رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثاني2بقلم رشا روميه


رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثاني2بقلم رشا روميه

#اللهم_أدخلني_مُدخل_صدق_وأخرجني_مُخرج_صدق_وإجعل_لي_من_لدُنكَ_سلطانًا_نصيرا

الفصل الثاني «دومًا أصدقاء ..»

ليس كل عابر يسمى صديق، فهم نادرون، شحيِحوُن بعالم يغلُبه الزيف، فإن فُزت بأحدهم فلتتمسك به بقوة، تشبث بوجوده ولا تُفلته بسهولة ...

هم الضياء الذي يُضيء دروب الحياة المُظلمة، الصديق هو من يسير بطريقك عندما يسير الآخرون مبتعدون عنك، فلا قيمة للسعادة بدون مشاركتها مع الرفقاء، لولا الأصدقاء لـ جُننا ومرضنا وفقدت أمانينا، ونسينا طعم الفرح، إنهم تلك الإبتسامة التي تستوطن وجوهنا حين تغلبنا مصاعب الحياة ...
رشا روميه قوت القلوب 
❈-❈-❈ــ

حي شعبي بسيط للغاية، الكل منهمك بأعماله وسط ضجيج الحرف اليدوية التي صدحت به، الجميع بالكاد يكسب قُوت يومه بهذا المكان، فلا مظهر للرفاهية أو الرخاء ...

بيئة لا تنم عن ثراء لكن حين ولجت "نسرين" إلى داخل الحي كانت مُلفتة للنظر، ليس لحُسن أو جمال مُلفت، بل لإرتدائها تلك الملابس التي يبدو عليها التنعم بخلافهم، كانت تبدو كصاحبة أملاك أو عاملة بوظيفة مرموقة تكسب منها رغدًا وليس لفتاة يتيمة عاطِلة عن العمل ...

رفعت عنقها بخيلاء وهي تدري بتتبع الأعين لها لكنها أكملت طريقها بلا إهتمام بهم، طولها الفارع زادها غرورًا وهي تدب الأرض بقدميها معتدة بنفسها واثقة من حُسنها بشكل غريب ...
رشا روميه قوت القلوب 
رغم تلك الهيئة التي تحلت بها إلا أنها دنت من أحد البيوت القديمة لتدفع بتلك البوابة الصغيرة الخشبية والتي أصابها التقشر والعطب لتخطو بقدمها نحو الأسفل وليس الأعلى، فمنسوب البيت كان أعمق من الطريق الخارجي، تقدمت لبضع خطوات قبل أن تصعد السلم الضيق نحو الطابق الثاني والأخير حيث تقع شقتهم الصغيرة التي يقطنون بها ...

لكن قبل أن تفتح باب الشقة نظرت "نسرين" أولًا تجاه السلم المؤدي إلى سطح البيت لتتأكد بأن لا أحد من إخوانها أو والدتها بالبيت ...

عادت برأسها لتستقيم بوقفتها قبل أن تستدير نحو باب الشقة لتفتحه وتدلف نحو الداخل ...

شقة من ثلاث غرف ضيقة للغاية و صالة للمعيشة تحتوي على أثاث زهيد من بعض الأرائك القديمة وتلفاز صغير، ألقت "نسرين" حقيبتها السوداء فوق الأريكة على يمينها بتملل وإمتعاض لملامحها وهي تزفر بقوة ...
- توب علينا يا رب من عيشة الفقر دي ...

إنتبهت بإلتفاتة نحو غرفة والدتها تحسبًا من أن تكون قد عادت من عملها مبكرًا، تحركت صوب الغرفة لتجدها خاوية متيقنة بأنها بمفردها تمامًا بالشقة ...
- لسه ماما مرجعتش من الشغل ...

نظرت تجاه الصورة المعلقة على الحائط تتمعن بها، فكم كانت صغيرة وهي تقف إلى جوار والدتها ممسكة بيد والدها، بينما جلس أخويها "نادر" و "ماهر" على الأرض بسعادة، تنهدت "نسرين" بحزن قائلة ...
- الله يرحمك يا بابا، وحشتني أوي ...

سنوات مرت بفقدانها لوالدها وسكنهم بهذا البيت الخرب، أغمضت عيناها لوهلة قبل أن تخرج مرة أخرى تجاه الأريكة المحببة لها بصالة المعيشة لتسحب حقيبتها التي ألقتها عليها منذ قليل لتفتحها مخرجة هاتفها من داخلها ...

كانت كمن غابت بعالم آخر تهيم به دون الإنتباه لأى شئ يحدث حولها، عالم التكنولوجيا والإنترنت، تسبح ببحور أمواجه الزائفة، تستمتع بوهم خلقته لنفسها لتملأ فراغ حياتها الكبير، فلا إهتمامات ولا عمل ولا صُحبة، إنها تعيش مع عالمها الإفتراضي مع هاتفها فقط ....
رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ

لين وبساطة ومحبة، كم تُشبِهك روحي، فنقاء القلوب من صفاء النوايا، تيقن من أن حظك العَثِر هو صَحوة لغفلة العيون ...

السويس (بيت فرح الصعيدي) ..
نقية القلب، بشوشة الوجه، تقدمت "فرح" نحو شقتهم بتلك المدينة الساحلية الرائعة بعد عودتها من لقائها بـ"هاني" ...

دفعت بسلسلة مفاتيحها برف جانبي من الزجاج وهي تبحث بعينيها هنا وهناك، أخذت تميل برأسها بقوة وشقاوة لتتمايل خصلات شعرها العسلي معها ...

بنبرتها المحببة وصوتها الدافئ أخذت تنادي أمها "مديحة" أثناء توجهها نحو المطبخ حين إستمعت لصوت صادر منه ...
- "ديحه"، يا "ديحه" ...

إتسعت إبتسامتها وهي تقفز بسعادة وإشراقة حقيقة حين طلت من الباب لتقع عيناها على والدتها بداخل المطبخ لتكمل بحيوية ...
- وحشتيني يا "ديحه" ...

رغم صغر حجم تلك الشقة إلا أنها كانت نظيفة، مرتبة بعناية، تمتزج ألوان الحوائط البيضاء بتلك المزروعات الخضراء كزينة مريحة مبهجة للعين، سلام نفسي وراحة تامة بهذا المكان، كما لو أن هناك روح لطيفة تعم الأرجاء تدب السَكينة بالنفوس منذ الوهلة الأولى ...
رشا روميه قوت القلوب 
نظرت "مديحة" بوجهها الدائري وملامحها اللطيفة لإمرأة على مشارف الخمسين من عمرها حَسنة المظهر طيبة القلب، حاولت "مديحة" ألا تكون سيدة ساذجة، رغم طيبة قلبها، إلا أنها كانت تتمتع بفطنة وحُسن تصرف ولباقة في الحديث وإجتماعية لا محدودة بين الجميع ...

نظرت بشكل شِبه مائل تجاه "فرح" قائلة بذكاء ..
- أيوة، أيوة، تعالي كدة وإضحكِ عليا عشان مسألش كنتِ فين، وإتأخرتِ ليه كدة ؟!! 

تقدمت "فرح" من والدتها لتقبلها بمحبة بالغة من وجنتها الممتلئة مجيبة إياها بشهد حديثها المعسول ...
- وهو أنا أقدر برضه، ده إنتِ حبيبتي يا "ديحه"، هو أنا ليا في الدنيا دي كلها غيرك إنتِ يا قمر ...

تقبلت "مديحة" كلمات إبنتها بضحك فهما أقرب لأختين أو صديقتين وليس أم وإبنتها، لتدفع بالمقعد الخشبي برفق قائله ..
- طب أقعدي قدامي، ويلا إحكِ لي إتأخرتِ ليه ...

جلست "فرح" بالبداية وهي تمط شفتيها كطفلة كُشف أمرها، ثم تنهدت وقالت ..
- أمري إلى الله، كنت مع "هاني" ...

تركت "مديحة" الخضروات من يدها بإنفعال ولاحت تعبيرات مقتضبة بملامحها الطيبة تنهر إبنتها عن ذلك ...
- تاني يا "فرح"، "هاني" تاني، مـ...................

                    الفصل الثالث من هنا
تعليقات



<>