رواية مدمر بعشقك الفصل الاول1بقلم صباح عبد الله فتحي
في قلب مدينة القاهرة، داخل أحد المنازل الفاخرة، ينعكس من خلال مظهره الراقي الثراء والحياة الرفاهية، تعلو أصوات تلاوة القرآن الكريم في أرجاء المنزل، مؤكدًا أن مراسم عزاء تُقام لموت أحدهم.
في بهو المنزل، جالس مجموعة من الرجال، تتوسطهم فتاة في العشرين من عمرها، مظهرها هادئ رغم الحزن المغيم على ملامحها ودموعها المنهمرة على خديها. عينها العسليتان محمرتان من شدة بكائها، وهي تضم تحت ذراعيها ثلاثة أطفال صغار. أكبرهم ولد يبلغ من العمر أحد عشر عامًا، آخر تسع سنوات، وأصغرهم فتاة تبلغ سبع سنوات.
كانت تستمع بهدوء إلى وصية والدها، المكتوبة بخط ليس بخط يده، بل بخط ما لا ضمير له، بهدف سلب حق أربعة أيتام لم يروا من العالم سوى السعادة والهناء التي كان والديهم يقدمانه لهم طول حياتهم التي أنتهت أمس.
انتهى صوت المحامي الذي كان يسرد المكتوب على الورق بين يديه، مع الفتاة نهضت فجأة، وهي رمقت أحد الحاضرين بنظرات حادة، وخرج صوتها مكبوتًا بالغضب قائلة:_يعني إيه يا حضرت المحامي؟ أنا وأخواتي هنكون في الشارع؟
تنهد المحامي بأسف، وأجابها وهو ينظر إلى شخصٍ ما بارتباك:_أنا آسف يا آنسة، بس.. والدك الله يرحمه كان ماضي على شيك بـ250 مليون لعمك (فوزي)، وحسب القانون كل حاجة باسم والدك الله يرحمه هتكون لعمك (فوزي).
تحولت نظرات الفتاة إلى الرجل الجالس أمامها، نظرات احتقارٍ ممزوجة بتقززٍ واضح، بينما هو ضاق صدره بتلك النظرات التي بدت وكأنها تحرق وجهه، فبادر بالكلام قائلًا بحدة:_أي مالك بتبصي لي ليه كده يا ست (كنوز)؟ هو أنا بسرقكم لا سمح الله؟ وبعدين ده شغل، والشغل شغل. أبوكي الله يرحمه قبل ما يموت كان داخل في صفقة كبيرة وخسار للأسف، وما كانش في حد غيري يساعده، واستلف مني المبلغ الكبير ده علشان يعوض الخسارة اللي خسرها. بس.. اللي حصل حصل بقى، والله يرحمه مات قبل ما يرجع شغله ويرجع لي فلوسي، ومن حقي فلوسي ترجع لي، ولا إيه يا حضرت المحامي؟
ضغطت علي أسنانها بحنق. وهي تجيبه بنبرة باستفهامٍ امتزج بالغضب:_طيب وأنا وأخواتي يا عمي هنعيش إزاي؟ ولا هصرف عليهم منين؟ ده أنا لسه مخلّصة أول سنة كلية هندسة، يعني لو عاوزة أشتغل مافيش حد هيقبل يشغّلني عنده.
تحرك (فوزي) في مكانه قبل أن يجيب بانفعالٍ حاول إخفاءه:_إيه يا ست (كنوز)، هو أنا بقولك هارميكِ أنتِ وأخواتك في الشارع لا سمح الله؟ لا طبعًا، أنتم عيال أخويا من لحمي ودمي، وأنا مش هارمي لحمي في الشارع لكلاب السكك تنهش فيه.
رفعت (كنوز) يديها تمسح آثار بكائها بكبرياء واضح وهي تنظر إلى الجميع باحتقار. ثم ضمت يديها إلى صدرها ورفعت رأسها بشموخ وهي تقول بغرورٍ واضح:_لا، متشكرين يا أستاذ (فوزي). مستغنيين عن خدماتك، ما تتعبش نفسك. وأنا أفضل إني أكون في الشارع أنا وأخواتي ولا أكون في حضن إنسان جشع وطماع زي حضرتك، ومش بيهتم غير بالمكسب والفلوس.
لم تكد تُكمل جملتها حتى صمتت فجأة، بعد أن تلقت صفعة قوية على وجهها من يدٍ قاسية تشبه قلب صاحبها، ذلك الذي يدّعي أنه عمّها. وضعت (كنوز) يديها على وجهها، تتحسس آثار الصفعة التي تركت بصمات أصابعه المتحجرة على خديها، وكأنها وُسمت لتظل ذكرى لا تُنسى، بينما كان هو يصرخ في وجهها بغضبٍ جامح وكأن كلماتها قتلت ما تبقي من كرامته:_أنتِ اتجننتي يا بنت؟ إزاي اتجرأتي تكلّميني بالطريقة دي؟ ما أنتِ بنت قليلة الأدب، صح ما لاقتيش اللي يربيكِ فعلًا، وأنا أعرف إزاي أربيكِ من أول وجديد.
نظرت كنوز بذهولٍ إلى الفراغ أمامها، واضعةً يديها على خديها، وهي تشعر بانكسارٍ لم تعرفه من قبل. لأول مرة في حياتها تتعرض لمثل هذه المعاملة؛ حتى والدها المتوفى لم يجرؤ يومًا على معاملتها بهذه القسوة. ثم التفتت إلى ذلك المتحجر، وعيناها تشتعلان بالغضب، وقالت بصوتٍ عالٍ:_أنت اللي اتجننت؟ إزاي ترفع إيدك عليّا؟ ده بابا الله يرحمه عمره ما عملها، ومش مسموح لحضرتك تغلط في تربيتي علشان أنا متربية أحسن تربية، لكن الدور والباقي على اللي دخلينا عليه طمع.
اشتعل صدر فوزي بغضب شديد. مما تفوهت به (كنوز)، ومن تلك الكلمات التي كشفت له حقيقة نفسه، فحدّق فيها بنظراتٍ مرعبة مليئة بالغضب، ودون حساب صفعها على وجهها مرةً ثانية، وأردف قائلًا بهمس يشبه فحيح الأفعى، وهو يمسكها من فمها بعنف:_أنتِ بنت قليلة الأدب ولسانك طويل، وأنا هاعرف إزاي أقصّ لك لسانك، وأكسر لك جناحك يا حلوة.
نهض المحامي والجميع من على مقاعدهم في لحظة، وأردف قائلًا بلهجةٍ حازمة وهو يتقدم نحو ذلك الشيطان، محاولًا إبعاده عن تلك الصغيرة قبل أن يحطم صف أسنانها دون أن يشعر:_اهدأ يا أستاذ (فوزي)، مش كده. أكيد الآنسة (كنوز) ما تقصدش اللي قالته، مهما كان هي لسه طفلة، والنهارده تاني يوم موت أهلها، وأكيد مش عارفة هي بتقول إيه.
حدّق (فوزي) في ملامح وجه ابنة أخيه، التي كانت تنزف الدماء من بين شفتيها بغزارة بسبب شدة قبضته على فمها الصغير. وحين شعر بضعف جسدها الرقيق، دفعها بعنفٍ جعلها تسقط على الأرض بقوة، فأصدرت الأرض القاسية أصواتًا بدت وكأنها تعلن تحطم عظامها الهشة. في تلك اللحظة، هرع إخوتها الصغار إليها وهم يبكون بحرقة على ما حدث لشقيقتهم أمام أعينهم، وما إن وصل كلٌ منهم حتى ارتموا في أحضانها. أما أكبرهم، الذي ما زال في الحدي عشرة من عمره، فقد اندفع باتجاه ذلك العم الظالم الذي صفع شقيقته أمام عينيه، ووجّه له لكمة قوية بيده الصغيرة، التي لم تكن بالنسبة لذلك المتحجر سوى لمسةٍ رقيقة، وهو يصرخ بهستيريا:_أنا هقتلك علشان ضربت (كنوز) أختي، أنا هموتك من الضرب علشان تاني مرة ما تضربش أختي.
لكن.. كان ذلك المسمي بالعم لم يمتلك الرحمه في قلبه ولم يشعر بأي شفقة على أطفال أخيه، الذين أصبحوا أيتامًا في ليلة وضحاها. دون رحمة، صفع هذا الطفل الصغير على وجهه، دون أي إحساس بالشفقه أو مراعاة أنه ما زال طفلاً لا يدرك ما يحدث له. صرخت (كنوز) مفزوعة على شقيقها الذي سقط أمام عينيها على بلاط الأرض القاسية، كقساوة القلوب المحاطة بيهم. هرولت إليه، وهي ترفع كف يديها لمسح آثار بكائها بأناملها الصغيرة، وأردفت قائلة بتوتر وقلق واضح على ملامحها الحزينة:_زياد حبيبي، انت كويس؟
حاول الطفل (زياد) النهوض من على ظهره، وجلس أمام شقيقته التي تبكي بكاءً مريعًا، محاولًا طمأنتها أنه بخير، وأن لا داعي لكل هذا البكاء. رغم الألم الذي سبّبته له الصفعة القاسية، لم يهتم بنفسه، وكل ما يشغل تفكيره دموع شقيقته. وضع يده الصغيرة على وجهها بحنان، يمسح آثار بكائها التي شوهت ملامحها الجميلة، وقال لها مطمئنًا:_ما تخفيش يا (كنوز)، أنا كويس، ومفيش حاجة تخافي منها طول ما أنا معاكي. مش هاخلي حد يرفع إيده عليكي تاني.
نظرت (كنوز) إلى أخيه بعين دامعة، ولم تستطع نطق أي كلمة، فقط احتضنته، ودموعها تسيل بهدوء على خديها. تأثر الكثير من الحضور بما يحدث للأطفال الصغار، إلا قلب ذلك المتحجر، الذي يمتلك قسوة أكثر من الحجارة.
ركض طفل صغير في التاسعة من عمره، وخلفه طفلة في السابعة، وهم يصرخون ويبكون من شدة الخوف مما يشاهدون أمام أعينهم. ولأول مرة في حياتهم يرون هذا المشهد المرعب. ضمّوا شقيقتهم الكبيرة بقوة، كما لو كانت مصدر الأمان الوحيد لهم. بينما أردفت (لوجين)، شقيقة (كنوز) الصغيرة، من بين بكائها:_أنا عاوزة ماما وبابا يا كنوز، عموا ده وحش وأنا مش بحبه.
أزاد ذلك بكاء (كنوز)، وهي ضمت أخواتها الصغار أكثر إلى أحضانها، وهي تسترجع في ذهنها شيئًا ماحدث بالأمس.
(زكريات كنوز)
أمام منزل عائلة (كنوز)، كانت كنوز تقف مع والديها، اللذين كانا يستعدان لرحلة لم يكونا يعلمان أنها ستكون بلا عودة، بينما يقف إخوتها الصغار بجانبها. تفوّهت قائلة وهي تنظر إلى والديها بحزنٍ مصطنع:_هو أنتم يعني لازم تروحوا مع بعض في كل مشوار؟
ردّت أمها بحنق، وهي ترمق ابنتها بضيق مصطنع:_أي، في إيه يا ست (كنوز)؟ مستكتره عليّ أخد جوزي معي وأنا رايحة أشوف ماما اللي ما شُفتهاش أكتر من شهر، بسبب امتحاناتك أنت وأخوتك.
نظرت (كنوز) بذهول إلى والدتها، وهي تقول بغباء:_هو أنتِ يا ماما ندمنها؟ إنك خلفتينا ولا إيه؟
حضنتها أمها بحنان، وهي تقول بحب صادق يظهر في لمعة عينيها:_إيه الهبل اللي أنتِ بتقوليه ده يا (كنوز)؟ أنتِ وإخواتك كنز من أكبر كنوز العالم اللي ربنا رزقني بيها.
تظاهرت (كنوز) بالضيق، وهي تخرج من هذا الحضن الدافئ، الذي لو كانت تعلم أنه على وشك الانحرام منه، لظلت فيه ما تبقى لها من عمرها، وهي تقول بحنق زائف: _يالهوي، هنبدأ بقى بالمحن والمِحَن. بقول لكم إيه، أنتم الاتنين، أنا لسه طالع من حاجة اسمها امتحانات، ومش هاقول لكم بقى يعني إيه امتحانات.. يعني الجحيم بعينه. عايزة أرتاح شوية وأشوف الدنيا من غير كتاب، مش أخلص من كتاب ألاقي نفسي قدام تلت قرود.
اجابتها ولدتها بغضب:_يعني إيه يا ست (كنوز)؟
نظرت (كنوز) إلى أمها ببراءة، وداعبت خديها بأناملها الصغيرة:_يعني يا نونو يا عسل، شوفي أنتِ رايحة على فين مع نفسك، وروحي شوفي تيتة زاي ما أنتي عايزاها، ربنا معاكي، وترجعي بألف سلامة يا رب.
ضحك الأب بشدة، وكانت أصوات ضحكاته تملأ المكان، على حديث (كنوز) وتصرفاتها الطفولية مع والدتها. فهم أن ابنته لا تريد أن تعتني بأخواتها الصغار في غيابهم، وأردف قائلاً بتحذير وهو يوصيه على أخواتها الصغار:_اسمعي يا ست (كنوز)، أخواتك أمانة معاكي، لحد ما نرجع أنا وأمك من السفر، فاهمة؟
ابتسمت الأم بانتصار في وجه (كنوز) العابث، وهي تداعب خديها بطريقة طفولية، وهي تقول بنبرة استفزاز متعمدة أغاظة أبنتها المدلله:_يلا ياحبيبي علشان مانتاخرش أكتر من كده، وانتي يا (كنوز)، ياروح ماما، خدي بالك من لوجين وأخواتك على ما نرجع أنا وباباكي من السفر يا عيون ماما.
(الحاضر)
أفاقت (كنوز) من ذكرياتها، وهي تهتف باكية وتضم أخواتها الصغار إلى صدرها بقوة:_ليه مشيتوا مع بعض؟ ليه ما سمعتوش كلامي ومشيتوا مع بعض، وسِبتوا لي أخواتي أمانة معايا، وأنتم عارفين إني مش قدّ حمل الأمانة دي؟ ليه لحد دلوقتي ما رجعتوش ووحشتوني أوي؟
وظلت تبكي بحرق، وكان صوت بكائها كافية لجعل الحاضرين يشعرون بالشفقه عليها، تقدم ذلك المسمي فوزي ذو القلب المتحجر تجاه (كنوز) وأخواتها، ودون رحمة أمسكها من حجابها بقوة من الخلف، اشدد الحجاب بقوة علي عنقها لدرجة شعرت بالاختناق، واحتقن وجهها وكأن روحها على وشك مفارقة جسدها الضعيف. وهتف قائلاً بنبرة حادة دون اي شفقه على تلك التي تتألم من قسوة قبضته، ولا على هؤلاء الأطفال الذين يبكون ويصرخون خوفًا على شقيقتهم، التي أصبحت مصدر الأمان الوحيد لهم:_بقولك إيه يا بنت، إنتِ وهمّ، أنا مش عندي خُلُق لدلع العيال ده. اسمعي كلامي كويس يا حلوة، لو عاوزة تعيشي إنتِ وأخواتك في بيتي، لازم تشتغلي علشان تصرفي عليهم، ما هو أنا مش هشيل همك وهم أخواتك طول عمري.
تجيبه (كنوز) بغرور وكبرياء حتى وهي تتألم بشدة من آثار قبضته القاسية على حجابها الذي يخنقها. ورغم ذلك وضعت أناملها الصغيرة فوق حجابها، خوفًا أن ينتزعه عن رأسها أمام الجميع، بسبب قسوة ذلك العم الجشع الذي لم يراعِ أنها أصبحت فتاة في سن البلوغ، ولا يجوز له أن يمسكها من حجابها بهذه الطريقة أمام أحد:_آه، سبني يا بني آدم، عيب عليك اللي إنت بتعمله في ولاد أخوك ده من تاني يوم موته. وبعدين أنا ما طلبتش منك ولا من غيرك تصرف عليّ وعلى أخواتي، أنا هشتغل وأصرف عليهم، ومش هامد إيدي لحد، وبالأخص لو كان كلب مصعور زيك.
يجزّ (فوزي) على أسنانه من شدة غضبه من تلك الجريئة، وتزداد قبضته عنفًا على رأسها أكثر من السابق، ويهمس بحد وتعلة أنفاسه من الغضب:_ماشي يا بنت أخويا، أنا هاعرفك مين الكلب اللي مش هاتمدي إيدك له. من النهارده تنسي الرفاهية اللي كنتي فيها إنتِ وأخواتك، وهتشتغلي عندي خدامة. ولو عصيتي كلامي في حرف واحد بس، هتفضلي من غير أكل وشرب إنتِ وأخواتك، لحد ما أشوف بعيني لوجين الأمورة دي قربت تروح عند بابا وماما من الجوع. علشان كده يا قطة، عاوزك تفكري مية مرة قبل ما تحطي عينيكِ الحلوة دي في عيني بعد كده، إنتِ فاهمة؟
تحدّق (كنوز) في لوجين الصغيرة، التي كانت تضم قدميها وهي تبكي من شدة خوفها مما يحدث وما قاله ذلك المتحجر. رقّ قلب (كنوز) على أخواتها، فقررت أن تتنازل عن كبريائها، وخرج صوتها حزينًا وتحولت نظراتها من قوة لضعف وانكسار:_فاهمة… سبني بقى، وحسبي الله ونعم الوكيل فيك وفي كل ظالم جبار زيّك.
تركها (فوزي) بقوة وهو يدفع جسدها الصغير أرضًا بعنف أمام الجميع، وكأنه يريد أن يكسر كل عظامها الهشة. سقطت (كنوز) مستلقي على الأرض أمام الجميع. ركض أخواتها نحوها، فحاولت النهوض وهي تبتسم لهم غصبًا عنها، رغم الألم الشديد الذي يحتل جسدها، واحتضنتهم جميعًا. كانت تحارب كي لا تبكي أمامهم، لكن تلك الدموع المحتجزة بين جفونها غلبتها، فغاصت في جفون عينيها، وانهارت على خديها بحرقة، تحرق قلبها دون رحمة.
»»»»»»»»»»
ننتقل إلى أحد المستشفيات الحديثة، حيث يقف شاب في السابعة والعشرين من عمره أمام نافذة زجاجية لغرفة ذات تصميم راقٍ، تطل نافذتها على محيطٍ هائج بعد منتصف الليل. كان شارد الذهن، يراقب الأمواج المتسارعة بعينين مثقلتين بالأفكار، وكأنه ينتظر قدوم أحدهم.
كان رأسه ملفوفًا بالشاش الطبي، وتعلو وجهه كدمات وجروح صغيرة، تدل على تعرضه لحادثٍ ما أو ما شبه.
وفجأة، قطع هدوءه دخول شابٍ آخر، ألي الغرفة فجأة، وتقدم حتى وقف خلفه، وقال بهدوء:_جاسر… الراجل ومراته ماتوا… هتعمل إيه؟
يلتفت الذي يُدعى جاسر إلى مصدر الصوت، وعلامات الحزن والندم لا تفارق ملامحه، ويقول بصوتٍ منخفض:_ إيه؟ ماتوا بجد؟ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم… إنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم صمت لحظة، قبل أن يضيف بصوتٍ مكسور: طيب… هما عندهم أطفال؟
يرد الآخر بحزن وأسى:_ أيوه للأسف، أربعة. أكبرهم بنت لسه عشرين سنة، وأصغرهم سبع سنين.
يضع جاسر يديه على وجهه، يمرر أصابعه بين خصلات شعره بعصبية، ويقول بحزن:_لا إله إلا الله… أنا ماكنش قصدي اللي حصل ده يا مراد، هم اللي دخلوا في عربيتي والله.
يحاول مراد تهدئته، قائلًا بنبرة مطمئنة:_اهدى يا جاسر، ما تخافش، إن شاء الله كل حاجة هتكون كويسة… بس ناوي تعمل إيه دلوقتي؟
يرد جاسر بتوتر وهو يفرك يديه بقوة:_مش عارف يا مراد… بس هما منين؟ والأطفال دول فين دلوقتي؟ ومع مين؟
يرد مراد دون مقدمة: من القاهرة.
ينظر إليه جاسر بغيظ ويقول بانفعال:_ يا فرحة أمك بيك! ما إحنا في القاهرة يا أخي! ركز شوية، مش ناقصين غبائك ده!
يرمقه مراد بنظرة جانبية ويكمل:_ من الشيخ زايد.
بص يا جاسر، اللي عرفته إن الراجل ده كان من أكبر رجال الأعمال في القاهرة، لكن الفترة الأخيرة كان بيعاني من خسارة كبيرة. حسب اللي سمعته، أخوه هو اللي ساعده يقف على رجليه تاني، بس اللي ربنا عايزه هو اللي حصل. وحاجة كمان… الراجل كان مديون لأخوه بـ 250 مليون، وبعد موته أخوه حوّل كل حاجة باسمه، وحسب القانون كل الأملاك بقت باسم أخوه دلوقتي علشان يسد الدين.
يرد جاسر بقلق:_طيب والأطفال دول؟ بقوا في الشارع؟ ولا عمهم هيصرف عليهم؟ ولا إيه حكايتهم؟
يجيبه مراد بهدوء:_ بصراحة… مش عارف النقطة دي.
يتنهد جاسر ثم يقول بجدية، محاولًا شرح ما يدور في ذهنه:_ طيب اسمعني كويس، أنا عاوز أعرف كل حاجة عن أطفال الراجل ده وعن عمهم. وأول حاجة ناوي أعملها إني أروح أعزيهم، علشان أعرفهم ويعرفوني.
بس الأهم… مش عاوز أي حد منهم يعرف أنا مين قبل ما أفهم كل حاجة عنهم. فاهمني؟
ينظر إليه مراد باستفهام قائلاً:_ليه؟ إنت ناوي تعمل إيه؟
يلتف جاسر لينظر إلى المحيط من خلال النافذة للحظات، أن يقول بشـرود:_ناوي أريح ضميري يا مراد… حساس أن ذنب الراجل ده وأولاده اللي أصبحوا أيتام بسببّي، ذنبهم في رقبتي.
يرد مراد وهو يضع يده على كتف صديقه، محاولًا التخفيف عنه:_اللي حصل ده كان قضاء الله وقدرهم يا جاسر، مش ذنبك انت ممكن مجرد سبب مش اكتر. بس ارتاح أنت النهارده، وبكرة اعمل اللي يريحك.
يضع جاسر يده على يد صديقه التي على كتفه، وهو يرد بحزن:_لا يا مراد… حتى لو اللي حصل ده ماكنش قصدي، وحتى لو القانون أثبت إني بريء وما ليش علاقة بالحادث، أنا اللي كنت السبب في موت شخصين… والسبب إن أربع أطفال أصبحوا أيتام أم وأب في يوم واحد، وده كله بسببّي. ومن النهارده، هاعتبر الأطفال دول مسؤوليتي… وأنا اللي هاراعيهم وأهتم بيهم، لحد ما يعرفوا ويفهموا يعني ايه دنيا.
تنهد مراد بيأس وهو يعرف أن صديقه لن يستمع له وسيقوم بما يدور في عقله، حتى لو اعترض العالم كله:_ماشي يا صاحبي… أعمل اللي يريحك، وأنا هتصل على عمي علشان أعرفهم باللي حصل قبل ما حد تاني يعرف، ووقتها بقى انت عارف إيه اللي ممكن يحصل. ورغم أني عارف أن رأيي مش هيتقدم ولا هياخر بس بلاش تروح بيت الراجل ده دلوقتي.
يجيب جاسر بأصرار، وتوتر واضح:_لا يا مراد… لازم أروح النهارده قبل بكرة، وأعرف الأطفال دول هايعيشوا ازاي بعد اللي حصل، وعمهم هيتعامل معاهم إزاي. لازم أوي أعرف النقطة دي علشان ضميري يرتاح شوية تجاه الأطفال على الأقل.
