رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل الخامس والعشرون25بقلم اسماعيل موسي
قبل انطلاق النهائي، كانت القاعة تهتز بهتافات الجمهور، لكن في الزاوية الإسبانية كان الهدوء مختلفًا،جلست المقاتلة على المقعد المعدني، ويداها ملفوفتان بإحكام، وعيناها معلقتان ببدر،انحنى قليلًا حتى يكون صوته وحده ما تسمعه وسط الضجيج،قال لها بهدوء:
“لا تنظري إليها كاسم، لا تنظري إليها كذكرى،هي جسد يتحرك أمامك، إيقاع يتكرر إذا رفعت كتفها الأيمن، فاليسار سيأتي بعده بنصف ثانية، لا تنجري لقوتها في البداية، دعيها تضرب الهواء. اجعليها تشعر أنها تسيطر… ثم خذي المسافة منها فجأة.”
توقف لحظة، ثم أضاف:
“أخطر ما فيها ليس يدها، بل كبرياؤها،إذا شعرتِ أنك لا تنهارين، ستبدأ في الاندفاع، وعندما تندفع، تفتح الزاوية هناك… هناك يكون الرد.”
أمسك بكتفيها بثبات، وقال بصرامة أخيرة،
“لا تقاتلي لأجلي. ولا لتثبتي شيئًا لها. قاتلي لأنك جاهزة.”
في الركن المقابل، كانت سادين تراقبهما بعينين ثابتتين،قبل المباراة بساعات، حين سُئلت في المؤتمر الصحفي إن كانت تخشى خبرة بدر الطويلة في الملاكمة والتدريب، ابتسمت بسخرية باردة وقالت:
“هو مجرد رجل فقد حبه… ويسعى إلى حب آخر. وأعتقد أنه لن يناله.”
كانت كلماتها خفيفة في الظاهر، لكنها تحمل شيئًا أعمق
انطلق الجرس.
الجولة الأولى لم تكن كما أراد بدر. تحركت سادين بسرعة أعلى من المتوقع، قطعت المسافة فجأة، وبدأت تضرب بسلسلة لكمات مركبة أربكت الإسبانية،حاولت تلميذته تنفيذ الخطة، لكن الضغط كان خانقًا، وتلقت ضربات واضحة أعادتها خطوة إلى الخلف قبل نهاية الجولة بثوانٍ، أصابتها سادين بلكمة مستقيمة جعلت المدرجات تهتف بعنف.
عادتا إلى الركنين.
جلست الإسبانية تتنفس بصعوبة، والعرق يختلط بآثار الضرب، نظرت إلى بدر، كأنها تبحث عن يقين
في تلك اللحظة، رفعت سادين نظرها من الزاوية المقابلة، وثبتته عليه مباشرة، لم تكن نظرة كراهية، بل مزيج من سخرية قديمة وتحدٍ صامت. كأنها تقول: “أهذا أفضل ما لديك؟”
لم يرد عليها بنظرة، بل ركّز على مقاتلته
قال لها بنبرة منخفضة لكنها حادة:
“جيد. الآن بدأ النزال.”
رفعت عينيها إليه باستغراب خفيف.
أكمل:
“كانت تحتاج أن تثبت شيئًا في الجولة الأولى، أن تضرب بقوة، أن تستعرض. فعلت ذلك، لكن لاحظي شيئًا… في آخر عشر ثوانٍ، عندما تراجعتِ نصف خطوة، اندفعت خلفك بلا توازن.”
أشار بإصبعه في الهواء يرسم زاوية وهمية:
“في المرة القادمة، لا تتراجعي بخط مستقيم،انزلقِي يمينًا، ثم ادخلي تحت يدها اليسرى،لا تتلقي الضربة كاملة، كسّري إيقاعها.”
ثم اقترب أكثر وقال بهدوء صارم:
“لا تنظري إليها عندما تستفزك، لا تسمحي لها أن تحول الأمر إلى قصة قديمة بيني وبينها،هذا نزال لقب، ليس حسابًا شخصيًا.”
في الجهة الأخرى، كانت سادين تميل للخلف في ركنها، تهمس لمدربها لكنها تبقي عينيها معلقتين ببدر لثوانٍ إضافية، ابتسامتها لم تختفِ، لكنها لم تعد واثقة كما كانت قبل دقائق.
رنّ الجرس للجولة الثانية.
وهذه المرة، لم تكن الحلبة فقط ساحة قتال بين مقاتلتين… بل بين تاريخ لم يُغلق، وتلميذة تحاول أن تصنع اسمها بعيدًا عن ظلاله.
انطلقت الجولة الثانية، ومعها تغيّر الإيقاع تدريجيًا، لم تعد الإسبانية تلك المقاتلة المرتبكة التي تراجعت تحت وابل الجولة الأولى.
بدأت تتحرك بزاوية جانبية كما طلب بدر، تدخل وتخرج بخطوات قصيرة، تكسر المسافة ثم تختفي منها. سادين بقيت الأخطر، والأكثر قوة، لكن المباراة لم تعد طريقًا مستقيمًا،
مع نهاية الجولة الثالثة، كانت همهمات المدرجات تميل إلى توقع واحد:
الجولة القادمة ستكون الحسم… وستُسحق الإسبانية،
سادين رفعت الوتيرة فعلًا. تقدمت بضربات مركبة ثقيلة، جسدها يتقدم بثقة، وعيناها تلمعان بتلك النظرة الحادة التي اعتادها خصومها قبل السقوط. تلقت الإسبانية عدة لكمات واضحة، تراجعت خطوة، اهتز توازنها للحظة، وصاح الجمهور ظنًا أن النهاية اقتربت،لكنها لم تسقط،
تماسكت، أغلقت دفاعها، وامتصت الضغط حتى انتهت الجولة،عادت إلى ركنها متعبة، أنفاسها عالية، لكن عينيها لم تنطفئا،نظر إليها بدر وقال بهدوء:
“الآن بدأ الشك يدخلها. لم تسقطي.”
في الجولة الرابعة حدث التحول الحقيقي.
لم تعد الإسبانية تكتفي بالبقاء، بل بدأت ترد. نفذت حركة التفاف سريعة، دخلت من زاوية ضيقة، وأصابت سادين بضربة نظيفة أربكتها. للمرة الأولى، تراجعت سادين نصف خطوة إلى الخلف دون هجوم معاكس فوري.
استغلت الإسبانية اللحظة، أضافت لكمة جسدية قوية تبعتها بعلوية سريعة، لم تكن ضربات قاضية، لكنها كانت رسالة
الجمهور تغير صوته.
لم يعد الهتاف حاسمًا… بل مترددًا.
في نهاية الجولة الرابعة، كانت سادين تتنفس بوضوح أكبر من المعتاد،لم يكن الإرهاق كاملًا، لكنه بدأ يلوح في التفاصيل الصغيرة،حين جلستا في الركنين قبل الجولة الخامسة، كانت العيون كلها معلقة بهما،راقب بدر قدمي سادين خلال الدقائق الأربع الماضية، لاحظ شيئًا دقيقًا؛ سرعة انتقالها لم تعد كما في البداية،الخطوة الأمامية أصبحت أقل حدة، والدوران حول المحور الأيمن أبطأ بنبضتين.
انحنى نحو لاعبته وقال بصوت منخفض حاسم:
“قدماها.”
نظرت إليه سريعًا.
أكمل:
“سرعتها انخفضت، لم تعد تغير الزاوية بنفس الخفة، اكسري إيقاع قدميها،اضربي الساق الأمامية، ثم تحركي فورًا. حتى لو تلقيتِ لكمة أو اثنتين… ركّزي على القدمين.”
ترددت للحظة، فسألته بعينيها الصامتتين إن كان واثقًا،
قال بهدوء:
“الرأس قوي. القلب أقوى. لكن القدمين… إذا تباطأتا، يسقط كل شيء بعدها.”
في الركن المقابل، كانت سادين تنظر إليه مجددًا،لم تعد الابتسامة الساخرة حاضرة كما قبل النزال، كانت نظرة مختلفة الآن… خليط من تركيز وإدراك بأن المعركة لم تعد سهلة، وأن الرجل الذي ظنت أنه مجرد ذكرى… عاد ليؤثر في مجرى النهائي.
رن الجرس للجولة الخامسة.
وهذه المرة، لم يكن السؤال من ستكون البطلة فقط،
بل من سيتحمل الألم أكثر حتى الثانية الأخيرة.
قبل انطلاق الجولة الخامسة بلحظات، كان الهواء في الزاوية الإسبانية ثقيلًا، كأنه يسبق العاصفة. جلست المقاتلة منهكة، صدرها يعلو ويهبط بسرعة، بينما كانت عيون المدرجات كلها تنتظر النهاية.
انحنى بدر نحوها، وصوته هذه المرة لم يكن هادئًا تمامًا… بل حادًا كخطة لا تحتمل الخطأ.
قال بوضوح:
“اسمعيني جيدًا. هذه الجولة ليست صبرًا… إنها لحظة واحدة.”
اقترب أكثر، وحدق في عينيها:
“تقدّمي منها مباشرة. لا تتحركي جانبيًا كما فعلتِ طوال النزال. تقدّمي بخط مستقيم.”
ارتجفت أنفاسها للحظة، لكنها لم تقاطعه.
“ستوجّه لكِ لكمة مستقيمة فورًا. هذه أول ردة فعل لها. تجنّبيها بانحناءة سريعة للجانب. لا تردّي.”
رسم بيده حركة قصيرة في الهواء.
“سترتبك… لأنكِ في كل الجولات كنتِ تبتعدين. لم تواجهيها هكذا أبدًا. عقلها سيبحث عن النسخة القديمة منك.”
صمت نصف ثانية، ثم أكمل بصوت أكثر صلابة:
“ستضرب بعدها لكمة عشوائية… قوية، غاضبة. تحمّليها. لا تُظهري الألم. لا تتراجعي.”
كانت كلماته الآن ثقيلة، لكنها دقيقة.
“في اللحظة التي تنتهي فيها من تلك اللكمة… اضربيها في المعدة بكل قوتك. بكل ما تبقى لديك. اضربي لتسحبي الهواء من رئتيها.”
رفع إصبعه أمامها كأنه يحدّد ثانية حاسمة في الزمن.
“ثم… ضربة واحدة فقط. في ذقنها. قوية. مركّزة. لا سلسلة، لا استعراض. واحدة.”
نظر نحو الركن الآخر حيث كانت سادين تقف، عينيها لا تزالان تراقبان الزاوية المقابلة. لم يعد في نظرتها سخرية كاملة، بل توتر خفي.
أكمل بدر بصوت منخفض لكن مليء باليقين:
“حينها ستفقد صوابها،لن تستمع لكلمات مدربها. لن تسمع شيئًا. صوت الجماهير الصاخب سيدخل رأسها. ستفكر في اسمها… شهرتها… صورتها. ستركض خلف ذلك كله.”
توقف لحظة أخيرة وقال:
“وهنا… هذه فرصتك. ضربة ساحقة تنهي النزال.”
ثبت يديه على كتفيها، وأردف بهدوء أخير:
“لا تقاتلي ضدها. قاتلي ضد اللحظة التي ستفقد فيها توازنها. الثانية التي يهرب فيها عقلها.”
رن الجرس.
وقفت الإسبانية، تمسح القفازين معًا ببطء.
وفي منتصف الحلبة، كانت سادين تنتظر… لا تعلم أن الجولة الخامسة لم تعد اختبار قوة فقط، بل اختبار من يسبق الآخر إلى لحظة الجنون.
انطلقت الجولة الخامسة كما لو أن الزمن نفسه أصبح أبطأ.
تقدّمت الإسبانية بخط مستقيم، لأول مرة طوال النزال. لم تراوغ، لم تنزلق جانبًا، بل مشت نحو سادين بثبات مربك. وكما توقع بدر، انطلقت اللكمة المستقيمة سريعًا نحو وجهها. انخفضت الإسبانية نصف انحناءة جانبية، فمرّت اللكمة في الهواء.
للحظة… ارتبكت سادين.
لم تكن هذه النسخة التي واجهتها في الجولات السابقة،
اندفعت سادين بردة فعل غاضبة، وأطلقت لكمة قوية عشوائية، أصابت جانب وجه الإسبانية بقسوة، اهتز رأسها، وسمع الجمهور صوت الاصطدام، لكنها لم تتراجع. لم تُظهر الألم.،ثبتت قدميها كما لو أنها استمدت طاقتها من الضربة نفسها.
ثم نفذت ما قيل لها.
ضربة قوية في المعدة، بكل ما تبقى لديها من قوة. أصابت الهواء من رئتي سادين دفعة واحدة. انحنى جسدها تلقائيًا جزءًا صغيرًا من الثانية.
وفي تلك الفجوة الزمنية الضيقة… جاءت الضربة.
لكمة واحدة مركّزة نحو الذقن.
صمتت القاعة لجزء من الثانية قبل أن ينفجر الصوت.
تراجعت سادين خطوتين، عيناها فقدتا تركيزهما، حاولت أن تستعيد توازنها، لكنها سقطت على الأرض وسط هدير الجماهير.
العد بدأ.
حاولت النهوض، لكن جسدها لم يستجب كما أرادت. ومع انتهاء العد، أشار الحكم بإنهاء النزال.
الإسبانية فازت.
ارتفعت يدها وسط صدمة عامة، لم يكن اسمها هو المرشح، ولم يكن أحد يتوقع أن ينتهي النهائي بهذه الطريقة. في الزاوية، اكتفت بالنظر إلى بدر، الذي لم يبتسم ولم يحتفل، أومأ لها مرة واحدة فقط.
ثم غادر الحلبة.
لم ينتظر المؤتمر الصحفي، لم يقف للكاميرات، ولم يجب عن أي سؤال. كانت عدسات الصحفيين تلاحقه وهو يعبر الممر الخلفي، ينادون باسمه، يسألونه إن كان هذا أعظم عودته إلى التدريب، إن كان يخطط للاستمرار، إن كان النزال يحمل رسالة خاصة إلى سادين.
لكنه لم يلتفت.
اختفى خلف الأبواب المعدنية، كما اعتاد أن يفعل دائمًا.
في المقابل، لم يكن غضب سادين عاديًا.
حين استعادت وعيها الكامل وجلست في ركنها، كان وجهها مشتعلاً بالغضب أكثر من الألم. في المؤتمر الصحفي اللاحق، لم تخفِ انفعالها. وصفت بدر بأنه “المنافق الكبير”. قالت أمام الجميع إنه عرض عليها في الماضي أن يتولى تدريبها، وإنها رفضت أكثر من مرة، لأنه كان يسعى — على حد قولها — إلى العودة إلى الأضواء من خلالها.
وأضافت أن فوز الإسبانية لم يكن سوى “صدفة لحظة”، وأنها كانت متفوقة في معظم الجولات. كلامها كان حادًا، قاسيًا، ومشحونًا.
كانت كلماتها كالسكاكين.
كل تعاطف كان يمكن أن يحمله بدر نحوها… قُتل في تلك اللحظة. لم يتابع المؤتمر كاملًا، لكن وصلته العناوين سريعًا عبر هاتفه:
“بطلة سابقة تتهم مدربًا شهيرًا بالنفاق.”
“حرب تصريحات بعد نهائي مثير.”
القنوات الرياضية بدأت تبحث عنه،محطات دولية تطلب تعليقًا، تحليلات تتساءل إن كان سيعود رسميًا إلى عالم التدريب بعد هذه العودة الصاعقة.
لكنه لم يخرج ليرد.
عاد إلى بيته بصمت.
داخل المنزل، حيث صالة الجيم التي شهدت بدايات كثيرة وانكسارات أكثر، وقف أمام كيس الملاكمة للحظة طويلة دون أن يلمسه.
كان يدرك أن الضربة التي أنهت النزال لم تكن فقط في ذقن سادين…
بل كانت أيضًا الضربة التي أنهت آخر خيط عاطفي كان يربطه بها.
وخارج البيت، كانت كل القنوات لا تزال تبحث عن الرجل الذي عاد للحظة… ثم اختفى من جديد.
