
رواية غرام في العالم السفلي الفصل الثاني والثلاثون32 بقلم داليا السيد
ولد
صفوان لم يمنح ليال فرصة للتدخل، أعاد اهتمام امرأته بصوته الغاضب "أنا تحدثت عن زواج أسما وليس مجرد عقد قران"
عادت له، نظراتها تعني استنكار ما قاله لكن هو لم يخبرها ذلك صراحة وهي ترغب بزفاف كأي عروس "لكنك كنت قد وعدتني بزفاف صفوان عندما يشفى بابا"
لم يتراجع وهو يندفع خلف أحزانه "هذا قبل أن يموت هارون ويتركنا ولن يكون هناك زفاف بعد رحيله"
"صفوان، كفى"
صوتها الحاد أوقفه، اعتدل محدقا بها، استعاد نفسه وكلماته سهام سامة اخترقت قلبها ومع ذلك لم تهتم بنزيفها بل بامرأة لا ذنب لها بما يحدث لهم "لا تتدخلي ليال"
تجهمت الوجوه من كلماته، ليال لم تهتم له ولم تتراجع "بل سأفعل لأوقف جنونك هذا، هي لا دخل لها بما أصاب هارون، من حقها زفاف وحفل كأي امرأة"
هو من تحرك لها والغضب لا يتركه، يلفه ويعتصره، يفقده العقل وينسيه كل ما يحمل لها من محبة "أخبرتك ألا تتدخلي ليال، هل تظنين أنني سعيد بكل ذلك؟ هل تظنين أني نسيت أخي أو أني لا أرى أحزانك وألمك؟ أنا لست أناني لأفعل بكِ كل ذلك"
رمشت عيونها رافضة أي دموع والجميع تجمد مكانه، أسما سمحت لنفسها بأن تبكي، ما زال يهتم لامرأة صديقه وهي لا
"أنا لست حزينة صفوان ولا أتألم هل تعرف لماذا؟ لأن هارون كان سيكون سعيدا بك لو كان موجود وأنا مثله، سعيدة حقا لكم"
"ولماذا لا تخلعين هذا الابيض لو لم تكوني حزينة؟ أنت تخدعين من بتصرفاتك هذه؟ هل تظنين أنني لا أشعر بك؟"
رفعت رأسها والغضب لا يهزمها "نعم، أنت لا تشعر بي ولا أحد يمكنه أن يفعل، أنا لا أخدع أحد صفوان والأبيض لا علاقة له بمشاعري، فقط توقف عن جنونك هذا ولا تهد حياتك قبل أن تبدأ بسببي"
وتحركت للخارج وأنس يتبعها والرجال وصفوان ظل بمكانه يحدق بمكانها الفارغ مدركا ما فعله ولكن بعد فوات الأوان
لمسة على كتفه أعادته ليواجه رشدي الذي منحه نظرة جامدة من الرمادية التي تعكرت بالأسود "هل تهدأ؟ ليال على حق، عد لنفسك كي لا تخسر زوجتك"
وتركه وتحرك لزوجته التي رغبت باللحاق بليال لكن نظرة رشدي أوقفتها، ليال لن تتقبل أي كلمات من أي أحد الآن..
انفض الجميع، خلا المكان من حوله، لف باحثا عنها فلم يجدها، باب غرفتها مفتوح، لا تهد حياتك قبل أن تبدأ بسببي
كلماتها ترن بأذنه، هل عاد لجنونه بليال وحمايتها المفرطة وزوجته ستضيع منه.. أغمض عيونه ورؤية هارون تثير آلامه، تدق على أبواب الأحزان فتنثرها من حوله، هارون أنا أضيع..
واقفة بمنتصف غرفتها تحيط وجهها بيداها، البكاء رفيقها الوحيد، الحزن لن يفارقها والأحزان تعشش بكل جزء بحياتها
"أنا آسف"
التفتت، واقفا عند الباب، ملامحه متعبة، ربطة العنق انحلت، أزرار قميصه انفكت، عيونه تنبض بحزن وألم غريب لم تفهمه "أنا أتألم لفراقه أسما، أفتقده بجنون، أحتاج لوجوده معي"
العملاق ينهار.. الحزن على رفيقه يهزمه.. دمعة حزينة غافلته وفرت من عينه
اندفعت بلا تفكير لأحضانه، لفته بذراعيها وهو جامدا بمكانه، لا يرى سوى ذكرياته مع هارون، يدربه، يوقفه عند الخطأ، يحميه بجسده، يحمله عند إصابته، يقف على فراشه عندما يصاب..
انخلع قلبه لفراق رفيقه.. لم يستطع إعلان أحزانه أمام امرأته، لن تكون هي أقوى منه لكن اليوم لم يستطع، كان لابد أن يكون هارون الشاهد الأول على زواجه وليس أحد سواه، لماذا ليس موجود؟
ضمته لها بقوة، لكن لا شيء يعوض وجوده، رحلت يا صديقي من بين كل الملايين وتركتني وحدي أصارع أمواج المآسي
يا ليت الزمان يعود واللقاء يبقى للأبد، ولكن مهما مضينا من وقت طويل أو قصير سيبقى الموت هو الأنين وستبقى الذكريات قاموسا لي صديقي..
أغمض عيونه تاركا دموعه حرة طليقة وهي تضمه، تسمع دقات قلبه العنيفة، تنهداته تندفع لعنقها، أحزانه بأحضانها تؤلمها لكن تمنحها سعادة بأنها من تنال أحزانه بين أحضانها
عندما هدأ أبعدته وأحاطت وجهه بيداها لترى الأحمر كسا عيونه والحزن سكنهم وتفهمت كم يحب صديقه "أحبك"
كان بحاجة لتلك الكلمة، وضع يداه على راحتيها ووضع قبلات عليها ثم جذب وجهها له ولأول مرة يعرف طعم القبلة وهي عرفتها معه، روحهم توحدت، قلوبهم احتضنت بعضها البعض، أحزانه سكنت، ألمه هدأ، يده التفت حول جسدها، يريدها، امرأته، زوجته ولن ينتظر
القبلة تعمقت أكثر ويده تفك فستانها، لم تعترض، الآن تفهمت معنى أحزانه ورفضه لزفاف، زفافها بوجوده معها، ما يمنحه لها من حب، سقط فستانها حول ساقيها وجاكته سقط بجواره وهو يهمس "أريدك أسما، أريدك بجنون"
لم تجيب، لم تعترض وهو يرفعها بين ذراعيه ويضعها بالفراش ويلتحم بها، يمتع نفسه بقربها، يغرق نفسه بأحضانها ربما ينسى أحزانه
لحظة ارتفع فيها صوتها بأنين وانغرزت أظافرها بذراعه فرفع وجهه المتعرق لها "هل أنت بخير!؟"
للحظة تنفست بقوة، تنتظر مرور الألم الذي اندفع بين ساقيها حتى هزت رأسها فأكمل امتلاكه لامرأته ومتعتهم التي استمرت للفجر حتى لفها بذراعه وغرقا بالنوم..
****
دخلت ليال السيارة وأغلقت الباب خلفها محاولة التحكم بغضبها، حزنها، ألم قلبها، كل ذكرياتها تنهال عليها، سامحك الله صفوان لماذا تفعل بي ذلك؟
دخول أنس بالأمام لم يجعلها تنظر له ولا تمنحه رد وهو يسألها "هل أنت بخير؟"
إدراك منه أنها تتألم، غاضبة، جعله يصمت ويقود، كلهم اليوم كانوا يكتمون حزنهم محاولين تجاوز ذكرى الريس من أجل صفوان ولكن هو لم يفعل، دفعهم للألم غصبا
توقفت السيارة ورجل الحراسة يفتح لها وهي لا تجيب أنس، لا ترغب برؤية أحد أو التحدث مع أحد، تابعها وهي تصعد لأعلى، نظراته امتلأت بالحزن لها فهي لا تستحق ذلك بل تستحق مؤازرتهم
لم تدخل الغرفة الباردة بل أرادت جناحهم، ملابسه ضمتها، عطره منحها رفقة مؤلمة، سقطت بهم على الأرض وبكائها مكتوم داخلهم، ندائها باسمه مزق الجدران، دموعها أحرقت بشرتها وصوت الريح بالخارج منحها رفقة من السماء التي بكت لأجلها
أشتاق لك حبيبي، قلبي يؤلمني هارون، لماذا تركتني؟ أخبرتك أني لن أستطيع أن أعيش وأنت لست معي، أنا متعبة هارون، متعبة جدا وأتألم، الألم لفراقك يمزقني هارون
هارون.. آه هارون.. أحتاج لك، لم أشبع منك، ماذا فعلت لتحرمني الأيام منك؟
لماذا سرقت سعادتي؟ عشت عمري كله أتمنى نظرة منك وعندما ظننت أني ملكتك ضعت مني..
الأرض ابتلت من دموعها، قلبها لم يجد الدفء حتى برفقة ملابس حبيبه ولا برائحته ولا بأي شيء وظلت الليل كله على الأرض تبكي بلا توقف...
****
يد رشدي قبضت على يد زوجته التي شردت بعيدا، هارون، سعد، الماضي كله مر عليها الآن، صفوان جدد كل الذكريات بلا شعور منه.. دمر جمال الليلة
"أحلام، انظري لي"
لم ترغب بالحديث، أرادت لحظة مع نفسها، حزنها، ذكرياتها معهم، أخيها، الريس، ليال وحتى صفوان، عائلتها التي تتمزق اليوم بدلا من أن تسعد بزواج صفوان
"حبيبتي"
تلك الكلمة تعيدها من بعيد ودموع تسكن عيونها تواجه بها القلق بالرمادية، العسلية فقدت رونقها ولمعانها، الحزن يذيبها وهو يذوب معها من الألم لأجلها
"هل أنتِ بخير؟"
لم تجيب لحظة وبعدها هزت رأسها بالنفي، هي ليست بخير، هي تتألم لعودة الذكريات، جذبها له ولف ذراعه حولها وهي تغمض عيونها والدموع تتساقط والصمت يلفها حتى وصلا البيت
بغرفتهم تحرك لها وهي ساكنة بمكانها، الصمت ممتزج بالدموع، يداه أحاطتها ليعيدها أمامه، الحنان ملأ الرمادية، الجمود رحل والحب حل محله، رفع يداه وضم وجهها بهما وانحنى لها
"الحزن سيظل يسكن قلوبنا على من فقدنا، لن ننساهم بأي يوم لكن الحياة تستمر حبيبتي"
هي تدرك ذلك ولكن ألم الفراق صعب "الفراق صعب رشدي"
ضمها له ورأسها يرتاح على صدره وهو يربت على شعرها بحنان "أعلم، أفتقد نسمة أختي، كانت بالخامسة عندما تركت البيت ولم أراها من وقتها وتألمت لفراقها ورحلت بالخامسة عشرة دون أن أراها مرة أخرى"
تألمت له، نبرته الحزينة جعلتها تدرك مدى ارتباطه بها والده أيضا حكى عنها "آسفة"
أبعدها وتأمل ملامحها الحزينة وهو يدرك أحزانها كما هي أحزانه "لا تفعلي، الموت ليس ذنب أحد منا، هو قدر ومكتوب وكما أخبرتك الحياة تستمر"
هو على حق، الحياة تستمر، هي عاشت واستمتعت مع رجل لم تظن أن تحبه وتنجب منه، الآن حياتها تبدلت ولابد أن تستمر
قبلته منحتها السكينة، استسلمت له ترغب بنسيان حزنها بوجوده، سعيدة لأنه معها يحمل عنها ما تعجز عنه وحدها، يلفها بذراعه، يأخذها بحنان، يمتعها بطرق مختلفة عن الماضي وهي راضية وسعيدة حتى سكنت بأحضانه ونامت وأنفاسه على عنقها
****
النهار يعني يوم جديد بأمل جديد، دخلت غرفة ألاء، كانت تجلس أمام النافذة، بدت أفضل حالا، نظراتها شاردة بعيدا "صباح الخير"
متعبة، عيونها تعبر عن عدم النوم وآثار بكاء حاولت إخفائه بالمياه الباردة، التقت الفتاة بوجه ليال وأناقتها رغم الابيض، الكعب العالي رغم الحمل، شعرها المرتفع بلا خصلات شاردة، جامدة الملامح
"صباح النور"
نهضت الفتاة والتقت بليال بمنتصف الغرفة، نفس الطول تقريبا لكن الفتاة أكثر نحافة "أشكرك على السماح لي بالبقاء يمكنني الذهاب اليوم"
ظلت ليال صامتة، عيونها ثابتة على عيون الفتاة، تقريبا عرفت عنها كل شيء، ما زالت بالفرقة الثانية بكلية الآداب، الثراء سمتها الأولى بالطبع..
"إلى أين؟ ستعودين بيتك؟"
التفتت هاربة من مواجهة ليال، لن تعود بالطبع وليس لها مكان، ربما بيت واحدة من صديقاتها حتى تجد عمل أو أي شيء "لا"
جلست ليال، ظهرها يؤلمها من نومها على الأرض بالأمس والصداع له سببه، البكاء
"لديك أقارب!؟"
التفتت لها بحدة "وفيم اهتمامك؟ أنا لا أخصك بشيء"
لم تهتم ليال باندفاع الفتاة وراء غضب أعمى بصيرتها بل تمسكت بالعقل والهدوء "منذ دخلتِ بيتي أصبحتِ تخصيني ألاء فهل تهدئي؟"
شحب وجه الفتاة، سكن الضياع ملامحها، لفت حول نفسها بلا هدى، في بحار تئن فيها الرياح هي تغرق، ضاع فيها المجداف والملاح وهي ضاعت معهم بلا نجاة
"لو عرف بوجودي هنا سيضرك، هو لا يرحم"
ربما هو كذلك لكن هو يعرف من هو زوجها ومن هي ليال الديب، لا أحد يمسها ولو تجرأ فلديها من يلتهمه حيا..
"لا تهتمي بذلك فقط اهتمي بنفسك، أنا كفيلة بوالدك، فقط اعرفي أني بجانبك ولن أتخلى عنكِ حتى تعرفين كيف ستواجهين الحياة، القصر كما تلاحظين لا يضم أحد داخله، الرجال لها بيوت حوله فلا تقلقي ويمكنك التحرك براحتك"
نهضت لتذهب وألاء تتحرك لتقف أمامها ونظراتها تعني الحيرة وعدم الفهم "لماذا تفعلين ذلك معي؟"
سؤال تعرف إجابته بالطبع، قصتها تجيب، قصة أحلام، أسما، كلهم كادوا يضيعون بسبب ظروفهم، الأب، الأخ لولا وجودوا هارون.. وهي الآن بديل زوجها
حتى يعود..
"لأنني بيوم ما كنت بحاجة لمن يحميني ووجدته وأشعر بك وأحاول أن أفعل المثل، لن أتركك تضيعين ألاء وأنت عليكِ التحلي بالقوة والشجاعة والخروج من قوقعة الضعف والبكاء على ما ضاع فلن يفيد بشيء"
وتركتها وتحركت خارجة تاركة الفتاة تغوص بكلماتها، تدرك صدق ما قالت، هي حقا بحاجة لم يحميها، يجذبها من قاع الضياع، يوقفها على أرض صلبة بلا خوف وليال تمنحها ذلك وعليها القبول به
****
أنس التفت لها وهي تنزل وملامحه تبدو غير جيدة مثلها، الهاتف على أذنه وهي تتقدم منه وهو يمنحه لها "الكبير، هاتفك مغلق"
لم تخبره أن الهاتف ليس مغلق، بل كانت ترى صورها مع هارون عندما هاجمها الدوار بالحمام وسقطت وسقط الهاتف بحوض الاستحمام والمياه ابتلعته وهي ظلت على الأرض بلا وعي حتى استعادت وعيها وحدها كعادتها
جذبت الهاتف والكبير لم يهاتفها منذ زارها هنا ولكن رسائله كانت تأتيها على صندوق البريد الالكتروني "نعم"
نبرتها الجافة جعلته يرفع رأسه ويرفع معه السيجار لفمه ثم يخرج الدخان الكثيف "هاتفك مغلق"
تحركت تجاه المقاعد وجلست، لابد أن ترى الطبيبة من أجل طفلها "أردتني وها أنا معك"
قوية مثل زوجها، عرفها منذ ذلك اليوم، تابع نجاحها يوما بعد يوم وأسقط حمايته عليها دون أن تدرك والآن آن أوان وضعها بالمكان الصواب
"أحتاج رؤيتك، افتحي هاتفك لأرسل لك الموقع"
لم تنظر لأنس الذي جلس أمامها وعيونه تتابعها "هاتفي فسد من المياه، ساعة وارسل لي الموقع والموعد"
"جديتك تعني معرفتك بما أنت بطريقك له"
"جديتي تعني أن مهما يكون ما تريدني بسببه لا يثير أي خوف داخلي"
منحته الرد الذي جعله يدرك أنه لم يكسبها لصفه "أخبرتك أني أحميك ولن أدفعك بطريق يضر بك"
ألم ظهرها يزعجها ومع ذلك لم تشكو "جيد، فيم نتحدث الآن!؟"
تنفس بقوة من كلماتها "ليال لا تكرهيني فأنا حقا معجب بك"
أغمضت عيونها بتعب ويدها تلمس رأسها النابض بالألم وهدأت نبرتها "حسنا، أنا فقط متعبة، سأكون بالمكان والوقت الذي تحدده"
هدأ هو الآخر ولكن قلق حل مكان الغضب "تحتاجين لطبيب؟ أرسل لك طبيبي"
فتحت عيونها لاهتمامه "لا، أنا بخير"
أبعدت الهاتف وعيونها تقاوم الصداع وأنس نهض لها "ليال أنت متعبة"
لم تجادل وهي تنهض "سنمر على المشفى لدي موعد مع الطبيبة بالعاشرة، جد لي هاتف فهاتفي سقط بالمياه"
وتحركت دون أن تواجه وهو ثابت بمكانه يدرك هروبها من مواجهته، هي لا تهرب أبدا هي لا ترغب بأي جدال
لحق بها وهي تنتظر الرجل يوقف السيارة أمامها وأنس يتحرك وكلاهم توقف وسيارة صفوان تدخل من البوابة لتتوقف خلف سيارتها والرجال تحدق به وهو ينزل وأسما تنزل من جواره وتلحق به وهو يتحرك وأسما أمامه لتقف أمام ليال
"صفوان أخبرني أنك سترحبين بإقامتنا هنا"
ظلت تنظر لأسما ولم تمنحه هو نظراتها بل تماسكت وردت دون مجال لأن تشك أسما بشيء "بالطبع أسما، أنتِ أصبحتِ من العائلة"
بلا مقدمات اندفعت أسما لأحضانها وهي استجابت واحتضنتها حتى ابتعدت وصفوان ثابت وهو يتحرك للسيارة وهي لاحظت ذلك فأوقفته "إلى أين صفوان؟"
توقف دون النظر لها، لن يواجها الآن، لن يعتذر منها أمام الرجال ما بينهم خاص بهم ولكن هي تحركت لتقف أمامه وسقطت نظراته عليها "للعمل ليال"
الظلام أصبح هو كل ما يسكن عيونها، الغضب ينزوي بركن منفرد، الحزن ركن آخر والآن زوجة الريس "لا عمل لرجل تزوج بالأمس، خذ زوجتك وعرفها بيتها الجديد، أنا لا أحتاج لك، أنس هيا"
تجمد مكانه، تعرف كيف توقفه، تسقطه بحفرة عميقة، ضيقة لا تساع كل ما بداخله، أنا لا أحتاج لك، طعنة عميقة بصميم حبه وتقديره لأخته
قبل أن يستوعب ويرد كان أنس ينطلق بها وهي لا تنظر خلفها وأسما تلمس ذراعه فعاد لها وابتسامتها تمنحه راحة بوجودها معه
"امنحها بعض الوقت صفوان، أنت قلبت عليها كل المواجع والأحزان"
هي على حق، هو أحرجها، دفع الخنجر بقلبها بكل قوة بلا رحمة، الحزن الذي تخفيه خلف قوتها الظاهرية أخبره أنه سببه
تحرك بزوجته لبيت هندية، الرجال التي اتفق معها ستقيم له بيت آخر بالجوار، الأرض التي يملكها هارون كبيرة جدا، كان يعلم أن رجاله ستكون لها أسر وسيمنحهم مكان لهم بجواره..
أحضانها جعلته يتناسى ما كان وكامرأة يحبها وتحبه عرفت كيف تأخذه من أحزانه وتجذبه لدنياها والفراش يضمهم..
****
"الجنين بخير مدام لكن هناك بعض التقلصات بالرحم، أنتِ بحاجة للراحة"
لم ترد ونظراتها على شاشة الجهاز، ترى طفلها ينمو داخلها، طفلهم، طفل هارون
"ولد مدام، ألف مبروك"
وسقطت دموعها، وحدها، بلا شريك أو قريب يؤازرها، بدون زوجها، يمسك يدها يبتسم بسعادة لها ويشاركها فرحتهم بأول طفل لهم
ولد هارون، كما تمنيت، أن يكون أول طفل لنا ولد، يحمل اسمك لنهاية العمر
عندما خرجت أنس تلقاها بنظراته القلقة "ولد"
وتحركت دون أن تنتظره، وحدتها الآن متجسدة أمامها "ليال ماذا عن تعبك؟"
حقا لم يهتم بنوع الطفل بل اهتم بها "منحتني ما يبعد الألم، لا تقلق"
المصعد انفتح وهو يتابعها، شاحبة، ذبلت نظراتها، رحلت ضحكتها وقوتها تنهار ولكنها لا تستسلم
اللقاء كان بجراج بعيد عن الأنظار، كما كان مع هارون، تحركت للسيارة الفاخرة الملفوفة بالسواد، أنس بجوارها كظلها وباقي الرجال عند السيارة، تميم، رجل حراسة الكبير مد يده ليقوم بتفتيشها ولكن يد أنس قبضت على يده والغضب ارتفع لنبرته
"ارفع يدك عنها تميم، زوجة الريس لا يلمسها سواه"
انفتح الزجاج الذي يطل عليها وصوت الكبير يوقف النزاع قبل أن يبدأ "كفى، ادخلي ليال"
فتح لها تميم بعد أن نزع يده من قبضة أنس ونظرات التحدي واضحة بعيون الرجلان، دخلت بجوار الرجل الذي لف نفسه بدخان سيجاره الذي طغى على رائحة عطره
بخور، عنبر، توابل شرقية.. دخان
رائحة تجذب إحساس معقد جدا من داخل من يشمها، وكأنك تقوم بطقوس قديمة، شيء ما بهذه الرائحة يصلح تماما لرجل مخيف وعبقري في قوته وجبروته
الكبير..
لم تمنح الأمر أهمية، حتى الغثيان انهزم أمام قوتها وتراجع بعيدا وهو يلف وجهه لها "أنتِ جميلة حقا ليال، كيف حال حفيدي؟ هل الطبيبة طمأنتك عليه؟"
لم تندهش لمعرفته بكل ما يخصها، بل ظلت هادئة وهي تجيبه "بالتأكيد طمأنتك كما أخبرتك أنه ولد"
ابتسم وأطفأ السيجارة وفتح النافذة طاردا الدخان ثم أغلقها والتفت لها "ذكية أيضا وقوية"
لم تمنحه أي رد "المجلس يرغب برؤيتك"
كانت تعرف، رجلاها أخبروها بذلك من قبل "والسبب!؟"
منحها كوب به عصير لم تمانع ولكنها لم تتناوله وهو يتابع نظراتها الساكنة عليه "منح التصويت على بقائك من عدمه"
صراحته تعجبها كما هي صراحتها "هذا يعني أنني محل جدال؟"
عاد يبتسم "أخبرتك أنكِ ذكية، نعم، مررت من كل الاختبارات خلال الأشهر الماضية وهم منقسمين بشأنك ووجودك سيحسم الأمر"
لم تجادل ولكنها سألت "ولو لم أرغب بالانضمام؟"
أبعد وجهه عنها مخفيا انزعاجه، يوقف عنها الجبناء ممن أراد الإطاحة بمكانة هارون ولكن هي كانت قوية ودقت مكانتها بقوة بأرض ثابتة لم يمكن لأحد أن يهزها
"لن يبقوا عليكِ، وجودك بمكان هارون يعني قبولك بما كان يقبل به وعليكِ الالتزام بقواعدنا ليال وإلا.."
لفت وجهها بعيدا، يمكنها رؤية أنس يلتفت حولهم بترقب والرجل الآخر يرمق أنس بغضب "الموت"
لم يرد فالتفتت له "ويدمرون كل شيء يخص الريس"
ظل يواجه نظراتها دون رد، هي تعرف القوانين ولن يمكنها رفضها أو التمرد عليها "سأكون موجودة"
كادت تنزل ولكنه أوقفها "كنت أحبه حقا ليال، وأحبك وأنتظر حفيدي على نار"
جمدت مكانها، كلماته سهم حاد نفذ من قلبها وخرج تاركا جرح لن يندمل، مؤلم، قلبها ينزف
"أردته بجواري ولكنه رفض"
لفت وجهها له ورأت الظلام يلف ملامحه، انغلقت نظراته وسبح الازرق بها بعيدا عن الصفاء، ارتجف جسدها "لأنك لم تكن الأب الذي يستحق ابن مثله"
كانت هادئة بكلماتها لكنها نجحت بإيلامه، لم يفر من مواجهة عيونها "لو مُنحت فرصة أخرى سأعترف به للعالم كله"
تعبت من كل ما تمر به، ما بالهم يؤلمونها دون رحمة؟
"هو لن يقبل، قسوتك سبقت حنانك، أغلق قلبه عليها فلم يعد هناك مكان للأبوة عنده"
أبعد وجهه "تتحدثين وكأنه سيعود، لقد مات ليال، هارون مات"
ضغطت على مقبض الباب محاولة التحكم بغضبها ونبرتها الهادئة "لا"
عاد لها متراجعا من نظرتها الحادة "هارون لم يمت، سيعود، هل تسمعني؟ هارون سيعود، أنا سأظل بمكانه حتى يعود ليجد كل شيء كما تركه وعندها حاول أن تقنعه أن لديك شيء اسمه مشاعر"
ونزلت، متعبة، لا ترغب برؤية أحد ولا الحديث مع أحد، من الأمس وحصار الألم يضيق عليها، يفقدها الهواء ويخنقها بالحياة
عند القصر لم تتوقف لصفوان، الذي وقف أمامها، بل تحركت للأعلى وأنس يمسك يده ليوقفه عنها "دعها"
لف وجهه له بغضب ولكن أنس أكمل "الضغوط عليها كثيرة، بداية بك وانتهاء بالكبير الليلة"
ظل يواجه نظراته والقلق يرتفع داخله عليها، هو المسؤول عنها أمام رفيقه فكيف سيواجه يوم اللقاء؟
"مساء الخير"
التفت الاثنان للصوت الرقيق الذي ارتفع من خلفهم، الصغيرة، الجميلة تحدق بهم، بدت أفضل حال مما كانت يوم الحادث
أنس جمد مكانه، لم يمنح نفسه فرصة للتفكير بها منذ تلك المرة.. حضرتك ترن بأذنه تبعده أميال عنها لكن الآن..
"هل ليال عادت معكم!؟"
صفوان لم يخرج من البيت سوى عندما أخبره الرجل باقتراب ليال فلم يرى تلك الصغيرة والآن هي هنا "نعم ولكنها متعبة وصعدت لغرفتها"
أخفضت وجهها وأنس جامدا، يحدق بها، الصمت لفه، القطة أكلت لسانه وصفوان لا يعرف كيف يتعامل معها، لم يعمل بحضانة من قبل..
"هل ترغبين بشيء؟ أسما يمكنها مساعدتك"
زاغت عيونها على عيون أنس الثابتة عليها، تورد وجهها، تذكرت كلماتها له، حضرتك، ما زالت بينهم وهي لا تفهم سبب غضبه منها حتى الآن؟
"أسما خطيبتك أليس كذلك؟ حضرتك صفوان؟"
تجهم وجه صفوان ولم يعرف ماذا عليه أن يفعل أو يقول؟
أنس جامد بجواره، ثابت بنظراته على الفتاة وكأنه أصبح تمثال من حجر فجأة
"نعم أنا صفوان، حضرتك هذه لا مكان لها بعالمنا وأسما زوجتي الآن، هل تحتاجين شيء؟"
قسوته طبيعية له ولكن لها كانت غريبة، هي مدللة والآن واقعة بين أشخاص غريبة عنها "لا فقط أحاول معرفة كيف يمكنني الحصول على ملابس؟"
صفوان كان يشتعل غضبا من صمت أنس، هو لا يعرف كيف يتعامل مع امرأة سوى زوجته والآن يتركه هكذا "بالصباح ليال ستمنحك الحل"
والتفت لأنس يجذبه من الغيبوبة التي سقط بها، ركزه بذراعه "أنس أنا ذاهب"
التفت أنس له وهو يذهب تاركا إياه معها وحده، لن يتحمل حضرتك هذه مرة أخرى فالتفت ليذهب ولكنها أوقفته "حضرتك غاضب مني؟ كلكم كذلك، وجودي يزعجكم وأنا.."
التفت لها والكلمة تدفعه للتهور، تسقطه بمكان سحيق من جهنم لتلتهمه بنيرانها "نعم، أنتِ مزعجة وكلماتك كذلك فابتعدي عني واذهبي لتبحثي عن لعبة تسلي بها نفسك"
وتحرك للخارج، السيارة كانت وجهته ودواسة الوقود صرخت من دهسه لها والإطارات تستجيب بصوت مخيف وليال تتبعه من الأعلى بلا رد ولا تساؤل عن سبب غضبه واندفاعه بل عادت وتناولت الدواء حسب تعليمات الطبيبة
لم تعد للغرفة البارد، تمددت على فراشهم، بمكانه تحتضن وسادته التي تحتفظ برائحته، لا تمنحها أي مواساة على حزنها وألم قلبها وهي تلتمس بها أي سكينة بلا فائدة
****
لم تخرج من جناحها باليوم التالي، رؤية امرأة لا تعرفها بالحلم تمنحها كلمات لم تفهمها جعلتها متوترة، حمام دافئ أراحها ورحل التوتر، أغمضت عيونها وهي تذكر كلمات تلك المرأة والتي لم تخبرها من هي
"كوني قوية، ذكية، واجهي الرجال بقوة، احذري من السويفي وضياء شريكه، لا تجعلي الخوف قائدك فهو يفتح أبواب الهزيمة"
فتحت عيونها وعرفت ما أرادت قوله لها، وما عليها أن تفعل
تناولت طعامها بغرفتها، لم تفتح هاتفها، أرادت أن تبقى وحدها، مع ذكرياتها، أحزانها، ابنها، تخبره عن والده، قوته، شجاعته، مكانته بين الجميع، تحكي قصتهم وحبهم، تخبره أنه سيعود ولن يتركهم
لم يجرؤ أحد على قطع خلوتها..
صفوان سأل عليها مرات كثيرة وثمية أخبرتها فلم تمنحها رد
أنس عاد بالفجر، تحرك لغرفته استبدل ملابسه وعندما لم تنزل تحرك هو لمتابعة العمل دافنا جنونه داخله
صفوان اختار البقاء ليس لأجل زوجته بل لحماية زوجة أخيه ورغبة منه برؤيتها والاعتذار منها ولكنها لم تنزل، فاكتفى بالشكولاتة خاصته والتف بمذاقها المنعش طوال اليوم مستمتعا بأحضانها
****
عادت الفانيليا لقوتها، نزلت بالأبيض، الأمل يرتفع ماحيا الحزن معيده لزاويته داخل قلبها، نهض الاثنان لرؤيتها وهي تتحرك لتقف أمامهم "صباح الخير"
عادت الدماء لوجهها، استعادت نفسها، جددت طاقتها، نفضت ضعفها وحزمت كل ما مر بها برباط قوي وألقته بسلة ودفعتها بقاع المحيط وأفلتت طرف رباطه..
ولم تشعر بطرفه الذي التف حول ساقها منتظرا وقتا آخر ليجرها له..
"كيف حالك اليوم؟"
تحولت لأنس "بخير، الهاتف ليس مناسب أنس منحت الرجل أوصاف ما أرغب به فهل ترسل من يحضره؟"
"ليال"
لفت وجهها لصفوان الذي تحرك ووقف أمامها "لستِ غاضبة مني؟"
ظلت تنظر للخضراء المنتشرة بمقلتيه، أشرق وجهه بعد الزواج وتلك العتمة بسببها فهل هي أنانية لتبقيها داخله؟
"لا صفوان"
ظل صامتا، لم تشبعه إجابتها، أرادها أن تصرخ به، تلومه، تعاتبه ولكنها اختارت أن تؤلمه بطريقتها "ليال أنا لم أقصد فتح باب الذكريات، فقط .."
أوقفته "أوقف كلماتك صفوان لست بحاجة لها، لم أعرفك اليوم أو بالأمس، فقط أسما هي كل ما يهمني، لا مجال لأن تظن أن بيننا شيء، أنت أخي ورفيق زوجي"
"وأنا أدرك ذلك جيدا ليال"
لم تلتفت لأسما ولا صفوان فعل، كلاهم كان يواجه الآخر بنظرات قوية حتى توقفت أسما بجوارهم "أفهم محبة صفوان لكِ وتقديرك له ولي وما حدث كان.."
لفت وجهها لها "كان حزن أخ على فراق أخيه، إحساس بعدم الحق بالسعادة ورفيقه ليس معه، أفهم وأعرف كل ذلك أسما لكن أنتِ لا دخل لكِ بكل ذلك، من حقك أن تنالي كل شيء"
"وهو كل شيء بالنسبة لي ليال، علاقتكم، محبتكم كعائلة، وجودي بينكم كل ذلك أصبح كل ما أريده ولم أعد أرغب بالمزيد فقد فهمت ليال"
اكتفت بكلماتها، هي حياتها ولن تجادل "تعلمين أنكِ مرحب بكِ بيننا أسما وهم يعرفون ماذا يعنون لي"
تدخل أنس "أنا جائع، هل لديكم طعام لي؟"
"صباح الخير"
التفت الوجوه للعصفورة التي ترفرف بجوارهم، غريبة عنهم لا تواكب تلك الحياة الجديدة عليها، ليال من تحرك لها "أهلا ألاء، تبدين أفضل حالا"
ليال تمنحها راحة غريبة لا تجدها بأحد هنا، كلهم يتصرفون بطريقة غريبة "نعم الحمد لله، ليال أرغب بملابس جديدة، هل يمكنني الحصول على مال منك؟ وسأعيده لك"
ابتسمت بعد أيام من الحزن والدموع "بالطبع ألاء، يمكنك أن تأتي معي الفندق، به محلات كثيرة انتقي ما تشائين ونتحاسب فيما بعد، هل نتناول الإفطار؟"
تحركت وكلهم يتبعونها، مقعد زوجها هي من تحتله وهم حولها، عائلته تكبر معها، تمنت لو كان هنا، يشاركها تلك اللحظات
دفنت وجهها بالطبق ومنعت أفكارها من احتلال عقلها فقد اكتفت منها
صفوان اكتفى بيومين عسل ورحل معها، مستعيد مكانه كحارسها الأول وهي لم تفتح باب الجدال مرة أخرى
رشدي انضم لها بالفندق وألاء انطلقت بالمحلات وأنس يتبعها بأمر من ليال أغضبه "لن نتركها لأحد يعيدها لوالدها أنس"
ماذا تفعلين ليال؟ تلقين بطفلة بطريقه!؟
ظل رشدي معها وقت وصفوان، يتجادلون بالكثير حتى رحلوا وانفردت وقت طويل بجهازها حتى دخلت ألاء "رائع ليال، أدين لك بمال كثير سأرده بمجرد تجديد أوراقي الشخصية"
لفت وجهها لها وهي تستوعب كلمات الفتاة التي جلست أمامها وابتسامة جميلة احتلت وجهها "جيد سأجعل أحد الرجال يتولى أمر أوراقك"
تراجعت بالمقعد "تملكين كل ذلك ليال؟"
أغلقت شاشة الجهاز وتراجعت بالمقعد الكبير "لا، ملك زوجي"
"لكن زوجك مات أليس كذلك؟"
تنفست بقوة لتوقف اندفاع الغضب "ترغبين بتناول أي شيء؟ سأطلب عصير لنفسي"
تجهم وجه الفتاة مدركة كلمات ليال، هزت أكتافها "عصير تفاح"
رفعت السماعة وطلبت العصير وأنس يدخل ليراها جالسة تلف وجهها الصغير له وليال تمنحه نظراتها وهو يوجه كلماته لليال "هل انتهيتِ من دراسة تقرير رشدي؟"
أبعد نظراته عن الفتاة ومنح ليال اهتمام وهو يختار الأريكة ليجلس وليال تجيبه "نعم، أخبرني عن والدها؟"
لفت وجهها لليال وقد شحبت، قلبها نبض بقوة، لم ترغب بأي شيء عنه، تخافه، تفر من اسمه فلماذا تدفعه بطريقها؟
"بحث عنها بكل مكان حتى توقف بالأمس"
رنين هاتفها واكب دخول العصير فجذبته ورقم غريب يظهر، أجابت "ليال الديب"
"أحمد فهمي مدام ليال"
رفعت عيونها لأنس ومنها للفتاة فنهض أنس "ألاء تعالي، أريدك بشيء بالخارج"
لم تفهم الفتاة وليال تنتظر خروجهم، يده قبضت على يدها بلا فرصة للاعتراض وجذبها للخارج وليال ترتد بالمقعد وتجيب "مرحبا سيد أحمد"
تحرك الرجل بمكتبه ينفخ دخان سيجارته، زوجته تنهار بالبكاء لفقدان ابنتها الوحيدة والغضب يلفه مما وصل له "لدي أمانة عندك أريد استردادها"
هو يعرف، لذا توقف عن البحث "وتلك الأمانة ليس لها رأي سيد أحمد؟"
محاولا السيطرة على نفسه بمواجهة امرأة الريس أجاب بهدوء مصطنع "رأي أمام والدها مدام؟ هل هذا طبيعي؟"
ظلت بمكانها، تلتمس القوة والحكمة من مكان زوجها، هو تنبأ بها، ربما بيوم ما تحلي محلي صغيرتي
"لا ولكن ليس بإمكاني إجبارها على شيء يا فندم، هي ضيفة حتى تقرر الذهاب"
"مدام ليال ابنتي تخصني وأرغب باستعادتها بالتفاهم وأنت تعرفين من أنا"
هدوئها نابع من انتمائها لقطيع الدياب، قوية، لا تعرف الخوف، ذكية وماهرة
"كما تعرف أنت من أنا، التهديد نبرة لا أحبها، تسبب الغثيان فألفظ صاحبها خارج اهتماماتي فلا تأخذ تلك المكانة سيد أحمد"
أغمض عيونه، تنفس بقوة، دهس السيجارة بالمطفأة "مدام ليال والدتها ستجن عليها من فضلك دعيني أراها وأقنعها بالعودة"
صمتت، تفكر، تمنح نفسها مهلة الاختيار، الحرب أم السلام واختارت "والدتها تأتي بالسادسة مساء بلا رجال سيد أحمد ولك كلمتي بخروجها آمنة"
لف حول نفسه والجنون يدفعه لمنطقة لا يرغب بها مع امرأة الديب والتي تسقط بحماية الكبير "وأنا"
كررت بنبرة صارمة "والدتها فقط"
وأغلقت، قاذفة الهاتف على المكتب والصمت لفها بينما صرخ أحمد بجنون "اللعنة عليكِ امرأة، من تظن نفسها؟"
لم تهتم زوجته بجنونه بل بابنتها "ابنتي أحمد، أين هي؟ ماذا فعلوا بها؟"
التفت لها وهو يحرق سيجارة جديدة "عند تلك المرأة، ترفض أن أذهب لرؤيتها"
نهضت والبكاء هو كل ما تملكه، تهتف بقلب أم قد يكون محروق على ابنتها الوحيدة..
هندية مكرر مع الفارق طبعا..
"لماذا لم تخبرها أنني أريد رؤيتها، أحمد سأموت لو لم أراها وأعيدها، أرجوك"
قلبه العاشق لامرأته جعله يلفها بذراعه، الشيء الوحيد الحقيقي بحياته، حبه لزوجته وابنته ولكنه يخسرهم الآن، ضمها له بقوة "منحتك الموافقة على رؤيتها حبيبتي فاهدئي"
****
عاد أنس بالفتاة وليال تعبث بجهازها، اعتدلت لهم وكلماتها مختصرة "ألاء هل ترغبين بالعودة لعائلتك؟"
شحبت، ارتجفت، البرودة هاجمتها، لسانها تجمد داخل فمها "ما.. ماذا ت.. تقولي.. تقولين؟"
الخوف ظهر والكلمات تبعثرت وأنس تجهم ونظراته تحاوط زوجة أخيه "ليال؟"
لم تنظر له بل ظلت تتواصل مع الفتاة "والدك عرف أنك عندنا وطالب بعودتك"
الدموع سقطت، الخوف ارتفع داخلها "لا، لن أعود له، سيقتلني أو يزوجني ابن محمود عزمي، لا، لا تتركيني ليال، أستاذ أنس لا تدعها تعيدني، أرجوكم"
نهضت ليال وتحركت لتجلس أمامها، يدها الباردة استقرت بين أيادي ليال، الدموع غشت عيونها والخوف أوقف أفكارها..
"اهدئي ألاء، أنا لم أقرر بعد فقط والدتك ستأتي لرؤيتك وبعدها قرري"
ابتعد أنس، لم يظن أنها سترحل سريعا هكذا، البسكوتة الرقيقة تأخذ عقله، تمنعه من حسن التفكير "ماما!؟ آه لا، هي ستجبرني على العودة، ليال أرجوكِ لا أرغب بذلك، بابا لن يسامحني"
وكأن قصة أحلام تعود من جديد، سعد وسيد ورشدي
رشدي!!
رفعت عيونها لأنس "أنس ما رأيك؟"
التف لها، هل تسأله؟ هو سيصرخ بها ألا تعيدها ولكنه اختار الهدوء "ليس من حقي التدخل ليال، هي حياتها"
عيونه تمنحها إجابة مختلفة، رغبة بحل الأمر والفتاة بينهم "ألاء لدي حل لكن قد لا توافقين عليه"
تمسكت بيد ليال والأمل ينبع منها "سأفعل ليال، تحدثي"
لم تنظر لأنس وهي تفجر القنبلة بوجههم "تزوجي أنس"