رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل الثاني والعشرون22بقلم اسماعيل موسي
وصلت السيارة مع الغروب، والحقول ساكنة كعادتها، صف طويل من الأشجار يحرس الطريق الترابي المؤدي إلى البيت الوحيد في الأفق، البيت الذي اعتاد الصمت حتى صار جزءا من جدرانه. كانت سادين تنظر من النافذة طوال الطريق لا تتكلم، فقط تتنفس بعمق كما لو أنها تختبر الهواء قبل أن تثق به، بينما جلست أختها جوارها تراقب المكان بحذر يشبه الحراسة المعلنة.
فتح بدر الباب قبل أن تطرقاه، لم يبتسم كثيرا، لكنه تنحى جانبا في هدوء ليترك لهما المساحة. منذ اللحظة الأولى بدا البيت وكأنه فوجئ بالحياة، حقيبتان على الأرض، صوت أقدام إضافية، نافذة تُفتح فجأة، ستارة تتحرك، ضحكة قصيرة من الأخت وهي تحاول كسر رهبة المكان، وحتى صرير الأرضية الخشبية صار مسموعا أكثر، كأن البيت نفسه يتأكد أنه لم يعد وحيدا.
في الأيام الأولى تحول الهدوء الثقيل إلى صخب دائم، رائحة طعام جديد لم يعتده المطبخ، أسئلة متلاحقة من الأخت، موسيقى منخفضة تخرج من هاتفها، اعتراضات صغيرة على نظام بدر الصارم، وتعليقات ساخرة على ملابسه القديمة، لكنه لم يعترض، كان يراقب المشهد كمن يسمح للفوضى أن تعيد ترتيب ما فسد.
أما مع سادين فلم يبدأ بعلاج واضح، لم يجلس أمامها ليحلل ولم يذكر كلمة نفسية واحدة، بل بدأ بتغيير التفاصيل الصغيرة، ألغى السرير المرتفع واستبدله بمرتبة قريبة من الأرض حتى لا تشعر بالعلو العاجز، فتح النوافذ منذ الصباح الباكر وترك الضوء يتسلل دون استئذان، وأصر أن تُنقل إلى الشرفة كل يوم ولو دقائق، لتجلس في مواجهة الحقول لا في مواجهة الجدران.
لم يسألها لماذا لا تقفين، بل قال ببساطة تعالي نشوف الشمس، ولم يقل حاولي تمشي بل مد يده قائلا خطوة واحدة كفاية النهارده، ولم يترك لها وقتا طويلا لتحدق في عجزها، كان يملأ اليوم بأشياء صغيرة جدا، كوب قهوة تمسكه بيد ثابتة، كتاب تقرأ منه فقرة بصوت عال، تمرين تنفس يفرضه عليها وهو يدعي أنه يحتاجه هو.
أحيانا كان يقسو دون أن يرفع صوته، حين ترفض الخروج يقول بهدوء جاف الهروب بيكبر الحاجة اللي بنهرب منها، ثم يتركها دقائق وحدها كأنه يمنحها فرصة الاختيار لا الأمر، لم يعد يتعامل معها كبطلة مكسورة ولا كمريضة، بل كشخص نسي طريقة الوقوف ويحتاج أن يتذكرها وحده.
الأيام لم تصنع معجزة، لكنها بدأت تزيح الغبار، في الأسبوع الثاني استطاعت أن تجلس دون مساعدة لوقت أطول، وفي الثالث أمسكت بذراع المقعد ورفعت جسدها لثوان، سقطت بعدها لكنها لم تبك، نظرت إليه كأنها تطلب حكما فاكتفى بقوله ده أحسن سقوط شوفته.
تحسنها كان بطيئا ومترددا لكنه حقيقي، عيناها صارتا أكثر يقظة ونبرتها أقل انكسارا، حتى الأخت لاحظت أن الضحك لم يعد مجاملة بل عادته القديمة.
وفي صباح مفاجئ فتح بدر باب الغرفة الخلفية داخل المنزل، الغرفة التي ظلت مغلقة منذ وصولهما، صالة الجيم الخاصة به، أرضية مطاطية سوداء، كيس ملاكمة يتدلى من السقف، حبال قفز، أثقال مرتبة بعناية، ومرآة طويلة تعكس أي حركة مهما كانت صغيرة. وقف أمام الكيس المعلق طويلا قبل أن يلمسه، ثم بدأ التدريب بلا استعراض، ضربات محسوبة، عرق صامت، ونظرة مركزة كمن يفاوض شيئا قديما داخله.
لم يكن يبحث عن بطولة ولا عن جمهور، كان له غرض واحد واضح في ذهنه أن تسمع سادين الصوت، أن يصلها الإيقاع عبر جدران البيت نفسه، أن تعرف أن المعركة يمكن أن تبدأ من غرفة مجاورة.
لم يخبرها مباشرة، ترك الأمر يحدث طبيعيا حين تسلل صوت القفازات إلى الممر، اصطدام منتظم يهز السكون، فتوقفت سادين عن الكلام والتفتت ناحية الباب، سألت أختها بصوت خافت هو بيعمل ايه، فأجابتها الأخت وهو يتمرن، فتح الجيم اللي جوه البيت.
في اليوم التالي طلبت أن ترافقه، لم يقل لها تعالي لتتعلمي ولم يقل شاهدي، فقط فتح لها باب الغرفة وتركها تدخل، جلست على مقعد في أحد الأركان، قريبة من الحلبة الصغيرة المرسومة على الأرض، حيث
رائحة العرق والصوت المكتوم للقفازات تضرب الجلد.
كان يتدرب بجد ولا يلتفت إليها، كأنه لا يعنيه إن كانت تراه أم لا، لكن كل ضربة كانت تحمل رسالة غير منطوقة، الجسد يمكنه أن يعود، العضلات تتذكر، والخوف لا يبقى إذا واجهته كل يوم.
جلست تراقبه وفي عينيها ذلك البريق القديم الذي ظن الجميع أنه انطفأ، لم تقم بعد ولم تدخل الحلبة، لكنها لم تشعر بالموت هذه المرة، شعرت بشيء أقرب إلى التحدي، وبدا أن البيت الذي كان صامتا يوما صار ساحة صغيرة لمعركة من نوع آخر، معركة تدور داخل الجدران نفسها، لا تحتاج جمهورا، فقط نفسا عنيدا يقرر أن يعود خطوة ثم أخرى.
مرت الشهور ببطء لا يلاحظه إلا من ينتظر معجزة ولا تأتي، لكن ما جاء لم يكن معجزة بل عودة هادئة لأشياء صغيرة كانت مفقودة. خطوات سادين صارت أكثر ثباتا داخل الممر، يدها لم تعد تبحث عن الحائط كلما وقفت، وصوتها لم يعد مكسورا حين تنادي أختها من الغرفة. لم يكن الشفاء حدثا واحدا بل تراكم لحظات، صباح تنجح فيه في الوقوف وحدها، مساء تستطيع فيه الصعود درجات السلم القصير دون توقف، يوم تضحك فيه بلا سبب واضح.
بدر لم يعلق كثيرا، كان يلاحظ ويكتفي بتعديل تفاصيل أخرى، يزيد المسافة بين المقعد والباب، يضع زجاجة الماء أبعد قليلا، يغير مكان الأشياء بحيث تضطر إلى الحركة من أجلها دون أن تشعر أنها تُختبر.
وفي أحد الأسابيع بدأت تستيقظ قبل الجميع، تنتظر أن يهدأ البيت تماما، أن تنشغل أختها بالنوم العميق، وأن ينشغل بدر بقهوته في الشرفة الأمامية، ثم تتسلل بهدوء إلى الغرفة الخلفية، صالة الجيم داخل المنزل. كانت تفتح الباب بحذر، كأنها تدخل مكانا مقدسا، تقف أمام الكيس المعلق طويلا قبل أن تلمسه، ثم ترفعه بكف مرتجف، ضربة خفيفة أولا، ثم أخرى أقوى قليلا، كأنها تختبر ليس قوتها بل ذاكرتها.
لم تكن تعلم أن كيمو واكا يراها.
الهر كان يتمدد فوق خزانة خشبية في زاوية الصالة، بعينين نصف مغمضتين، يراقب كل شيء بصبر القطط القديمة، وحين ينتهي الأمر ويتحرك بدر في الممر كان يخرج إليه بخطوات بطيئة وينظر نحوه تلك النظرة التي تعودها بدر، نظرة تخبره أن شيئا حدث،لم يحتج إلى كلمات. كان يعرف
كان يبتسم في سره كلما سمع صوتا خافتا للكمة في ساعة غير معتادة، أو وجد آثار حذاء خفيف على الأرضية المطاطية. لم يواجهها، لم يقل رأيتك، لم يمدحها، بل ترك السر ينضج بين الجدران.
كان يعرف أن الملاكمة ليست رياضة بالنسبة لها، بل لغة، وأن الجسد الذي تعلم الدفاع والهجوم لن يرضى أن يعيش منكمشا إلى الأبد، وكان يعرف أيضا أن إحياء تلك اللغة سيعيد إليها ما فُقد أكثر مما يفعل أي حديث عن الألم
وبالفعل بدأت تعود.
تحسنت خطواتها، استقام ظهرها أكثر، صار الوقوف أمام المرآة في الجيم أطول، وصارت الضربات أعلى صوتا، أقرب إلى إيقاع قديم محفوظ في العضلات. لم تعد تكتفي بلمس الكيس بل صارت تدور حوله، ترفع قبضتيها كما كانت تفعل قديما، تتنفس بإيقاع منظم، وتنسى لدقائق أنها كانت يوما عاجزة عن الوقوف.
وفي صباح مختلف، استيقظ بدر قبل الشروق بقليل، خرج إلى الشرفة يبحث عن هدوئه المعتاد فلم يجدها في غرفتها حين مر بالممر، لمح الباب الخلفي مفتوحا نصف فتحة، ثم رأى من بعيد ظلا يتحرك وسط الحقول،كانت سادين تركض.
لم يكن ركضا سريعا، بل خطى ثابتة فوق العشب المبلل بندى الفجر، شعرها مربوط بإحكام، وكتفاها مرفوعان بثقة لم يرها فيها منذ زمن، وكانت الشمس تخرج ببطء خلفها، كأنها تركض نحو الضوء لا منه.
عاد إلى الداخل دون أن يناديها، بدل ملابسه بسرعة، ارتدى حذاءه، وخرج إلى الحقول. لم يركض مباشرة نحوها، بل اتخذ مسارا موازيا حتى اقترب، ثم انحرف قليلا وصار إلى جوارها.
نظرت إليه بطرف عينها، لم تتفاجأ، كأنها كانت تعرف أنه سيعرف
لم يقل لها صباح الخير، ولم يقل ممتاز، فقط ضبط سرعته على سرعتها، وركض إلى جوارها بصمت، خطوة بخطوة، أنفاسهما تتقارب، والشمس ترتفع أمامهما.
لم يكن بينهما كلام، لكن في ذلك الركض المشترك كان هناك اعتراف صامت، بأنها عادت، لا كما كانت تماما، بل أقوى بطريقة مختلفة، وأن المعركة التي بدأت داخل بيت صامت انتهت إلى حقل مفتوح، حيث لا جمهور ولا حلبة، فقط طريق طويل ونفسان يعرفان أنهما سيكملان الركض.عاد الشغف إلى سادين كما تعود النار إلى موقدٍ ظنه الجميع انطفأ، لم يكن الاشتعال صاخبا، بل بدأ بشرارة صغيرة حين عادت تتابع أخبار النزالات على هاتفها، تجلس في المساء قرب النافذة وتقرأ عن البطولات القادمة، عن أسماء جديدة، عن أوزان وتصنيفات وتحليلات، كانت عيناها تتحركان بسرعة فوق الشاشة، لكن هذه المرة لم يكن في نظرتها حسرة بل حساب.
صارت تتحدث عن التكتيك، عن أخطاء ارتكبتها لاعبة هنا، وعن دفاع ذكي هناك، وأحيانا كانت تقف فجأة وتذهب إلى صالة الجيم داخل المنزل لتجرب حركة شاهدتها، تدور حول الكيس بخفة أكبر، تضبط مسافة، تعيد ضربة مستقيمة مرات متتالية حتى يستقيم مفصلها مع الفكرة.
بدر لم يمنعها ولم يدفعها، فقط كان ينظم وقت الصالة دون أن يبدو أنه ينظم شيئا، يترك لها المساحة أطول، يبدل القفازات القديمة بأخرى أثقل، يزيد وزن الأثقال نصف كيلو إضافيا دون تعليق، وكانت تلاحظ لكنها لا تقول.
تدريبها لم يعد تسللا خجولا، صار واضحا وصريحا، تدخل الصالة في وضح النهار، تربط يديها بإحكام، تقف أمام المرآة كلاعبة محترفة لا كناجية، تحسب خطواتها، تضرب، تتراجع، تعيد الهجوم، عرقها يسيل دون أن تمسحه فورا كما كانت تفعل سابقا، كأنها تصالحت مع فكرة الجهد.
بعد شهور من الانتظام وصل جسدها إلى مرحلة جيدة من اللياقة، صار ركضها في الحقول أطول، تنفسها أعمق، وسرعتها في تبديل القدمين داخل الصالة أسرع من ذي قبل، حتى أختها بدأت تنظر إليها بدهشة ممزوجة بفخر، أما لورين التي صارت جزءا من البيت فكانت تتابع بصمت، وفي عينيها تقدير هادئ.
وفي مساء كانت الشمس تميل خلف الأشجار، وقفت سادين في منتصف صالة الجيم وقالت فجأة لبدر: عايزة أنزل قدامك.
لم يكن في صوتها تحدٍّ فارغ، بل طلب حقيقي
نظرت الأخت بينهما بترقب، وجلست لورين على المقعد الجانبي، بينما قفز الهر كيمو واكا إلى أعلى الخزانة كعادته، يتخذ موقع المراقب الصامت.
بدر لم يسأل هل أنتِ متأكدة، ولم يبتسم بسخرية، فقط قال بهدوء: تمام.
ارتديا القفازات، وقفا في مواجهة بعضهما داخل المساحة المحددة على الأرضية المطاطية، لم تكن هناك حلبة مرتفعة، لكن الجو حمل رهبة الحلبات كلها. رفعت سادين قبضتيها بثقة واضحة، عينها مركزة، كتفاها مرفوعان كما يجب، أما بدر فحافظ على وقفته الهادئة، دفاعه مفتوح قليلا كأنه يمنحها مساحة.
بدأت الجولة الأولى بحذر، سادين تتحرك بخفة، تجرب المسافة، توجه ضربة مستقيمة سريعة نحو وجهه، يصدها ببطء متعمد، ثم تكرر المحاولة، هذه المرة تصيب كتفه، وكان يمكنه أن يتفاداها بسهولة أكبر، لكنه لم يفعل.
تسارعت ضرباتها، مزيج من الهجوم والدوران، كانت تضرب وكأنها تفرغ سنوات من الغضب والعجز، وبدر يتراجع خطوة حين يجب، ويترك الضربة تلامس جسده حين تستطيع، يتعمد أحيانا أن يتأخر جزءا من الثانية، أن يسمح لقبضتها بأن تستقر على صدره أو ذراعه.
لاحظت الأخت ذلك، أرادت أن تتكلم لكنها صمتت، أما لورين فاكتفت بمراقبة الإيقاع.
في الجولة التالية اندفعت سادين بقوة أكبر، ضربة إلى الأضلاع، أخرى إلى الفك، ارتد رأس بدر قليلا، وكان يمكنه أن يردها بسهولة، لكنه اكتفى بابتسامة خفيفة غير مرئية خلف واقي الأسنان، لم يكن يسخر، بل كان يتأكد.
كانت تحتاج أن ترى أثر ضربتها، أن تشعر بأن قوتها حقيقية لا وهمية، وأن من أمامها يتألم، ولو بالقدر الذي يسمح لها بالإيمان بنفسها.
وفي لحظة تقدمت بخطوتين متتاليتين، وجهت ضربة مركزة إلى منتصف صدره، أصابته بقوة جعلته يتراجع ثلاث خطوات، اصطدم بالحائط الخفيف خلفه، توقف لحظة، رفع رأسه، ونظر إليها.
كانت تقف في المنتصف، تتنفس بقوة، عرقها يلمع تحت ضوء الغرفة، وعيناها تشتعلان بالحياة.
لم يقل انتهت الجولة، ولم يعلن فوزا، فقط خفض يديه ببطء وقال: كفاية النهارده.
نزعت سادين قفازها ببطء، تنظر إلى يديها كأنها تراهما لأول مرة، لم تعدا يدين خائفتين، بل يدين قادرتين، وعرفت في تلك اللحظة أن الملاكمة لم تكن فقط رياضة عادت إليها، بل بابا فُتح من جديد.
أما بدر فكان صدره يؤلمه قليلا، وكفه اليسرى تحمر من أثر الضربات، لكنه كان راضيا، لأنه لم يكن يخسر نزالا، كان يعيد إليها سلاحها القديم، قطعة قطعة، حتى تقف وحدها، لا أمامه فقط، بل أمام أي حلبة تنتظرها خارج هذا البيت.
