رواية هوس من اول نظرة الجزء الثاني2 الفصل الواحد والعشرون21بقلم ياسمين عزيز
فيي منزل سارة عبدالهادي.....
كانت الساعة تشير إلى الواحدة زوالا عندما
دلفت سارة لشقتها بعد أن إستأذنت صاحب النادي في الخروج باكرا...وجدت والدتها تجلس
في الصالون و عينيها مثبتتان على باب غرفة إبنتها الكبرى...إبتسمت سارة و هي تتذكر كيف روت ماحدث معها البارحة لوالدتها مع بعض التغييرات
فقد إكتفت بإخبارها أنها عادت على الساعة العاشرة مساء ووجدت فتاة مسكينة ضائعة في الطريق
و هذا ما جعل أم إبراهيم تأخذ إجازة من دكانها
هي الأخرى و تبقى في المنزل تراقب الضيفة
بعد ذهاب بناتها إلى المدرسة...
وضعت المفاتيح و حقيبتها على الطاولة ثم قبلت والدتها قائلة :
- لسه مصحيتش؟
حركت ام إبراهيم رأسها بنفي ثم أجابت :
- تؤ... لسه ؟ متدخلي تشوفيها يابت مش يمكن حصلها حاجة؟
بادلت سارة نظراتها بين باب غرفتها و بين والدتها
مجيبة بقلق : بعد الشر ياماما..أنا هدخل أشوفها
بس ممكن تحضريلها لقمة تأكلها دي أكيد جعانة
و خصوصا إنها....
زمت شفتيها متوقفة عن إكمال جملتها خاصة بعد أن حدقت فيها ام إبراهيم بشك :
- إنها إيه ؟ إنطقي يابت إنت مخبية إيه عليا
ماأنا عارفاكي بير مصايب ".
جاهدت سارة حتى تبدو طبيعية ثم أردفت
ببراءة : مفيش حاجة ياماما... أنا هدخل اصحيها".
هرعت سارة نحو غرفتها تاركة ام إبراهيم
تحدث نفسها وتتساءل عن هذه الفتاة الغريبة
التي لم يشأ القدر أن يضعها سوى في طريق إبنتها المتهورة...
تمتمت و هي تتجه نحو المطبخ لتحضير
بعض الطعام : داه إيه المصايب اللي عمالنا ترف فوق دماغنا يمين و شمال ربنا يهديكي ياسارة...إمتى هتعقلي بس المرة اللي فاتت عملالي فيها فتوة
و نازلة ضرب في خلق الله و النهاردة جايبالي
مصيبة مش عارفين أصلها و لافصلها جيب العواقب سليمه يارب....
دلفت سارة حجرتها لتجد يارا تجلس على الفراش و تحدق أمامها منتظرة عودتها...إبتسمت لها برقة
حالما رأيتها ثم وقفت في مكانها لتشكرها قائلة :
- أنا كنت مستناكي عشان تيبجي مقدرتش أخرج برا الأوضة عشان خفت يكون في حد برا...
سارة بابتسامة مماثلة :
- اه فعلا ماما برا....
ضحكت بصوت عال عندما رأت القلق يكسو ملامح يارا لكنها سرعان ماهدأتها :
- قلتلك متخافيش..تعالي إغسلي إيديكي ووشك عشان نتغدا إنت من إمبارح مكلتيش حاجة ".
أسبلت يارا أهدابها بحزن و هي تقول : مليش نفس".
سارة بضيق : غلط على فكرة متنسيش إنك حامل
يلا أحسن ماناديلك ماما و هي هتعرف إزاي تقنعك ".
يارا برفض : لاخلاص مفيش داعي انا هاجي بس...
سارة : مبسش...نتغدا الأول و نشرب كبايتين شاي
و بعدين تقعدي تحكيلنا حكايتك من طقطق للسلام عليكوا بس لو مش عايزة بلاش...بس إوعي تقولي لماما على اللي حصل إمبارح أنا قلتلها إني رجعت الساعة عشرة و بالليل و لقيتك ضايعة فدوري كده على أي سيناريو حلو عشان تقدري تعدي من اللجنة...
تطلعت يارا بغرابة لأنها لم تفهم ما ترمي إليه هذه الفتاة لتنفخ سارة بحنق و هي تزيح جاكيت بدلتها الرياضية قائلة :
- لالا البصة دي انا عارفاها شبه البت رباب بتاعة الرقص...شكلك بنت زوات (ذوات) زيها...
يارا ببلاهة : طب هقول لمامتك إيه أنا خايفة؟
سارة بمزاح : متخافيش خالتك سلوى دي عسل
يتأكل بالمعلقة... حنية إيه و دلع إيه عليها حتة
شبشب طائر في الغول على طول ...
وقفت يارا و قد تجهمت ملامحها متمتمة : شبشب....
أخذت سارة بعض الملابس من خزاتها و أعطتها
ليارا و هي تطمئنها :
- بهزر معاكي ماما دي أطيب ست في الدنيا كلها..
خذي غيري هدومك و متفكريش في حاجة
كفاية الضغط اللي مريت بيه إمبارح داه غلط علي صحة البيبي...غيري و حصليني اوام...
شكرتها يارا و قامت بتغيير ملابسها ثم خرجت لتناول طعام الغداء و حكت لسارة والدتها
كل ماحدث معها بإستثناء حادثة البارحة و هذا ما جعل سارة تغضب كثيرا و تعدها أنها لن تتركها مهما حصل....
في مستشفى هشام....
و تحديدا في مكتبه كانت وفاء تجلس بجانب هشام على الاريكة و على وجهها أمارات الحزن المزيفة
تتظاهر بمواساته و تقديم الدعم له :
- إهدى ياحبيبي و متضايقش نفسك بكرة إن شاء الله كل حاجة هتتصلح و ترجع زي الاول و احسن كمان..
أومأ لها هشام بينما ظلت ملامحه ذابلة لا تظهر اي شيئ من مشاعره و قد لاحظت وفاء ذلك بل علمت أيضا بمشاعره تجاه إنجي إبنة عمه لكنها تظاهرت
بالجهل حتى تكمل مخططها و بعدها سوف تتركه لها
فهدفها الرئيسي ليس قلب هشام بل نقوده...
تمتمت بداخلها بضيق و هي تضغط على
أسنانها بغضب : ماتهرب و إلا تغور في ستين داهيه ماتموت حتى إحنا مالنا بيها أوووف كل حاجة بازت بسببها أنا ا لازم أتصرف لا و كمان البنت اللي إسمها إنجي لازم ألاقيلها حل و أبعدها عن طريقي بأي شكل ".
وضعت أفكارها جانبا و هي تلتفت نحو
هشام الذي كان في عالم آخر.. وضعت يدها
أعلى كتفه و إستندت عليه لتقف من مكانها
و تقبل خده قائلة :
- هروح أجيبلك حاجة تشربها...و ارجع على طول".
هشام : ميرسي ياحبيبتي...".
غادرت وفاء غرفة المكتب ثم أغلقت الباب وراءها
نازعة عن وجهها قناع اللطف و البراءة و هي
تفكر سريعا في طريقة جهنمية لتحقيق ما رغبت فيه منذ البداية...اخذت هاتفها من جيب معطفها الطبي
الأبيض الذي يناقض لون قلبها الأسود ثم
ضغطت على عدة أرقام تحفظها عن ظهر قلب
و ما إن اجابها الطرف المقابل حتى أسرعت
تسأله :
- إنت فين؟...تمام إستناني هناك و متتحركش
عاوزاك ظروري ".
أغلقت الخط دون إهتمام بإجابته فهي تعلم
جيدا أنه لايمتلك حلا آخر سوى الرضوخ
لأوامرها و إلا فسوف يعلم مصيره جيدا...
و من غيره ذلك المبنج الفاسد صابر عزمي
الذي تم طرده من قبل أكثر من مستشفى
خاص بسبب سرقاته المتكررة للأدوية و
بيعها في السوق السوداء باضعاف ثمنها
و كذلك تحرشه بالممرضات و الطبيبات
أثناء مناوباتهم الليلية و تم حبسه لمدة عامين
ثم خرج ليلتقي بوفاء عن طريق زميل
سابق له و هي التي توسطت له حتى يتم
تعيينه في المستشفى....
دلفت وفاء الكافتيريا ثم بحثت
عنه لتجده يجلس في ركن منزو بعيد عن الانظار
يدخن سيجارة و عيناه تلتهمان أجساد النساء
بشراهة....
لوت ثغرها بسخرية على مظهره المثير للاشمئزاز ثم أخذت طريقها نحوه... إنتبه لها ليعتدل في جلسته
و أطفأ سيجارته ممثلا الاحترام.
وفاء : إنت مش هتبطل حركاتك الزبالة اللي
بتعملها دي...عاوز ترجع للسجن ثاني...
إبتلع صابر ريقه و تلون وجهه بألوان الطيف
متذكرا أيامه الصعبة التي قضاها داخل السجن
ليحاول التحدث معتذرا :
- أنا...ممم
قاطعته وفاء بنبرة حازمة : مش عايزة مشاكل
بسببك ياصابر متنساش إننا اللي دخلتك المستشفى و بإشارة صغيرة مني هتلاقي نفسك برا.. و دلوقتي
ركز معايا عشان عاوزاك في مصلحة مهمة و مفيش
غيرك اللي هيخلصهالي ".
رمقها صابر باستغراب متسائلا : مصلحة إيه؟
إنحنت وفاء نحوه إلى الأمام قليلا لتهمس له
بصوت يكاد لايسمع : عاوزاك تجيبلي أنواع
الأدوية دي من غير ماحد يشوفك".
حركت يدها بخفة ثم وضعت في كفه ورقة صغيرة
ثم قلبتها ليغلق صابر يده بسرعة و هو يومئ لها
بالموافقة بينما كان عيناه تنطقان بفضوله لمعرفة
ماتخفيه هذه الافعى التي تجلس أمامه و التي سرعان ما قطعت أمامه الطريق معلنة :
- ملكش دعوة بأي حاجة...إنت تجيب الأدوية
و بس... ممم و متقلقش عمولتك محفوظة
ساعتين كده و هكلمك ثاني تكون عملت اللي
قلتلك عليه...
نظر صابر حوله مليا قبل أن يفتح قصاصة
الورق التي أخذها منها و يحرك شفتيه دون
صوت و هو يقرأ أسماء الأدوية المدونة عليها ...و ما أن إنتهى حتى ضم الورقة داخل كفه الذي كان يرتعش دون إرادة منه...
تمتم بداخله و هو ينظر في أثرها بشرود :
- ياترى ناوية على إيه الحية دي..و هتعمل إيه
بالأدوية دي هي ناوية تخدر حد و....
غادرت وفاء الكافتيريا بعد أن أخذت كوبا
كبيرا من القهوة الساخنة و عادت للمكتب...
تفاجأت عندما وجدت أمامها إنجي التي كانت
خارجة للتو من عند هشام لكنها سرعان ماتمالكت
نفسها مرتدية قناع الطيبة...
وفاء بزيف : إنجي إنت هنا؟ و أنا بقول المستشفى
منورة ليه يا أهلا وسهلا ".
ضحكت إنجي باستهزاء ثم كشرت في وجهها
قائلة :
- لا بجد برافو...بصراحة أنا كمان لو مكنتش عارفاكي
على حقيقتك كنت إنخدعت فيكي زي هشام".
تظاهرت وفاء أنها مصدومة من كلامها هاتفة
باستغراب : أنا مش فاهمة إنت بتتكلمي عن إيه؟
إنجي بتوضيح : ياحرام و عاملة نفسك بريئة
أوي.. إنت عارفة كويس انا اقصد إيه؟ بس مفيش
مشكلة انا فاضية و موارييش حاجة أعملها
عشان كده هوضحلك....
وضعت إنجي سبابتها أعلى صدر وفاء ثم دفعتها
بقوة لتتراجع الأخيرة للخلف بعد أن فشلت في
تفادي هجوم إنجي التي أضافت مهددة :
- هشام بتاعي أنا.. تقدري تقولي إنه ملكية خاصة
و أنا مش متعودة أسيب حاجتي لأي حد فأحسنلك
تنسحبي بهدوء و مين غير شوشرة....تسافري أمريكا
هولندا.. السودان.. مش مشكلتي المهم إنك تطلعي برا حياتنا خالص و إلا....
لم تكن وفاء بغبية أبدا بل فهمت بسرعة تلميحات
إنجي خاصة عندما ذكرت سفرها نحو الولايات المتحدة الأمريكية الأمر الذي لايعلمه سوى شريكها
الغامض (الذي تحدثت معه في مكتب هشام في تلك المرة)...لمعت عيناها بتحدي مماثل بعد أن أصبح
كل شيئ واضحا إذن لاداعي التمثيل بعد الآن..
هتفت بنبرة مستهزءة و هي تراقب باب المكتب مخافة أن يفتح و يكتشف هشام حقيقتها :
- و إلا إيه يا صغنن...
إنجي بشراسة : تؤ...مقدرش أقلك هخليهالك
مفاجأة أصل انا مش بحب الكلام الكثير و على
طول بنفذ...
وفاء و هي تشهق بادعاء : مش معقول...يعني
إنت كمان زيي بتنفذي على طول، بس بليز متتأخريش عليا أصلي بموت في المفاجأت
عن إذنك يابيبي ".
دفعتها جانبا حتى تمر ثم فتحت باب المكتب و دخلت، غمزت إنجي قبل أن تغلق الباب تاركة
إنجي تنظر في أثرها بغضب بسبب برودة أعصابها
و حديثها المستفز.
في القصر و بعد مرور أسبوع على إختفاء يارا...
تحولت نظرات الجميع نحو صالح من لائمة و محتقرة إلى أخرى تملأها الشفقة على حاله الذي
إنقلب مائة و ثمانون درجة منذ غيابها...
طوال الليل و النهار يظل هائما يجوب الطرقات
بحثا عنها و لايعود سوى فجرا لينام بضع سويعات
في سيارته ثم يعود من جديد للبحث عنها.. كلف مئات المخبرين السريين لكنهم لم يجدوا شيئا حتى الآن... كاميرات المراقبة لم تكن الأخرى مفيدة و خاصة أغلب الجيران لم ترصد شيئا...كان هادئا بشكل
غريب حتى أروى التي كانت لاتنفك تسمعه كلاما
مسموما كلما رأته... أشفقت عليه و لم تعد تحدثه...
لم يره احد يأكل او يشرب...حتى قاعة الرياضة التي كان يسكنها لساعات لم تطأها قدماه منذ أسبوع.
سيف ،فريد ،هشام...الجميع كانوا يبذلون قصارى
جهدهم لمساعدته...ريان شقيقها.. والدها حتى ميرفت التي نسيت مكانتها و صورتها أمام مجتمعها الراقي و أهملت نفسها كليا نسيت و لأول مرة في حياتها حتى بانت عليها علامات التقدم في العمر...
سناء التي لا تتوقف عن البكاء...القصر تحول لصحراء
قاحلة لا يسمع فيه أي صوت...
الثالثة فجرا أطل سيف من شرفة جناحه
عندما سمع صوت سيارة صالح تعبر بوابة القصر...
عاد للداخل ثم ألقى نظرة على سيلين النائمة
و توجه نحو مطبخ الجناح ليأخذ حافظة الطعام
التي طلب من فاطمة تحضيرها قبل سويعات.
نزل الدرج و منه إلى حديقة القصر حيث ركن
صالح سيارته...
توجه نحو باب السيارة الاخر و ركب إلى جانبه
فتح إحدى العلب و وضع فيها الملعقة و ناولها
لصالح و هو يقول له :
- لازم تاكل عشان تقدر تقاوم...
أبعد صالح الطبق من أمامه ثم أراح جسده على متكئ الكرسي و يغمض عينيه طلبا للراحة التي لم تزره منذ أن غابت روحه عن ناظريه...دموعه إنسابت
على وجنتيه لتشق طريقها و تختفي هي الأخرى
بين شعيرات ذقنه التي طالت...مما جعل سيف
يغمض عينيه بأسف فإبن عمه لم يكن من الأشخاص
الذين يظهرون ضعفهم أمام أي أحد ...يبدو أن
طاقته بدأت تنفذ و حاجز القوة الذي كان يتوارى
خلفه إنهار...
رآه يحرك شفتيه الجافتين عدة مرات قبل أن
ينجح بصعوبة في تشكيل بضع كلمات نطقها
بصوت مهزوز :
-أنا حاسس... إني.. ه.. هموت...
أصدر سيف شهقة تدل على إسنكاره مما سمعه
منه قبل أن يجيبه على الفور :
- كفاية هبل و إجمد...إن شاء الله هتلاقيها
و قريب اوي كمان ".
ضرب صالح رأسه على متكئ الكرسي
عدة مرات متمتما بهذيان :
- ضاعت خلاص...يارا راحت مني و مش هترجعلي
ثاني...
إختنق بدموعه ليسعل عدة مرات قبل أن يفتح
باب السيارة و يرتمي على الأرض و يبدأ في
التقيأ....
أغلق سيف حافظة الطعام بيأس ثم إنتظره حتى إنتهى بعدها نزل من السيارة
و أسنده بغية أخذه إلى جناحه لكن صالح رفض
جسده كان منهك من قلة الطعام و النوم لينزلق
من بين ذراعي سيف و يرتطم بالارضية...
عاود سيف رفعه من على الأرض من جديد
و هو يصرخ فيه بحدة :
- فاكر إنك بكده هترجعها... بص لنفسك بقيت عامل إزاي مش قادر حتى تمشي على رجليك، إنت لازم
ترجع قوي عشان تقدر تلاقيها....
صوته لهاثه كان قويا بسبب المجهود البدني الذي
بذله في تلك الخطوات القليلة...حرك قدميه بصعوبة
تاركا ثقل جسده على سيف و هو يهمهم بكلمات
مبعثرة :
- خايف عليها اوي..أنا... أنا وحش عشان كده
هربت... ضربتها و هي حامل...كنت هموت إبني...
و هي راحت ضاعت مني..أنا خايف عليها اوي سيف
هي ملهاش أي أصحاب تروحلهم و قرايبها كلهم
ميعرفوش عنها حاجة...خايف يكون حد أذاها
يمكن تكون ميتة...أنا السبب روحي راحت مني
ياسيف ..أنا السبب....
فجأة دفع سيف عنه بماتبقي من قوته و أخذ
يضرب وجهه و يديه بقوة على الحائط كالمجنون
حتى سالت دماءه و هو لا يتوقف عن الصراخ
و ترديد أنه السبب في رحيلها...عدة ثوان تحولت
لدقائق و سيف يحاول بكل قوته أن يمنعه
لكنه لم يستطع حتى سقط صالح على الأرض
بعد أن خبت قوته و أنهكت...
جلس سيف أمامه على ركبتيه و إحتضنه
بقوة ليجهش صالح بالبكاء دون صوت فقط
دموعه إنفجرت تعبر عن مدى ضعفه و حزنه و ندمه
شيئ ما بداخله يخبره أنه لن يراها ثانية...
------------------------------------------------
في حارة الواد بندق أين تعيش سارة عبدالهادي....
تمايلت أم إبراهيم بجسدها الممتلئ و هي تحمل
في يدها كوبا من عصير البرتقال الطازج ثم إتخذت
مكانها بجانب يارا التي ما إن رأتها حتى إنزلقت
بجسدها داخل الكرسي و تعالت ضحكات الشقيقتات عليها ...
أم إبراهيم و هي تناولها الكوب :
- إنت نسيتي تشربي العصير بتاعك ".
قوست يارا شفتيها موشكة على البكاء و هي تضع يدها على معدتها الممتلئة بالطعام قائلة برجاء :
- أنا هشربه بعدين ياطنط....
أم إبراهيم بإلحاح :
- أشربيه دلوقتي و انا هبقى أعملك غيره بعد شوية
مش كفاية إنك متغديتيش كويس".
نظرت يارا نحو سارة بذعر قبل أن تنطق :
- حرام عليكي ياطنط أنا بطني شوية و هتنفجر
إنت مأكلاني متر ممبار و طبق فتة بحاله".
أم إبراهيم و هي تمصمص شفتيها قائلة بعتاب:
- دي البت مليكة عندها عشر سنين و بتاكل أكثر منك...متنسيش إنك حامل و لازم تاكلي كويس
إنت دلوقتي مش لوحدك جواكي روح ثانية لازم تاخذي بالك منها".
أخذت منها الكوب و ترشفت منه قليلا حتى
تتخلص من زنها..فمنذ أن أخبرتها سارة بأنها حامل
و هي لا تتوقف عن إعداد الاطعمة و المشروبات
لها بل و تجبرها على الاكل كل ساعتين ...تجزم
يارا قد زادت أكثر من خمس كيلوغرامات خلال
الاسبوع المنصرم...
إهتمامهم المفرط بها أشعرها بالراحة و الطمئنينة في هذا المنزل الدافئ و كم تمنت لو أنها تستطيع مكافأتهم و رد جميلهم لكنها للأسف لا تمتلك
شيئا...حتى الثياب التي ترتديها إشترتها لها
سارة و لاتستطيع الاتصال بعائلتها خوفا
من أن يجدها صالح او آدم و فاطمة و كل منهم
لايقل خطرا عن الاخر بالنسبة لها...
الهدوء الذي عاشته الاسبوع الماضي رفقة
سارة و عائلتها ذكرها بسنوات طفولتها عندما كانت طفلة صغيرة خالية من المشاكل و الذنوب...نفسيتها
إرتاحت كثيرا رغم تلك الكوابيس التي لم تتوقف عن إفساد نومها كل ليلة...تشعر بأنها عادت حرة بلا قيود رغم أنها لم تغادر باب الشقة فقط لو كانت تمتلك
القليل من المال حتى لا تثقل على هذه العائلة الطيبة التي آوتها خاصة أنها سوف تحتاج لمصاريف إضافية في الأشهر القادمة فيجب عليها زيارة الطبيبة
الخاصة بالنساء حتى تطمئن على طفلها و شراء
عدة أغراض لها غير التي أحضرتها لها مضيفتها، كذلك يجب عليها أن تبحث عن منزل يأويها فهي طبعا لن تبق هنا للأبد يكفي مافعلوه من أجلها حتى الآن...
رفعت كأس العصير حتى تترشف منه ثانية
لكن توقفت في منتصف الطريق عندما لمحت
ذلك الطوق اللامع الذي يزين إصبع يدها اليسرى
قلبها دق بسرعة من شدة الفرح و تهللت اساريرها
فلأول مرة تشعر بالسعادة و هي ترى خاتم زواجها
كيف لم تتفطن له من قبل...كانت لاتنام الليل
و تظل معظم النهار شاردة و هي تفكر في ما ينتظرها
في المستقبل و كيف ستتدبر أمورها بلا مال
خاصة أنها لا تمتلك أي أوراق شخصية حتى
تبحث عن عمل..بينما الحل كان طوال الوقت أمامها
ناولت أم إبراهيم كأس العصير ثم وقفت من مكانها
و هي تنتزع الخاتم من يدها.. أعطته لسارة التي
قطبت جبينها بعدم فهم...
يارا : ممكن بكرة تعدي على الجواهرجي
و تبعيلي الخاتم داه..
خطفت سهى الخاتم و قلبته بين أصابعه مبدية
إعجابها التام بجمال تصميمه الذي لفت إنتباهها
عندما كانت يارا ترتديه :
- داه حلو أوي..حرام تفرطي فيه ".
علقت أم إبراهيم هي الأخرى بعدم رضا :
- و داه هيجيب كام يعني؟ لو كان ذهب
كان نفع أكثر؟؟جاته نيلة على بخله (تقصد صالح
زوجها) ".
أخذت سارة الخاتم من يد شقيقتها بحرص
فهي تعلم قيمته الحقيقية ثم مدته ليارا
قائلة بتذمر :
- أنا كنت في القسم الاسبوع اللي فات مش
عاوزة أرجعله ثاني...خذي الخاتم بتاعك
ياشاطرة و ارجعي مكانك عاوزة توديني في
داهية".
أم إبراهيم بسخرية :
- و كمان تقليد... يادي الوكسة...
سارة : ياماما تقليد إيه بس داه ألماس
يعني ثمنه مش أقل من مليون جنيه...
ضربت أم إبراهيم صدرها بقوة و هي تشهق
بصوت عال :
- ممم مليون جنيه...
سارة و هي تحشر رقاقات الشيبسي في فمها :
- وعاوزاني أخذه للجواهرجي عشان يحبسني
بتهمة السرقة...بقى انا وشي وش ألماس بت إنت
غوري من قدامي عاوزة أتفرج و لو عاوزة
حاجة قوليلي عليها و انا هحيبهالك مفيش داعي
تبيعي الخاتم بتاعك....
يارا بإصرار :
- مفيش قدامي حل ثاني و انا محتاجة ثمنه
إنتوا مش مجبرين تصرفوا عليا كفاية اللي
عملتوه علشاني ناس غيركوا كانوا طردوني من
ثاني يوم... سارة أرجوكي حاولي تفهميني أنا حامل و مصاريفي كثيرة...و لسه هتكثر بعد ما أولد
و أنا مش هقدر أشتغل و لا أروح لماما آخذ منها
فلوس...
سارة برفض : بردو لا..
يارا بإلحاح : طب انا عندي فكرة إنت مش قلتي إن
صاحبتك رباب اللي بتشتغل معاكي في النادي
عيلتها غنية...قوليلها تاخذ للجواهرجي اللي بتتعامل معاه عيلتها...و لو حصلت اي مشكلة انا و الله ما هسيبك حتى لو إضطريت ارجع للقصر...أرجوكي
ياسارة وافقي مفيش غير الحل داه ".
