رواية غرام في العالم السفلي الفصل الثالث والثلاثون33 بقلم داليا السيد

رواية غرام في العالم السفلي الفصل الثالث والثلاثون33 بقلم داليا السيد 

طوق النجاة
أنت تحمل طوق النجاة.. زائف، حقيقي، ليس هو المهم.. المهم أن العصفورة ستطير لو لم تمنحها الحب لتبقى..
فاسد، قاتل، ملوث بالرذيلة، كل هذا أصبح كجلد ثاني له مع إضافة صفة أخرى ملتصق بالفضيلة بفضلك هارون
ويظنون أني لا أهتم.. أنا أتمزق من فراقك صديقي لكن ماذا يفيد الحزن وأنت رحلت بلا عودة؟
لا أعلم كيف تملك ليال تلك القوة والإيمان بأنك ستعود؟ هي لا تحبك أكثر منا..
أنت من أخذ بيدي ورفعني من قاع الضياع، قذف بي للسطح وساعدني لأنهض وأسير بطريق ممهد بالخير.. كيف يمكنها أن تظن أنها الأقرب لك منا؟
زواج!!؟ أنا أتزوج؟ وأنت لست معي؟ 
هل نست ليال أن مي شيدت سور من حجر صوان بيني وبين النساء؟
"ليال عن ماذا تتحدثين؟"
رفعت وجهها له وهو يندفع واقفا أمامها، يواجه نظراتها القاتمة، لم يعد أحد يقرأ ما تخفيه خلف ظلامها، تبدلت، أصبحت امرأة مختلفة، روبوت آلي يسير بلا مشاعر 
لم يعرف أن هارون أخذ كل مشاعرها معه..
"أتحدث عن أن الفتاة بحاجة لنا أنس أم سنتركها لابن عزمي الذي نعرف حقيقته؟"
خرج عن العقل وكلماتها تقوده لحافة الجنون "لا دخل لي بذلك ليال، لن أتزوج طفلة"
دموع الفتاة سبحت على وجنتيها، كان من المفترض أن تعترض هي ولكنه لم يمنحها الفرصة، هي لا ترغب بأي رجل بعد هادي 
هل حقا ما زلتِ تذكرين هادي؟
"أنا لا يمكنني الزواج من أي أحد ليال، أنا أحب هادي"
أشاح بيده وارتد للأريكة وأسقط جسده الطويل عليها وليال تلف وجهها للمتهورة التي تواجها بلا تعقل "ألم تدركي بعد أن والدك كان على حق؟"
استقرت سوداء عيونها الصغيرة على ليال وتوقفت الدموع على أعتابها، يداها فلتت من يد ليال وهي لا تفهم كلماتها "على حق بماذا ليال؟"
تراجعت ليال، نفخت وهي تحاول التماس الهدوء بدلا من الغضب وأنس يراقبها مدركا موقف ليال لكن يترك لها الدفة مع فتاة متهورة لا تفقه عن الحياة شيء
"ليال أنا لا أفهم شيء، من فضلك اشرحي لي"
لانت للفتاة، صغر عمرها جعل ليال تشفق عليها 
كانت بعمرها، تعمل وتذاكر وتصارع بالمطبخ لكن تلك الفتاة ذات الأيدي الناعمة تشبه أحمد مظهر بالفيلم، البرنس الذي يحصل على ما يشاء بلا عمل
"هادي لم يكن كما كنت تظنين ألاء، هو كما قال والدك، انتهازي ولم يرغب سوى بأموالك"
تراجعت، تنفي برأسها بلا وعي والحقيقة مؤلمة، مؤلمة جدا خاصة على قلب برئ أحب بصدق وصفع بقوة "لا، لا"
نهضت ليال، جذبت هاتفها وفتحته، صور كثيرة لهادي مع فتيات بعمره وأكبر منه بأماكن ليلية منها ملهى هارون نفسه..
شهقت من المفاجأة، يدها أسكتت صرخة ألم مزقت قلب ليال ولمست جزء من قلب أنس لكنه لم يهتم.. حضرتك، تبعدها عنه بأميال
"للأسف لم تحسني الاختيار والآن لابد من مخرج، أنا لا أعترض على وجودك معنا لكن والدك لن يقف متفرجا، لابد من حل يوقفه عنك"
استعادت نفسها.. خيانة هادي دفعتها لزاوية ضيقة أفقدتها الرؤيا والتفكير وكل شيء، تركت دفة حياتها تدور وحدها، للمرة الثانية تكره حياتها ولا ترغب بالبقاء 
هل الموت أكثر راحة!؟ كم مرة نسأل؟
لا أحد مات وعاد ليخبرنا هل ارتاح أم لا.. سبحان الله الحي القيوم
التفتت ليال لأنس، نظراته تحمل معاني كثيرة هي تفهمها كما فهم هارون رشدي وهي فهمت أحلام..
تلك الفتاة ضائعة ولو عادت لوالدها سيمنحها لمن هو أسوأ من هادي وهو يراه يناسبها لأنه ينتمي لنفس عالمه ولو رحلت الفتاة هاربة مرة أخرى إما ستقع بالرذيلة وإما ستنتهي بالموت
"إن لم يكن أنت أنس فليكن أحد آخر من رجالنا حتى.."
اعتدل وانزوى الحاجبين ليلتقيا بعقدة تدل على الاعتراض.. أي رجل هذا الذي سينال البسكوتة!؟ 
"حتى ماذا ليال؟ لتعد لوالدها، هو يعرف مصلحتها أفضل منا"
هل يجادل حقا؟
"لا، لن أعود لبابا"
ونهضت واقفة فجأة وليال تنتبه لها والفتاة تسرع للباب، أنس كان الأسرع طبعا، لفها بذراعه وتقريبا رفعها عن الأرض وهو يعيدها للأريكة وهي تصرخ وتركل الهواء بقدميها وتحاول أن تفلت من قبضته
"اتركني، أنتم لا ترغبون بي وأنا لن أعود له، لن أتزوج ذلك الرجل، أريد الرحيل"
أسقطها على الأريكة وليال تلحق بها لتبقيها "ألاء اهدئي، ألاء نحن نحاول مساعدتك"
صرخت بألم وفزع، لا أحد يشعر بالنيران التي تحرقها، لا أحد يدرك مشاعرها ومن أحبته خانها ووالدها يرغب بالتخلص منها وحتى من ظنت أنهم معها يتخلون عنها
"أريد أن أموت، لا أحد يريدني، لا أحد يحبني، لا أريد تلك الحياة"
وضمت وجهها بيداها وهي تعود للنحيب الذي لا تملك سواه..
لف أنس حول نفسه، فقد القدرة على رؤيتها هكذا وهو لا يملك أن يواسيها بأي شيء
"أنس"
أغمض عيونه، نفخ بقوة حتى التفت لها وواجه نظراتها الفارغة من أي شيء حتى من العتاب "ماذا ليال!؟ هل تظنين أنني لو وافقت هي ستوافق؟ ألا ترين ماذا تفعل؟ هي بالأساس تراني كوالدها"
عادت للفتاة، لمست يداها بحنان لتبعدهم عن وجهها والفتاة لا ترفع وجهها لها، هي لا ترى سوى طريق مظلم لا ملامح له، لا تعرف لأين سيأخذها ولا كيف يمكنها النجاة منه
"ألاء، أنسي أي شيء، لنرى كيف سيكون لقائك بوالدتك وبعدها نقرر ماذا نفعل"
لم ترد..
"ألاء نحن لن نتخلى عنكِ، أنا أخبرتك أن كل من دخل بيتي أصبح مسؤول مني وامرأة هارون الديب لا تخلف كلمتها"
رفعت الفتاة وجهها لها أخيرا والتقت بعيون ليال وأدركت الصدق بهما، ليس أمامها سوى ليال، هي طوق النجاة الوحيد ولا يمكنها تركه
ضغطت ليال على يد ألاء "ثقي بي ألاء، ثقي أنني لا أرغب سوى بصالحك"
هزة رأس أكدت أنها تصدق امرأة الديب وتثق بها فجذبتها ليال لأحضانها، تشعر بها وبمخاوفها التي تسكن قلبها 
لن تتركها للوحدة تنهشها كما كانت تفعل بها، لن تتركها تضل كما ضلت أحلام لولا كيوبيد الذي ضرب رشدي
ربتت عليها بحنان وتركتها تبكي بين أحضانها، تحولت لامرأة أكبر من عمرك يا فانيليا وفقدت معاني لن يمكنك التمتع بها لأنه سرقها معه ورحل بها..
**** 
"لا أفهمك ليال، أنس يتزوج؟ تلك الفتاة التي تصغره بسنوات كثيرة؟"
رفعت عيونها لصفوان الذي جلس أمامها بعد رحيل أنس بألاء ليعيدها القصر رغما عنه "هارون كان يكبرني بسنوات كثيرة صفوان ولم يعترض على الزواج مني"
رحلت الدماء من وجهه، ما باله يجرحها كل لحظة وأخرى بغباء "لم أقصد ليال"
عادت للشاشة، مشغولة بما فتحته منذ الصباح ومع ذلك لا تخل بما يحدث حولها "ألاء فتاة جيدة، صغيرة ومطيعة ويمكن تشكيلها بسهولة وأنس بحاجة لمن تكون طوع يده لا امرأة متمردة مثل مي"
أبعد وجهه لذكرى رفيقة الشيطان "أنس بحاجة للحب ليال"
لم تنظر له "ولم لا تحبه ألاء؟ عندما ترى به الفارس الذي ينقذها ويحميها ستحبه، عندما ترى مشاعره تجاها ستفتح قلبها اليافع له، هي ما زالت بيضاء صفوان، ذلك الهادي لم يملك قلبها وإلا ما تجاوزته بسهولة"
لف وجهه لها "لا أحد يعرف الحب الحقيقي مثلك زوجة أخي"
قبضة اعتصرت قلبها، صفوان يتعمد الضغط عليها بشكل مؤلم وهي تقاوم الاندفاع بوجه لأنها تحبه كأخ وصديق
لم ترد، الصمت لغة العظماء..
"أنتِ أوقفتِ الأمر"
ابتلعت غصتها وتجاوزت الألم "بل أسقط الفكرة بعقلهم ورفعت يدي، منحتهم الاختيار"
ابتسم، امرأة الديب تقود القطيع بمهارة "هو اختيار واحد ليال"
منحته نظرة ذات معنى فلم يعلق ولا هي
**** 
التزمت الصمت وهي تجلس بجواره، تشعر برهبة غريبة من وجوده، نظرة جانبية منحتها تفاصيله، يدان قويتان تقبضان على المقود، بنية هائلة متراكمة العضلات، كم مرة يتدرب باليوم؟
رفعت نظراتها لوجهه، منحوت كتمثال إغريقي ينتصب بكبرياء وشموخ، انزوى حاجبيه دليل على عمق التفكير.. أو التركيز
"هل أعجبتك ملامحي!؟"
ارتبكت، تورد وجهها وارتفعت أنفاسها وأصابعها تفرك بعضها البعض من الربكة "آسفة، ظننت أنك غاضب لوجودي"
لف وجهه لها، منحته وجه متورد، عيون خجلة، شفاه نصف مفتوحة تمنى لو.. لو ماذا؟ هل ضربك الجنون؟
التف للطريق وصافرة سيارة تخبره أنه كاد يصطدم بمن مر بجواره "اللعنة، أنا لا أعلم من أي مصيبة أتيت؟"
تألمت، أخفضت وجهها وتساقط شعرها القصير حول وجهها مخفيا ملامحها الحزينة، صوت بكائها وصله فثار غضبه أكثر.. أنت السبب تلك المرة
"ألا تعرفين شيء آخر سوى البكاء!؟"
زاد صوت بكائها وزاد غضبه فهدأ سرعة السيارة واتخذ جانب الطريق وتوقف، الغضب سيقوده لمصيبة جديدة وليال لن ترحمه، تحولت لنسخة من هارون..
"والآن هل تتوقفي؟ ذلك البكاء لا يحل شيء"
لكنها لا تملك سواه، هو مطافئ الحزن الكبيرة، لغة الألم والحزن الصامتة وأحيانا تلك الدموع قد تمنع الحزن من أن يتحول ليأس
"الدموع أحيانا تكون كلمات لا يستطيع الفم قولها ولا يمكن للقلب تحملها"
لف وجهه لها، لأول مرة تنطق كلمات موزونة، لها معنى حقيقي..
ظل يتابعها وهي تحاول وقف نحيبها، مسحت دموعها بظهر يدها وقماش بلوزة ليال التي تناسبها وأعجبه تصرفها الطفولي 
"لماذا ترفضين ابن عزمي؟"
لفت وجهها له، مظهرها كان بشع لكن مثير، جذبه، تورد وجنتيها، احمرار أنفها من أثر البكاء، تبعثر شعرها منحها جاذبية مخيفة لرجولته
رشدي أيضا كان يحب تلك الحالة بامرأته، وكم كان يدفعها لذلك كثيرا..
"أرفضه هو أو غيره، الرجال خائنة"
ابتسم رغما عنه، طريقتها غاية بالبراءة، أعجبته رغما عنه "كلهم!؟"
زاد تورد وجهها من نظراته، هو رجل وهي تتهم كل جنسه بالخيانة "آسفة"
رقيقة، بسكوتة، عصفورة وهو يرغب بوضعها بقفص خاص من ذهب "ربما يتراجع لو عدت مع والدتك"
ابتلعت خجلها وهو يعيد لها البساطة بالحوار ولم ترفض الرد "بابا لا يتراجع عن قراراته أبدا، بينه وبين أنكل عزمي مصالح مشتركة، سمعته وهو يخبر ماما أن زواجي سيفتح له طرق جديدة معه والمكاسب مضمونة"
أبعد وجهه للأمام بلا رؤية لم بالخارج، هؤلاء القوم يعيشون بمكان آخر، الثراء سمتهم الأولى وهي عاشت تلك الحياة، كيف ظنت ليال أنها قد تقبل الزواج به وتعيش بطريقتهم؟
"تلك هي حياتك ألاء، أنت اعتدت الثراء ولابد أن.."
لا.. هي لم تكن تعلم أن مصدر المال حرام ولا تريد العودة له 
"لا.. لو كان حرام فلا أريده، أنا أريد حياة نظيفة، حلال، لا يهم المال الكثير ولا الغنى، المهم راحة الضمير"
ثبتت عيونه على وجهها الصادق، ماذا لو عرفت حقيقته؟ للمرة المليون كيف فكرت ليال به كزوج لها؟
أبعد وجهه ولم يتحدث، أدار السيارة وقاد وهي لم تفهم أين الخطأ كي يصمت وينهي الحديث هكذا
"حضرتك.."
هتف، ضرب المقود بقوة، تلون وجهه بالسواد "كفى، ولا كلمة أخرى"
انكمشت بمكانها، أبعدت وجهها للأمام، فزعة من غضبة، مرتجفة من رد فعله، جاهلة سبب كل ذلك 
أمام القصر نزلت، تهرع، تفر منه للداخل، صوت الإطارات يمنحها نبذة عن أن الغضب لم يرحل منه، ثمية تلقتها بهدوء وأحد الرجال يتبعها بالأكياس وهي تلف حول نفسها بلا هدى
"مدام ثمية أنا جائعة"
ابتسمت المرأة للفتاة البسيطة وتناولت الأكياس من الرجل "سأجهز لك غداء شهي بمجرد أن تستبدلي ملابسك"
مشطت شعرها المبلل، هادي كان يطالبها بقصه دائما ولكنها كانت تحبه طويل، ليال ترفع شعرها دائما، أسما تطلقه حر ويبدو جميلا ستترك شعرها مثلها
انتبهت، ذكر هادي لم يؤلمها، لم تعد تفكر به كثيرا، حتى عندما أخبرتها ليال حقيقته تألمت قليلا ثم رحل الألم بسرعة.. هل كان حب بالفعل!؟ 
"تزوجي أنس"
نهضت من أمام المرآة، فجأة صورة هادي أصبحت مشوشة تكاد تنسى ملامحه وكلمات ليال فقط من تتردد بذهنها، تزوجي أنس
لكن أنس يكرها، أخبرها مرة أنها مزعجة واليوم ثار بوجهها غير راغب بكلمة منها، لماذا يكرها هكذا؟
تمددت، احتضنت الوسادة وهي ترى ملامحه مرة أخرى، كم هو وسيم حقا، كم عمره يا ترى، ثلاثين!؟ أكثر، رجل به كل صفات الرجولة، هادي كان مختلف..
لا تعرف كيف تقارن فلا مجال للمقارنة، ما أن ترى رجال ليال حتى تشعر بالأمان.. أغمضت عيونها، لم تفكر بلقاء والدتها المرتقب ولا والدها الذي يرغب بزواجها من ابن شريكه
فقط وجه أنس هو كل ما رأته بالحلم، يجذبها من يدها ويدفعها داخل السيارة ووالدها يهرع خلفهم غاضبا وهي تبتسم لأنس الذي يقود السيارة غير مهتم بصراخ والدها بالخارج وهي سعيدة بجواره
**** 
وصول ليال تزامن مع وصول ميسرة.. عندما فتح لها صفوان رأت المرأة تتحرك لها من السيارة التي وقفت خلف سيارة ليال
امرأة بأواخر الأربعينات تقريبا، أنيقة بدرجة مبالغة، حذاء وحقيبة من ماركة عالمية شهيرة، شعر مرفوع بطريقة أرستقراطية واضحة
وجه شاحب يشبه بملامحه ملامح ابنتها جدا، فم صغير محاط بتجاعيد واضحة، جيد ليست من هواة البوتكس والشد..
"مدام ليال"
رحبت بها باحترام "ليال، أهلا بكِ، اعتذر عن تأخيري"
منحتها ايماءة بسيطة وليال تتقدم للباب وميسرة تتبعها حتى بهو الجلوس وميسرة تتأمل القصر الكبير "القصر جميل جدا ليال"
جلست ونظراتها للمرأة "شكرا، ثمية"
"قصر هارون؟" "قصر يا قلب هارون"
الذكريات لا تفارقها..
لحقت ثمية بها "ماذا تفضلين مدام؟"
"أنتِ أزلتِ الألقاب ليال، إذن أنا ميسرة، أرغب بقهوة مضبوطة"
أنس وصفوان تجنبا التدخل وظلا بعيدا "القهوة ثمية وأرسلي لألاء من فضلك"
"أمرك يا باش مهندسة"
العيون البنية ثبتت على ليال، تدرسها، تتفحص كل شيء بها وتجاهلت ليال ذلك، لا يهم الشكل فهو مباح للجميع لكن ما تحته لها وحدها
"ألاء بخير؟"
القلق كان واضح، الحزن أكثر وضوح ورؤية غير صريحة عن مصير الفتاة "نعم، لا داعي للقلق"
"ماما"
نهضت المرأة بالحال، قلبها قفز خارج صدرها يهرع لابنتها وقرة عينها، تحركت لها بخطى متعثرة وألاء تهرع ملقية نفسها بأحضانها والمرأة ضمتها لها بقوة
"ألاء، ابنتي، حبيبتي، اشتقت لكِ، كدت أموت خوفا عليك"
وضعت ثمية الصينية وليال نهضت "أستأذنكم، البيت بيتك ميسرة"
المرأة كانت تمنح عيونها نظرة كاملة لابنتها تطمئن أنها بخير، ربما يهدأ قلبها ويوقف قلقه عليها "ألاء حبيبتي، كيف تفعلين ذلك بي؟"
دموع سكنت العيون، مرة أخرى لغة الحزن تتحدث "آسفة ماما ولكنك تعرفين، بابا لم يكن سيتركني، لم أكن لأتزوج ابن أنكل عزمي، لا أريده ماما"
دفعتها للأريكة، جلست وضمتها لها بحنان وشوق واضح "بابا يريد مصلحتك حبيبتي، فؤاد يحبك وسيكون جدير بك"
نفت برأسها، تمردت مرة أخرى "لا ماما، فؤاد لا يعرفني كي يحبني ولا أنا، لن أتزوجه"
أراحت راحتها على وجه ابنتها، تتأكد أنها بخير ثم لاحظت ذراعها المجروح فهتفت "ماذا بكِ؟ ذراعك مصاب، لماذا؟"
شحب وجهها، لن تخبرها بما كان "لا شيء ماما مجرد جرح بسيط"
هدأت ميسرة وما زالت تتأمل ملامح ابنتها فكم اشتاقت لها وقلبها تمزق لفراقها "لنعد البيت حبيبتي، أنت لا تعرفين أحد هنا"
أخفضت وجهها وقرارها نهائي "لا ماما، لن أعود"
تجهمت المرأة، جف حلقها، ذابت الكلمات بفمها من حرارة جسدها، هاتفها رن فجأة مما أفزع الاثنان وهي تجذب حقيبتها وتخرجه "نعم أحمد"
"هل رأيتها؟ هل هي بخير!؟ ميسرة لم لا تنطقي؟"
دموعها سبقتها "نعم يا أحمد رأيتها وهي معي وبخير"
رفع رأسه، قلب الأب ليس بسكوتة كالأم، قلب الأب يحمل نصفين، نصف حنان ونصف قسوة "أريد سماع صوتها ميسرة، امنحيها الهاتف"
بيد مرتجفة منحتها الهاتف وألاء تحدق بها ثم بالهاتف بلا رغبة بأن تحادثه، ما زلت تذكر كل ما عرفته عنه، قاتل، تاجر ممنوعات، آثار، سلاح، لم تفكر يوما أنها ابنة مجرم
"بابا"
أغمض عيونه، النصف الحنون يتألم لصوت ابنته، يرغب بضمها له فهي وحيدته، دللها كثيرا ومنحها كل شيء لكنها انقلبت عليه فجأة 
رغم التدليل لكن لها عقل راجح.. لم يحسب حسابه
"ألاء حبيبتي، أفتقدك بشدة"
بكت، تحبه جدا لكنها تخافه، ترفض طريقه "وأنا أيضا بابا، آسفة لما سببته لك"
"لا تعتذري حبيبتي فقط عودي مع والدتك وانتهى كل شيء"
كتمت بكائها "لا بابا، لا أستطيع العودة"
جن جنونه، لم يستطع إيقاف غضبه نفخ نيرانه بلا حساب لمخاوف ابنته التي لم ترحل "ستعودين غصبا عنك وستتزوجين فؤاد لنستر عارك وإلا أقسم أن.."
قذفت الهاتف، نهضت والفزع تملكها وميسرة تلتقط الهاتف "كفى أحمد أنت تخيفها"
"أعديها وإلا أقسم أن آتِ وأجرها من شعرها"
لمسة خفيفة على ظهر ألاء جعلتها تفزع لترى ليال خلفها "اهدئي ولا تخافي"
تشبثت بليال، هي الأمل، هي باب النجاة الوحيد لها، نهضت ميسرة واقفة والحيرة تملأ وجهها وهي تضع الهاتف بحقيبتها "ليال، ألاء لابد أن تعود معي وإلا أحمد.."
صوت ليال الهادئ بالضبط مثل زوجها، هادئ لكن مخيف "ألاء لن تخرج من هنا ميسرة وسبق وأخبرت زوجك أن ليال الديب لا يهددها أحد"
ميسرة رفعت صوتها بقوة وحزم "هي ابنتنا ولا حق لكِ بحبسها هنا"
صوت أوقف الجميع "هي ليست حبيسة هنا، هي زوجتي وليس من حق أحد إخراجها من بيتي"
رحلت الدماء من وجه ميسرة وألاء، ليال ظلت بلا أي ملامح، لم تطالبه بالتدخل لكن توقعته وانتظرت رد ألاء
"ماذا!؟ ماذا تقول؟ من أنت!؟ عن أي زواج تتحدث!؟"
وقف بجوار الفتاة المتشبثة بليال، رفعت وجهها لوجهه لكنه خالي من أي مزاح، جاد، حاد، مخيف "عن زواجي من ابنتك أتحدث، الليلة عقد قرانا، لو شاء سيد أحمد أن يكون وكيلها فالبيت مفتوح، فقط حفل عائلي بسيط بالثامنة"
تراجعت ميسرة، ترفض التصديق "لا، لا يمكن، ألاء من هو؟ هل انتهينا من هادي لتسقطي برجل بلا هوية"
ليال من أجابت "أنس أمين، ذراع هارون الديب، رفيقه وصديقه، هويته يعرفها الجميع ميسرة"
المرأة كانت كالتائهين، نظراتها تبعثرت عليهم بلا إدراك لما يحدث حتى ثبتت على ألاء التي دفنت نظراتها بصدر ليال... 
تبكي بصمت ولا تعرف ماذا تفعل، لا ترغب بالسؤال التالي ولكن ميسرة لم ترحمها
"ألاء هل ما يحدث هذا حقيقي؟ ستتزوجين هذا الرجل؟"
أنس أم فؤاد ألاء؟ من يمكنه منحك الرد!؟ 
فؤاد عنوانه الرذيلة، أنس عنوانه، الفضيلة تحرسها الرذيلة، عرفت عنه كل شيء بالساعات الماضية لكن ماضيه ظلام معتم لا يمكن اختراقه
"ألاء، أجيبي، هل توافقين على ما يحدث هنا؟"
لم ينظر لها، ثابت كالجبل بجوارها، مجنونة، صغيرة، طائشة لكن بها شيء يجذبه، بسكوتة يرغب بتجربة مذاقها..
"نعم"
وصدرت منه تنهيد وصلت لها جعلتها تلف وجهها له ونظراته تسقط عليها، تخبرها أنها لن تندم، لم تعرفه شخصيا، لم ترى منه غير الغضب منها لكنه الآن يقف بجوارها، ينقذها يمنحها الأمان الذي تفتقده
كما قالت ليال.. الفارس تعشقه البنات.. ألم تعشق منقذها منذ كانت طفلة؟ ألم تسقط بغرامه؟ 
هارون..
تحركت ميسرة مدفوعة بالغضب الواضح على ملامحه بطريقها لألاء ولكنها تواجهت مع جسد صلب، حصن منيع لن يخترقه أحد 
هاجمت بكلماتها "أنتِ ابنتي وأنا أعرف صالحك، ابتعد عن طريقي يا أنت"
لم يتحرك، فقط صوته العميق هو ما أجاب "أنا هو زوج ابنتك القادم يا حماتي، نورتِ"
تسارع النبض، شق القلب صدرها وكادت تتجاوزه لتجذب ابنتها لكن ليال كانت تلفها بذراعيها متأكدة أن أنس لن يفلت ميسرة وهو ما كان
اصطدمت بجسده فتراجعت من قوته "ابتعد عني، ألاء أنا أمك، هؤلاء ليسوا أهلك"
كان عليها حسم النزاع وإيقاف الجنون "بل هم كذلك ماما، أهل زوجي أهلي"
أراد التصفيق بشدة لكلماتها، تمنى لو التف لها وأخبرها أنه بدأ يغير رأيه بها ولكن مهمته لم تنتهي 
وصول صفوان زاد التعقيد "ماذا يحدث هنا!؟"
لم يجيبه أحد وميسرة تواجه ليال "أحمد لن يوافق على ذلك ليال ولا أعرف كيف سيكون رده؟"
"لا يهمني ميسرة، المهم سعادة ألاء وهو ما تمنيت أن تهتمي به كأمها"
هدف جيد ليال لكن بلا فائدة، المرأة رمقت ابنتها بنظرة غاضبة ثم تحركت للخارج وألاء تنهار بالبكاء بأحضان ليال وأنس ينفخ بقوة وصفوان يجاوره 
"أرغب بسيجارة صفوان"
تجهم صفوان، كلمات هارون تملأ الأجواء، ابتعد أنس ليجلس وهدأت ألاء "آسفة ليال، آسفة أستاذ أنس أنا.."
رفع وجهه لها "أنتِ تغلقي فمك هذا ولا تنطقي بكلمة أخرى"
رمقه صفوان بنظرة عتاب والفتاة شاحبة عاجزة عن النطق وليال تحاول تلطيف الأجواء "اسمه أنس ألاء، توقفي عن البكاء حتى يمكننا أن نتحدث"
مسحت دموعها بطريقتها الهزلية وهو أبعد وجهه نافخا مرة أخرى وصفوان يجلس بجواره "ستتزوجها أم لا!؟"
لف وجهه لها والغضب سلطان "هل ترى أن الأمر يتحمل مزاح؟"
صفوان لا يمزح، غضبك يعميك "أنا لا أمزح، ما حدث لن يمر، أحمد يدخل الحرب بلا مقدمات"
"وأنا لا أخاف صفوان، سأتزوجها وليفعل ما يشاء"
ألاء لم تكن تدرك ماذا يحدث حولها، جنون، حرب، موت، هي لا ترغب بكل ذلك 
هاتف ليال يقطع حالة الجنون ورقم أحمد فهمي يظهر "سيد أحمد"
"هل تظنين أن ما حدث سيمر بالسهل؟ ابنتي تعود اليوم وإلا أقسم.."
"لا تهددني أحمد أنت لا تعرف من أنا، ابنتك لن تعود وافعل ما شئت"
وأغلقت والتفتت لأنس "اطلب المأذون، ستعقد عليها الآن، جهز الرجال صفوان الرد لابد أن يليق بهارون الديب"
نهض الرجلان ولا واحد منهم ناقشها بأوامرها، ألاء تحدق بها، ليال امرأة أخرى، حادة، مخيفة 
"اسمعي ألاء، ربما لا تعرفين أنس، لم تحبيه، لكنه هو من ينقذك الآن من مصير لن يعجبك فهل ترغبين بالرفض؟"
هل تمنحها الاختيار بعد أن أصدرت أوامرها والرجال تنصاع لها بطريقة غريبة؟ 
أجابت بصدق "هو لا يريدني"
لانت ليال قليلا "بحضرتك وأستاذ؟ بالطبع لن يرغب بكِ"
تورد وجهها وأخفضت نظراتها "خشيت أن يغضب"
"هو يغضب بالفعل لكن وأنت تناديه بهم"
تفهمت الآن لذا لم ترد "عقد القران حل لإنقاذ الأمر وأن وجدتِ نفسك لا ترغبين بإكمال الزواج سأضمن لك الخلاص"
رفعت لها وجهها، تثق بها وبوعودها وهي كل يوم تدرك أنها ليست امرأة عادية
انتهى المأذون من إجراءاته وهي لم ترفع وجهها لأحد، وليال هادئة تراقب بصمت، أسما جالسة بجوارها وزوجها يوقع شاهد أول ورشدي شاهد ثاني، أصبح يشاركهم كل شيء
رحل المأذون، ورحل معه رشدي، صوت سيارات ارتفع خارج القصر وصفوان يجيب الحرس "أحمد فهمي يطلب لقائك"
اعتدلت بالمقعد وألاء انكمشت ترتجف "أنس خذ زوجتك لغرفتها، أسما اذهبي معهم"
لم يعترض أحد، منحت صفوان إيماءة فمنح الإذن
رجال هارون الديب تقف كالأسود بمواجهة رجال فهمي وهو ينزل من سيارته، يدخل القصر يصحبه رجلان بعد التفتيش ونزع سلاحهم 
ليال ثابتة بمقعد الديب، قوته تلفها، تحميها، تزيدها رهبة لعدوها
"أريد ابنتي ليال"
قوية لا تهتز "لا ترفع صوتك ببيتي واسمي مدام ليال"
صفوان كان واقفا مانحا عدوه لمحة عما سيفعله لو تجرأ ولمسها، رجلان لفا رجال أحمد "أريد ابنتي"
نبرته هدأت، هو بوكر الدياب ولن يكون فريستهم لكنه لا يخاف "لم تعد تخصك"
هتف مرة أخرى بجنون، ليست امرأة من تمنعه عن ابنته "تخص من إن لم تخصني؟"
صوت أنس أجاب "تخصني أنا، زوجها"
وصل أنس بجانب ليال، رجال الديب تحميها بحياتها "أنت من لتتزوج ابنتي؟"
فخور برجالي.. وأنا كذلك حبيبي، فخورة برجالك
"أنس أمين، ذراع هارون الديب الأيسر"
سخر بلا تفكير "وماذا فعل له ذراعه الأيسر أو الأيمن حتى؟ ألم يمت وينتهي؟"
نهضت، ألسنة نيرانها ترتفع لتلتف حول عدوها "لا، هارون الديب لم يمت وإلى هنا وانتهينا، ابنتك تزوجت أنس ولم يعد لك أحد هنا، لا تكرر زيارتك"
لم يتراجع من هجومها، اشتعال النيران بعيونها، قوة صوتها وثباتها جعله يدرك أي خصم يواجه ومع ذلك اندفع بقوة "أنتِ من بدأ العداوة ليال"
"أنت لا ترى ولا تسمع سوى نفسك، حتى لو بعت ابنتك ولكن أنا من سيحميها من أفعالك"
رفع يدها محذرا "لم يعينك أحد وصي عليها، سآخذ ابنتي شئتِ أم أبيتِ"
غضبها سقط بعيونها النارية، أظلمت أكثر ولم يعد أحد يرى منها شيء "اخرج من بيتي قبل أن أجعل رجالي تمزقك إربا"
"كيف تتجرئين أيتها النكرة؟ أنت بالأساس تخطفين ابنتي"
الجنون ارتفع بينهم وهي لا تتراجع وأنس وصفوان يبنيان جدار حاجز بينه وبينها وهي تجيب بقوة 
"أي ابنة؟ أنت لا تصلح لأن تكون أب ولا لأي شيء، وأنا لا يشرفني وجود رجل مثلك بلا شرف ولا ضمير ببيتي، اخرج" 
اندفع ليتخطى أنس وصفوان بقوة رافعا يده معتقدا أنه يستطيع اختراق رجال الديب وصفوان يقبض على معصمه بقوة 
"لو فكرت أن تكررها ستصبح بذراع واحد، سنمرر تلك المرة لأجل ابنتك، زوجة أخينا والآن زوجة الريس أمرتك أن تخرج وما عليك سوى الطاعة"
حاول تخليص يده من قبضة صفوان الذي لم يتركه مستمتعا بنظرات الفزع بعيونه رغم أن الرجل لم يحاول الاستسلام
"ستندمين، ستندمون جميعا، لا أحد يقف بطريقي إلا وأدهسه وابنتي أعرف جيدا كيف أعيدها"
صفوان أيضا من رد "ليس لك ابنة هنا، والآن خذ فضلاتك واذهب قبل أن أبدل رأيي وأتسلى عليكم باقي الليل"
وتركه، دافعا إياه للخلف ورجاله المقيدة برجال هارون تلقوه وهو يرمق صفوان بنظرات قاتلة "لن تظل زوجتك لوقت طويل أنس، سأقتلك وأقتلها"
والتفت خارجا يتبعه رجلاه ورجال هارون للسيارة وليال ظلت ثابتة "زد الحراسة على القصر والشركات وحتى المخازن، ضع رقابة عليه هو شخصيا"
وافقها صفوان والتف لأنس "ستتزوجها حقا أنس؟"
نظرت له بلا تصديق، أنس التفت له، رفع حاجبه بلا خجل من ليال "ولم لا؟ هي تعجبني"
ابتسمت ليال "حقا!؟ ومن الذي كان يثور بوجهها؟"
"هل تغاضيت عن حضرتك؟"
ابتسامتها ظلت ثابتة لكن ضحكتها لم تخرج منذ رحيله.. 
"هي صغيرة يا رجل" صفوان يجيد التحدث 
"حقا؟ أبدو كوالدها صفوان"
ابتسم صفوان وليال "أو ربما جدها"
"ليال!؟"
ظلت الابتسامات ثابتة على الوجوه وكأن ما حدث من دقائق لم يحدث أصلا، الغضب فقط ارتسم على وجه أنس 
"أستسلم لك أنس، اصعد لزوجتك، ليلة سعيدة لا أريد رؤية وجهك بالصباح وأنت تصرخ بي"
نفخ وتحرك وصفوان يتبعه "أرسل لي زوجتي يا رجل"
ارتد لها وهي لا تجلس، انتهى اليوم ربما، لكن الحكاية لم تنتهي
"لا تغفل عنه صفوان، طابت ليلتك"
"وليلتك"
أسما منحتها كلمات بسيطة على السلم "الفتاة لا تتحدث ليال، تبدو خائفة"
لم تمنحها أي رد على وجهها "أنس يعرف كيف يتعامل أسما"
وتركتها وتحركت لغرفتها، أغمضت عيونها وهي تستند على الباب، التعب يهاجمها بمجرد الاختلاء بنفسها، تقلصات معدتها لا تتوقف
فتحت عيونها وتحركت، تناولت الدواء وفتحت هاتفها على صورته "اشتقت لك حبيبي، هل أجيد التصرف هارون؟"
لا إجابة، فقط صورته وهو يحتضنها وهي تنظر له، شعرها يتطاير، صدره العاري يتلقى يداها، وجهه الجامد ثابت على ملامحها
ثبتت الكاميرا لتلتقط لهما الصورة وهو نسى الصورة وهام بعيونها..
كم أحبك هارون، كم أتمنى رؤيتك، اشتقت لك حبيبي متى ستعود؟
في غيابك أفتقد لون حياتي، أفتقد ضحكاتي، أفتقد لذة الحياة
ضمت صورته لصدرها بألم "كل ما في الأمر حبيبي أنني صغيرتك، التي لا تجيد أبدا مواجهة الدنيا في غيابك، ما أفعله لا شيء، أنا أحيا بلا روح"
فتحت عيونها لصورته مرة أخرى "وأنت غائب أستجمع أنفاسي، ألملم بعثرة نفسي، أملأ قلمي بالحزن، أحاول أن أصف لون وطعم ورائحة غيابك، لكن لا شيء حين تغيب يكتب"
**** 
ظلت جالسة، منكمشة على طرف الفراش، لم تكن تهتم بذراعها المتألم، ولا ما حدث مع والدتها أو والدها
كل ما تفكر به الآن، هو ماذا سيفعل معها؟
لم تسمع ما تم بينهم وبين والدها، أسما أخبرتها ألا تخاف، كلهم يجيدون حماية من يخصهم جيدا
الآن وهي تراه يدخل تدرك أن ساعة المواجهة قد حانت.. الغاضب أصبح زوجها وعليها مواجهة غضبه 
أسما حاولت منحها بعض السكينة، كلمات رائعة عن أنس، رجولته، شهامته وشجاعته، لا شيء أراح قلبها، عطره انتشر بالغرفة، لم ترفع وجهها
"كنت تحبينه؟"
رفعت وجهها لمواجهته، ما هذا السؤال؟ يسألها عن حبيبها بليلة زواجهم؟
كان يقف أمامها، نظراته قاتمة، حالكة كالليل العميق، الساكن سكون مخيف "لماذا لا تجيبي؟"
ارتبكت، لا تعرف ماذا يجب أن تقول؟ ضاعت منها الكلمات، زوجها يسألها عن حبيبها
"أجيبك على ماذا؟ أنا لا أفهم"
"ذلك الهادي؟"
ظل بمكانه وهي تواجه ووجهها شاحب لا تعرف بماذا تجيبه؟ الحقيقة "كنت أظن ذلك، لكن ما أن عرفت حقيقته عرفت أنه لم يكن شيء"
اكتفى بالرد ونزع قميصه، شهقت وأخفت وجهها بيداها فالتفت لها بدهشة فأعاد القميص على جسده وابتعد "لقد ارتديته، سنبيت هنا حتى يبنون لنا بيت"
جذب غطاء ووسادة وتحرك للأريكة وهي ترفع يداها لتراه يتحرك للأريكة "ستنام عليها؟"
خلع حذائه وفك الغطاء دون النظر لها، كان عليه إحضار ملابس للنوم "لا أظن أنكِ سترغبين بمشاركتي لكِ الفراش"
وتمدد وهو يجذب الغطاء فوقه منهيا الحديث، هل تركها حقا ولم يطالبها بأي شيء؟ هل هو زواج صوري؟ شكلي؟ لينقذها من مصير مظلم أراد والدها إسقاطها به؟
لم يخبرها عن والدها، ولا كيف تركها أحمد دون جذبها من شعرها، لم تهتم طالما هي بعيدا عن عالمه وعالم عزمي
ظلت تنظر له بصمت، وجهه كان هادئ، أنفاسه انتظمت فتراجعت بالفراش وانكمشت به وعيونها ثابتة عليه وبدلا من أن تخاف منه شعرت بالأمان والراحة لوجوده..
**** 
الشكولاتة ابتسمت للعملاق، رفعت يداها على صدره وهو يمنحها نظراته "لا أصدق أن أنس تزوج تلك البسكوتة صفوان، إنها طفلة"
أبعد خصلة تداعب رموشها لخلف أذنها وعطرها يجذبه راغبا بغرفتهم وفراشهم، الزواج ممتع بطعم الشكولاتة
"أنس سيصنع منها امرأة جيدة، هل نقلق على حالنا، أرغب بالشكولاتة"
ضحكت فأسكتها "أسما، ليس هنا، هيا"
كثيرا توقف نفسها عن غيرتها من اهتمامه بليال، تركته يجذبها لبيت هندية حيث يقيمان وبالغرفة التي سكنوها ضمها له بجنون، لا يكتفي منها، لم تشبع منه أو تنال حتى اسبوع عسل كباقي الزوجات..
ضمها له وذهنه عاد للرجل الذي اخترق حياتهم، لن يظل صامتا وابنته سرقت منه "ماذا بك حبيبي؟"
تعيده من قارة أخرى مستسلما لها "لا شيء"
رفعت رأسها له والخضراء تنثر ضيها على ملامحها "أنت لا تخبرني أي شيء عنكم"
الصمت لا مكان له هنا وإلا ستنتهي الليلة نهاية سيئة "لا شيء أخبرك به أسما"
تعلم أنه يبعدها عن ليال وعملهم وكل ما يخصها وهذا يزعجها، يشعرها بالغربة "سنمضي غدا معا، إنه الجمعة صفوان"
رسالة على هاتفه جعلته يجذبه "اجتماع المجلس غدا صفوان، سنرحل بالعاشرة صباحا"
أبعد الهاتف فلمح الغضب على ملامحها "لا تخبرني أنها هي؟"
لم يبعدها ولكن هي من ابتعدت جاذبة روبها وتحركت للنافذة ضامة ذراعيها أمامها، بنطلونه كان بجواره ارتداه وتحرك لها، لفها بيداه لتواجه "هي هذه تعني ليال أليس كذلك؟"
نظراتها الغائمة ببعض الدموع وبعض الغيرة وكثير من الغضب، واجهته "صفوان أنا.."
أحنى رأسه ليصل لوجهها "لن نعود لتلك العقدة مرة أخرى أسما، ليال عملي والعمل لا جدال به"
نفضت يداه، ابتعدت، لا تقبل تلك الكلمات، لا عمل بحراسة امرأة
هل نسيتِ أنها من أمسكت بيدك قبل أن تغرقي يا شكولاتة؟
"أنت تمضي معها وقت أكثر مني صفوان، أنا زوجتك وليس هي، نحن تزوجنا منذ يومان ولم أحظى بك سوى يوم واحد"
تبللت وجنتها بالدموع وهو يدرك ذلك لكن لم يتحرك لها، لم يواسيها بجنونها "لم أخدعك ولم أمنحك أي وعود كاذبة، كنت تعرفين ظروفي أسما"
التفتت تواجه ظهره "ليال ليست ظروفك صفوان"
دوره بأن يرتد بنظره لها، مواجها دموعها، مدركا غيرتها لكن لا مكان لذلك الآن "ليال هي كل ظروفي أسما، ظروف عملي، كم مرة علينا الدخول بهذا الجدال؟"
أشاحت بيداها بيأس، غيرة، رغبة بأن تحتل مكانة ليال بقلبه أو بمكان آخر، أنتِ كل قلبه يا شكولاتة ولكنكِ لا تفهمين الفارق..
"لن أتوقف حتى تكون لي وحدي صفوان، ليال لن تشاركني بك"
رفع يده يحذرها وقد انغلقت الخضراء تعلن انتهاء الهدوء وبداية الجنون "احذري أسما، مائة مرة أخبرتك أنها أخت وزوجة أخ فقط، وعملي هو حمايتها لأنها ببساطة زوجة الريس، الرجل الذي أدين له بحياتي ورحل وهو يضع امرأته بعنقي"
هتفت بجنون لم تستوعبه "والريس مات ولم يعد موجود وأنت لم تعد تعمل عنده بل عند امرأته، المنفذ تقوده امرأة، كان لابد أن تكون أنت من تجلس مكان هارون لا يمكنك.."
توقفت، استوعبت جنونها ولكن بعد فوات الأوان..
رفع رأسه، جنونها تخطى الحدود وهو لن ينقاد معها بهذا الطريق لذا كل ما فعله أنه جذب قميصه الملقى وهي تستوعب ما قالت وما يفعله فأسرعت له لتوقفه 
"صفوان أنا لم أعني شيء، صفوان انتظر أنا.."
جذب ذراعه من يدها وتحرك خارجا، تتعمد إيلامه كلما خاضا بتلك المحادثة، غيرتها تعميها 
ترى ليال بمكانة تتمنى لو كانت هي بها ولا تدرك أن هارون لم يترك امرأة عادية بل ديبة 
حتى الآن ورغم كلماته واعترافاته لها لم تفهم علاقته بهارون وإخلاصه له حتى بعد موته، لم تستوعب مكانة ليال وابنها، لن تنغمس بذكرياتهم ولا روابطهم التي انعقدت على مدار السنين
لم يجد سوى سيارته لتأخذه للفندق، مكتب هارون، ظل واقفا أمام مكتبه "كان لابد أن تكون أنت مكان هارون.."
أغمض عيونه، لا أسما، لا أحد جدير بذلك المكان سواه، حتى ليال لن تصل أبدا لمكانته.. أنا مجرد رجل من رجاله لكن هي زوجته وتحمل ابنه، وريثه..
الأريكة هبطت تحت ثقل العملاق، هنا حيث تشاركا الكثير معا، الآن هو وحده بلا رفيق عمره، ثلاثة وعشرين عاما هارون وربما أكثر، لم نفترق 
كنت أب وأخ وصديق ولم تتخلى عني بأي يوم والآن أنا أتيه وحدي، لماذا لم أختار مثلك؟ امرأة تتحدى العالم بالأبيض، تخبرهم أنها مؤمنة بعودة حبيبها 
لماذا لا تؤمن بي أسما؟ لا تحبني كما أنا؟
تمدد والتفكير أرهقه، كلماتها أوجعت قلبه وأغمض عيونه ملتمسا الراحة بجوار من كان كل شيء بحياته 
وأنتِ فقط أسما من تشاركه قلبه..
**** 
صوت باب أزعجها، لم تنم إلا ساعات قليلة، لم تعتاد أن ينام أحد بغرفتها خاصة لو كان رجل، زوجها..
فتحت عيونها ففزعت عندما رأته يجفف شعره ووجه، اعتدلت وكأنها رأت الشيطان وهو لم يهتم، أو ادعى عدم الاهتمام فملامحها وهي نائمة جعلته يقف أمامها فترة يتأملها
جميلة، بريئة، بسكوتة حقا، بشرتها البيضاء تشبه الكريمة النقية، ابتسم، بسكوت بالكريمة..
أبعد المنشفة ومرر أصابعه بشعره الغزير لكن ليس كشعر الريس، كلهم كانوا يتجادلون على شعر هارون بعدم قصه وهو كان يقصه حتى أتت الفانيليا وأصدرت أوامرها 
لا تقصه هارون..
"تنهضين مفزوعة هكذا كل يوم؟"
ارتدى حذائه وهي تضم الغطاء على بيجامتها الوردية "لا ولكن.."
رفع نظراته الجذابة لها والتقى بسوداء تحمل الفزع داخلها، هل حقا تفزع منه وهو زوجها؟ ماذا لو طالبها بحقوقه؟
نهض واقفا وهو يغلق قميصه "لا تخرجي من القصر لأي سبب، والدك سيحاول إعادتك بكل الطرق"
تحرك لكنها أوقفته "إلى أين؟"
لف وجهه لها وهو يقبض على مقبض الباب "عليك بتعلم أشياء هامة هنا؛ أولها أن عملي أهم شيء بحياتي وحماية ليال هو عملي الأول، ثانيا لا تساليني مرة أخرى إلى أين"
بهت وجهها ولم تعرف ماذا تفعل والصمت كان نتيجة حتمية لما سقطت به
كاد يذهب ولكنه ارتد لها مرة أخرى "على فكرة أنا زوجك ولستُ مغتصبك كي تفزعي لوجودي هكذا أو تغطي جسدك عني"
وخرج مغلق الباب خلفه وتورد وجهها من كلماته 
تعلم أنه زوجها ولو طالبها بأي شيء فهو حقه لكن هي لم تعتاد عليه، لم تعرفه لم تظن أنها بيوم وليلة ستتزوج رجل لم تراه بحياتها إلا ساعات معدودة
**** 
"صباح الخير ليال"
رفعت وجهها له وهي تتناول الحليب، ثمية تصر عليه 
"من أجل الطفل مدام".. وهي تفعل
"ماذا تفعل هنا؟"
جلس بجوارها "هل صدقتِ أني عريس وسأبقى بجوار عروستي يومان عسل؟"
ظلت صامتة، تدرك كلماته، لم تظن أنه سيأخذ الفتاة وهو لم يعرفها ولا هي
عادت للطعام بهدوء "لا، ولكن على الأقل صورتك أمام الرجال"
تناول الطعام مع الشاي بلا نظرات "الرجال تعرف ظروف زواجي، وأنتِ أيضا"
نظرة لوم من عيونه لها ولكنها تغاضت عنها "الفتاة جيدة وستكون كما تريد"
"الفتاة تراني طوق نجاة ما أن تنجو ستلقي بي بعيدا"
نظراتها له كانت فارغة، لا تحمل أي معاني ليس لأنها لا تعرف صدق ما يقول من عدمه ولكن لأنها لا تصدقه بل ترى العكس، ستتمسك به
"لكنت ألقيت بهارون خارج حياتي"
توقفت يده أمام فمه، لا أحد تحدث معه عن هارون ورحيله، هو وصفوان تجنبا الحديث عنه، الرجال تفعل المثل وليال منغلقة 
"لم أعرف امرأة أحبت زوجها مثلك، ورغم كل ما حدث مؤمنة أنه سيعود"
أخفضت وجهها بكوب الحليب، قلبها متعب وعقلها مشغول بما هي بطريقها له 
صوت سيارة بالخارج، فرفعت وجهها وكذلك أنس ورؤية صفوان وهو يدخل بدت غريبة 
"صباح الخير"
الاثنان بدت عليهم الدهشة "كنت بالخارج!؟"
لم ينظر لها وهو يجلس وبدت ملامحه مرهقة، عيونه محلقة "نعم، ثمية"
أسرعت له المرأة وأنس يواجه ليال "قهوة سادة"
"ماذا بك؟"
لم يمس الطعام "لا شيء، متى سنذهب؟"
لم تجادله لأنها لم ترغب بالضغط وهي بالأساس مشغولة لكن..
"بالطبع تتركني من أجلها"
التفت الثلاثة لمصدر الصوت.. 
..أسما
تعليقات



<>