رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثالث3بقلم رشا روميه


رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثالث3بقلم رشا روميه

الفصل الثالث «القلب أم المال ....؟؟!!»

لكل إختيار ثمن سيُدفع لا محالة، ولطالما هناك ثمن فلابد من أن يكون هذا الإختيار عظيمًا، أو على الأقل يستحق ما سيدفع بمقابلُه، عليك أن تكون حرًا دون إجبار حين يتوجب عليك الإختيار، فالحرية هي أن تستطيع الإختيار دون قيود، فحين يُسلب منك حرية إختيارك فأنت في سجن بلا شك، ومع الإختيار تأتي الحيرة والخوف من إتخاذ القرار، فبعض الإختيارات توقع الندم دهرًا كاملًا، وببعضها نربح السعادة، أكثرهم حيرة وألمًا حين توضع بين خيارين يصعب الإختيار بينهم، حيرة بين القلب والمال، فبكلا الإختيارين مكسب وخسارة، فأيهما تتحمل ..؟!!!
رشا روميه قوت القلوب

❈-❈-❈ــ

بيت "ليلى ذو الفقار" ..
ظلام وخوف وقلب منتفض، هكذا وقفت "ليلى" بأعلى الدرج قبل أن تفتح باب شقتهم، حين أمسك أحدهم زندها يدنو منها إلى الحد الذي دَب الخوف بقلبها ...

إلتفتت بأعين متسعة وفاه مفغور لتتفاجئ بصديقة طفولتها وشبابها، تلك التي تقاسمت معها أحزانها وأفراحها، شقيقتان لا يجمعهما أب وأم، بل جمعتهم الحياة بدربها، إتسعت إبتسامة "ليلى" بسعادة لرؤية صديقتها الحميمة تقف قبالها لتهتف بإبتهاج ...
- مين، "زهرة"، خضتيني، وحشتيني أوي يا عروسة ...

ضمتها "زهرة" بحنان قائله بصوتها الدافئ ..
- وحشتيني يا "ليلة" ...

دلال خاص بينهم، هم من يرق قلوبهم لبعضهم البعض، بإبتسامة هادئة وملامح لا تظهر إلا برفقة "زهرة" فقط، مالت "ليلى" برأسها بإستنكار مازح ...
- لا يا شيخة، ده أنا قولت نسيتيني خلاص، عندك حق، ما هو من لقى أحبابه نِسي أصحابه ..

بوجه مختلف تمامًا عن ذلك التعيس الذي كان يحتل ملامحها منذ قليل بزيارتها لوالدها وزوجته، أشرق وجه "زهرة" بإبتسامة ناعمة أخاذة قائلة ..
- والله، ده على أساس إيه إن شاء الله، هو أنا عندي إخوات ولا أصحاب غيرك يا "ليلة" ...

سحبتها "ليلى" من ذراعها نحو داخل الشقة وهي مستكملة لحديثها ...
- كلام، تعالي بقى أقعدي معايا شوية وإحكِ لي عن غيابك عني كل ده، من يوم ما إتجوزتي وإنتِ مختفية ...

ولجا لداخل الشقة فيما إستطردت "زهرة" ردها على صديقتها ...
- إللي يشوف كدة يقول بقالي سنين غايبة عنك، دول هم يا دوب أسبوعين بس ...

بدلالها الذي لا تُظهره كثيرًا عقبت "ليلى" ...
- برضه كتير ...

جلستا بشكل متجاور على تلك الأريكة القديمة كما لو أن هذا المكان مُلتقى لتلك القلوب المحبة، منقوش بأسمائهم، يحمل لهم من الذكريات المحفورة بين طيات قماشه القديم، فكل منهما تدرك جلستها وموضعها من قبل ...
رشا روميه قوت القلوب 
سنوات مرت كانت صُحبتهم أجمل ما فيها، إستدارت كل منهما تجاه الأخرى بأريحية ضمت سكينة الموطن لتستكملا حديثهما الذي مازال ببدايته ...
- وحشتيني يا "زوزو"، قوليلي بقى أخبارك إيه، وعاملة إيه مع جوزك وأهله ..؟!؟

لم تجب "زهرة" بسعادة متوقعة من صديقتها، بل كانت مستكينة بحزن لا يناسب عروس لم يمر على زواجها سوى أسابيع قليلة، تنهدت "زهرة" مصطنعة إبتسامة أدركت "ليلى" زيفها على الفور حين أجابتها ...
- عادي ...

تمعنت "ليلى" بوجه "زهرة" لتتلاشي إبتسامتها وظهرت بعض ملامح التوجس بوجهها الممتلئ تتسائل بغرابة ..
- هو إيه إللي عادي !!! المفروض إنك عروسة ومبسوطة مع عريسك ؟؟ ولا أنا غلطانة ..؟!!!!

لحظة إنكشف بها قناع التَقبُل الذي وضعته "زهرة"، فممن ستُخفي حزنها وقد تلاقت مع أليفة روحها، من تحفظها ككف يدها ولا يمكنها إخفاء أمر عليها ...

إرتعشت شفتيها بقوة وهي تحاول كبح تعاستها لمرة أخيرة قبل أن تنفلت منها نبرتها البائسة تخرج ما في جعبتها مع مرآتها التي لا تُخفي عنها شيئًا ...
- ما إنتِ عارفة يا "ليلى" جوازتي جت إزاي، وإن لولا العيشة إللي كنت عايشاها مع "سمية" وطريقتها معايا هي وبابا ولا كنت وافقت أسيب المعهد، ولا كنت وافقت أتجوز بالشكل ده ...

مدت "ليلى" كفها تحيط كفيَّ "زهرة" اللاتي تضغطهما بعضهما البعض بحنو تآزرها بتفهمها لها ...
- عارفة يا "زوزو"، بس برضه جوزك وأهله شكلهم ناس طيبين وكويسين، ده أنا قولت هم دول إللي حيعوضوكِ عن إللي بيعمله معاكِ عم "خليل" ومراته ...!!!

رفعت "زهرة" عينها للأعلى بضحكة قصيرة ساخرة من وضعهما، فمن يواسي من !!! فهما وجهان لعملة واحدة، مثالان للحرمان والفَقد، مالت "زهرة" بثغرها بتهكم قائلة ..
- عارفة يا "ليلة"، أنا بحس إن أنا وإنتِ عاملين زي المثل بتاع إتلم المنحوس على خايب الرجا، قال يعني إنتِ فارقة عني، ما هو عم "عزت" ميفرقش عن بابا حاجة، الإتنين حرمونا من حنيتهم علينا بعد ما أمهاتنا ماتوا ...

نحترف الإستغباء حينما تزعجنا المقاصد، فبعض الأحيان علينا التغاضي لنوهم أنفسنا أننا بخير، حتى نكمل طريقنا دون الشعور الدائم بالإنهزام، نتغافل بإرادتنا عن جرح كلما تذكرناه نتألم ...

ضاهت إبتسامة "ليلى" الحزينة تلك المرسومة بوجه "زهرة" فهي محقة تمامًا فيما تفوهت به، لكنها تصنعت أن لا شئ يؤثر بها رغم صحة كل كلمة نطقتها، لتهتف بها ببعض المزاح تُخفي خلفه قلب مُحطم بالحرمان والجفاء ...
- يووه، إنتِ حتقلبيها غم ليه ؟!! ما تفرحي كدة وتفرحينا معاكِ يا عروسة، ولا خايفة أحسدك !!!

رفعت "زهرة" حاجبيها بسخرية ممزوجة بأوجاع لم تدرك "ليلى" سببها بعد ...
- عروسة آه، أنا لازم أستحمل أي وضع في عيشتي معاهم، ما أنا مش حينفع أرجع أعيش تاني هنا مع مرات أبويا يا "ليلى" ...

عقدت "ليلى" حاجباها لتسألها بجدية وتخوف من أن تكون "زهرة" ليست سعيدة بزواجها ...
- إنتِ ليه بتتكلمي كدة ؟!!!!! هو "أنور" مزعلك في حاجة، ولا تكون حماتك أو حماكِ مضايقينك ..؟!!!

صراحة وتلقائية وقلب منفتح، هكذا تحدثت "زهرة" مع "ليلى"، فكلما تحدثت معها شعرت براحة كما لو أن حديثها مع نفسها، فحتى وإن حُرمت من الحنان والإحتواء؛ إلا أنها رُزقت بمحبة وآخاء صديقة عمرها التي لن تعوضها على الإطلاق، رزق مختلف كـ كف حنون يربت على قسوة حياتها، كحلوى باردة ترطب حلقها من جفاف وسخونة صيف حار، إنها الراحة واللطف بحياتها ...

أكملت "زهرة" بطريقتها الهادئة الناعمة التي تميزها، خاصة بصوتها الرقيق وكلماتها ذات اللحن الهادئ ...
- عارفة، أنا في الأول إستغربت أوي، وسألت نفسي، ليه ناس مبسوطين و أغنياء زي دول يطلبوا يجوزوا إبنهم لواحدة زيي !!! ولا مكملة تعليم، ولا من عيلة كبيرة، قولت لنفسي يمكن نصيبي ربنا يعوضني وأعيش عيشة كويسة، وإنتِ عارفة إللي حصل من "سمية" وإزاي أقنعت بابا عشان يوافق وتخلص مني وتاخد كمان فلوس من ورا جوازتي دي ...

قلق "ليلى" جعل صبرها يسير بطريق ممتلئ بالأشواك ولم تعد تتحمل عدم وضوح مقصد "زهرة" وسبب حزنها بهذا الشكل ...
- قلقتيني يا "زوزو"، هم زعلوكِ ولا إيه ..؟!!

تنهدت "زهرة" بإختناق، فحديثها مع "ليلى" هو منبع الضياء الذي ينفذ بحياتها، هي الوحيدة التي تستطيع أن تخرج ما في جعبتها دون خوف، لا تخشى أن تخفي أمرًا، أو تجمله، فحديثها معها كما لو كانت تتحدث مع نفسها، إستطردت "زهرة" بنبرة منكسرة ...
- عارفة يا "ليلى" حماتي قالتلي إيه ؟؟ قالتلي إنهم جوزوا "أنور" عشان الجواز يهديه، كأننا جايين نصلح إللي هم فشلوا فيه، يوم ما لاقوا فيه مشكلة قالوا يجوزوه عشان ينصلح حاله، طب بنات الناس ذنبهم إيه، أنا يا "ليلى" ذنبي إيه ..؟!!!!!

إتسعت عينا "ليلى" لتتوهج سوداوتيها بإندهاش رغم القلق الذي إعتراها لتجيب صديقتها بسؤال متوجس ...
- قلقتيني يا "زوزو"، هي إيه الحكاية بالضبط ؟!!

عادت "زهرة" برأسها للخلف قليلًا وقد إرتسمت بسمة ساخرة من حالها قائلة ..
- أصل الأستاذ "أنور" جوزي المحترم إبن الناس الطيبين طلع بتاع مخدرات، مدمن، شمام، بيتعاطى حاجات غريبة مخلياه طول الوقت مش في وعيه خالص، شوفتي بقى إللي أنا فيه !!!! ..

رفعت "ليلى" كفها لفمها تمنع شهقتها المنصدمة من الخروج فهي لم تتخيل مطلقًا ما تُحدثها به "زهرة"، فتلك العائلة تتسم بالأخلاق والطيبة وذات ثراء وسيط يسبقها ولا يمكن أن يتحلى ولدهم بهذا الإنحراف ...
- مخدرات !!!! يا نهار أبيض، وأهله عارفين بكدة ؟!!!
رشا روميه قوت القلوب 
أكملت "زهرة" بذات اليأس الذي سيطر على حياتها، فلا يمكنها الفرار من هذا المصير الذي إقترن بها ...
- أيوة يا "ليلة"، مش بقولك أهله جوزوه عشان ينصلح حاله ..

تحولت نبرة "ليلى" للجدية وإحتلت النصيحة والتخوف على صديقة عمرها مما هو قادم لتلك الحياة التي لا مستقبل لها ...
- وبعدين يا "زوزو"، حتكملي معاه ؟؟! ده مدمن يا "زهرة" إستحالة الحياة معاه ..

رضوخ تام جعل "زهرة" تنكس مقلتيها السوداوتين بإختناق ...

                      الفصل الرابع من هنا
تعليقات



<>