رواية وجع مخفي الفصل الثالث3بقلم خديجه احمد


رواية وجع مخفي الفصل الثالث3بقلم خديجه احمد


أمل 

وصلني لحد البيت.

وبصلي... بصة أخيرة.
بصة فيها قلق... وخوف... وحب.

وقال بحنية:
__ألف سلامة عليكي يا سكرة.
عايز أجي بكرة ألاقيكي كويسة.
وآه... ياريت لما أتصل بيكي تردي.
عشان أطمن عليكي.

ابتسمت له ابتسامة باهتة.
وهزيت راسي.

وهو... مشي.

بصيت له من الشباك وهو بيبعد.
والدموع كانت بتتجمع في عيوني.

طلعت... ودخلت أوضتي.
رميت نفسي على السرير.
وبدأت أفكر.
أرتب أفكاري... وإزاي هواجهه؟

إزاي هقوله إن مراته... عندها لوكيميا؟
إزاي هقوله إن احتمال كبير... متخلفش؟
إزاي أقوله إن أيامي الجاية... مش ضامناها؟

إزاي أقوله إن شعري هيقع؟
وهبقى شكلي... يثير الشفقة؟

إزاي هقوله إني مش هبقى أمل اللي يعرفها؟
مش هبقى البنت القوية المبتسمة.
هبقى... أمل اللي بهدلها المرض وتعبها!

أمل اللي مش قادرة حتى تمسك نفسها.
أمل اللي بترجع من أقل حاجة.
أمل اللي جسمها بيضعف يوم ورا يوم.
إزاي... إزاي هواجهه وأقوله كل ده؟

وفي وسط كل ده...
دموعي نزلت.
نزلت من غير إذن.
نزلت بغزارة... وأنا مش قادرة أوقفها.

بكيت.
بكيت على اللي ضاع.
بكيت على المستقبل اللي كنت بحلم بيه.
بكيت على جاد... وعلى الوجع اللي هحطه فيه.

وبكيت... على نفسي.

على أمل اللي كانت.
وعلى أمل اللي مش عارفة لو هتفضل موجودة.

نمت... وأنا بعيط.

ودعيت ربنا... دعيت بكل قلبي:
"يا رب... قويني.
قويني عشان أقدر أواجهه.
قويني عشان أقدر أقوله الحقيقة.
وقويه هو... عشان يقدر يستحمل."

نمت ... وأنا بعيط.
بس ... النوم مجاش.
فتحت عيوني ... وبصيت للسقف.
قفلت عيوني تاني... حاولت أنام.

بس... الأفكار كانت بتدور في دماغي زي دوامة.

صورة جاد وهو بيبصلي بقلق.
صورة ماما وهي بتدعيلي.
صورة نفسي في المراية... شاحبة... تعبانة.
فتحت عيوني تاني.
الأرق.
الأرق كان ماسكني
كل ما أقفل عيوني... أشوف كوابيس.

قومت من السرير... مشيت في الأوضة.
قعدت على الكرسي... رجعت للسرير تاني.

بس... النوم مجاش.

وفضلت... طول الليل.
صاحية.
بفكر ..بخاف ..بعيط.

لحد ما الفجر طلع.
والنوم... ما جاش خالص.

استسلمت للأرق.

ريحت جسمي على السرير... لغاية ما جاد يجي.

ساعة ورا التانية وأنا بتقلب على السرير.
عيوني تعبانة... بس مش قادرة أقفلهم.
جسمي مرهق... بس مش قادرة أنام.

لغاية ما... لقيت الباب بيتفتح!

كان هو.

جاد.

ابتسامة ماليه وشه.
ابتسامة عريضة... كإنه جايب معاه الدنيا كلها.

دخل... وقعد جنبي على السرير.
وحط جنبي كيس حلويات!

بصيتله... وابتسمت.
ابتسامة ضعيفة... بس حقيقية.
رجعت وفتحت الكيس.

وقلبي وقف.

كان فيه... كل ما لذ وطاب.
كل الحاجات اللي بحبها.
شوكولاتة... بسكويت... حلويات بالكريمة... آيس كريم.

كل حاجة... كل حاجة ممنوعة عني!

بصيت بألم على الأكل اللي بحبه.
الأكل اللي كنت باكل منه قد ما باكل... ومش بشبع.

لكن دلوقتي... عارفة.
عارفة إن لو بس حطيته على طرف لساني... هرجع.

معدتي مش هتستحمل.
جسمي... مش هيقبله.
حسيت بعقدة في زوري.

جاد بصلي بفرحة:
__مفاجأة!
جبتلك كل اللي بتحبيه.
عشان تتعوضي عن إمبارح.

ابتسمت... وحاولت أخبي الألم في عيوني:
__شكراً يا جاد... إنت كتير عليّا.

مسك إيدي... وباسها.
وقال بحنية:
__قلب جاد.

بلعت ريقي بصعوبة.
قلبي كان بيدق بسرعة.

وسألته السؤال اللي... كنت خايفة أسأله:
__بتحبني؟

رد من غير تفكير... من غير تردد:
__بموت فيكي.

عيوني اتملت بالدموع.

رديت بوجع... وصوتي مرتعش:
__هتفضل تحبني... لآخر العمر؟
حتى لو... مبقتش أمل بتاعت زمان؟

بصلي... وابتسم ابتسامة عريضة:
__حتى لو قلبتي قردة... هحبك برضه!

ضحكت.
ضحكت جامد رغم الدموع.
ضحكت لأن جاد... عارف يخليني أضحك حتى في أصعب لحظاتي.

ابتسم... وحط إيده على خدي بحنية:
__أيوه كده.
بحب أشوف ضحكتك... يا سكره.

وقرب مني أكتر.
عيونه كانت فيها حب... وقلق... وخوف:
__مالك بقى؟
إيه اللي مزعلك بقالك يومين؟
احكيلي... وإحنا هنحل كل حاجة سوا.

"سوا"...

الكلمة دي... كسرتني.

لأني... كنت بحاول أحل كل حاجة لوحدي ...بحاول أحميه ..بحاول أبعده.

بس... هو لسه هنا لسه ماسك إيدي.
لسه بيقولي "سوا".

دموعي نزلت.
__جاد... أنا...

صوتي اتقطع تاني ...مش عارفة أبدأ منين.
مش عارفة أقوله إزاي.
بس... لازم ..لازم أقوله.

أخدت نفس عميق... ومسحت دموعي:
__جاد... أنا... عندي لوكيميا.

سكت.

سكت تماماً.

إيده اللي كانت على خدي... وقفت في مكانها.
عيونه... اتسعت.
وشه... شحب.
__إيه؟

صوته كان... مش صوته.
كان واطي... مرتعش... مش مصدق.

رديت ودموعي بتنزل:
__عندي لوكيميا يا جاد.
لوكيميا حادة نخاعية.
من أسبوعين... عرفت.

سحب إيده... ببطء.
ووقف.
وقف من على السرير... ومشي خطوتين لورا.
بصلي... وكأنه بيشوفني لأول مرة:
__لوكيميا؟

كرر الكلمة... وكأنه مش فاهمها
__آه.

حط إيده على راسه:
__يعني... يعني إيه؟
يعني سرطان؟

هزيت راسي بصمت.

ووقفت قلبه
حرفياً... شفت الصدمة في عينيه:
__وامتى... امتى عرفتي؟

__من أسبوعين.

بصلي بألم:
__أسبوعين؟! وسكتي وما قولتيليش؟!"

صوته بدأ يعلى... مش من غضب.
من خوف.
من وجع.

رديت بوجع:
__أنا... أنا كنت خايفة.

رد يصدمه:
__خايفة من إيه؟!
خايفة مني؟!
أنا... أنا جوزك يا أمل!
المفروض نواجه كل حاجة سوا!

دموعه... بدأت تنزل.
جاد... بيعيط.

ودي كانت أصعب حاجة شفتها.
__أنا... أنا كنت عايزة أحميك.

ضحك ضحكة مُرّة:
__تحميني؟!
من إيه؟!
من إني أكون جنبك؟!
من إني أساندك؟!
من إني... أعيش معاكي كل لحظة؟!

قرب مني تاني... وقعد على ركبه قدامي:
__أمل... إنتي... إنتي روحي.
إنتي حياتي.
وإنتي اخترتي تعدي بكل ده... لوحدك؟

مسك إيديا... وحطهم على وشه:
__ليه؟ ليه عملتي كده؟

بكيت... بكيت بصوت عالي:
__لأني... لأني مش عايزاك تشوفني وأنا ضعيفة!
مش عايزاك تشوف شعري وهو بيقع!
مش عايزاك... تتعذب معايا!

شدني ناحيته... وحضنني بقوة:
__أنا هتعذب أكتر لو مكنتش جنبك!
أنا هموت لو عديتي بكل ده لوحدك!
فاهمة؟!

صوته كان مختنق... وجسمه كله بيرتعش:
__إحنا... إحنا هنحارب سوا.
سمعاني؟
سوا!
مش لوحدك... أبداً!

رديت بعنف... وأنا بهز راسي:
__لا يا جاد لا!
إنت مش مضطر تعيش كل ده معايا!
مش مضطر تعمل كده!

صوتي طلع عالي... مليان وجع:
__أنا... فرصة إني أبقى أم شبه معدومة!
وإنت... إنت محتاج عيلة!
وعيال!
وعزوة!
وأنا... مش هقدر أوفرلك ده!

دموعي كانت بتنزل بغزارة:
__إنت تستاهل واحده أحسن مني!
تستاهل واحدة سليمة... صحيحة!
مش واحدة مريضة... ممكن تموت في أي لحظة!

بصلي... بصة فيها ألم رهيب.

وفجأة... مسك وشي بين إيديه.
بقوة... بحزم.

وقال... وصوته حازم وواضح:
__لو مش منك... يبقى مش عايز.
لو عيالي مش هيبقوا منك إنتي... يبقى بلاها!
أنا عايزك إنتي... وبس يا أمل!

عيونه كانت حمرا من العياط... بس فيها تصميم:
__مش فاهمة؟!
أنا مش بحبك عشان تخلفيلي!
مش بحبك عشان تكوني أم عيالي!
أنا بحبك... عشانك إنتي إنتي!

دموعه نزلت أكتر:
__بحبك عشان ضحكتك.
بحبك عشان طريقة كلامك.
بحبك عشان روحك.
بحبك عشان... إنتي أمل!

هز راسي:
__ولو ربنا كتبلنا عيال... هنفرح.
ولو مكتبلناش... هنفرح برضه!
ولو قررنا نتبنى... هنفرح!
المهم... إننا نكون سوا!

بصلي في عيني:
__فاهمة؟
أنا مش هسيبك.
مش هسيبك عشان مرض.
مش هسيبك عشان خوف.
مش هسيبك... أبداً!

حضنني تاني... وقال بصوت مختنق:
__إحنا هنحارب المرض ده سوا.
وهنكسبه.
وهنعيش... سوا.

ولو ربنا كتب حاجة تانية..."

صوته اتقطع:
__هنعيش كل لحظة... وكأنها آخر لحظة.
بس سوا... دايماً سوا.

انهرت في حضنه.
وبكيت... بكيت كل الخوف اللي كنت كاتماه وقولت:
__أنا خايفة يا جاد... خايفة جداً.

حضنني أقوى:
__وأنا معاكي... مش هسيبك تخافي لوحدك.
إحنا... هنخاف سوا.
وهنحارب سوا.
وهنكسب... سوا.

مش عارفة قعدت محضناه قد إيه.
بس... وقت طويل.

كأني بستمد قوتي منه.

حضنه كان دافي.
حضنه كان أمان.
حضنه كان... كل حاجة محتاجاها.

كل الأيام اللي عديت فيها لوحدي.
كل الخوف اللي كتمته.
كل الألم اللي حاولت أخبيه.

كل ده... بدأ يطلع.

وأنا في حضنه.

جاد كان بيمسح على شعري بحنية.
مش بيقول حاجة.
بس وجوده... كان كافي.

كان بيهمس بين الحين والتاني:
__أنا معاكي... أنا معاكي.

وكل مرة يقولها... كنت بحس إني أقوى شوية.

بعد وقت طويل...
رفعت راسي من على صدره.
عيوني مورمة... ووشي مبلول من الدموع

بصلي... ومسح دموعي بإيده:
__أحسن دلوقتي؟

ابتسمت ابتسامة ضعيفة:
__آه... أحسن.

باس جبيني:
__كويس.

وقعد جنبي... لسه ماسك إيدي:
__دلوقتي... احكيلي كل حاجة.
من الأول.
إمتى عرفتي؟
وإيه العلاج؟
وإيه اللي محتاجة أعمله؟

صوته كان هادي... قوي... مطمّن.

أخدت نفس عميق.

وبدأت... بدأت أحكيله كل حاجة.

كان بيسمعني بإنصات، كأن أنفاسه واقفة عند كل كلمة، لغاية ما وصلت لآخر جملة:
__أنا بجد مش عارفة هقول لماما إزاي.

مسك إيدي بين كفوفه وقال:
__متقلقيش… هنقولها سوا.
مش هسيبك تواجهيها لوحدك.

كلامه طمّنّي، كان كفيل يزرع جوايا إحساس بالراحة والأمان، حتى لو مؤقت.

رجع يبص في وشي، وشاف البهتان اللي غطّاني،
والسواد اللي تحت عيني من قلة النوم.
قال بهدوء:
__إنتِ منمتيش من امبارح… صح؟

هزّيت راسي بوجع.
قربني منه أكتر، وضمني كإنه بيحاول يحمي حاجة هشة.
قال:
__نامي يا روحي…
نامي واستريحي، وسيبي الباقي عليّا.

سندت راسي على صدره،
وهو بيمسّد على شعري بحنان.
محستش بنفسي غير وأنا بتوه في النوم،
نوم خفيف…
أول مرة من أيام أحس فيه إني مش لوحدي.

_______________
جاد

نامت كأنها ما نامتش من أيام.
قعدت أملّس على شعرها، وأنا حاسس بغصة كبيرة في قلبي.
حبيبة قلبي… أمل عندها كانسر.

مفيش حاجة تهمني غيرها.
ولا أفكار عن أي حاجة تانية…
ولا عن المستقبل اللي ممكن ما نعيشوش مع بعضه.

بس الخوف… الخوف كان بيقتلني من جوّه.
هتقدر تصبر على الألم؟
هتعيش… ولا هتروح مني قبل ما أشوفها؟

قلبي كان بيتقطع من مجرد الفكرة،
فكرة إنها ممكن تموت وأنا واقف عاجز… مش قادر أعمل حاجة.

صرخت في قلبي، وقلت:
مستحيل… مش هسيبها تموت… مش دلوقتي… مش قبل ما نعدّي كل ده سوا.

حطيت راسها على المخدة،
بس إيدي كانت بترتعش من الغضب والخوف والوجع كله،
سيبت بوسة على خدها… بحنان، بس كأنها محاولة أخيرة أضمها للحياة،
وغطّيتها… وقلت لنفسي:
لو حصل أي حاجة… مش هسامح نفسي.

تعليقات



<>