رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل الواحد والعشرون21بقلم اسماعيل موسي
كان الباب نصف مفتوح حين طرقه بدر طرقه خفيفة كأنه لا يريد أن يوقظ البيت كله، شاب طويل بملابس عتيقة لا تنتمي إلى زمن الحفلات ولا إلى أناقة المدن، معطف داكن بسيط، حذاء جلدي فقد لمعانه، وشعر مهذب بلا مبالغة، وإلى جواره هر بائس بعينين واسعتين يتفحصان المكان كما لو أنهما أقدم من الجميع.
فتحت أخت سادين الباب ونظرت إليه نظرة سريعة مترددة، ثم هبط بصرها إلى القط، فارتسمت على فمها ابتسامة باهتة لا تخلو من سخرية،قال بدر بهدوء: لو سمحت… سادين هنا؟
تبادلت الأخت نظرة مع من يقفون خلفها في الردهة، أم تمسك طرف شالها بقلق دائم، أب صامت بعينين منهكتين، وأصوات قادمة من الداخل تختلط برائحة دواء ومطهرات.
سألته الأخت ببرود: حضرتك تبقى مين؟
تردد بدر لحظة قصيرة، ثم قال: كنت… كنت أعرفها
لم يكن جوابًا كافيًا، ولم يكن مقنعًا، لكنه كان صادقًا على طريقته، فتحت له الباب بتراخٍ، كأنها تقول ادخل لنختم هذا الفصل بسرعة.
دخل بدر الشقة بخطوات متزنة، لا فضول في عينيه ولا خجل، كأنه يعرف البيت من قبل رغم أنه يراه لأول مرة، أما كيمو واكا فتسلل وراءه بلا استئذان، شم السجادة، نظر إلى الحوائط المليئة بصور قديمة لفتاة تقفز وتبتسم وتحمل شهادات، تمتم في سره بشيء لم يسمعه أحد.
في عيون العائلة كان سؤال واحد واضح: ماذا يريد هذا الرجل؟ كانت نظراتهم خليطًا من الشك والسخرية الخفيفة، شاب بملابس أقرب إلى فنان قديم، يحمل قطة، يسأل عن فتاة طريحة الفراش منذ شهور، أي فصل عبثي هذا؟
قال الأب بصوت متحفظ: سادين تعبانة ومش بتستقبل حد
قبل أن يجيب بدر، جاء صوت خافت من الداخل، صوت أنهكه المرض لكنه لم يفقد حدته: سيبوه يدخل.
تجمدت الحركة لوهلة، ونظرت الأخت إلى الممر المؤدي إلى الغرفة ثم إليه، كأنها تحاول أن تفهم كيف عرفت اسمه قبل أن يذكره.
دخل بدر الغرفة ببطء، لم يتقدم بخفة المنتصر ولا بتوتر الغريب، فقط وقف عند الباب، وفي السرير قرب النافذة كانت سادين، أضعف مما كانت، وجهها أنحف، ملامحها أكثر هدوءًا، عيناها أكبر لأن الجسد كله انكمش حولهما.
رفعت رأسها بصعوبة طفيفة، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة لكنها حقيقية: أهلا يا بدر
ساد الصمت في الشقة كلها، تبادلت العائلة نظرات مفاجئة، لأول مرة منذ شهور يلمعون في عيني سادين شيئًا يشبه الحياة، التفتت إلى أهلها وقالت بوضوح رغم تعبها: ده بدر الرجل اللي كنت شغالة في بيته.
كانت الجملة بسيطة، لكنها بدلت ملامح المشهد، لم يعد غريبًا مجهول الهوية، بل جزءًا من فصل لم يعرفوه، جزءًا من تلك الأشهر التي عادت منها ابنتهم مختلفة.
رمقته الأخت بنظرة أخرى، هذه المرة أقل سخرية وأكثر فضولًا، أما الأم فاقتربت خطوة، كأنها تزن الرجل الذي دخل بيتها بلا مقدمات، تبحث في وجهه عن شيء يطمئنها.
كيمو واكا قفز بخفة إلى طرف السرير، نظر إلى سادين بعينيه اللامعتين، ثم جلس كأنه يعرف مكانه جيدًا، ولم تعترض، بل مدت أصابعها المرتجفة قليلًا ولمست رأسه.
في تلك اللحظة فقط أدرك الجميع أن هذا الشاب بملابسه العتيقة وقطه البائس ليس طارئًا تمامًا، وأن بينه وبين سادين حكاية لم يسمعوها بعد، حكاية تبدو الآن أهم من كل محاولات العلاج التي سبقتها.
جلس بدر على المقعد الخشبي القريب من نافذة الغرفة، ولم ينظر إلى أحد مباشرة، كأنه يقيس المسافة بين ما يُقال وما يُفعل، بينما وقف والد سادين في منتصف الصالة كعادته حين يتحدث، مستقيم الظهر، هادئ النبرة، ذلك الهدوء الذي يميز الأطباء حين يشرحون حقيقة لا يريد أحد سماعها.
قال الأب بصوت موزون: أنا دكتور يا أستاذ بدر، ويمكن حضرتك عارف ده، وأنا ما قصرتش مع بنتي، لا مستشفى اتأخرت عنها، ولا استشارة كبيرة تجاهلتها، ولا علاج وفرت تمنه، سادين خدت حقها كامل في الجراحة والعلاج الطبيعي، كل شيء اتعمل.
تدخلت الأم، وهي أيضًا طبيبة، بصوت أكثر ليونة لكن لا يقل حسمًا: الإصابة في الظهر اتعالجت جراحيًا بأفضل شكل ممكن، والأشعات واضحة، مفيش حاجة عضوية تمنعها تقوم، المشكلة مش في العضلة ولا في الفقرات… المشكلة أعمق.
صمتت لحظة ثم أضافت: سادين اتكسرت من جوه.
لم يتحرك بدر، لم يعترض، لم يرفع حاجبه اعتراضًا، فقط استمع كما لو كان يحفظ الكلمات لا ليرد عليها بل ليضعها في مكانها الصحيح.
الأب أكمل: بنتي كانت بطلة، قوية، عنيدة، فجأة اتسحقت قدام العالم كله، واتصابِت قدام الكاميرات، واتقال عليها خلصت، جسمها خف، لكن نفسها تقيلة، هي مش قادرة تقوم… مش مش قادرة تمشي، لا، مش قادرة تقوم.
نظرت الأخت إلى بدر تتوقع منه ردًا دفاعيًا أو مزايدة على الطب، لكنه لم يفعل، بل قال بهدوء خالٍ من الاستعراض: أنا مصدقك.
تفاجأ الأب من بساطة الرد، وسأله بنبرة أخف: مصدقني؟
أومأ بدر برأسه: أه، ومش جاي أقول إن الطب غلط، ولا إن حضرتك قصرت، ولا جاي أجادل، أنا بس… عايز أجرب
ارتفعت حاجبا الأم قليلًا: تجرب إيه؟
تأمل بدر كفيه لحظة، ثم قال: أجرب أقف جنبها بشكل مختلف، مش دكتور، ومش منقذ، ومش صاحب معجزة، أنا مش هدي وعود، ومش هقول هقومها في أسبوع ولا في شهر، بس عايز أجرب.
كان في صوته شيء لا يشبه التحدي، ولا يشبه الرجاء، أقرب إلى قرار شخصي لا ينتظر إذنًا كاملًا لكنه يحترم البيت الذي دخله.
قال الأب بعد صمت قصير: وإيه اللي يخليك تفتكر إنك تقدر تعمل حاجة ما قدرناش نعملها؟
رفع بدر عينيه هذه المرة، نظر إليه مباشرة وقال: لأني مش هتعامل معاها على إنها مريضة
ساد الصمت مجددًا، ليس صمت غضب بل صمت تفكير، أما من داخل الغرفة فقد كانت سادين تسمع، عيناها معلقتان بالسقف، وكأن كل كلمة تسقط فوق صدرها ثقيلة لكنها مختلفة.
الأم قالت بهدوء حذر: هي محتاجة دعم نفسي فعلًا، وإحنا حاولنا، جلسات وعلاج، لكن الاستجابة ضعيفة.
رد بدر: يمكن عشان الكل بيحاول يشفيها، محدش حاول يرجعها.
لم يشرح ماذا يقصد، ولم يزد جملة أخرى، اكتفى بأن وقف وقال للأب باحترام: لو حضرتك شايف إن وجودي هيضرها، همشي دلوقتي، ولو شايف إن مفيش مانع، خليني أحاول، ومش هكسر كلمة ليكم.
نظر الأب إلى زوجته، ثم إلى باب الغرفة حيث ترقد ابنتهما التي كانت يومًا تقف في الحلبة بلا خوف، وتذكر تلك النظرة في عينيها حين عرّفتهم عليه، لم تكن نظرة شفقة ولا تعلق، كانت معرفة.
قال الأب أخيرًا: جرب… بس من غير ضغط عليها، ومن غير أحلام كبيرة.
أومأ بدر: متقلقش، أنا عمري ما وعدت بحاجة قبل ما تحصل
ثم التفت إلى غرفة سادين، ولم يدخل فورًا، كأنه يمنحها فرصة أن تقرر إن كانت تريده أن يبدأ، أو أن يظل مجرد زائر آخر في قائمة الذين مروا وخرجوا.
لم تكن سادين تبكي، لم تعد تملك رفاهية الدموع، لكنها كانت تذبل ببطء واضح، كزهرة وُضعت في إناء جميل بلا ماء، وكل يوم يمر داخل الشقة كان يسرق منها طبقة جديدة من القدرة على الاحتمال، الجدران البيضاء التي اختارها والدها بعناية بدت لها كجدران مستشفى لا بيت، الأصوات الخافتة في الصالة كانت تُشعرها بأنها تحت المراقبة، حتى عطف أمها صار يضغط على صدرها، وحتى صمت أبيها كان ثقيلاً أكثر مما تحتمل.
وفي مساء رمادي، بينما كانت أختها تجلس قربها تقرأ بلا تركيز، قالت سادين فجأة بصوت واهن لكنه حاسم: أنا بموت هنا.
رفعت الأخت رأسها مفزوعة: إنتِ بتبالغي
هزت سادين رأسها ببطء: لأ، مش جسمي… أنا بموت من جوا، كل يوم بصحى أبص لنفس السقف، لنفس الستارة، لنفس الشفقة في عيون الناس، أنا مش مريضة للدرجة دي، أنا مخنوقة.
وصل الكلام إلى والدها، دخل غرفتها بهدوئه المعهود، جلس على الكرسي المقابل للسرير، لم يغضب ولم يوبخها، فقط سأل: عايزة إيه يا سادين؟
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت: عايزة أخرج من هنا، عايزة هواء، عايزة أرض مش سيراميك، عايزة سما أقدر أشوفها من غير شباك، عايزة أروح الحقول… بيت بدر.
ساد الصمت للحظة ثقيلة، الاسم لم يكن مفاجأة، لكنه كان يحمل معنى أكبر من الانتقال، الأم وقفت عند الباب تراقب رد فعل زوجها، أما الأخت فكانت تنظر بينهما بقلق.
قال الأب ببطء: وإنتِ شايفة إن ده هيفيدك؟
أجابت بلا تردد هذه المرة: حتى لو مفدنيش، هيبقى موتي هناك أخف من هنا.
كان في الجملة ما يكفي ليكسر أي منطق طبي، لم يتعامل الأب معها كطفلة مدللة، بل كإنسانة وصلت إلى حافة داخلية، هو الطبيب الذي يعرف أن بعض البيوت تشفي أكثر من بعض الأدوية، سألها بهدوء: وبدر موافق؟
قالت: هو قال يجرب، وأنا عايزة أجرب أنا كمان.
خرج الأب إلى الصالة، تبعته الأم، تبادلا حديثًا خافتًا طال دقائق، حسابات الخطر، السمعة، نظرات الناس، لكن في النهاية كان السؤال الأكبر: هل بقاؤها هنا ينقذها حقًا؟
عاد الأب إليها، نظر في عينيها كأنه يبحث عن تردد أخير فلم يجد، ثم قال: موافق… بس بشرط.
انتظرت.
قال: أختك هتيجي معاكي، تفضل معاكي طول الوقت، مش علشان مش واثق في بدر، لكن علشان تبقي في أمان، وعلشان يبقى لينا عين عليكي، مفهوم؟
لم تحتج سادين وقتًا للتفكير، كان مجرد الخروج انتصارًا صغيرًا، قالت: موافقة.
اقتربت الأخت منها، أمسكت يدها بخليط من القلق والحماس: هنروح فعلاً الحقول؟
ابتسمت سادين لأول مرة منذ شهور، ابتسامة ضعيفة لكنها حقيقية: هنروح مكان فيه سما مفتوحة.
في تلك الليلة لم تنم الشقة جيدًا، كان هناك توتر يشبه ما يسبق سفرًا طويلًا، أما سادين فظلت مستيقظة تحدق في السقف للمرة الأخيرة، لكنها لم تشعر بالاختناق هذه المرة، كأن السقف نفسه أصبح مؤقتًا، كأنه لم يعد قبرًا بل محطة عبور، وفي مكان بعيد بين الحقول، كان بيت بدر ساكنًا كعادته، لا يعلم أنه على وشك أن يستقبل روحًا هاربة تبحث عن فرصة أخيرة للحياة.
