رواية وجع مخفي الفصل الاول1بقلم خديجه احمد


 رواية وجع مخفي الفصل الاول1بقلم خديجه احمد

البداية 

أمل

أوحش حاجة إنك تكون موجوع ومش قادر تقول.
قلبك بيتقطّع جواك، وصدرك ضيّق لدرجة إنك بتحس إنك مش قادر تتنفس.
بتتألم... بس ساكت.
كل كلمة عايزة تطلع بتبلعها تاني، بتخنقها جوا حلقك.

بتموت كل يوم بالبطء.
إحساس إن في حاجة جواك بتنطفي شوية شوية، وإنت قاعد تتفرج.
بس مجبر إنك تقوم تاني وتعيش.
تلبس قناع الابتسامة المزيفة، تخبّي الوجع ورا عينيك.
تتعامل كإن مفيش حاجة حصلت.
كإن جواك مش بيتحرق، كإن روحك مش تعبانة.

وتكمل... عشان الناس اللي حواليك.
عشان اللي بيحبوك.
عشان ما تبقاش عبء عليهم.
عشان ما يشوفوش الألم اللي إنت غرقان فيه.

الحكاية بدأت أول ما ظهرت عليا أعراض غريبة!
أو يمكن أنا اللي كنت فاكراها غريبة.

تعب وإرهاق... من النوع اللي مش بيروح بالنوم.
كنت بصحى الصبح حاسة إني معملتش حاجة غير إني عشت.
جسمي تقيل، وكل خطوة كإنها مجهود رهيب.

في الأول قولت: "أكيد سهر كتير" أو "مذاكرة ومجهود".
بس الإرهاق ده كان مختلف.
كان بيسكن في عضمي، مش بس في عضلاتي.

وبعدين بدأت الكدمات...
كدمات زرقا بتظهر على إيديا ورجليا من غير ما أفتكر إني اتخبطت.
كإن جسمي بقى ورق، بيتكسر بسهولة.

ماما لاحظت.
طبعاً هي أول واحدة تلاحظ.
"إنتي وشك اصفر ليه كده؟" 
"مالك يا حبيبتي... تعبانة؟"

وأنا بضحك وأقول: "لا يا ماما، عادي."
بس جوايا كنت حاسة إن في حاجة غلط.
حاجة مش طبيعية خالص.

الحمى بدأت تيجي بالليل.
رعشة وعرق، وجسمي كله بيولع.
والتهابات في زوري ما بتخلصش.
كل أسبوع مرض جديد، كإن مناعتي اختفت خالص.

لحد ما جه اليوم اللي...
اليوم اللي كل حاجة اتغيرت فيه.

قررت أروح أكشف بعد الشغل.
من غير ما أبلغ حد.

وبالفعل رحت وكشفت.
كنت شايفة علامات الحيرة على وش الدكتور.
أو يمكن قلق!

كنت متوترة جامد.
قلبي بيدق بسرعة، وإيديا باردة.

لغاية ما خلع نضارته وقال بهدوء الدكاترة المعتاد:
__مش هقدر أشخصك بأي حاجة دلوقتي.
هكتبلك شوية تحاليل الأول، تعمليهم حالاً.
وتيجيلي تاني.

هزيت راسي.
صوتي كان مختنق، مقدرتش أقول حاجة.

بدأ يكتب التحاليل اللي هعملها.
أخدت الورقة ومشيت.

مش عارفة ليه قلبي كان مقبوض.
حاسة إن في حاجة أكبر مني جاية.
بس قعدت أدعي ربنا...
إن كل حاجة تكون بخير.

نزلت على المعمل اللي في الدور التاني.
الممرضة أخدت مني الورقة وبصتلي بابتسامة طمنتني شوية.
__اقعدي يا حبيبتي، هناديكي.

قعدت على الكرسي البلاستيك البارد.
حواليا ناس كتير، كلهم مستنيين.
بس أنا كنت حاسة إني لوحدي.

لما دخلت ودقوا إبرة التحليل في إيدي...
بصيت للدم وهو بيملا الأنابيب.
أحمر قاني.
عمري ما فكرت إن الدم ده ممكن يكون فيه إجابة لكل اللي أنا حاسه.

طلعت من المعمل وأنا ماسكة الورقة اللي مكتوب عليها:
"النتيجة هتكون جاهزة بعد ساعتين."

ساعتين!
ساعتين بس وهعرف.
بس ليه حاسة إنهم أطول ساعتين في حياتي؟
 
بعد نص ساعة تقريباً، لقيت جاد بيتصل بيا.

اتنهدت.
قلبي اتقبض لما شفت اسمه على الشاشة.
دايماً بكلمه بعد ما أروح البيت.
بس مكلمتوش المرة دي!
القلق والتوتر اللي أنا فيه نساني حتى أتنفس.
ودلوقتي أكيد قلقان.

رديت عليه وأنا حاسة بذنب غريب.

جالي صوته قلقان وخايف:
__إنتي فين؟! بكلمك من الصبح، مش بتردي ليه!

صوته كان فيه خوف حقيقي، والخوف ده وجعني أكتر.
كنت عايزة أقوله الحقيقة، بس مقدرتش.

رديت بصوت منخفض، وأنا بحاول أخبي الارتعاشة فيه:
__الفون كان فاصل، معلش.

سمعت صوت تسارع أنفاسه وهو بيهدى:
__روحتي ولا لسه؟

بلعت ريقي.
الكدبة كانت تقيلة على لساني:
__آه روحت. حاسة إني عايزة أنام شوية.
هنام وأكلمك لما أصحى.

جالي صوته الدافي اللي دايماً بيطمني:
__ماشي يا سكرة.
تصبحي على خير.

ابتسمت رغم الدموع اللي كانت بتتجمع في عيني:
__وإنت من أهله.

قفلت التليفون.
والابتسامة اختفت من على وشي.
حسيت إن قلبي بيتكسر.
هو مايعرفش إني مش في البيت.
مايعرفش إني قاعدة في مستشفى مستنية نتيجة ممكن تغير حياتي كلها.
ومايعرفش إني... خايفة.
خايفة جداً.

عدت الساعتين كأنهم دهر كامل.

لغاية ما الممرضة جت وأدتني التحاليل ....
خدتها بإيدين مرتعشة.
إيدي باردة كالتلج.
وجسمي كله بيتوجع.

رجعت تاني للدكتور.

قعدت قدامه وأنا بهز في رجلي من التوتر.
قلبي بيدق بقوة لدرجة إني سمعاه في ودني.
حاسة إن الأوضة بتدور بيا.

والدكتور بيراجع التحاليل.
عيونه بتقلب في الورق.
شوية باندهاش.
شوية بخوف.
وشوية بقلق!

كل ثانية كانت بتمر كأنها سنة.
كنت بحاول أقرا ملامحه، أفهم أي حاجة من نظراته.
بس وشه كان صعب يتقرا.

وأنا... 
أنا مكنتش أقل منه.
وشي شاحب، وشفايفي ناشفة.
جسمي سايب، حاسة إني هقع من على الكرسي.
نفسي بيتقطع، ومش عارفة أتنفس كويس.

وأخيراً...
رفع نظره من الورق.
وبصلي!

لحظة السكوت دي كانت أطول لحظة في حياتي.

بص في عيني بنظرة... مقدرتش أفسرها وقال:
__في حد معاكي؟

السؤال ده خلاني أتجمد.
ليه بيسأل السؤال ده؟
ده معناه إن ...
رديت بتوتر:
__لأ... أنا لوحدي.

هز راسه ببطء، وشفت في عينيه شفقة:
__كان أحسن يكون في حد معاكي.

قلبي بدأ يدق بجنون.
إيدي اتشبكت في بعض وأنا بحاول أسيطر على نفسي.

"ليه؟ في حاجة غلط؟"

سكت شوية، كإنه بيختار كلماته بعناية:
__عايز أكون صريح معاكي.

قلبي وقف.
حرفياً حسيت إنه وقف عن الدق للحظة.
كمل وقال:
__التحاليل... مش مطمنة.

صوته كان هادي، بس الهدوء ده كان أخطر من أي صراخ

__عندك ارتفاع شديد في كريات الدم البيضاء.
ونقص حاد في الصفائح الدموية.
والأنيميا عندك في مستوى خطير.

كل كلمة كانت بتدخل دماغي بس مش عارفة أستوعبها.

سألته وصوتي مختنق:
__يعني... إيه؟

أخد نفس عميق:
__محتاجة تعملي فحوصات تانية.
فحص نخاع العظم بالتحديد.
بس... الأعراض والتحاليل دي بتشير لاحتمال...

توقف شوية.
وأنا حاسة إن الدنيا كلها توقفت معاه.
ورمى اخر كلمه:
__لوكيميا.
(سرطان الدم)

وساب الكلمه معلقه ف الهوا !

                     الفصل الثاني من هنا

تعليقات



<>