أمل
صحيت... عيوني مورمة.
جسمي مرهق ووشي شاحب.
كالعادة.
وأول ما صحيت، استرجعت كل حاجة.
الخوف... الوجع... الخبر!
عيوني بدأت تتملى بالدموع من تاني.
لكن بدأت أرفع عيوني للسقف.
مش وقت بكاء خالص.
لأني هخرج للصالة... وماما هتلاحظ!
غسلت وشي بمية باردة.
حاولت أخفي آثار العياط.
وخرجت.
ماما كانت قاعدة، شكلها بتحضر الفطار.
قولت بهدوء... حاولت أظهره:
__صباح الخير.
ابتسمت:
__صباح النور.
مروحتيش الشغل النهاردة يعني؟
رديت بتهرب:
__قولت آخد يومين إجازة كده
عشان وحشاني، وعايزة أقعد معاكي.
حدفتلي بوسة في الهوا وهي بتقول:
__حبيبة أمك!
ابتسمت وأنا بطبط على إيديها.
استأنفت كلامها:
"صحيح... جاد اتصل بيا النهاردة.
يطمن عليكي.
هو في حاجة ولا إيه؟
إنتوا متخانقين؟"
قلبي وجعني.
رديت بهدوء مصطنع:
__لأ... طلاقيني بس مخدتش بالي إنه بيتصل.
قلق مش أكتر.
هزت راسها باقتناع.
بس أنا... عارفة إن جاد مش هيسيبني في حالي كده.
عارفة إنه حاسس إن في حاجة غلط.
وده... بيخليني أخاف أكتر.
لأني مش عارفة... لحد امتى هقدر أخبي الحقيقة.
وبالفعل... في نص اليوم، جه!
كنت قاعدة في أوضتي.
ودخلت ماما عليا وهي بتقول:
__جاد بره.
قلبي وقف للحظة.
جاد... هنا!
رديت بتسرع وأنا بغطي وشي:
__قوليله نايمة!
مش قادرة أقابله بجد!
لقيتها قربت وشالت الغطا من على وشي.
وهي بتقول بغضب... مش بشوفه منها غير لما تبقى مش راضية عن اللي بعمله:
__بقولك جوزك بره!
إيه اللي مش قادرة تقابليه ده!
في إيه يا أمل؟! قومي يا حبيبتي!
الواد قاعد بره مستنيكي!
وخرجت وسابتني.
نفخت بضيق وخوف.
خايفة... خايفة كل حصوني تتهد قدامه وأحكيله!
خايفة أشوفه وأضعف.
خايفة يشوف الدموع في عيوني ويعرف الحقيقة.
بس... أخدت قرار.
قرار صعب... قرار هيكسر قلبي قبل قلبه.
هنهي كل حاجة... النهاردة.
قومت بصعوبة.
رجليا كانت بترعش.
بصيت لنفسي في المراية... وشي شاحب، عيوني حمرا.
حاولت أخفي آثار العياط.
أخدت نفس عميق... وخرجت.
لقيته قاعد، رجله بتتهز.
مبيعملش كده غير لسببين:
يا إما عامل مصيبة، يا إما قلقان.
جوزي... عارفاه أكتر من نفسي!
أول ما خرجت، حس بيا.
وقف بسرعة.
عيونه فيها ألف سؤال... وألف خوف.
قال بعتاب ممزوج بقلق:
__مالك يا سكرة؟
بقالي كتير بقولك عايز أشوفك وإنتي كارفة.
وبكلمك... مش بتردي.
أنا عملت حاجة تضايقك؟
صوته... صوته كان فيه ألم حقيقي.
وده كسرني أكتر.
قعدت وأنا بهز راسي بـ "لأ".
مش قادرة أبصله في عينيه.
قال بهدوء... بس الهدوء ده كان مليان خوف:
__امال مالك يا حبيبتي؟
بصيتله.
بصيتله في العيون اللي بحبها.
العيون اللي كانت بتشوف فيا مستقبل.
العيون اللي وعدتني بالأمان.
وقلبي اتقطع.
حسيت إن قلبي بينزف جوايا.
حسيت إني بعمل أكبر غلطة في حياتي.
بس... مش عندي اختيار.
لأني بحبه.
ولأني مش عايزاه يتعذب معايا.
مش عايزاه يشوفني وأنا بموت ببطء.
مش عايزاه يضيع حياته على واحدة... ممكن متكملش.
أخدت نفس عميق.
حاولت أمسك نفسي.
حاولت أخلي صوتي ثابت:
__جاد... إحنا... إحنا لازم نتكلم.
شاف الجدية في عيوني.
والقلق اتحول لخوف حقيقي:
__في إيه يا أمل؟
إنتي قلقتيني.
بلعت ريقي.
إيديا اتشبكت في بعض عشان يبطلوا يرعشوا.
وقلت الجملة اللي هتغير كل حاجة:
__انا شايفه إننا اتسرعنا ف تحديد معاد الفرح
انا مش جاهزه!
الصدمة في عينيه... كانت أصعب حاجة شفتها في حياتي.
وقلت الجملة اللي هتغير كل حاجة:
__أنا شايفة إننا اتسرعنا في تحديد معاد الفرح.
أنا... مش جاهزة!
سكت.
سكت وبص لي بصة... مقدرتش أفسرها.
__مش جاهزة؟
صوته كان هادي... هادي بشكل مخيف.
هزيت راسي:
__آه... أنا محتاجة وقت.
محتاجة أفكر.
قرب مني.
قرب وقعد جنبي على الكنبة:
__أمل... بصيلي.
رفضت.
خايفة لو بصيتله... هنهار.
مسك إيدي بحنية:
__بصيلي يا حبيبتي.
رفعت عيوني ليه بصعوبة.
وشاف... شاف الدموع اللي كنت بحاول أخبيها
سأل بانهداش:
__انتي بتعيطي؟
حاولت أبعد إيدي، بس مسكها أقوى:
__أمل... إيه اللي بيحصل؟
دي مش إنتي.
إنتي اللي كنتي متحمسة للفرح أكتر مني!
إنتي اللي كنتي بتخططي لكل حاجة!
وفجأة... مش جاهزة؟
بلعت ريقي:
__الناس بتتغير يا جاد.
هز راسه:
__لأ... مش كده.
في حاجة تانية.
في حاجة إنتي مش عايزة تقوليهالي.
قلبي بدأ يدق بسرعة:
__مفيش حاجة يا جاد.
بصلي في عيني:
__بكلمك من يومين... مش بتردي.
بجيلك ... تقوليلي نايمة.
وشك شاحب، عيونك تعبانة.
وبتبعديني... ليه؟
دموعي بدأت تنزل:
__جاد... please... مش دلوقتي.
مسح دموعي بإيده:
__لأ... دلوقتي.
قوليلي... إيه اللي بيحصل؟
إيه اللي خليكي كده؟
حسيت إني مش قادرة أكمل.
مش قادرة أشوف عينيه وأكمل الكلام.
قومت بسرعة:
__أنا... أنا آسفة.
ومن غير ما أدّيله فرصة يرد...
جريت.
جريت على أوضتي.
دخلت وقفلت الباب بسرعة وأنا بسمع صوته:
__أمل! أمل استني!
سمعت خبطه على الباب:
__أمل افتحي الباب!
قوليلي إيه اللي بيحصل!
انهرت على الأرض وضهري على الباب.
وبكيت.
__أمل
افتحي الباب نتكلم طيب!
صوته كان فيه رعب حقيقي.
وده كان بيقتلني.
سمعت صوت ماما:
__جاد... في إيه؟
إيه اللي حصل؟
__مش عارف يا طنط!
أمل قافلة على نفسها الأوضة ومش عايزة تكلمني!
في حاجة غلط... أنا حاسس!
ماما خبطت على الباب:
__أمل؟ يا حبيبتي افتحي الباب.
في إيه يا بنتي؟
مقدرتش أرد.
مقدرتش أعمل حاجة غير إني أبكي.
أبكي على اللي ضاع.
أبكي على المستقبل اللي كنت حالمة بيه.
أبكي على قلب جاد اللي أنا بكسره دلوقتي.
وأبكي... على نفسي.
بعد دقائق... الأصوات هدت.
عرفت إنه مشي.
اتنهدت... وحسيت بألم جامد في صدري.
قولت في سري:
"غبية!
عمري ما عرفت أخبي... بس المرة دي لازم أخبي!
عشان أحمي نفسي.
وأحميه.
وأحمي ماما!"
مسحت دموعي.
خلاص.
القرار اتاخد.
هبعد جاد... مهما كلفني ده.
هخبي المرض... لحد آخر لحظة.
مش عايزاهم يشوفوني ضعيفة.
مش عايزاهم يتعذبوا معايا.
هحارب... لوحدي.
وقومت... فتحت الباب بهدوء.
ماما كانت واقفة برا الأوضة.
عيونها قلقانة.
__أمل؟
قولت بزهق:
__ماما... أنا بجد مش قادرة أتكلم.
ردت ماما بعصبية طفيفة:
__في إيه يا أمل؟
وإيه الكلام اللي إنتي قولتيه لجاد ده؟
رديت وأنا ببلع ريقي:
__أنا مش مستريحة.
بقول نفضّ...
وقبل ما أكمل، قاطعتني بصدمة:
__تفضّي إيه؟! وخرا إيه؟!
إنتي عايزة تسيبي جاد؟
حبيبك؟
اللي بقالكوا سنين مع بعض وبتتمنوا اليوم اللي يجمعكوا فيه في بيت واحد؟
ده إنتي أكتر واحدة كنتي بتحاربي عشان تتجوزوا!
دلوقتي... خلاص؟ جاد بقى كِخّة؟!
صوتها كان فيه غضب وصدمة حقيقية.
رديت بتنهيدة، وأنا بحاول أكتم دموعي:
__ده قراري... لو سمحتي.
ردت وهي بتحرك إيديها في وشي بعصبية:
__ده قرار مهبب على دماغك!
إنتي هتضيعي أكتر واحد بيحبك... عشان إيه؟
عرفتي إنه بيخونك مثلاً؟
ولا بيعاملك وحش؟ ولا إيه؟
بالظبط! الواد بيتمنى الرضا ترضى!
فوقي يا أمل، فوقي!
بدل ما تلاقي كل حاجة ضاعت!
فوقي قبل فوات الأوان!
وقامت... وسابتني.
قعدت لوحدي.
ودموعي نزلت من غير ما أحس.
لو بس تعرفي يا ماما...
لو بس تعرفي إني **فعلاً** بحاول أفوق قبل فوات الأوان.
بس... الأوان فات.
الأوان فات من ساعة ما الدكتور قالي:
"عندك لوكيميا."
وأنا دلوقتي بحاول أنقذ اللي أقدر أنقذه.
حتى لو ده معناه... إني أخسر جاد.
حتى لو ده معناه... إن ماما تزعل مني
حتى لو ده معناه... إني أتحمل كل ده لوحدي.
مسحت دموعي.
بكرة الأربعاء.
بكرة... أدخل المستشفى.
بكرة... تبدأ المعركة الحقيقية.
ولازم أكون مستعدة.
_____________
جاد
كنت واقف في البلكونة.
ماسك سيجارة... بحاول بيها أزيح همي.
كنت واعد أمل إني هبطل.
وفعلاً بطلت!
لكن كل ده بيتهد أول ما بلاقي نفسي متضغط.
بحس إني محاصر في دايرة... ومش فاهم فيها أي حاجة!
دخلت أختي تقى، شايلة صنية عليها شاي وبسكويت.
وقفت جنبي وسألتني:
__إيه اللي حصل؟
من ساعة ما جيت وإنت ساكت.
مالك يا جاد؟
بصيتلها.
وبعدين بصيت للسما.
أخدت نفس من السيجارة وقولت:
__أمل... عايزة تسيبني.
ردت بشهقة:
__أمل؟!
رديت بسخرية مرة:
__تخيلي.
أخدت نفس تاني، وأنا بقول بوجع:
__متعرفش إن روحي فيها بنت أيوب.
صدري كان بيوجعني.
كل نفس كان تقيل.
كل كلمة كانت بتكسرني أكتر.
ابتسمت تقى ابتسامة حزينة وسألتني:
__طب... محاولتش تعرف إيه السبب؟
رديت بتنهيدة:
__سألتها أكيد... بس مردتش.
كل اللي عملته إنها عيطت ودخلت جري على الأوضة.
حسيت بعجز رهيب.
أنا... اللي دايماً بحلّ مشاكلها.
اللي دايماً بحميها.
دلوقتي... مش عارف أعمل حاجة.
ردت تقى بتفكير:
__ممكن تكون هرمونات ولا حاجة؟
رديت بحزن:
__مش عارف.
حاسس إن في حاجة أكبر من كده.
حاسس إنها... بتخبي حاجة.
ردت تقى وهي بتحاول تخفف عني:
__إن شاء الله خير.
سيبها بس يومين كده.
الهرمونات تهدى... وابقى اطمن كل شوية من مامتها.
وبإذن الله كله هيبقى كويس.
هزيت راسي.
بس... جوايا مش مصدق.
جوايا حاسس إن أمل... بتبعد عني لسبب أكبر.
وده... بيخوفني.
بيخوفني جداً.
بس انا مش مستعد اخسرها!
_______________
أمل
النهاردة... هروح آخد أول جرعة كيماوي.
هروح لوحدي... بطولي.
هحس بالألم والوجع... لوحدي.
كان نفسي ماما وجاد يكونوا معايا!
كان نفسي إيد ماما تمسك إيدي وهي بتقولي: "هنعدّيها يا حبيبتي."
كان نفسي جاد يبصلي ويطمّني: "أنا معاكي... مش هسيبك."
بس أنا... اللي اخترت.
اخترت آخد الطريق ده لوحدي.
اخترت إني أحميهم من الوجع ده.
اخترت إني أشيلهم من المسؤولية.
وهكمله... لوحدي.
مهما كلفني ده.
مهما كان صعب.
مهما كان مؤلم.
هكمله.
لأني... مش عايزاهم يشوفوني ضعيفة.
مش عايزاهم يتحطموا معايا.
وقفت قدام المراية.
بصيت لنفسي آخر مرة... وأنا لسه بشعري.
لسه بصحتي... ولو نسبياً.
غداً... كل حاجة هتتغير.
أخدت نفس عميق.
ولبست هدومي.
خلاص.
الوقت جه.
وصلت المستشفى الساعة 8 الصبح بالظبط.
المبنى الأبيض الكبير... اللي بقى كابوسي.
دخلت من الباب الرئيسي.
ريحة المطهرات ملت المكان.
أصوات الأجهزة... خطوات الممرضات... همسات المرضى.
كل حاجة كانت بتقولي: حياتك اتغيرت.
وصلت لقسم الأورام.
الممرضة استقبلتني بابتسامة:
"صباح الخير يا أمل.
اتفضلي معايا."
مشيت وراها في ممر طويل.
كل خطوة كانت أتقل من اللي قبلها.
دخلنا أوضة... أوضة صغيرة فيها سرير وكرسي وأجهزة.
"دي هتبقى أوضتك للشهر الجاي.
اتفضلي اقعدي، الدكتور جاي حالاً."
قعدت على السرير.
وبصيت حواليا.
أوضة بيضا... باردة... فاضية.
زي قلبي دلوقتي.
الدكتور دخل وهو ماسك الملف:
"صباح الخير يا أمل.
جاهزة؟"
ابتسمت ابتسامة مهزوزة:
"جاهزة."
كدبة... أنا مش جاهزة خالص.
"تمام. هنبدأ بتركيب القسطرة الوريدية.
وبعدين نبدأ الجرعة الأولى.
الجرعة هتاخد حوالي 4 ساعات.
ممكن تحسي بغثيان، دوخة، إرهاق.
بس إحنا موجودين... ولو حسيتي بأي حاجة غريبة، قوليلنا فوراً."
هزيت راسي.
الممرضة جت وبدأت تركب القسطرة في إيدي.
حسيت بالإبرة بتدخل في الوريد.
وجع خفيف... بس مش مهم.
الوجع الحقيقي... كان جوايا.
بعد شوية، جابوا كيس الكيماوي.
سائل أحمر... في كيس شفاف.
ده... ده اللي هيحاول ينقذني.
أو... يقتلني ببطء.
ركبوه في القسطرة.
وبدأ ينزل... ببطء... في جسمي.
بصيت للسقف.
ودموعي نزلت من غير صوت.
"يا رب... قويني.
يا رب... خليني أعدّيها.
يا رب... متسيبنيش."
والسائل الأحمر... فضل ينزل.
ينزل في جسمي... بيحاول يحارب الموت اللي جوايا.
وأنا... قاعدة لوحدي.
في أوضة بيضا باردة.
من غير ماما.
من غير جاد.
من غير... حد.
ودي كانت... أصعب لحظة في حياتي.
أول ساعة... كانت هادية.
كنت قاعدة... بتفرج على السائل الأحمر وهو بينزل.
ببطء... ببطء.
بعد ساعة ونص تقريباً...
بدأت أحس بحاجة غريبة.
معدتي بدأت تتقلب.
حسيت بغثيان... غثيان خفيف في الأول.
حاولت أتجاهله.
بس... بدأ يزيد.
الدوخة جت بعدها.
الأوضة بدأت تدور.
حسيت إن راسي تقيلة... تقيلة جداً.
ناديت على الممرضة بصوت ضعيف:
__لوسمحتي...
دخلت بسرعة:
__نعم يا حبيبتي؟
__أنا... حاسة بغثيان.
ابتسمت بحنية:
__ده طبيعي
هجيبلك مضاد للغثيان دلوقتي.
جابت حقنة وحقنتني بيها.
بس... الغثيان مخفش.
بالعكس... زاد.
وفجأة... حسيت إني مش قادرة أستحمل.
قومت بسرعة ورحت للحمام.
وبدأت أرجع.
رجعت كل حاجة جوايا.
مرة... مرتين... تلاتة.
جسمي كله كان بيرتعش.
عرق بارد نزل على جبيني.
الممرضة دخلت ورايا:
__خلاص يا حبيبتي... خلاص.
طلعي كل حاجة.
ده طبيعي.
رجعت للسرير... منهكة.
مش قادرة حتى أفتح عيوني.
جسمي كله كان بيوجعني.
كل عضلة... كل عظمة... كل خلية.
حسيت إن جسمي بيحارب نفسه.
ونمت... نوم متقطع.
كوابيس ووجع.
لما صحيت... لقيت الجرعة خلصت.
الممرضة كانت واقفة جنبي:
__خلاص يا قمر... الجرعة الأولى خلصت.
إنتي بطلة.
بطلة؟
أنا مش حاسة إني بطلة.
أنا حاسة إني... محطمة.
بصيت لإيدي... كانت مرتعشة.
بصيت للمراية اللي قدامي... وشي كان شاحب زي الموت.
وده... ده بس أول يوم.
أول جرعة.
ولسه قدامي... شهور.
"يا رب... يا رب استرها."
رجعت البيت.
تحت عيني أسود من الإرهاق.
جسمي متكسر.
كل خطوة كانت بتوجعني.
لقيت ماما قاعدة... بتصلي ابتسمت ابتسامة باهتة ..ودخلت أوضتي بهدوء.
غيرت هدومي بالعافية.
كل حركة كانت مجهود رهيب.
ولقيت الفون بيرن... باسم جاد.
جاد... اللي بقاله أيام مرنش.
قلبي وقف.
قولت لنفسي: "أكيد قلبها في دماغه... وهيسيبني."
رديت عليه بإيد مرتعشة.
ولقيت صوته جاي... جاد زي اسمه.
بارد... حازم... مجروح:
__انزلي... أنا في العربية تحت البيت.
مش إنتي عايزة نفرِّكش كل حاجة؟
انزلي ليا... ننهي كل اللي بينا.
كل كلمة قالها... نزلت على قلبي زي النار!
وكأنها سكاكين بتطعن فيا!
"ننهي كل اللي بينا"...
هيسيبني؟
أنا اللي طلبت... بس بالسهولة دي؟
حسيت إن قلبي اتقطع.
حسيت إن الدنيا وقفت.
بلعت ريقي... وقولت بصوت مختنق:
__تمام.
وقفلت!
ودموعي نزلت... من غير إذن.
نزلت بغزارة... وأنا مش قادرة أوقفها.
لكن حاولت أمسحها على طول.
اتنهدت بوجع.
"يا رب... يا رب أنا مش قادرة."
بس... لازم أنزل.
لازم أواجهه.
لازم... أخلّص الموضوع ده
حتى لو ده معناه... إني أفقده للأبد.
قومت بصعوبة.
لبست جاكيت عشان أخبي الهزال اللي في جسمي.
حطيت شوية مكياج... عشان أخبي الشحوب.
بصيت لنفسي في المراية.
أخدت نفس عميق.
"يلا يا أمل... خلصي الموضوع ده."
ونزلت... بقلب مكسور.
ونفس متقطع.
وجسم بيتوجع.
نزلت... عشان أودّع حبيبي للأبد ..
نزلت.
كان قاعد في العربية.
فتحت بابها... ودخلت.
قعدت على الكرسي اللي جنبه وأنا بتفادى إني أبص في عينيه.
مش قادرة... مش قادرة أشوف الوجع فيهم.
لكن لقيته بيدوّر العربية... وهيمشي!
بصيتله بتردد:
__إنت... مش قولت هنخلص كل حاجة؟
رايحين على فين؟
رد من غير ما يبصلي.
صوته كان بارد:
__إنتي ناسية إننا كاتبين الكتاب؟
هنروح عند المأذون... عشان نتطلق.
نتطلق!
الكلمة دي... دخلت قلبي زي رصاصة.
قلبي اتقبض.
حطيت إيدي على صدري... بعد ما حسيت إن قلبي هيتحرك من مكانه.
نفسي اتقطع.
الدنيا دارت قدامي.
طلاق؟
ده... ده جاد.
ده حبيبي.
ده اللي وعدته اني اعيش معاه عمري الجاي.
ده اللي كنت بحلم إني أعيش معاه تحت سقف واحد.
كنت عايزة أصرخ... وأقوله إني بحبه!
إني مش قادرة أبعد عنه!
إني بعمل كده... عشانه!
عشان أحميه!
عشان ميشوفنيش وأنا بموت بالبطئ!
بس... لساني اتشنج.
مقدرتش أنطق حرف!
الدموع بس... هي اللي نزلت.
نزلت من غير صوت.
نزلت وأنا بحاول أخبيها.
وجاد... ساق.
ساق وهو مبيبصش عليا.
فكه مشدود.
عينيه على الطريق.
وأنا... قاعدة جنبه.
بموت من جوا.
قلبي بيتكسر.
وروحي بتتمزق.
بس... ساكتة.
لأني اخترت الطريق ده.
اخترت إني أحميه.
حتى لو ده معناه... إني أخسره واخسر نفسي معاه.
وقف قدام كافيه.
وقالي بجفاف:
__انزلي.
مكنتش فاهمة حاجة.
نزلت... وقلبي بيدق بجنون.
لغاية ما دخلت... ولقيت المكان فاضي.
وفي تورتة في النص... وعليها صورتي!
وقفت في مكاني... مصدومة.
بصيتله وعيني بتلمع:
__إيه ده؟
مد إيده... وهو بيبتسم.
لأول مرة من ساعة ما نزلت معاه... بيبتسم!
__تعالي بس.
خدني من إيدي... وسحبني لجوا.
وفجأة...
لقيت كل أصحابي وأصحابه موجودين!
عمالين يغنوا... ويصفقوا!
الأنوار اتولعت.
والبالونات كانت في كل مكان.
مسك إيدي... وباسها.
وقال بحنية:
__كل سنة وإنتي طيبة يا سكرة.
عيد ميلادي!
نسيته... نسيته خالص!
وسط المرض... والخوف... والوجع.
نسيت إن النهاردة... عيد ميلادي.
بس جاد... ما نسيش.
دموعي نزلت.
نزلت من غير ما أقدر أوقفها.
كل أصحابي جم يحضنوني:
"Happy birthddyيا أمووله!"
"كل سنة وإنتي طيبة يا روحي!"
وأنا... واقفة وسطهم.
بعيط.
بعيط من الفرحة... والحزن... والذنب.
لأني... كنت على وشك أسيب كل ده.
كنت على وشك أبعد عن جاد.
وهو... عامللي المفاجأة دي.
جاد قرب مني تاني:
__إنتي فاكرة إني هنسى؟
ده أهم يوم في السنة.
بصيتله... وقلبي اتقطع.
عايزة أقوله الحقيقة.
عايزة أحكيله كل حاجة.
بس... مقدرتش.
مسحت دموعي وابتسمت:
__شكراً يا جاد... شكراً.
حضنني... حضني بقوة:
__أنا مش هسيبك يا أمل.
مهما حصل... مش هسيبك.
فاهمة؟
ودموعي... زادت.
لأني عارفة... إن لما يعرف الحقيقة.
كل ده... هيتغير.
جابوا التورتة قدامي.
الشموع مولعة... وكلهم بيغنوا.
"Happy birthday to you..."
بصيت للتورتة.
صورتي عليها... وأنا مبتسمة.
صورة من زمان... لما كنت بخير.
جاد كان واقف جنبي، إيده على كتفي:
__يلا يا سكرة... اطفي الشموع واتمني أمنية.
قفلت عيوني.
وتمنيت... تمنيت إني أشفى.
تمنيت إني أفضل مع جاد.
تمنيت إني أعيش.
ونفخت الشموع.
الكل صفق وهلل
جاد قطع التورتة... وأداني أول قطعة:
__اتفضلي يا عروسة.
خدت القطعة بإيد مرتعشة.
أكلت... قطعة صغيرة.
الطعم كان حلو.
بس... معدتي بدأت تتقلب.
حاولت أبتسم وأكمل.
بس الغثيان... بدأ يزيد.
جاد لاحظ:
__مالك ؟ مش عاجباكي التورتة؟
ابتسمت بصعوبة:
__لأ... حلوة
بس... مش جعانة قوي.
حطيت الطبق على الترابيزة.
وحسيت إن معدتي بتلف.
الدنيا بدأت تدور قدامي.
العرق البارد نزل على جبيني.
__أمل؟
صوت جاد جالي بعيد.
__أنا... أنا كويسة.
حاولت أقف... بس رجليا مرفعتنيش.
جاد مسكني بسرعة:
__أمل! إنتي وشك مسفر قوي!
في إيه؟!
كل أصحابي لفوا حوالينا:
__أمل مالها؟
تعبانة؟
حاولت أطمنهم:
__أنا كويسة... بس حاسة بدوخة خفيفة.
يمكن من الزحمة.
جاد شالني من الكرسي:
__يلا... هطلعك تاخدي هوا.
طلعني برا الكافيه.
الهوا البارد ضرب وشي.
قعدني على كرسي في الشارع:
__خدي نفسك .
شهيق... زفير.
عملت زي ما قال.
بس الغثيان... كان لسه موجود.
بصلي في عيني... وأنا شفت الخوف الحقيقي فيهم:
__أمل... في حاجة غلط.
إنتي مش كويسة خالص.
رديت بتعب وأنا بقول:
__أنا كويسة يا جا...
وقبل ما أكمل...
حسيت خلاص... مش قادرة أمسك نفسي.
جريت بسرعة في زاوية على الرصيف.
ورجعت... رجعت كل التورتة اللي أكلتها.
جسمي كله كان بيرتعش.
مش قادرة أتنفس كويس.
قرب مني جاد بسرعة.
سندني بإيد... وحاطط إيده التانية على بطني.
وهو بيقول بقلق حقيقي:
__سلامتك... سلامتك.
هتبقي كويسة دلوقتي.
خلاص... طلعي كل حاجة.
صوته... كان فيه حنية ورعب في نفس الوقت.
خلصت.
واقفة وأنا متكية عليه... مش قادرة حتى أقف لوحدي.
لقيته بيطلع منديل... وبيمسحلي بقي.
بحنية... بكل حنية.
بصيتله.
بصيتله وأنا حاسة إن قلبي هيتقطع.
قد إيه جاد حنين عليا.
قد إيه عيونه حلوة... ومليانة خوف عليّا.
قد إيه أنا... بحبه!
دموعي نزلت.
وهو مسحها بإيده:
__مالك يا حبيبي؟
ليه بتعيطي؟
هزيت راسي:
__ولا حاجة... بس تعبانة.
شالني... شالني في حضنه:
__يلا... هودّيكي البيت.
إنتي محتاجة راحة.
حاولت أعترض:
__بس... الحفلة... أصحابنا...
قاطعني بحزم:
__ملهمش لازمة دلوقتي.
اللي يلزمني... إنك تبقي كويسة.
رجعنا للكافيه.
اعتذر لأصحابنا... وقالهم إني تعبانة.
كلهم كانوا قلقانين.
بس جاد طمّنهم وقال هيوديني البيت.
طلعنا.
وركبنا العربية.
وأنا... قاعدة جنبه.
حاسة بذنب رهيب.
ذنب إني بكدب عليه.
ذنب إني بخبي عنه حاجة بالحجم ده.
جاد مسك إيدي وهو بيسوق:
__أمل... أنا مش هسألك دلوقتي.
عشان إنتي تعبانة.
بس... بكرة.
بكرة لازم تقوليلي الحقيقة.
لأني... مش قادر أشوفك كده.
صوته كان مكسور.
هزيت راسي بصمت.
وبصيت من الشباك.
"بكرة"...
بكرة هقوله إيه؟
بكرة... لازم أواجه الحقيقة.
