع عيونها له تقول ببسمة سوداء وكأن الفتاة الضعيفة الضائعة التي كانت منذ ثواني تلاشت بمجرد سماع كلمة أهلها :
_ أهلي ؟؟ اللي أنا فيه ده بسبب أهلي، أهلي هما اللي وصلوني لساڤا اللي أنت شايفها .
_ متعرفيش حد كويس فيهم تروحي ليه ؟!
ابتسمت له بسمة واسعة وهي تنفي برأسها وقد كانت بصمتها غريبة، ومرعبة تتحدث بصوت هادئ وكأن الحديث عن شيء تكرهه أعاد لها نسختها القوية والحاقدة على الجميع .
_ مش كل الناس محظوظة بعيلتها، لكن عامة مش ده موضوعنا .
_ لا ده موضوعنا، أنتِ محتاجة حد يكون معاكِ وميسبكيش لدماغك عشان ...
قاطعته بجدية وهي تنظر له ببراءة لا تناسبها البتة :
- أنت معايا، مش كده ؟!
اتسعت عيونه بصدمة من كلماتها، لدرجة أنه تراجع خطوة للخلف يحاول أن يفتح فمه ويرفض ما تقول، هو بالطبع لن يظل جوارها ويتقرب منها ويقدم لشيطانه فرصة فتنة عظيمة، هو بالأساس لا ينقصه وقد قضى ليلة كاملة يتقلب في فراشه وكل ما يبصره أمامه خصلات حمراء وعيون خضراء وبسمة واسعة .
زفر يستغفر ربه وهو يرفع كفه يحاول أن يرفض دون جرحها :
_ هو الموضوع مش ... أنا مش ...
_ مش هتساعدني ؟؟
كانت كلمة وكأنها مخذولة، وهو نظر لها وشعر بأنه يتحدث دون وعي يدرك في أعماق أعماقه أنه يخطأ، هذا خطأ، لا يمكنه حتى التفكير في ذلك، لذا الرفض الآن هو الاختيار الأصح، فقط يفتح فمه ويخبرها أنه لا يستطيع ويمكن لنورهان أن تفعل .
فقط كلمة وينتهي من ذلك " لا "
_ تمام ..
نعم هذا ما خرج من فمه، صُدم لدرجة أنه نظر لها بصدمة كبيرة ظهرت على عيونه الواسعة، ابتلع ريقه وهو يفتح فمه لينفي ما قال، لكنها لم تمنحه الفرصة وهي تبتسم بسمة واسعة له :
_ شكرًا، أنا مش عارفة اقولك ايه أنت.... أنت أكثر انسان ساعدني في الحياة دي بعد رايانا، انا....بشكرك بجد و....بكرة هجيلك اشوف ممكن نبدأ ازاي .
ختمت حديثها وهي تتحرك بسرعة وكأنها تعلم أنها إن توقفت ثانية إضافية سيغير رأيه ويرفض كل ما يحدث، لكنها فجأة توقفت قبل الرحيل بالكامل تخلع السترة، لكنه أوقفها :
_ خليكِ لابساه الجو مطرة برة، واستني هاجي اوصلك برة المنطقة دي، للاسف مفيش شمسية هنا بس ...
في اللحظة التي كاد يتم بها حديثه أبصر مسلم يدخل المكان وهو يضم بين أحضانه مظلة، تعجب من طريقة حصوله عليها، لكنه لم يهتم بالأمر وهو ينتزع منه المظلة :
_ هات دي يا مسلم معلش .
ولم يكد يمدها صوب ساڤا، حتى وجد مسلم يختطفها منه بعنف شديد يردد بصوت حاد :
_ ايه ؟! دي بتاعتي .
_ بتاعتك ايه يابني هو أنا هاكلها، هاتها للبنت بدل المطر اللي برة، بعدين ماشي حاضنها ومش بتستخدمها اساسا .
رفع مسلم حاجبه لأحمد، ومن ثم نظر صوب ساڤا نظرة سريعة يمنحهم حلول بعيدة عن مظلته :
_ ممكن ترفع كابشوة الجاكت أو تعمل الجاكت كأنه شمسية عادي، أو اقولك هات ليها أي مشمع من جوا تغطي بيه نفسها .
ختم حديثه وهو يتحرك بسرعة بعيدًا عنهم، تحت عيون أحمد المصدومة من تصرفات مسلم، مسلم يومًا لم يكن وقحًا حقيرًا بهذا الشكل .
حتى مع شخصه الجديد لم يكن بهذه الوقاحة .
تابعه بصدمة وساڤا تراقبه بحاجب مرفوع وسخرية لاذعة وهي تردد :
_ اصلًا الشمسية اللي معاه دي بتاعتي .
نظر لها أحمد بعدم فهم، وهي كانت تفكر أنها أعطتها لرايانا قبل رحيلها بسبب الامطار، إذن كيف وصلت لمسلم ؟!
ابتسمت بخبث وهي ترى أن هناك ما فاتها، الرجل يتعلق بالمظلة وكأنها طفل صغير له، فجأة أبصرت مسلم يتحرك صوبهم وهو يحاول بين يديه مظلة أخرى غير التي كان يحملها يمدها لها بكل رقي وتحضر كأي رجل ذو نخوة يرفض أن تسير فتاة مثلها بالامطار دون مساعدة .
_ اتفضلي .
_ أنت جبت دي منين ؟؟
كان سؤال أحمد المتعجب الذي لا يتذكر بالمرة أنهم أحضروا أي مظلة معهم .
لكن مسلم هو كتفه ببساطة :
_ بتاعة يحيى، أنت عارف بيكون عامل حساب أي حاجة ممكن تبهدل شعره .
هز أحمد رأسه باقتناع وهو يشير صوب الطريق لساڤا :
_ خليني اوصلك يلا .
ختم حديثه وهو ينظر لمسلم بتوعد ليبتسم له الاخير باستفزاز، فابتسم له أحمد بسمة ضيق، لكنها مرتاحة لرؤية وجهه وقد كان ينبض بالحياه مرة أخرى.
يتحرك مع ساڨا خارج المنزل في اللحظة التي كان يركض بها يحيى للمنزل وهو يخفي خصلاته بيده يركض دون أن ينتبه لينزلق ويسقط بقوة جوار باب المنزل وتصدح صرخاته في المكان .
لكن أحمد مر جواره وهو يضرب كف بكف ينادي مسلم :
_ تعالى شوف اخوك اتكسر ولا اتنيل حصله ايه .
امسك يحيى ظهره بوجع وهو يتقلب ارضًا في اللحظة التي خرج بها مسلم بسرعة يلتقطه عن الأرض والاخير يولول من وجع ظهره .
_ الواطي سابني مرمي ومشي مع البنت، ما انا لو شعري أحمر وعيوني خضرة كان جري يشيلني على كفوف الراحة، بس نقول ايه واطي ومعفن، تربية تفيدة بصحيح .
ضحك مسلم على شقيقه وهو يسنده:
- بس بدل ما يرجع يوريك تربية تفيدة على حق .
_ يا خويا يرجع ايه هخاف منه، بعدين مش دي الشمسية بتاعتي ؟؟ هو اخدها يعمل حركة جنتلة على قفايا، ماشي يا أحمد يا أبن تفيدة والله لاوريك .
تحرك مسلم مع شقيقه للمنزل يغلق الباب جزئيًا بقدمه وهو ينادي نورهان لتساعدهم وعيسى خرج من غرفته ليتجمع مع الكل في الخارج وصوت الأمطار يضرب النافذة ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبعد ساعات وحينما بدأ الجميع يخلد للنوم .
يجلس أمام حاسوبه منذ عاد وهو يعيد اللقطات من الأمس مرات، ولا شيء، لا شيء واضح في اللقطات، لا شيء غريب حول كيف أُصيبت بجروح ؟؟ لا شيء عن اقتحامه لمنزلها كما كانت تقول .
زفر وهو يدفع الحاسوب بقوة بعيدًا عنه يفرك خصلاته بضيق شديد، وقد شعر بأنه لا يستطيع التنفس، عليه معرفة من فعل هذا بها، من كان لديه كل هذا الحقد ليحطم فروشكا بهذا الشكل .
سمع صوت فتح الباب تبعه صوت حاتم الذي اندفع له يتحدث بقلق :
_ مسلم لقد عدت، أين كنت ؟؟ قلقت عليك وظننت أن....
_ نوبة أخرى تلبستني ؟! لا تقلق فلم اتعافى بعد من الأولى حاتم .
صمت حاتم وهو يتحرك صوب الفراش ليبصر الحاسوب ملقى بشكل غريب، عدل وضعه وهو يتحدث بعدم فهم :
_ ماذا حدث؟! وأين كنت ؟؟
نظر له مسلم ثواني دون كلمة وقد سقط قلب حاتم خوفًا من نظراته الجوفاء هذه وكل الرعب أن يكون على مشارف نوبة أخرى، رغم أن ذلك كان مستحيلًا ولم يكد يتعافى من الأولى، مسلم ومنذ تعالج منذ شهور كان من المتوقع أن يمر بنوبات على فترات متباعدة، لكن ذلك لم يحدث وهذا جعله يتنفس الصعداء ويظن أن كل ذلك انتهى بلا رجعة، لكن يبدو أن هناك محفز اقوى لمسلم ولوحشه، محفز جعله يعود لنقطة الصفر.
فروشكا ...كانت محفزه لسواده مجددًا .
_ حاتم أنت حذفت تسجيلات امبارح ؟؟
_ أي تسجيلات ؟؟
نظر له مسلم نظرة حادة سوداء جعلت حاتم يصمم على قراره، هذه الفتاة كانت أخطر على مسلم من نفسه، لذا لا يستطيع تركها أمامه بهذه الطريقة، أو ترك نفسه تنجرف خلفها .
_ حاتم لا تلعب معي هذه اللعبة أنت تدرك ما اتحدث عنه .
_ لا لا أفعل مسلم، لا أتذكر أي تسجيلات تتحدث عنها .
ولم يكد يتحرك من مكانه يدعي انشغاله بأي شيء حوله عدا عيون مسلم التي اسودت بشكل مرعب، لكن مسلم امسك يده بسرعة وهو يهتف بنبرة حادة وشبه صرخة غاضبة خرجت منه :
_ حــــاتـــم لا تــخــرج شياطيني عليــك، ما الذي حدث بتسجيلات منزل البارو .
نظر لهم حاتم جيدًا قبل أن يهمس دون أن يهتز :
- حذفتها، اعتقدت أنها لا تمثل أي أهمية لك فقمت بحذفها .
دفع مسلم يده بقوة وهو يهتف بصوت حاد :
_ ومن أنت لتحدد إذا كانت ذات أهمية أم لا حاتم؟؟ من أنت لتدخل في اموري الخاصة، ومنذ متى تفعل هذا ؟؟
- منذ بدأت تفقد عقلك بسبب هذه الفتاة، الفتاة تقودك للجحيم مسلم أفق.
صرخ مسلم وهو يلكمه بقوة ودون شعور :
_ تبًا لك حاتم، دعني وشأني، من أخبرك أنني خرجت من الجحيم لتعيدني هي إليه؟ أنا ما زلت هناك، أنا ما زلت هناك حاتم، مازلت اسمع اصواتهم، أراهم، مازلت سكاكينهم تقطع بجسدي، ما زلت أشعر بالنيران تحرقني، مازال صدى توسلي للموت في أذني، أي جحيم هذا الذي تظن أنني خرجت منه ؟؟
كان يصرخ وقد برزت عروقه بقوة وأحمر وجهه بقوة، وصوت أنفاسه تعلو بقوة وهو يحاول أن يتماسك، وعيونه تحكي قصص عذاب، مشاهده تعاد أمام عيونه يصرخ دون شعور ودموعه تهبط دون تحكم بها .
_ مازلت أشعر بهم، مازلت أشعر بهم، ما يزال ذلك الوحش داخلي يحارب للخروج، مازلت أعاني، كانت ....
صمت وهو يهمس بارتجاف وقد تقطع صوته مرات :
_ كانت ...هي الوحيدة التي ...لم يؤذها حاتم لقد ....
مسح وجهه بقوة يهمس بصوت مهتز :
- لقد أخبرتني أنني وعدتها أن أحضر لها كرة ثلج كبيرة، هو ....لقد ...كانت الشخص الوحيد الذي عاملته بشكل جيد بحالتي تلك، لم يبدو أنني اذيتها، لقد كانت جروحها و...
_ لم يكن أنت مسلم، كان عمها هو من فعل هذا بها .
توقفت مسلم عن الحديث وهو يرفع عيونه صوب حاتم، وحاتم فقط حاول أن يتحدث متجاوزًا غصته، لا يصدق أن مسلم ما يزال بتلك الغرفة مسجونًا بها.
تعالج لكنه لم يتجاوز .
تناسى ولم ينس.
_ لقد ...ذلك اليوم كنت تراقب المنزل بشكل طبيعي قبل أن تبصر عمها وهو يبرحها ضربًا وقد تحدث عن فيديو مصور لها ومن ثم غبت عن العالم .
نظر له مسلم ثواني قبل أن يتراجع وهو يحمل الحاسوب ينظر له ولم يكد يفعل شيء حتى تحدث حاتم بجدية :
_ لا تحاول فقد تأكدت من عدم قدرتك على إعادة هذه الفيديوهات، مسلم أنت لا تحتاج لمحفز لسحبك لذلك العالم، لقد فقدت الشعور بما يحيطك .
ابتلع مسلم ريقه يحاول الحديث بصوت واعي:
_ الجميع هنا يعلم ما ...
تحرك له حاتم بسرعة وهو يمسك أكتافه يخشى أن يغرق في موجة اكتئاب بعد معرفة الجميع لما يمر به :
_ أخبرتهم فقط بالقليل، لا يعلم أحدهم سبب ما يحدث لك، فقط يعلمون ما تمر به .
ابتسم مسلم بسمة بدت معذبة، يهز رأسه هزة صغيرة وحاتم يتحدث له بصوت خافت :
_ هل علمت ما حدث حينما ذهبت لها ؟!
_ لم ...تخبرني سوى أنني وعدتها بإحضار كرة ثلجية كبيرة لها، و...لا أتذكر سوى صوتها الباكي وهي تشكو لي وجعها، فظننت أنني اذيتها .
تأوه حاتم وهو يجذب رأسه يضمه بقوة وحنان :
_ لم تفعل أنا متأكد أنك لن تفعل، حتى في اسوء حالاتك لن تضرب امراة، فما بالك بامرأة تعني لك الكثير .
_ تعني لي الكثير ؟؟
_ حسنًا أحاول أن اخفف وقع الكلمة، وهذا أقل تعبير لاصف حبك للمرأة .
رفع له مسلم عيونه بحنق شديد وغضب :
_ لا أفعل.
_ بالله عليك مسلم ما الذي تفعله بنفسك فقط اعترف أنك جننت بالفتاة، لقد ... أنت تخبرني أن جزءك المظلم وعدها بالحصول على كرة ثلج، هل تمزح معي ؟؟
تنفس مسلم وهو يدرك ما يلمح له حاتم، لكنه استمر في الإنكار، وجزء داخله يعلم أنه تجاوز مجرد الإعجاب بالفتاة وشخصيتها، وبدأ يغرق إلى اللاعودة.
لقد هددها منذ ثواني بشكل غير مباشر أنه لن يسمح لأحدهم أن يأخذها منه ؟؟ أي شيطان تلبسه ؟!
_ إذن ؟؟
_ مسلم هذا هو نفسه الجزء الذي ضربني رصاصة بقدمي ذات مرة، وطعن جوليان ثلاث طعنات بخصره، وضرب حارس المبنى الذي كنت تسكنه بلا أسباب واضحة، مسلم نحن نتحدث عن الجانب المظلم داخلك، هذا الجانب الذي لم يظهر يومًا ذرة رحمة .
صمت وهو يبتلع ريقه :
- مسلم أنا اخشاك في حالتك الأخرى وأخاف الاقتراب منك، وأنت الآن تتحدث عن كرة ثلج ؟؟ والله وحده يعلم ما الذي فعلته لها أيضًا .
توتر مسلم من كلمات حاتم وهو يفكر ما الذي يمكن أن يكون قد فعل اضافيًا :
- هل أبصرت أي تسجيلات لي وأنا...
_ لا لم يحدث، لم أبصر شيئًا كهذا، لا بد أن جانبك الحقير وجد طريقة أخرى للتحرك إلى غرفتها وأنت تعلم أننا لم نضع كاميرات داخل الغرف.
ابتسم مسلم بسخرية لاذعة على كلماته وهو ينظر للحاسوب أمامه يحرك أصابعه على ازراره دون شعور، وحاتم يتابعه وهو يشعر برغبة عارمة في مساعدة، يربت على كتفه بحنان :
_ اخبرني ما الذي يؤرقك يا أخي علنّي اساعدك ؟؟
رفع له مسلم عيونه بهدوء شديد وجدية وهو يدير الحاسوب له كي يبصر ما يريد :
_ لا أجد كرات ثلج كبيرة لها .
صمت حاتم وتجمدت ملامحه لثواني، ومسلم يراقبه ينتظر منه عون يضيف من جهته :
_ لا شيء في أي موقع عالمي، لا شيء، هل تعلم مكان يمكنه مساعدتي لصنع هذه الكرة ؟!
وحاتم فقط ينظر له دون كلمة، لكنه فقط مال يمسك بكتف مسلم كي صبح مباشرة في نفس مستوى رأسه يهمس بصوت قوي :
_ أخوي إنت مجنون بهالبنت، الله يعينها ويعينك، ويعينّي أتحمّل اللي بصير.
ختم حديثه وهو يتحرك صوب المرحاض يسحب الثوب الخاص تحت عيون مسلم الذي لا يفهم حتى هذه اللحظة ما حدث ؟!
هو فقط يحاول الوفاء بعهده لها، هذا فقط ما يفعل ويقسم بالله لا يسعى لشيء سوى لذلك .
أعاد نظراته صوب الحاسوب مجددًا بحيرة وقد بدأ يبحث عن مبتغاه في اللحظة التي فُتح بها الباب ووقف عيسى على عتبة الغرفة يراقب شقيقه بهدوء :
_ مسلم .
همهم مسلم وهو مشغول بالنظر للحاسوب :
_ نعم يا عيسى ؟؟
_ أنت كويس دلوقتي ؟؟
ضيق مسلم ما بين حاجبيه وهو يرفع نظره صوب عيسى الذي كان يقف بوجه أحمر على باب الغرفة ينظر له بجسد مشتد كوتد، ليدرك أن الصغير علم مصابه، ابتسم له بحب :
_ أنت كويس يا عيسى ؟؟
هز عيسى رأسه بنعم وهو يكبت دموعه بصعوبة ليبتسم له مسلم وهو يفتح له أحضانه :
_ تعالى يا حبيبي .
انفجر عيسى بالبكاء وهو يندفع صوب مسلم بقوة يلقي بنفسه بين أحضانه وكلمات يحيى ما تزال ترن برأسه بشأن مرضه .
بكى عيسى في أحضان مسلم بقوة ومسلم فقط يضمه له بحنان وهو يواسيه على مصابه هو، صغيره الذي كان بمثابة طفله، العزيز الذي أضاع عمره بعيدًا عنه :
_ مالك بس يا عيسى، مش أنت كويس ويحيى والكل كويسين، أنا كويس اهو يا حبيبي .
بكى عيسى أكثر وهو يتشبث به وكأنه إن تركه سيختفي من بين ذراعيه يهمس بنشيج:
_ يحيى قال أنك مش بتفتكر حاجة، هو أنت ممكن تنسانا يا مسلم ؟!
_ أنا في الوقت اللي نسيت فيه حياتي عمري ما نسيتكم يا عيسى، أنتم حياتي كلها، مهما نسيت عمري ما انسى حياتي يا عيسى .
بكى عيسى وهو يهتف بصوت مرتجف والفكرة ترعبه، أن يتوجع شقيقه دون أن يشعر به أحدهم:
_ طب ...هو ده بيوجعك ؟؟
_ هو ايه ؟!
_ الذهاب .
ومسلم الذي كان على وشك البكاء حزنًا على أخيه وبكاءه، ضحك بصوت خافت وهو يزيد من ضم عيسى يربت على خصلاته الثائرة بحنان يكتم داخله آهً معذبةً :
_ لا يا عيسى ولا الذهاب ولا العودة بيوجعوني .
ابتسم عيسى بحب وهو يضم مسلم بقوة، وعلى باب الغرفة كان يقف يحيى الذي يراقبهم يدعي أن الأمر لا يعني له وكان على وشك إلقاء كلمات ساخرة ليخفي به رغبته الانضمام لهم، لكن مسلم وبمجرد أن ابصره ابتسم يرفع له يده، ليتحرك لهم يحيى ينضم للعناق براحة شديدة، والله وحده يعلم ما واجهه وحده حين رحل مسلم .
يحيى الذي يبدي عدم اهتمام بكل شيء، كانت روحه معلقة باخوته وكأن وجوده يعتمد على وجودهم .
ابتسم مسلم بحنان وهو يقبل رأس إخوته، وإن كان سيعافر في هذه الحياة لأجل شيء ما فسيكون لأجلهم ولعائلته ...
وتجاهل الشيء الثالث الذي تردد صداه في عقله، وهو يغمض عيونه بتعب وقلق من القادم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الصباح التالي تحركت بين طرقات المنزل وهي تطرق غرف المنزل ليستيقظ الجميع، كانت تنظر للطاولة وهي تفكر في أنها حتى هذه اللحظة لم تخبر أحدهم بما حدث لها ..
عادت تشغل نفسها بتجهيز الطعام تذكر نفسها بالخروج لشراء المزيد من حاجيات المنزل وقد فرغ ما اشترته سابقًا أو ما كان يحيى يحضره لهم .
_ صباح الخير .
رفعت عيونها تبتسم بسمة صغيرة لطيفة :
- صباح الخير، اتفضل الفطار جاهز لغاية ما الكل يصحى .
_ الله يعطيكِ العافية، عذبناكِ معنا .
ابتسمت له بسمة صغيرة وهي تراقبه يمسك بعض الخبز لتناول الطعام تهتف بجدية تجيب بما تعتقد أنه رد مناسب لجملته السابقة :
_ مفيش عذبة ولا حاجة .
غص حاتم في طعامه وهو يرفع عيونه لها بعدم فهم، أما عنها فلم تنتبه وهي تجهز باقي أصناف الطعام والتي كانت تقتصر على معلبات الجبن والمربى وغيرها .
وهو يكبت ضحكة اندفعت لصدره من ردها على حديثه، لكنه نظر للطعام يدفع بعض اللقيمات لفمه وهو يهتف بصوت ممازح :
_ هاااي، شكلك مسكتي اللهجة .
رفعت له نورهان وجهه وهي مبتسمة بسمة صغيرة تجيب بلهفة كبيرة :
_ بجد ؟! معرفش انا رديت تلقائي والله، بس هي كده فيه ردود بتطلع تلقائي .
ابتلع حاتم ما بفمه وهو يهمس بصوت لم يصل لها وهو ينظر لطعامه :
_ سلمت لي هالتلقائية .
_ ايه ؟!
رفع عيونه لها ينفي أنه تحدث بحركة صغيرة من رأسه مبتسمًا، يحاول تجاهل وجودها الموتر ينظر صوب الغرف يتمنى خروج أحدهم ليملئ الفراغ بينهما قبل أن يملئه هو بالحمق والغباء في وجودها .
_ عامة لهجتك جميلة جدا .
وبصعوبة كبت كلماته التي كان سيشرح لها بها أن للجمال معاني كثيرة أولهم هي مثلًا، لكنه ابتسم فقط يهمس بصوت منخفض :
_ من عيوني إلك، رح تعلّمي لهجتي .
نظرت له بعدم فهم ونفس الرد الأول يهتف بجدية :
_ الموضوع سهل، بتقدري تتعلمي اللهجة بسرعة .
_ لا شكرًا أنا كفاية عليا المصري، بعدين مالها اللهجة المصرية .
_ جميلة جدا .
_ بالظبط، انا بحب اللهجة المصرية، بس بيني وبينك احنا المصريين عندنا نقطة ضعف لأي لهجة شامية زي ما تقول كده بنحب نتسلطن واحنا بنسمعها .
إن كانت تريد هي ذلك، سيقضي باقي حياته يتحدث جوارها إن كانت هذه نقطة تضاف له عندها، فقط تصبح له ويقسم بالله أنه سيقضي ليله ونهاره يطربها بكل لهجاته الشامية، إن أرادت يتعلم اللبنانية لها كذلك ويتغزل كل يوم بها بلهجة مختلفة .
_ صباح الخير فين الباقي ؟؟
اغمض حاتم عيونه بضيق شديد وهو يتمتم بصوت منخفض :
_ يا رب، أي حدا غير هالمستفز.
لكن يحيى جلس جواره وهو يبتسم له بسمة واسعة وكأنه لا يصدق أنه حصل على متعة منذ الصباح :
_ تومة حبيب قلبي صباح الخير يا غالي .
_تومة؟؟ شو هالدلع السخيف ؟!
ابتسم له يحيى يتجاهل كل الحنق على وجهه يميل عليه وهو يضم رقبته بمزاح :
- اوعى تكون لسه زعلان مني عشان كلامي امبارح، أنا والله ما كان قصدي، أنا بس كنت خايف على نورهان وجات فيك .
نظر له حاتم بطرف عيونه، ينظر صوب الطعام دون رد ليتنهد يحيى بضيق :
_ والله امبارح كنت جايب ليكم حلويات عشان اصالحكم بس اديتها لسماء في طريقي .
_ سماء؟ عم تقدّم قرابين ولا شو ؟!
أطلق حاتم ضحكات مرتفعة وهو يميل يضم له حاتم أكثر:
_ طب ما أنت دمك خفيف وبتعرف تقلش اهو ويجي منك، عامل نفسك ليه مش من هنا .
_ لانو أنا مو من هون .
_ يا جدع عليا، أنا اهو وأنت اهو لو مطلعتش من الطوابق في فيصل .
ضحكت نورهان ضحكة خافتة وهي تمد الطعام صوب يحيى تضرب جانب رأسه بمزاح :
- يا بني سيبه في حاله الله يعين اللي هتاخدك .
امسك يحيى بعض الخبز يدهنه جبن بتلذذ :
- يا حظها ويا مناها والله .
- يا حظها فعلا .
خرج الجميع في اللحظة التالية وكان أولهم مسلم الذي ابتسم للجميع وهو يرتدي ثيابه وكأنه يتجهز للخروج لمكان ما، ومن ثم احمد الذي خرج وهو يعدل من وضعية ثيابه .
واخيرًا عيسى الذي كان يفرك عيونه وخصلاته مبعثرة وقبل سحب مقعده أوقفه مسلم بجدية :
_ صليت يا عيسى ؟!
رفع عيسى عيونه صوب مسلم وقد كانت شبه مغلقة، ليضحك يحيى وهو ينظر له بسخرية :
- صلى ايه ده مش عارف يفتح عيونه .
رفع مسلم حاجبه يشير لعيسى أن يتحرك صوب المرحاض :
- روح اغسل وشك وصلي وتعالى يا عيسى الاكل مش هيطير .
نظر له عيسى ثواني ومن ثم تحرك صوب المرحاض دون كلمة وجلس الجميع ليشرعوا في تناول الطعام، وهو فقط يراقبهم بجدية حتى تحدث له أحمد يتساءل :
- أنت رايح في حتة يا مسلم ؟؟
هز مسلم رأسه بنعم وهو يجذب شريحة خبز يدعي بها انشغالًا عن الجميع .
_ هنزل المدينة القريبة من هنا محتاج اشتري شوية حاجات ليا وكمان اجيب لبس لنورهان وشوية حاجات تانية .
تعجب الجميع من كلماته وخاصة حاتم، لكنه لم يتحدث ولم يجادل في كلماته يردد بجدية :
_ رح أجي معك.
هز مسلم رأسه ولم يجادل وهذا مؤشر جيد أنه لا ينتوي مصائب ربما، أما عن أحمد فتنهد وتحدث بجدية :
_ كلمت استاذ علاء امبارح بليل .
انتبه له الجميع وأخذ يقص عليهم فحوى الاتصال الذي جرى بينهما :
_ سألته عن الاوراق بتاعة جدي فرج، فقالي أنهم موجودين في خزنته وميعرفش عنهم حاجة، ميعرفش غير إن جدي كان مصمم إن الورق ده هيرجع حقنا، إن مكانش بالذوق فبالعافية.
انتبهت جميع حواس مسلم وهو يفكر بجدية :
_ وجدك فرج تعرف خزنته فين ؟؟
_ معرفش بس اكيد عند مراته يعني .
تحدث يحيى بسخرية شديدة :
- مين فيهم ؟! الأولى ولا الثانية ؟!
رمش مسلم بعدم فهم :
_ هو اتجوز اتنين ؟!
_ ايوة يا سيدي عمال يكتر في الناس اللي هيقاسمونا الورث .
_ شوف احنا فين وهو فين، يعني اكيد مش هيكون عند مراته التانية، دي عايشة في قرية عند اهلها ملهاش في كل ده، اكيد مع مراته الاولى، هي عايشة في بيته الأساسي فأكيد هي في مكتبه هناك .
هز مسلم رأسه وهو يفكر أن هناك زيارة للقاهرة عليهم الانتهاء منها في أسرع وقت، لكنه فقط يخشى في هذه اللحظة أن تتقاطع طرقاته مع طرقات جوليان والذي اختفى بشكل مريب بعدما بنى حماية حول كل أجهزته، والسؤال الذي ما يزال يؤرقه هو كيف ...كيف علم أنه حي وأنه هنا وكيف وصل لجهازه .
تنفس بصوت مرتفع وهو يراقب الجميع وقد اندمجوا في تناول طعامهم، قبل أن يتساءل بجدية وقد تذكر شيء آخر وضعه على قائمة أعماله لليوم.
_ صحيح يا أحمد.
انتبه له أحمد وقد ألقى له مسلم آخر سؤال قد يفكر به :
_ تعرف عنوان بيت صاحبة فروشكا .
ضيق أحمد ما بين حاجبيه بعدم فهم وهو يهمس بحذر :
_ مين ؟؟ ساڤا ؟!
_ أم شعر أحمر اعتقد مفيش غيرها.
انتبهت جميع حواس أحمد وهو يستقيم بظهره يمنح كامل انتباهه لمسلم :
_ مالها ساڤا ؟!
_ كنت محتاج اعرف منها حاجة.
_ حاجة ايه ؟!
_ حاجة تخص فروشكا، تعرف عنوانها ولا لا ؟!
_ وأنا أعرف عنوانها منين ؟؟
_ مش أنت دايما بتوصلها ؟؟
تنهد أحمد وهو يحاول ادعاء اهتمامه بالطعام أمامه :
_ لغاية برة المنطقة بس.
صمت ثواني، ثم قال بتردد وكأنه يقطع أي طريق قد يحصل بها مسلم على ما يريد بتهور أصبح مرعبًا في الفترة الأخيرة :
_ لو الموضوع مهم معايا رقمها.
_ وأنت معاك رقمها ليه ؟!
كان سؤال صدر من يحيى الذي تدخل بخبث مبتسمًا يراقب ملامح الذي حدجه بحنق :
_ وأنت مالك؟! مش كنت بتقول مش طايقني ؟!
بدا أن أحمد ما يزال يحمل غصة في صدره من يحيى، ليدرك الأخير أنه يحتاج لحديث طويل مع ابن الخالة العزيزة، وصدقًا أحمد بعد رحيل مسلم كان رفيقه الوحيد الذي يشاركه كل شيء، حتى مشروعهما الفاشل .
نهض من مكانه وهو يتحرك صوب أحمد يضمه بقوة جعلت الأخير يحاول الخلاص منه :
_ اه منك يا ابو قلب اسود أنت .
ابتسم أحمد بسخرية وهو يدفع يد يحيى عنه يدعي ضيقًا، رغم أنه كان اعقل من التوقف عند كل كلمة ينطق بها يحيى :
_ خلينالك أنت الالوان يا خويا .
ضحك يحيى بصوت مرتفع وهو يميل مقبلًا رأس أحمد يضمه بحنان :
- والله بحبك يا ابو حميد متزعلش مني .
زفر احمد بغيظ يدعي ضيقًا، دافعًا يد يحيى بعيدًا، وهو يخرج هاتفه يرسل الرقم الذي لم يسجله لكنه يحفظه لرقم مسلم :
- بعتلك الرقم واتس .
لكن مسلم أوقفه وهو يردد بجدية :
- ابعته لحاتم تليفوني اتكسر ومش معايا دلوقتي .
وأحمد لم يفهم ما يريده مسلم، لكنه يعلم أنه ليس الرجل الذي تخشى أن توسوس له نفسه أمام امرأة عدا فروشكا، لذا ابتسم يرسل الرقم لحاتم ومن ثم نظر له بفضول جعل مسلم يبتسم بسمة صغيرة :
_ متخافش محتاج منها مساعدة في أمر يخص فروشكا .
ولم يتحدث أحدهم كلمة وهم يعلمون حساسية الأمر معه خائفين أن تسوء حالته، أكثر.
نظر مسلم صوب حاتم يتحدث بجدية وهو يتحرك عن طاولة الطعام بعدما أخذ منه هاتفه :
_ خلص اكل براحتك هستنى برة .
وبالفعل خرج دون كلمة تحت نظرات الجميع المتعجبة، لكن أحد لم يتحدث بكلمة سوى احمد الذي تنهد بصوت مرتفع :
_ ربنا يستر ونخرج من القرية دي على خير ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ مش فاهمة قصدك ايه ؟!
كانت كلمات رايانا التي تركت الطعام جانبًا تعطي كامل انتباهها لساڤا التي زارتها منذ الصباح بحماس شديد تخبرها آخر ما توصلت له .
_ يعني خلاص زي ما قولت امبارح أنا هبطل رقص في القهوة، انا تعبت من كل ده ويمكن القرار جه متأخر بس خلاص مفيش رجعة .
اتسعت بسمة رايانا بقوة وهي تحاول أن تتخيل الأمر، حاولت مرات ومرات أن تقنع ساڤا، لكن الأخيرة كانت تمتلك كل مرة مشكلة في الأمر.
أما عن ساڤا شردت ثواني وهي تردد بجدية كبيرة :
- حسيت أنه خلاص مبقاش فيه فايدة من كل ده، ولولا ...لولا أنك هنا وأنا مليش غيرك كنت سيبت البلد باللي فيها من سنين .
تنفست رايانا وهي تحاول أن تتحدث بشيء تساعد به رفيقتها، تدور حول مطبخهم :
_ ساڤا لو وجودي معطل حياتك صدقيني انا مش ...
- رايانا بطلي كلام ملوش معنى، انا عمري ما هسيبك لوحدك مع الناس دي .
صمتت ثواني قبل أن تتحدث بجدية :
_ أنا هفضل معاكِ لغاية ما نشوف اخرتها ايه يا رايانا، ثم مين عارف مش يمكن في خلال شهور او حتى اسابيع نتطرد كلنا من القرية واولاد المريدي ياخدوها ونخلص ؟؟
ابتسمت رايانا بسمة صغيرة ولم تكد تتحدث بكلمة حتى سمعت صوت رنين هاتف ساڤا، والاخيرة زفرت بضيق شديد وهي تحاول ألا تحطم الهاتف وقد تلقت الكثير والكثير من المكالمات منذ الصباح من صاحب المقهى الذي كان يتوسلها رجعة عن قرارها .
_ مش هتردي ؟!
- رقم غريب ممكن يكون مدير الخرابة اللي كنت فيها .
تجاهلته رايانا وهي تضع بعض الطعام أمام ساڤا التي التوى فمها بضيق، ورايانا أدركت أنها الآن في خصام مع الطعام بعد نوبة شرسة من الشراهة :
_ طب حتى دوقي الـ
قاطعها رنين الهاتف مجددًا لتزفر بضيق شديد وهي تنزع الهاتف منها بغضب شديد تجيب بصوت حاد :
_ نعــــم ؟!
وعلى الجانب الآخر أبعد مسلم الهاتف عن أذنه بتعجب من ذلك الهجوم، يضيق ما بين حاجبيه متسائلًا إن كان ذلك الصوت يعود لساڤا، هو يدركه وبالطبع لا يخص تلك الفتاة .
وضع الهاتف مجددًا على أذنه يسمع صوتها وهي تهتف بحدة وصوت غاضب وكأنها تتحدث لعدو :
- اسمع يا زفت أنت، قالتلك مش راجعة الشغل يعني مش راجعة، اقسم بالله لو اتصلت بيها تاني لكون أنا اللي جاية ومنزلة الـ....
_ فروشكا ؟؟
توقفت عن الحديث تزامنًا مع توقف ضربات قلبها كذلك وهي تحاول التنفس بشكل صحيح تبعد الهاتف بسرعة عن أذنها تنظر له بعدم فهم، هذا ..مسلم ؟!
يتصل بساڤا ؟؟
رمشت وهي تنظر لساڤا التي كانت تحرك الطعام أمامها بشرود، قبل أن تنتبه لصدمتها :
_ ايه ؟! قالك ايه ؟؟
ابتلعت رايانا ريقها وهي تضع الهاتف على أذنها تسمع صوت مسلم الذي تنهد بصوت مرتفع :
_ فروشكا سمعاني ؟!
_ مسلم ؟!
ابتسم الآخر من الجهة الثانية وهو يحاول تمالك نفسه يمسح وجهه ولا يدري كيف يخبرها ما يريده منها، فقط زفر وهو يهمس بصوت خافت :
_ فروشكا ساڤا عندك ؟؟
ارتجفت يد رايانا وهي ترفع عيونها صوب ساڤا التي كانت تتابعها بصدمة لا تفهم سبب اتصال مسلم بها، تهمس بعدم فهم :
_ عايز ايه ووصل لرقمي ازاي ؟!
تحدث مسلم بجدية وهو يدور في المكان حوله :
_ امبارح في الساحة الناس كانت بتـ...
صمت بخجل لا يدرك كيف يتحدث معها عن ذلك الأمر، يعلم أنه مخجل حساس لها ربما، بلل شفتيه وهي ضيقت عيونها بعدم فهم :
_ مالهم الناس في الساحة ؟!
حاول مسلم التحدث دون جرحها أو التسبب بحرج لها يكفيها ما عانته بالأمس:
_ هو بس ....
صمت وهو لا يدري كيف يتحدث معها بهذا الأمر لذا تحدث بضيق وقد خرجت نبرته حادة :
_ ممكن تدي التليفون لساڤا لو سمحتي ؟!
اهتزت حدقة رايانا بصدمة من كلماته وهي تنظر صوب ساڤا التي كانت تترقب ما يحدث، لتجد رايانا تدفع الهاتف صوبها بقوة، ومن ثم أبتعدت صوب الثلاجة تدعي انشغالًا بها وساڤا تنظر لها بعدم فهم، تنظر للهاتف لتبصر أن المكالمة ما تزال قائمة، تضع الهاتف على أذنها بتحفز :
_ الو..
_ ساڤا، فروشكا جنبك ؟؟
_ فروشكا ؟؟ قصدك رايانا ؟؟
تنهد بصوت مرتفع وهو يهز رأسه وكأنها تبصره يتحدث بنبرة جليدية حادة بعض الشيء :
_ امبارح في القرية كانوا بيتكلموا عن فيديو يخص رايانا، الفيديو ده فيه ايه ومين اللي نشره ؟! وليه الكل كان بيتكلم عليه بالشكل ده ؟؟
شعرت رايانا في هذه اللحظة بعيون تحرق ظهرها، فاستدارت لتبصر نظرات ساڤا لها، لتدرك أنها بشكلٍ أو بآخر محور الحديث، أو ربما كانت تعطل حديثهما لذا تحاول العزيز ساڤ إيجاد مهرب لها منها، لذا اعتدلت في وقفتها وهي تنظر لساڤا بعناد وضيق .
والأخيرة تجيب اجابات غامضة على الهاتف :
_ ايوة .
_ ايه الفيديو ده ومين اللي بعته للناس، عايز اعرف تفاصيل عنه.
_ اشمعنا ؟!
_ عشان اعرف احذفه من عند الكل، ساعديني اخلص الحوار ده في اسرع وقت .
ابتلعت ساڤا ريقها وهي تنظر بتردد صوب رايانا التي كانت تشعر بكل جزء منها يحترق من الغضب أو ربما الغيظ .
_ لو الرقم ده فيه واتس هبعتلك عليه كل التفاصيل .
_ تمام .
ولم يكد يغلق المكالمة حتى أوقفها بسرعة :
_ ساڤا مش عايز الفيديو نفسه عايز الرقم اللي بعته وايه تفاصيله، ولو فيه جروب مثلا نزل عليه، متبعتيش الفيديو نفسه لو سمحتي .
وساڤا لم تكن ستفعل بأي شكل من الأشكال، لكنها تقدر ما قاله، وتتمنى خفية أن يعني كل ما يفعله هذا اهتمامًا بصديقتها.
_ تمام .
_ ممكن ...اكلم فروشكا ؟!
رفعت ساڨا عيونها صوب رايانا وهي تمد الهاتف لها، لتنظر له رايانا ثواني ببسمة جانبية ساخرة، ولم تبادر لأخذ الهاتف حتى تحدثت ساڤا :
_ حابب يتكلم معاكِ .
ابتسمت رايانا ببرود شديد وصوت هادئ :
_ وأنا مش حابة.
ختمت حديثها تبتعد عن ساڤا وهي تلملم شعرها في ربطة شعر ومن ثم بدأت تنظف المطبخ حولها بضيق بينما ساڨا ابتلعت بعض الخضار تضع الهاتف على أذنها:
- مش عايزة .
ابتسم مسلم يتنفس بصوت مرتفع :
_ تمام، مفيش مشاكل هستنى رسالتك متنسيش، و...
صمت وشعر بالتردد، لكنه في النهاية قال بهدوء شديد :
_ بلاش تعرف عن اللي قولتلك عليه، مش عايز يكون فيه حساسية في الموضوع من ناحيتي لو سمحتي .
هزت ساڤا رأسها بالموافقة وهو اغلق الهاتف وكأنه أبصر اشارتها، تنظر صوب رايانا بجدية شديدة .
بينما رايانا تدعي عدم الاهتمام، حتى سمعت صوت ساڤا تردد بجدية ولهفة شديدة :
_ تخيلي كان عايزني ليه ؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ادخل مسمعش صوتك، مش عايز عم رجب يطردنا احنا الاتنين .
كانت كلمات من يحيى لعيسى الذي أصر على المجئ معه ليشتري بعض الأغراض لنفسه بعدما مل الجلوس طوال الوقت في المنزل .
دخل المحل والذي بمجرد أن لمحه حتى نسي يحيى وأخذ يتحرك به بلا اهتمام لكلمات شقيقه الأكبر، ويحيى في الواقع لم يهتم وهو يتحرك صوب رجب والذي بمجرد أن لمحه حتى زفر بصوت مرتفع :
_ يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم .
_ صباح الخير يا عم رجب .
_ صباح الخير يا سيدي .
_ مالك كده يا عم رجب بجد ؟! ايش حال ما أنا الزبون الوحيد اللي بيعبرك وبيجي يطمن عليك، بالله عليك بتشوف عيالك قد ما بتشوفني ؟!
نظر له رجب ثواني قبل أن يتجاهل كلماته وهو يسبح بهدوء، أما عن يحيى فقد أخرج باقية الأموال التي اشترى بها البارحة حلوى يضعها أمامه :
_ اتفضل يا عم رجب فلوسك .
نظر رجب للأموال قليلًا قبل أن يدفعها صوب يحيى مجددًا:
_ خلي فلوسك ليك، المرة دي عليا .
التمعت عيون يحيى بصدمة وهو يهمس بعدم فهم :
_ عم رجب متقولش إن قلبك حن عليا .
_ ولا حن ولا نيلة، بس كارا قالتلي أنك وزعت الحلويات على العيال، وانا مش بحاسب حد على حاجات الملجأ .
رمش يحيى بتعجب من كلمات الرجل، قبل أن يتحرك بسرعة وجدية يدور حول المكتب، ومن ثم جذب رجب لاحضانه بقوة :
_ الله يبارك فيك يا عم رجب، طلع عندك قلب والله، مش فاهم ازاي عايش بين الناس ولاد الـ *** اللي هنا، ربنا يبارك ليك يارب .
اتسعت عيون رجب من حديث يحيى، ورغم كل شيء ابتسم دون شعور وهو يدفعه بمزاح للخلف :
_ مش كل الناس هنا وحشين، الفكرة إن الوحشين بس هما اللي ظاهرين .
_ مش وحشين ياعم رجب بقولك ولاد *** .
_ يا بني خلاص متشيلناش ذنوب على الصبح، بعدين شوف عايز ايه وريحني من صداعك .
_ شوف رغم قلة الأدب دي، بس متقلقش لما ناخد القرية منكم ههد كل البيوت واسيب المحل بتاعك انت بس .
رفع له رجب حاجبه بعدم فهم، في اللحظة التي ابتسم له يحيى وهو يشرح له تفاصيل الخطة المستقبلية التي سيطبقها بعدما يستولى على المكان، ويحوله لمزرعة ماشية ينتفع بحليبها، حتى سمع صوت خلفه :
_ ناقص ايه يا عم رجب اعمله ؟!
رفع يحيى نظراته صوب صاحبة الصوت والتي لم يكن بحاجة للتخمين هويتها فتقريبًا لا أحد سواه وإياها يأتون للشراء من هذا الرجل .
_ والله بدأت أشك أنها بتنزل مع البضاعة .
تحدث رجب وهو يشير لباب جانبي :
_ ايوة يا كارا يا بنتي روحي بس طلعي المعلبات من المخزن وافصلي التلاجة التانية على اليمين لغاية ما بتاع الصيانة يجي يشوفها .
هزت كارا رأسها وهي تنظر صوب يحيى بنظرة جانبية تتحرك بسرعة بعيدًا عنه دون كلمة واحدة، وهو ينظر لها متحدثًا لرجب :
_ ألا قولي يا عم رجب هي أيه حكاية البنت دي ؟!
لم يفهم رجب مقصده لكنه قال بهدوء :
_ بنت مين ؟!
_ كارا .
_ وأنت مالك بيها ؟!
_ لا بس فضول بشوفها عندك كتير اوي ومش فاهم هي بتنزل مع البضاعة ولا شغالة فراشّة هنا .
_ فراشّة ؟! لا يا سيدي كارا بتيجي تساعدني كل آخر اسبوع عشان أنا لوحدي، وهي تبقى بنت اخو مراتي فعشان كده بتساعدني .
هز يحيى رأسه وقد أدرك سر وجودها طوال الوقت في المكان :
_ بنت اخو مراتك قولتلي، يعني تقربلك ايه بقى ؟؟
ضرب الرجل كف بكف يوضح له :
_ بنت اخو مراتي، يعني أنا ابقى جوز عمتها .
هز رأسه وهو يبتسم بسمة صغيرة يبصر نظرات كارا التي تتحرك صوبه كل ثانية وهي تخرج المعلبات من المخزن، حتى أنها أسقطت فجأة العلب كلها ارضًا بسبب نظرته التي جعلتها ترتجف .
كبت ضحكته ولم يكد يتحدث بكلمة حتى سمع صرخة رنت في المكان بأكمله جعلت ضربات قلبه تتوقف ثواني قبل أن يصرخ برعب وجنون وهو يركض في المكان :
_ عيســــــــى ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت رحلة طويلة خاضها كل من مسلم وحاتم، ساعات تقريبًا، وحاتم لا يفهم إلى أين المستقر، مسلم يستند برأسه على النافذة جوار حاتم الذي كان يقود بهم السيارة المستأجرة، ويتبع الموقع الذي حدده له مسلم .
ومسلم فقط صامت يحاول التفكير في القادم يغمض عيونه وقد اتخذ قراره، سيدهس كل من يفكر في الاقتراب منه ومن عائلته.
_ مسلم فقط أخبرني إلى أين ؟؟ لماذا سنعود للقاهرة ؟؟
نظر مسلم صوب النافذة وهو يركز بعيونه على محدد المواقع ينظر كم تبقى لهم، ووجد أن هناك ساعات إضافية أمامهما.
تنهد بصوت مرتفع وهو يبلل شفتيه :
_ محتاج اطمن على عيلتي يا حاتم وإن كل شيء تمام بعدين هنعمل مشوار سريع ونرجع .
وحاتم شعر بالريبة لكنه لم يتحدث في الأمر كثيرًا يدرك أن مسلم بمجرد أن يضع شيء بعقله فلا يتركه حتى ينفذه .
لذا اكمل طريقه وهو يزيد من سرعته يحاول اختصار الساعات المتبقية، ومسلم جواره صامت شارد بشكل غريب، يفكر في القادم، وقد قرر قبل العودة للجميع أن يتوجه لمنزل جده فرج ليبحث عن الاوراق التي يبحثون عنها، ربما وجد ما ينفعهم .
لكن السؤال المطروح هو، إن كان جده يمتلك اوراق بإمكانها إنهاء كل ذلك، لماذا لم يسعى أحد أفراد أسرته بالأمر ؟؟
تنفس وهو يغمض عيونه يحاول أن يريح عقله قبل الوصول للقاهرة ومقابلة عائلته، لكن بمجرد أن أغلق عيونه حتى غرق في ذكرياته التي لا ينساها مهما مرت الايام .
يجلس في غرفة صغيرة خانقة يختفي في ركنها، جسد منهك ضعيف، ضعيف، ظهره بالكامل ملئ بآثار تعذيب، والكثير من الجروح تزين ذراعه، في غرفة ذات حرارة تحت الصفر بلا ثياب، وأحيانًا يغيرون درجتها لتنافس الصحاري في ظهيرة شهر أغسطس .
ابتلع ريقه وقد شعر بالدماء تتجمد داخل أوردته، يود الصراخ، لكن حتى هذه الميزة لم تكن متوفرة في ذلك الوقت .
فجأة انتفض جسده والتصق أكثر بالجدار خلفه يكبت صرخة رعب حينما سمع صوت فتح الباب، والذي كان يعني عذاب جديد له .
لكن هذه المرة لم يدخل أحد الرجال مع أدوات التعذيب ولم يبصر معهم سلاح أو ما شابه .
بل فقط القو له بـ...طفلة صغيرة، طفلة لا تتجاوز العشر سنوات بثياب وردية لطيفة، ترتجف وهي تضم دميتها، تنظر صوب الجميع بخوف .
نظر لها مسلم بنفس الخوف الذي يسكن الفتاة، إن كانت هي ضعيفة بلا حول ولا قوة، فهو أشد منها ضعفًا، على الأقل هي كانت تمتلك رفاهية البكاء والصراخ والتعبير عن خوفها .
دفع الرجل الفتاة صوب مسلم وهو يهتف بجدية :
_ طعامك للاسبوع القادم يعتمد على الصغيرة .
رفع مسلم عيونه بعدم فهم، بيسمع صوت تدحرج سلاح جواره ومن ثم كلمات الرجل التي رنت في الإرجاء:
_ تخلص منها واحصل على طعام يكفيك يومين كاملين.
_ مسلم أنت بخير؟؟
استفاق مسلم من كابوسه بكل برود، فتح عيونه ينظر حوله بأعين ضبابية، لدرجة أن حاتم شك في تصرفاته :
_ مسلم ؟؟
_ أنا بس ...نمت ومحستش .
ابتلع حاتم ريقه وهو يحاول فهم ما حدث له :
_ أحمد أرسل رسالة ليطمئن عليك .
هز مسلم رأسه وهو يأخذ منه الهاتف، يراسل أحمد برساپل مقتضبة يشرح بها ما سيفعل باختصار، ثم تنهد وهو يخرج من المحادثة الخاصة بأحمد، وما كاد يعيد الهاتف لحاتم حتى وصل له اشعار جعله يضيق ما بين حاجبيه .
وهو يراقب رسالة ظهرت على الشاشة جوار صورة لمنزل يعلمه جيدًا، رسالة ما كان ليعطي لها أي أهمية، لولا أن المرسل كان جوليان، والمعني كان " فروشكا
"وتعلمُ أنك الأغلى وإن ناءت أماكنُنا
وإن بعُدت مساكنُنا، فما المقياسُ بالقربِ"