رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل العشرون20بقلم اسماعيل موسي


رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل العشرون20بقلم اسماعيل موسي

بدأ النزال الجديد بلا مقدمات بطولية ولا موسيقى تليق بالحلم، مجرد قاعة مضاءة بقسوة وكاميرات تلتقط كل نفس، سادين صعدت إلى الحلبة بوجه جامد يخفي أكثر مما يظهر، كتفاها مرفوعان أكثر من اللازم، جسدها لم يتعافَ بعد لكن الكبرياء كان يقودها، تلك الكبرياء التي تدفع المقاتل أحيانا إلى الأمام وهو يعلم أنه تأخر خطوة عن الزمن.

الفتاة الكولومبية كانت نقيضها الكامل، هادئة بصورة مخيفة، لا تهدر طاقة، لا تتكلم، تتحرك كما لو كانت تعرف نهاية النزال منذ لحظته الأولى، جسدها أثقل، ضرباتها أقل عددا لكنها تحمل وزنًا حقيقيا، وزن سنوات وخبرات لا ترحم.

من الجولة الأولى بدا الفرق واضحا، سادين تحاول فرض إيقاعها، تتحرك كثيرًا، تضرب ثم تنسحب، تبحث عن مساحة هواء، لكن الكولومبية لم تمنحها ذلك، كانت تقطع الطريق بذكاء، تسحبها إلى الاشتباك القريب حيث لا مجال للهروب، وحيث الجسد الأضعف يدفع الثمن.

بدر كان يشاهد كل شيء، لا يرمش، لا يتحرك، كيمو واكا إلى جواره صامت هذه المرة، حتى سُخريته المعتادة لم تجد طريقها إلى فمه، كان بدر يرى ما سيحدث قبل أن يحدث، يرى الأخطاء الصغيرة تتراكم، يرى ظهر سادين ينحني قليلا مع كل ضربة، يرى ظهرها بالذات، تلك المنطقة التي يعرف جيدا ماذا يعني أن تُصاب.

في الجولة الثانية تغير شيء في عيون الكولومبية، لم تعد تلعب، لم تعد تختبر، بدأت تضرب بقصد مختلف، ليس فقط الفوز، بل الإنهاء، سددت ضربات منخفضة محسوبة، ضغطت على الجذع، ثم رفعت ضرباتها فجأة نحو أعلى الظهر، ضربة واحدة لم تكن كافية، لكنها كانت مفتاح الكارثة.

سادين حاولت الصمود، حاولت أن تبتسم حتى، تلك الابتسامة العنيدة التي تقول ما زلت هنا، لكن جسدها خانها، ظهرها لم يعد يطيعها، الحركة فقدت توازنها، الخطوة التالية جاءت بطيئة، والخصمة التقطت ذلك دون تردد.

ضربة قاسية استقرت عند أسفل الظهر، ليست مخالفة صريحة، لكنها متعمدة، ذكية، شرعية على الورق، مدمرة في الواقع، انحنت سادين فجأة كما لو أن الهواء انقطع من حولها، ركبتها لامست الأرض، حاولت أن تعود لكنها لم تستطع، الألم لم يكن صراخا، كان صمتًا ثقيلا شلّ الجسد.

الحكم اقترب، العد بدأ، الجمهور صمت للحظة قبل أن يعلو الهمس، وسادين بقيت مكانها غير قادرة على الوقوف 

بدر شعر بشيء يتمزق داخله ببطء، ليس انفجارا، بل انهيارًا صامتًا، تلك الحسرة التي لا تجد طريقها إلى الدموع، تلك المعرفة المؤلمة بأن ما يحدث لا يمكن إيقافه الآن، قبض على حافة الطاولة أمامه، أنفاسه صارت أقصر، وكل ثانية تمر كانت تؤكد له فكرة واحدة قاسية، هذه ليست هزيمة، هذه نهاية.

حين أعلن الحكم إيقاف النزال، لم يشعر بدر بالارتياح، شعر بالفراغ، الكولومبية رفعت يدها دون أي تعبير زائد، أدارت ظهرها وغادرت الحلبة كأن الأمر انتهى، وسادين بقيت محاطة بالطبيب والمدرب، جسدها محمول، روحها وحدها بقيت واقفة هناك وسط الضوء.

بدر أغلق البث ببطء، لم ينظر إلى كيمو واكا، لم يتكلم، كان يعرف أن تلك الإصابة ليست عابرة، يعرف ماذا يعني الظهر للملاكم، ماذا يعني أن تُصاب تلك المنطقة تحديدًا، عرف في تلك اللحظة أن حياة كاملة كانت تُغلق أمام عينيه، حياة لم يكن هو جزءًا منها، لكنه كان شاهدا على نهايتها.

جلس في الظلام طويلا، لا يشعر إلا بثقل في صدره، حزن لا يملك له اسما، ولا حقا في التدخل، فقط وعي مؤلم بأن سادين، التي كانت تهرب إلى الحلبة، لم يعد لديها مكان تهرب إليه بعد الآن.

نُقلت سادين من المستشفى إلى بيت أسرتها كما يُعاد شيء مكسور إلى مكان يعرفه جيدًا، لم يكن في الأمر بطولة ولا صخب صحفي، مجرد سيارة إسعاف، طبيب يتكلم بصوت منخفض، وظهر لا يستجيب كما كان، في الأيام الأولى ظن الجميع أن الراحة ستفعل ما لا تفعله العمليات، ثم مر أسبوع، ثم شهر، ثم امتدت الشهور ثقيلة وبطيئة، وسادين ثابتة في سريرها، لا تُقيدها الجبيرة وحدها بل فكرة أشد قسوة، أن الجسد الذي كان يعرف كيف ينهض بعد كل سقوط لم يعد يطيعها.

كانت الغرفة هادئة أكثر مما تحتمل، زيارات قليلة، همسات، نظرات شفقة تحاول أن تتخفى خلف الابتسامات، وكانت سادين تستقبل كل ذلك بصمت مدروس، لا تشكو، لا تبكي أمام أحد، لكنها حين يخلو المكان كانت تحدق في السقف طويلا، تعد الشقوق، تستعيد الحركات، اللكمات، خطوات القدم، وتعرف في أعماقها أن شيئا ما انتهى إلى غير رجعة، لم تكن الفكرة هي الألم، بل الفراغ الذي تركته الحياة التي فقدتها فجأة.

أما بدر فكان بعيدًا، بعيدًا أكثر مما ينبغي، البيت وسط الحقول عاد إلى صمته القديم، اللوحات بلا ملامح إضافية، القهوة تبرد كما كانت، وكيمو واكا يراقبه بنظرة طويلة لا تسخر هذه المرة، كان بدر يعرف، يعرف كل شيء دون أن يُخبره أحد، يعرف أن الإصابة ليست عثرة عابرة، وأن سادين محاصرة الآن في جسدها كما كان هو محاصرًا في قراراته قديمًا، ومع ذلك لم يتحرك، لم يكتب، لم يسأل، كأن الاقتراب هذه المرة يعني الاعتراف بما هرب منه طويلا.

مرت الشهور وهو يقيس الزمن على طريقته، ليس بالأيام بل بدرجات الصمت، وكلما طال الصمت ثقل صدره أكثر، حتى جاء يوم لم يجد فيه نفسه قادرًا على الرسم، ولا القراءة، ولا الغرق في أي شيء، وقف طويلًا أمام المرآة، رأى وجهه كما هو بلا أقنعة، رجل يعرف كيف يواجه الألم الجسدي لكنه يهرب من كل ما عداه، وفي تلك اللحظة فقط فهم أن عزلته لم تعد حكمة، بل هروبًا رخيصًا.

قرر الذهاب إلى سادين دون خطب ولا خطط، قرار جاء متأخرًا لكنه صادق، لم يخبر أحدًا، لم يسأل إن كانت تريد رؤيته، فقط عرف أن البقاء بعيدًا صار خيانة أخرى، خرج من البيت كما لو كان يخرج من زمن كامل، الطريق إلى المدينة بدا أطول، وكل متر قطعه كان يُذكّره بأنه تأخر كثيرًا، لكنه مع ذلك واصل السير، ولأول مرة منذ زمن طويل لم يكن يحمل لوحة ولا كتابًا ولا قناع رجل متماسك، كان يحمل فقط ثقل ندمه ورغبة صامتة في أن تكون سادين ما تزال هناك، تنتظر الحياة أن تطرق بابها مرة أخرى.
تعليقات



<>