
رواية غرام في العالم السفلي الفصل الرابع والثلاثون34 بقلم داليا السيد
المجلس.. رصاصات
احتل الغرور قلبك، بل الغيرة أم الحقد؟
تلك مكانتي أنا التي تجلسين بها
غشاوة سقطت على العيون، أزاحت الخير الذي كان ولعبت الرذيلة المباراة وفازت بكل الأهداف..
تجهمت الوجوه بلا فهم، ليال ظلت هادئة، لا تفهم ماذا تعني أسما بكلماتها! أو ربما تفهمين يا فانيليا
لا، أعتذر نحن هنا بحضرة امرأة الديب
عادت لكوب اللبن ولم تمنح أسما اهتمامها، بينما تحركت أسما للداخل وصفوان هو من منحها نظرات نارية "أسما توقفي"
أنس زاغت نظراته بينهم وتحلى بالصمت مثل ليال وأسما تقف أمامهم، البكاء هو كل ما فعلته طوال الليل، لم تستطع وقف شيطانها، عبث داخلها
تحكم..
تسلط..
حتى أشعل النيران وانتصر
"وإن لم أتوقف صفوان ماذا سيحدث؟ تخاف على مشاعرها؟ لا ترغب بأن تجرحها عندما تعرف أنها سبب دمار حياتنا"
دفع المقعد للخلف بصوت مزعج، والمقعد كاد يسقط من قوة دفعة العملاق له وقامته اليافعة تعلن عن ضجيج مزعج داخله اسمه الغضب
"كلمة أخرى ولن أكون مسؤول عن تصرفي معك"
لم تتراجع، أعماها الجنون، أنت لم تحبيه، أنت أحببتِ مكانته، حمايته، أحببتِ أي شيء إلا قلبه الطيب
"ومتى يمكننا التحدث وأنت كل وقتك لها هي؟ لماذا تزوجتني طالما تحبها ولا تستطيع الابتعاد عنها؟"
صفعة قوية تلقتها على وجهها أخرستها ودفعتها حتى كادت تسقط
ليال نهضت ففزع
أنس تحرك له ليوقفه عنها ويدفعه بعيدا وما زال غضبه لم يتوقف
"لا تتحدثين عن الحب لأنكِ لا تعرفين عنه شيء"
لمستها ليال تحاول أن تهدئها وهي تهتف بالعملاق "صفوان هل جننت؟"
لكن هي بالفعل لا تعرف معنى الحب، حب الإخوة الذي ربط فتاة صغيرة برجال أحاطوها منذ الصغر ويوم عرفتهم عرفت أن لها عائلة أغنتها عن العالم كله
نفضت يد ليال.. كادت تدفعها بعيدا وهي ترد بنبرة امتلأت بالكراهية "لا تدعين البراءة ليال، أنتِ تعرفين كل شيء، وربما تحبينه أيضا وتدعين حبك وإخلاصك لزوجك"
لولا أنس لفتك العملاق بها، اقتلعها من مكانها وقذف بها خارج هذا البيت
ليال ظلت متماسكة وهي تخاطبها "أسما اهدئي وسنتحدث بوقت آخر"
هل حقا تتغاضين عما قالت؟ تتسامحين باتهامها لكِ بشرفك مع زوجها؟
أنتِ تخونين الريس؟ ومع رفيقه الأول؟
"تمثيلك رائع ليال ولكن لست أنا من ينخدع بذلك"
حاول صفوان التخلص من أنس، دفعه بعيدا عن طريقه ليقتلها ولكن أنس كان الأقوى رغم قوة العملاق "أنا من انخدع بكِ حقا، لم أظن أنكِ تفكرين بتلك الطريقة"
التفتت له وليال تخدرت من كلمات أسما واتهامها الصريح، الإهانة مؤلمة خاصة عندما تأتي من شخص قريب لك كنت تثق به وتضمر له كل الحب والتقدير
"بل لم تظن أن أعرف الحقيقة، تتزوجني لتتستر على علاقتكم"
صوتها كان الأقوى تلك المرة، ليس به تخاذل أو ضعف "كفى، إما أن تتحدثي عنا باحترام أو لا تبقي هنا لحظة أخرى"
وفقدت الفانيليا نفسها، تهورت، لم يمكنها تحمل الاتهام خاصة مع صفوان، القلب النقي والأخ المخلص لها ولزوجها
أسما أصيبت بالجنون، هل تطردها حقا؟
وماذا ظننتِ أيتها المخبولة؟ أنه بيتك وأنتِ من سيطردها؟
صفوان هتف "لم يعد هناك أي حديث، انتهينا، عودي البيت"
لكنها لم تتراجع، لم توقف جنونها أو شيطانها، أنتِ تنتمين للرذيلة ولا مكان عندك للفضيلة كما كنت تدعين "ليس قبل أن تختار صفوان إما أنا وإما هي"
توقف عن دفع أنس الذي اعتدل متفاجأ ونظراته حادة "صفوان، ليس الآن، خذها وعد البيت وانهي.."
لم يكن يسمعه بل سمعها وفهمها جيدا "أخبرتك من قبل ألا تفعلي ذلك لأنك تعرفين نتيجة الاختيار"
شحب وجهها، الذهول سقط عليها كجبل ثلج دفنها بمكانها
جمدها..
تمثال من الثلج أصبح أمامهم، صوتها لم يخرج، ضعف..
قلبها لم يؤازرها لأنه كان معترض على جنونها وعقلها خذلها ورحل
ليال تدخلت للمرة الأخيرة "قلت كفى صفوان، اذهب معها وحلوا مشكلتكم معا"
لكنه عاد للهدوء، استوعب كل ما يحدث وخرج صوته ثابتا بيقين "لم يعد هناك مشكلة ليال، أسما لن تفهم بأي يوم ما بيننا لذا لم يعد للحديث أي أهمية"
التفت أنس لأسما ونظراته نارية، لأول مرة له وجه آخر غير أنس الهادئ "للأسف أسما صفوان على حق، لا أحد سيتفهم علاقتنا بليال، زوجة أخينا ستظل للأبد أخت وحمايتها قبل أنفسنا"
التفتت أسما له، نظراتها نارية، امتلأت بأشياء لا مكان لها ببيت هارون الديب ولن يكون "أنت تقول ذلك لأنك لم تعرف امرأة أخرى، لم تحب وهو أيضا لم يحبني، هو لا يرى سواها"
وصول ألاء كان غير معلن، لم يمنحها أحد أهمية، الصوت جذبها فنزلت لترى حرب دائرة وكلمات أنس توافق ما قاله لها
ليال..
وزوجها، مع إيقاف التنفيذ، هو من تحدث "نحن كلنا لا نرى سواها أسما، لأنها أمانتنا حتى يعود الريس ويستردها"
رفعت ليال وجهها له، هو يؤمن مثلها بعودته!!
"أنتِ فقط لا تريدين استيعاب الحقيقة أسما، ليال أختنا الصغيرة لا أكثر ولا أقل"
لم تتراجع بل سكبت المازوت على النيران فالتهبت واشتدت ألسنتها "بل لابد أن تفعلوا لأن هي من تقودكم الآن، ألا تخجلون أن امرأة .."
لم تكمل وصفوان يتحرك لها وقد غفل أنس عنه والجنون يحركه لكنه توقف..
عندما وضعت ليال الديب نفسها، بينه وبين تلك المجنونة التي احتمت بذراعيها كالجبناء ولكن الحقيقة أن ليال الآن هي من تحميها
"لن ترفع يدك عليها مرة أخرى أمامي صفوان"
قبض أصابعه بجواره وعيناه المظلمة تواجها بلا تراجع وعاد لصوته العميق، عيناه تقدح بشرر حارق، تنين ال"غضب نما وكبر والآن يبخ شرارته
"تمام ليال، لن أفعل، لكن يمكنني أن أخبرها بشيء واحد"
وتخطت عيونه جسد ليال لعيون أسما التي واجهته بفزع
"أنتِ طالق"
وتخطاهم للخارج وأنس استوعب ما حدث فانطلق خلفه وأسما شهقت وراحتيها لطمت وجهها "لا، أنتِ السبب"
ليال لم تواجها بل ظلت جامدة بمكانها، أرادت وقف ذلك، التصدي لجنون أسما ودفع صفوان للتعقل لكنها فشلت
انهزمت..
"هل ارتحتِ الآن؟"
تحركت ليال للمائدة، جذبت حقيبتها وهاتفها والتفت لتذهب دون منحها أي اهتمام وأسما تصرخ بها "دمرتِ حياتي"
وقفت دون النظر لها "كذبتِ الكذبة وصدقتيها أسما، استمتعي بنتائجها"
وخرجت حيث كانت السيارة تنتظرها لكن بلا أنس أو صفوان "حسن، لنذهب"
أسرع الرجل لها، فتح باب السيارة فدخلت، لكن باللحظة التالية كان الاثنان يدخلان مكانهم، لن تذهب لمكان وهما ليسوا معها أبدا
الصمت لفهم، وهي ارتدت نظارة الشمس وأبعدت وجهها لنافذة السيارة وهي تتساءل داخلها
هل أخطأت تجاه تلك المرأة؟
لم تفهمها ولم تدرك أفكارها؟
****
ظلت أسما ثابتة بمكانها، لا تصدق ما حدث، هل أخطأت حقا؟
نظرات ألاء كانت حائرة، كل ما حدث أمامها غير مفهوم، زواج لم يمر عليه سوى أيام لا تعد انتهى بلحظة وتقول أنه بسبب ليال؟
ليال لم تفعل أي شيء سيء، هي تراها طيبة، قوية، اكتسبت ثقتها ولم تتخلى عنها
"سيفعل بكِ كما فعل صفوان معي، كلاهم يحبونها وربما يقتلون بعضهم البعض بسببها بيوم ما"
لقد تخطيت كل الحدود..
البسكوتة لا تصدق ذلك، صغيرة، مدللة، لكن لديها بصيرة ترى بها نظرات الأشخاص من حولها
"أنتِ مخطئة"
الدموع منحتها لا شيء والسخرية من طفلة جعلتها تصرخ بها "بل أنتِ لا تفقهين شيء"
هزت رأسها، ترى ما أمكنها تفهمه، ليس فقط من التصرفات بل والكلمات وما قرأته عن هارون ورجاله "كل ما أفقهه أن الرجال لا يمكن إجبارها على شيء، كلاهم تزوج ولو أرادوا ليال ما فعلوا وما فكروا بامرأة أخرى"
حقا!؟
البسكوتة تدرك.
تفهم ما لم تفهمه من تكبرها بسنوات كثيرة ولطمتها الحياة بالكثير
"أنتِ لم تعيشي معهم بعد، غدا سيتركك لأجلها ووقتها ستدركين الحقيقة"
اقتربت منها، ثابتة، عاقلة رغم عمرها الصغير "بل هو بالفعل أخبرني أن عمله وليال بالمقدمة، احترمت صراحته وتفهمت معنى كلماته"
وجمت، حاولت إيجاد من يربت عليها وينافقها مخبرا إياها أنها على حق لكن الفتاة تتحدث مثلهم
"وتقبلين أن زوجك يضع امرأة أخرى قبلك؟"
هي لا تستوعب ذلك حقا ربما لأنها لم تحبه أو تتعلق به ولكنها تفهم ما قيل لها "هو عمله أسما وما قاله أنها أخت وزوجة أخ وهم لن يتخلوا عن أختهم"
الجنون أصابها "عيشي معهم إذن وانعمي بالوحدة"
وتركتها وذهبت..
أنس لم يتجاهلها، لم يجبرها على شيء، منحها اسمه ووقف أمام والدها لأجلها وهو لا يدين لها بشيء
لم يكن ليفعل لو كان يحب ليال، كلمات أسما لا تقنعها
****
القاهرة مزدحمة جدا والضوضاء من كل مكان، هاتفها يضيء باسم رشدي "أهلا رشدي"
جفف شعره ويوم الجمعة للعسلية "مرحبا ليال هل فكرتِ بزيارة بورسعيد؟ مدير الفرع هاتفني"
اهتمت بكلماته لأن الرجال بالفعل أخبروا أنس وهو أخبرها "سأفعل رشدي، سنجد وقت نذهب فيه ربما بنهاية الاسبوع"
"جيد، هل حدث جديد مع أحمد فهمي؟ تعلمين أنه لن يمرر الأمر هكذا"
تعلم والرجال مستعدة "بالطبع وأنا بانتظار هجومه، تعلم أن رجال هارون لا تبدأ حرب"
كان يعلم بالطبع ولكنه أصبح يحب تلك العائلة ويخاف عليهم
تململت العسلية بالفراش بعد ليلة طويلة له معها، يحبها وهي مبعثرة هكذا، لم يفكر بالتدخين بسبب الحمل، الطبيبة منعته تماما..
"أعلم وأنا معكم بأي شيء ليال"
"طبعا رشدي، ارسل سلامي لأحلام"
قاد والصمت تعويذة تخفيه عمن حوله، مهزوم، مخدوع، متألم..
أحبها أو اندفع لها أو لا يعلم ماذا كان بينهم! لكن اليوم هي دفعته لطريق لن يعود منه
كيف تجرؤ باتهامه بخيانة هارون؟ كم مرة أخبرها بمكانة الريس بحياته؟
لم يمر يومان على حديثه معها عن هارون وليال واليوم تهد كل شيء
هو ليس تابع لامرأة ولن يكون، هو اختار أن يلتزم بالوفاء بوعده لصديقه
هارون جعل كل واحد منهم يستثمر أمواله بمشروع خاص به وأموال خاصة، هو ليس بحاجة لليال هو ملزم بحمايتها وأسما لا تفهم..
ولن تفهم..
لم تنظر ليال بعيونه ولا مرة ولا هو جرؤ على أن يفعل، هي أهينت ومن زوجته فكيف سيمحو إهانتها؟
توقف أمام المبنى الفخم والذي كان بالموقع المرسل لهم، رجل الأمن فتح لها وسيارة الحراسة تقف خلفهم، بدا أنهم كانوا بانتظارهم
تحركت داخل المبنى ونظراتها تتأمل ما حولها، منذ شهور لم تكن تجرؤ على المرور بجوار أماكن كهذه، بل لم تزور القاهرة من قبل والآن..
"من هنا مدام"
أنس كان بجوارها وصفوان لحق بهم والمصعد يغلق بابه
رجلان حراسة صامتين بجوارهم وما أن توقف المصعد وانفتح حتى ظهر المكان الفخم حقا.. كقاعة احتفالات كلها رجال بدا أنهم حراسة، على الباب رجلان آخران وقفوا
"الحراسة هنا مدام وحضرتك مع الأمن"
نظرة منها لصفوان جعلته يهدأ وأنس ظل ثابتا
كل اجتماعات المجلس مع هارون كان يحدث المثل وكل مرة بمكان مختلف..
تحركت مع الرجلان لممر يشبه الفنادق العشر نجوم، بنهايته باب عليه حارسين أيضا فُتح لها واحد منهم وانغلق الباب وهي تقف وحدها
قلبها يدق بقوة، خائفة، تائهة، ولكنها تعرف أن عليها دفع ذلك خلفها لأن هنا؛ المكان والأوان هما الفاصلين بحياتها ولن تخذل زوجها
ستحافظ على مكانته ولو بحياتها..
"من هنا مدام"
صوت امرأة أنيقة أشارت لغرفة، بداخلها قامت المرأة بتفتيشها بالطبع ثم فتحت لها باب آخر
تنفست ليال بقوة قبل أن تتحرك لتعبر الباب وهي تعلم أن عليها ألا تنظر تحت أقدامها كي لا تسقط
غرفة الاجتماعات كانت تصيب الناظر بالدوار من روعتها وكبرها وعدد الموجودين على المائدة الكبيرة أفزعها
عرفتهم كلهم خاصة السويفي، النظرات لفتها من أعلاها لأسفلها ولكنها رفعت رأسها بلا أي خجل، عالم الرجال يحتاج جرأة وشجاعة وعالم هارون يحتاج قلب ميت بطعم الفانيليا
"أهلا ليال"
رائحة التوابل رحلت لها، الكبير..
توقف عند رأس المائدة وهي تتابعه بنظراتها "الجميع يعرفك كما أعلم أنكِ تعرفينهم، اجلسي هنا"
كان مقعد مختلف عن مقاعد الآخرين، تحركت بلا كلمة إلى حيث أشار وجلست
"لست بحاجة لأن أخبرك أن ما يتم داخل هذه الغرفة لا يخرج منها ليال ولو حدث فالموت هو نتيجته"
نظراتها الهادئة كانت تنال تساؤل الجميع عن امرأة تجلس بين هذا العدد من الرجال دون أن ترمش والكل يعلم ماضيها وحاضرها فهل ستجيد ما هي مقبلة عليه؟
البعض يقبل والبعض الآخر يشك وآخرين يرفضونها من الأساس وهي لن تقبل الهزيمة لأجل مكانة زوجها
"بالتأكيد"
التفت الكبير للرجال "والآن نبدأ الاجتماع يا سادة"
****
تراجع صفوان وأنس يمد كوب القهوة له، جذبه وهو ما زال صامت لا يتحدث لكن أنس لا يقبل بذلك "ألا ترى أنك بالغت بتصرفك؟"
تناول القهوة والمنظر يجذبه، النيل ومراكب وسفن وكل ما يثير الإعجاب بالقاهرة بلد المعز
"لا" الرد حاسم، كمن لا يقبل النقاش
تناول أنس قهوته والهدوء سمة استعارها وقتيا لأجل صديقه، لن يهد حياة بدأها من يومين "صفوان، الخلافات الزوجية أمر طبيعي ولكن ليس من الطبيعي حلها بالطلاق"
لف وجهه له، أيضا أطول منه بإنشات، لا أحد بالرجال يضاهي قامته أو قوته سوى هارون، مدربه
"والطعن بالشرف ما عقابه أنس؟ هي طعنتني أنا وليال بشرفنا، بإخلاصنا لهارون"
أبعد أنس وجهه، هي طاحت بهم جميعا ولم ترى أمامها، لم يعجبه حديثها لكن لا يجوز إثارة الأمور أكثر "غيرة نساء صفوان، هي عمياء وكلنا نعلم"
"تفهمت مرتين من قبل ولكن تلك المرة كانت الفاصلة"
حدق به، لا مكان للتفكير حتى بقراره لكن عليه بالمحاولة "أنت تحبها"
مال برأسه تجاهه ونبرته قوية، المنفذ ترك قلبه يقود فأغرقه "الحب ليس إهانة، ليس تقليل من رجولتي ولا محو لكرامتي ولا كرامة وشرف زوجة أخي أنس"
ظلت النظرات متواجهة، يعلم أنه على حق، أسما لا ترى سوى نفسها ومن كلماتها ترغب بإزاحة ليال بإشعال الفتنة بينهم
صفوان تدارك ذلك بالأمس ولم يصدق أنها تطمع بمكان ليال وأن يأخذ هو مكان هارون لكن كم الكره الذي رآه بعيونها لليال جعله يصدق
"امنحها فرصة أخيرة صفوان، لا تهد بيتك قبل أن تبنيه"
أبعد وجهه وهو ينهي القهوة ولم يرد
****
اعتدلت بالمقعد من ألم ظهرها، ست ساعات متواصل، لم تتوقف عن الرد على كل ما يوجه لها من تساؤلات أو اختبارات تعلم أنها اجتازتها بثقة
أغلق الكبير الملف الذي أمامه وتراجع بالمقعد "جيد، انتهت المناقشة وتبقى منح الأصوات، ليال بعد هذا التصويت إما ستظلين محتفظة بمكانة هارون وكل ما كان يناله وكل ما عليه، وإما سيتم نزع كل شيء منكم وسيتم تعيين زعيم جديد فهل أنت مدركة كل ذلك؟"
لمعت عيونها رغم التعب الغير واضح عليها "نعم"
الاختصار سمتها، يجعل الحيرة تقفز بعيون من أمامها والتساؤلات بشأنها كثيرة
وبدأ التصويت.
والنتيجة محسومة..
الغالبية موافقة، ملامح الكبير جامدة لا تعبر عن شيء والرجال نظراتهم تلمع عليها وهعي تلتف بالأبيض
السويفي عصرها ولكنها درسته جيدا بسبب ذلك الحلم فلم ينتصر عليها وبالطبع لم يمنحها صوته
"ليال انهضي واجلسي بمقعد هارون"
ارتجفت، تحولت نظرتها للمقعد الفارغ، للحظة رأته أمامها، يجلس ويبتسم وهو يمد يده لها وشفاهه تهمس "تعالي صغيرتي"
تنفست بقوة وكادت الدموع تهاجمها وصوت الكبير يوقظها "ليال"
التفتت له للحظة ثم نهضت وتحركت وعلى المقعد الثالث على يمين الكبير جلست والجهاز الذي أمامها مغلق
"افتحي الجهاز ليال، لديك رسالة بكل قوانين المجلس وكيفية التواصل وواجباتك وحقوقك"
هي تعرف كل ذلك جيدا، قرأته على جهاز هارون، تحفظ كل بند
صوت السويفي مستفز "امرأة بعالمنا يا كبير!؟ نواجه الكثير كرجال فكيف تكون النساء؟"
نفخ الكبير دخان سيجاره واختفت نظراته خلف دخانه "لا مجال للسؤال فقد أجابت هي خلال الشهور الماضية وأجابت خلال ست ساعات كاملة، ليال هل لديكِ أي سؤال قبل إنهاء الجلسة؟"
اعتدلت ومنحت نظراتها للرجل "نعم لو سمحت، لي سؤال"
منحها إشارة بيده فلفت وجهها لهم وسألت "الكل يعرف والدي طبعا ولكن أنا أرغب بأن أعلم لحساب من منكم يعمل؟"
همهمة، نظرات غاضبة، اعتراضات غير صريحة أنهاها الكبير بكلمات حاسمة "هدوء، ليال هذا تجاوز"
ثابتة وقوية وعيونها جريئة "البند الثالث من القانون الأول يلزم أعضاء المجلس بمساعدة بعضهم البعض، أين التجاوز إذن؟"
السويفي هو من اندفع غاضبا "هذا ما كنت أتحدث عنه، النساء تعبث بلا فهم"
العضو المجاور، معتز البنا منحها نظرة إعجاب "أي عبث بما قالت يا رجل، تحياتي مدام ليال"
إيماءة منها له بلا كلمات والكبير بدا نافد الصبر "اجلس يا سويفي، ليال لا يتم مناقشة تلك الأمور هنا"
هزت أكتافها بلا تراجع، مصرة على وضع حجر أساس هنا واليوم، الهجوم وسيلة لا جدال عليها للدفاع
"هل أقرأ باقي القوانين يا باشا؟ تلك الأمور هي ما تناقش هنا لأن الأطراف مشتركة، أنا والطرف الذي يأوي والدي، والآن أريد معرفته"
ظل ينظر لها والغضب يحاول السيطرة عليه فعاد للرجال "تصويت على مناقشة الأمر"
غالبية ما عدا اثنان؛ السويفي ورجل معه سبق وعارض على التصويت عليها
اعتدل الكبير وقد حسم الأمر بلا جدال "حسنا، لماذا ترغبين بمعرفته؟"
اعتدلت، كل ما تعلمته من هارون، صفوان وأنس جعلها تحاور وتجادل وتواجه "لأني أعلم ما يريده والدي ومساعدته بذلك يعني الإضرار بي وأطراف المجلس لا تضر بعضها البعض"
الحسيني عضو معروف جدا هو من وافقها "هذا صحيح، هل تعرفين الشخص؟"
بكل ثقة منحتهم الرد "نعم"
لم يتفاجأ بل ومنحها نظرة تقدير واحترام "أهنئك، أخبرينا"
نظرت للكبير للإذن، ظل يمنحها نظراته ودخانه يرافقه وما زالت تصر على ما تريد فأشار لها فالتفتت للسويفي وقالت "بالتأكيد لن تكذبني سيد سويفي؟"
تجهم وجهه وهو ما زال ناقما وعيونه كلها غضب وضرب على سطح المائدة "من تظني نفسك؟ أنت لا شيء، يمكنني دهسك بأصغر إصبع لدي"
صوت الكبير لم يرتفع ولكنها عرفت من أين أتت نبرة الديب الذي يحتل قلبها، فهذا الشبل من ذاك الأسد
"سويفي، كفى والتزم حدود الأدب بحضور المجلس"
تراجع الجميع من غضبه الواضح بينما التفت السويفي له وقد اهتزت نبرته ولكن جمرات النيران سكنت عيونه "ألا توقفها إذن عن تلك الحماقات التي ترددها؟ كيف تسمح لها؟"
"تم التصويت والآن لا تنوح ورد، هل تؤوي والدها؟"
حدق به غير مصدق وللحظة لم يجد ما يقوله حتى أبعد وجهه دون مواجهة أحد "وما المانع؟ رجل وطلب العمل فلماذا لا أقبل به؟"
الحسيني من تقدم مسيرة الرد "الآن عليك إزاحته"
هتف به "لا شأن لك حسيني"
الكبير يحسم الجدال "هي قوانين سويفي"
عاد يهتف "هو عملي ولا أحد يتدخل به خاصة تلك الحمقاء"
نظرت له وعيونها تنبض بالكثير مما لا يفهمه أحد "الإهانات لها رد لكني أحترم الباشا وأعضاء المجلس"
ابتسم الحسيني ورجلان آخران بينما هتف السويفي "هل جننتِ؟ أنتِ تهدديني بأول تواجد لكِ معنا؟ هل هذا هو المستوى الذي انحدرنا له؟"
دق الكبير على مكتبه وقد خرج الغضب عن دائرة الأمان "كفى، الزم أدبك وإلا سأتخذ ضدك كل الإجراءات اللازمة لعزلك"
تجهم وجه الرجل بشكل لا يمكن تصوره وتعثر بالرد من المفاجأة وهو يبتلع ريقه "عزل!؟ تعزلني بسببها؟ تلك الحشرة ابنة المجرم؟"
عبثت يداها بالجهاز وانتبه الجميع لجهازهم فاعتدلوا للبحث وهو نفسه زاغت عيونه عليهم فانتبه للجهاز الخاص به وسقط على المقعد، فتح شاشته والملف الذي وصل له منها
اتسعت عيونه وتفاصيل صفقات تُجرى من خلف المجلس تتضح أمامهم ومنها ما يضر البعض منهم فرفعوا رؤوسهم بغضب ولكن الكبير تدخل
"ليال توقفي، كان عليكِ انتظار الإذن مني"
لم تتراجع، هي تضع واحد بمكانه المناسب "وأنت لم توقفه عن إهانتي، امرأة هارون الديب لا تهان"
نهض السويفي والفزع على ملامحه وهو يمرر نظراته عليهم وحبات العرق انتشرت على جبينه ووجهه "كذب، ليس حقيقي"
استعاد الكبير السيطرة متجاوزا كلمات ليال رغم هزة خفيفة مرت بأطرافه "سيتم التحقيق بالأمر، تعلم الإجراءات، والدها يتم طرده من عندك ولا أحد يفتح له الباب، انتهت الجلسة"
ونهض ونظر لها وقال بنبرة آمرة "تعالي"
وتحرك للباب الذي دخل منه وهي أغلقت الجهاز ببرود ونهضت لتتحرك بحقيبتها لتجد الحسيني والذي كان بعمر زوجها يتحرك لها ليوقفها
"السمع غير الرؤيا ليال"
حتى لو كان وسيم، عيناه تلمع لها بالإعجاب إلا أن قلبها مغلق، لا مكان لأي رجل سوى واحد
الريس..
ريس قلبها وحياتها كلها..
هزت رأسها بلا فهم "هذا يعني؟"
ابتسم فرحلت التجاعيد البسيطة حول فمه وزادت عند عيونه "يعني إعجاب، ما رأيك بالغداء؟"
بلا تفكير جاء الرد حاسم "هذا لطف منك سيدي، لكن لابد أن أعود اليوم لدي الكثير كما تعلم، شكرا لك، اسمح لي"
تراجع وطريقتها الهادئة والمؤدبة معه جعلته يتنحى ليفسح لها
هي هاجمت السويفي فقط لكنها أرادت باقي المجلس، كسبت موافقتهم وعدم استهانتهم بها كامرأة، سيفكرون ألف مرة قبل التفكير بالإضرار بها بعد ما فعلته بالسويفي
هتف الكبير لمجرد شعوره بها "أغلقي الباب"
جالسا بكبرياء خلف مكتبه الفخم، ملك متوج ينقصه الصولجان والتاج، الدخان رفيقه، يذكرها برشدي "تعلمين أن ما تم هناك تجاوز"
لم تنظر له وهي تجيب بثقة "ربما، لكنه يستحق"
رمقها بنظراته الغاضبة "ليال لن أسمح بتجاوزات أخرى"
لم تعترض، أطفأ السيجار واعتدل "بعض الأمور عالقة تخصني وأنا أعلم أنك ماهرة بهذا العالم"
مررت نظراتها له "هذه ثقة غريبة يا باشا"
لم يبدل رأيه بها أبدا واليوم أكدت ذلك "تستحقينها ولا تنسي أنك زوجة ابني وأم حفيدي"
سقطت نظراتها على أصابعها تخفي الألم وهو يدرك ذلك "لقد تجاوزت عما فعلتيه بالخارج ليال لأن كما قلتِ، امرأة هارون الديب لا تهان"
رفضت الدموع، اكتفت بالألم، أدرك ما تحمله داخلها "محبتك من محبته ليال، حافظي على حفيدي"
نهضت ولم ترد وهي تتحرك للخارج، رجال الحراسة تقودها للقاعة التي انفض الموجودين منها وأنس وصفوان يتحركان لها
"هل أنتِ بخير!؟"
صفوان يعلن عن قلقه وهي أصبحت هشة من معاملته بسبب تلك المجنونة "نعم صفوان، هل نذهب؟"
****
لم تتناقش بأي شيء أسندت رأسها وأغمضت عيونها لكن عند القصر نظرت له بالمرآة "أعد زوجتك، الطلاق أبغض الحلال"
رد نظرتها "لكنه حلال ليال"
اكتفت وتحركت تنزل للقصر والظلام يلف كل مكان والرجال تنتظر دخولها وأنس ينظر له "لن تعيدها؟"
نزل وتحرك لبيت الرجال بلا كلمات
البسكوتة تحركت للنافذة ورأتهم كلهم، خرجت لترى ليال "ليال"
"أهلا ألاء، كيف حالك؟"
ابتسمت لها "بخير، تبدين متعبة"
"قليلا، هل ترغبين بشيء؟"
براءتها تعجب ليال، تشبه أحلام، لكن بلا معاناة سوى فتى لعب بها دفعها للانتحار "نعم أرغب بهاتف ولاب توب، الدراسة ستبدأ قريبا"
صوت أنس أنهى الحديث "هذا حديث يخصنا نحن ألاء، آسف ليال"
تفهمت وهي تهز رأسها وتتحرك لجناحها وألاء توردت بتلك الملابس المتهورة التي ترتديها، شورت قصير جدا وبلوزة تظهر بطنها وشعرها القصير يتطاير حول وجهها
قبض على ذراعها الرفيع ودفعها لغرفتهم والفزع تملكها وهو يتركها ليغلق الباب خلفه والغضب مرسوم بكل نظراته وهي تتراجع ويدها تفرك ذراعها ولا تفهم سبب غضبه
"ألا تفكرين بتصرفاتك أبدا؟"
تعثرت بالفراش من خلفها فسقطت عليه "ماذا.. ماذا فعلت؟"
انحنى عليها، سوداء عيونه تلونت بالأحمر واليوم كله مثير للغضب "ماذا فعلتِ؟ ألا تستوعبين أنكِ تزوجت من رجل أصبحت مسؤولة منه؟"
سقطت دمعة على وجنتها الرقيقة، مسحتها بظهر يدها الرفيعة، تزيد جنونه بطفولتها، ليست طفلة بل بسكوتة
"لم.. لم أقصد.. أنا فقط"
وأخفضت وجهها ولم تكمل فلم يرحل غضبه بل زاد "وتلك الملابس"
عادت تنظر له بلا فهم، اعتادت ارتداء كل ما تشاء ببيت والدها فأين الخطأ؟
"ماذا بها؟"
الجنون أصابه، تلك المجنونة ستصيبه بالجنون، وكأنه مرض معدي "ماذا بها؟ لا شيء، فقط ساقاك كلها واضحة وبطنك وأكتافك، ألا تدركين أن كل الموجودين حولك رجال؟"
لا لم تدرك لأنها اعتادت ذلك..
"أنا لا أفهم"
انحنى عليها، لا يصدق الرد "لا تفهمين ماذا؟ أنا لن أقبل بتلك الملابس بأي مكان خارج غرفتك هل تفهمين؟ وأي شيء ترغبين به تطلبيه مني وليس من ليال، أنت زوجتي أنا وليس ليال"
دقات على الباب أوقفت الغضب فتحرك وثمية تمنحه حقيبة صغيرة "ملابسك سيد أنس"
لم يرد وهو يجذبها منها وتحرك للأريكة والصمت لفهم وهي الآن تحاول استيعاب ما حدث، هل سيظل هكذا غاضبا منها للأبد؟
تحرك الغاضب للحمام وهي مسحت دموعها وفتحت الدولاب لتجذب ملابس أخرى ولكن ليس لديها شيء مختلف فتراجعت
هو قال خارج الغرفة..
نظرت للحقيبة المبعثرة، توردت وجنتاها لملابس رجل أصبح زوجها، هاتفه يرن فلم تجرؤ على التحرك من مكانها وهو يخرج يلف المنشف حول خصره مبلل الشعر ويا الله، نصفه الأعلى عاري
أغلقت عيناها بيداها والتفت تمنحه ظهرها وهو انتبه لها، مجنونة، طفلة
"لا فريد ارسله لي هنا"
وأغلق وعاد للحمام بغضب أكبر، بينهم بحور ومحيطات، بينهم ثلاثة عشر عاما، بينهم ماضي غير مشرف..
جذب التي شيرت عليه وخرج مبعثر الشعر بلا اهتمام والباب يدق مرة أخرى وهي تتحرك لتفتح فأوقفها بنبرة حادة "انتظري"
تراجعت وهو يتحرك ليأخذ أكياس الطعام من فريد وأغلق "أخبرتك أن هناك رجال بكل مكان حولك"
فركت يداها ولم تعرف ماذا تفعل، تراجعت عندما جلس ورفع وجهه لها خصلاته المتساقطة على جبينه بلا اهتمام منه رسمت لوحة جميلة لوجهه الوسيم
"الطعام لنا نحن الاثنان"
تناولت بعض الطعام بالفعل منذ ساعات لكن البيتزا رائحتها مثيرة وأشياء لا تعرفها وضعها أمامه
تحركت ببطء له وهو لا ينظر لها بل بدأ يأكل وهي ظلت واقفة فانتبه لها "ماذا!؟"
أكتافها ارتفعت وانخفضت ويداها مضمومة أمامها كطفل خجل من تصرفه "أين أجلس؟"
انتبه، الرجال تجلس بأي مكان بلا اهتمام لكنها ليست رجل بل.. لم يعرف
تنحى قليلا على الأريكة، قوامه يفوز بالأكبر ولكنها اكتفت بالمكان
ندمت لجلوسها بجواره، حرارة جسده رحلت لها بالحال فارتبكت، رائحة الصابون مختلط برائحة رجولته دفع شيء داخلها لم تفهمه
دفع علبة البيتزا أمامها "لم أعرف ماذا تفضلين لكن كل البنات تحب الاستربس كما قال الرجل"
لمعت عيونها عليه وهو يأكل أشياء أخرى لم تعرفها "أنا لا أعرف الشوكة والسكين، عشت بالشارع وعندما عرفت هارون فات أوان التعلم"
فتحت العلبة دون رد والشوكة والسكين رافقاها، ابنة الثراء لا تعرف أبناء الشوارع لكنها لا تعترض على التعرف عليهم
تابعها وطريقتها واضحة، الثراء واجهة جيدة لكن ليس معه، الفتة والكوارع أفضل بالطبع وتلك الأطباق المشكلة تأخذ عقله ومعدته
نهض للحمام واغتسل بعد أن جمع مكانه، الرجال اعتادت على الاعتماد على النفس وعندما عاد كانت قد انتهت وهي تغلق العلبة
"شكرا"
لم يتوقف وهو يجذب الغطاء لينام ولكنها قالت "ليس لدي ملابس مختلفة"
جلس ناظرا لها "ارتدي شيء من ليال وسآخذك غدا لاختيار ما يناسبك"
لم تمانع وهي تخفض وجهها، سمعته يسأل "شعرك هكذا؟"
كان يشير بيده فرفعت وجهها له "أقصد قصير على الدوام"
قلبها يعصف بها، ما بالها تقف هكذا ترتعد منه وهو يتحدث بكل هدوء؟
"لا، أنا من أقصه"
تمدد ووضع يده على وجهه "لن تقصيه مرة أخرى"
واكتفى واستسلم للنوم وهي ما زالت تقف أمامه، لا تفهم كل ما يفعله معها، أوامر، أوامر ألا يفعل شيء آخر؟
لماذا لا يجلس ويتحدث معها؟
فتحت فمها تسأله عن أسما؟
تخبره عن الدراسة، أي شيء ولكن صوت أنفاسه جعلها تغلق فمها وتتحرك للفراش وتغلق الضوء وتتمدد والنوم يهجرها وهو رفع يده ليراها تتقلب بالفراش فظل ثابتا حتى عاد ونام
****
لم يعد العملاق إلى البيت، ألن يردها؟ حقا سيكمل الطلاق!؟
تحركت لبيت الرجال ورأت فريد بنوبة حراسة "فريد أين صفوان؟"
اعتدل لرؤيتها والنظرات تنخفض أمام النساء، رجال هارون الديب
"بغرفته القديمة"
تجهم وجهها وتورد خجلا مما يحدث، تحركت محاولة تجاهل شعورها، الرجال انتبهت لها "سليم أخبر صفوان أني انتظره هنا"
"حاضر باش مهندسة"
لحظات وخرج "نائم"
لم تهتم وهي تندفع للداخل والرجال تحاول التجاوز عنها وهي تدفع باب غرفته لتراه جالسا على طرف الفراش والهاتف بيده
نصفه الأعلى عاري، يستعد للنوم ولم ينظر لها وهي تندفع للداخل "أظن أن لنا بيت أنتظرك به"
لم يرفع وجهه لها وهو يدرك قراره "ليس بيتنا ولن يكون لنا بيت"
هدوء مخيف جعلها ترتجف، كلمات مؤلمة، هل حقا فقدته؟
"صفوان تعلم أني أحبك وأغار عليك"
الكلمة لم تعد تهزه كما كانت، الحب ليس كلمة بل معاني وهي فقدت كل معانيها مع أسما "غيرة تدفع للاتهام بالشرف" نظراته ارتفعت لها "شرفي وشرف ليال"
شحبت وتوردت بآن واحد، ستخسر كل شيء "أنت تمنحها كل شيء"
لم يجادل "وسأظل أفعل وستظل ليال بيننا للأبد"
حاولت التماسك، إجادة التصرف "صفوان أنت لا تشعر بي"
أبعد الهاتف ونهض مبتعدًا من أمامها "لا، واليوم شعرت أني لم أعرفك بالأساس"
تحركت له ووضعت يداها على ظهره العاري لكنه التفت مسقطا يداها بألم بقلبها "أسما أنا أرغب بأن أكون وحدي"
العملاق لا يرغب بالشوكولاتة، أصيب بالغثيان من كثرة ما عاناه منها
كادت تتراجع أمامه لكنها ثبتت "لا صفوان، لن أتركك أنا أحبك، فقط حبي لك أناني، أريدك لي وحدي"
نظراته ثابتة عليها، شيء ما تبدل داخله تجاها، فقد إحساسه بها، شرف الرجل غالي وشرف ليال أغلى وهي لفتهم برداء عار واحد لذا لم يمكنه تجاوز الأمر
هارون وضعها بعنقي وأنا أخونه؟
"كنت كذلك بالفعل، لكِ وحدك"
اهتز جسدها ولا تدرك هل طار العقل من تلك الرأس النسائي أم سقط مهزوما أمام اندفاع غاضب كشف ما لم تكن تعرف بوجوده داخلها؟
"كنت!؟ صفوان أنا.. نحن.."
انحنى وألم يعصر قلبه "نحن لا نصلح لبعض أسما، لا أنا الرجل الذي يتزوج امرأة ويعشق أخرى ولا الرجل الذي يخون صديقه مع امرأته وكان من الطبيعي أن تؤمن زوجتي بذلك"
هل فكرتِ لحظة بأنكِ تنحدرين للقاع حيث تنتمين؟ الرذيلة تلفك غصبا عنك، تحملين جينات والدك الفاسد ولن يمكنكِ التخلص منها
ربما المعلم صبحي يناسبك أكثر..
"آخر مرة صفوان، صدقني آخر مرة، أقسم ألا أكرر الخطأ مرة أخرى، فقط امنحني فرصة أخرى وأعدك ألا تندم"
قلبه لم يعد يتألم لكلماتها لكن كما قال أنس، الطلاق ليس دائما الحل وفرصة أخيرة يعلم أنها لن تفعل شيء، ولكن على الأقل لن يندم بعدها عندما يخرجها من حياته للأبد
****
لم تتجاوز ليال تصرف أسما لكن أمام صفوان فعلت..
كان عليهم حضور حفل للحسيني، الرجل دعاها ورجالها للحفل وكلاهم اصطحب زوجته..
فندق الكبير رحب بها وأسما تقف بجوار صفوان من ناحية، وليال من الناحية الأخرى، وأنس والبسكوتة بجواره
"مدام ليال"
ابتسامة مجاملة كانت على شفاها "سيد حسيني، حفلة رائعة"
قبلة منه على ظهر يدها جعلتها تسحب يدها بهدوء، نظراته تلف على فستانها الأبيض، لا تستبدل اللون مهما كانت المناسبة
"الأبيض يزيدك جمالا"
المائدة استقبلتهم لكنه جلس بجوارها وأسما ثابتة بعيونها عليهم
ألاء اعتادت تلك الحفلات والفستان الطويل لم يكن يعجبها، معركتها معه انتهت لصالحه، سترتدي ما يريد وليس ما تريد هي وقد كان
طوال الأيام السابقة لا يتبادلون أي كلمات فقط وجبات الغداء أو العشاء ويرحل للنوم، دراستها تحولت اون لاين..
هاتف حديث كان لها ولاب توب كذلك.. وكل ما ترغب به مجاب
"هل نرقص؟"
رفع وجهه لها فتوردت "أنا لا أرقص"
أخفضت عيونها ويأس رحل لها، لن يوقف كل شيء عنها "ربما شيء آخر هادئ قليلا"
رفعت عيونها له، اقتلعته من جذوره، رفعته للسماء بلا رحمة وتركته ليهوي بلا إنقاذ
جميلة، جميلة جدا ولا يعلم إلى متى سيظل يقاوم جمالها "كما تشاء"
تحب اهتمامه بها، رغبته بألا تظهر جسدها لسواه، يده تقبض على يدها بأي مكان خارج البيت، جاد جدا، وهادئ جدا.. وغاضب جدا، جدا
هل أحب من قبل؟ محظوظة من تنال قلبه ومجنونة من تفقد رجل مثله
فقدت رغبتها بالرقص وهو يندمج مع صفوان بحديث وهي تتابع النساء بأناقتهم من حولها
ليال لم تجلس، الرجال التفت حولها وبدت جادة جدا بحديثها وأسما تحاول جذب صفوان ونظراته لا تفارق كل ما حول ليال
"ألا تراني صفوان؟"
التفت لها، نظراتها تعلن عن جنونها فنفخ "هل هناك شيء فاتني؟"
"أنت لم تخبرني رأيك بالفستان؟"
تراجع "حقا!؟ ومن الذي رغب بالآخر وأنت أصريت على هذا؟"
تلون وجهها بألوان كثيرة وحاولت الفرار بأي كلمات "ولماذا اعترضت على هذا؟ الأبيض مميز"
أبعد وجهه، اختارت الأبيض ولا يعلم هل لأن ليال تفعل أم ماذا؟
"نعم ولكن الذهبي يليق بلون عيونك"
"أو يليق بليال فقط"
نفخ مرة أخرى ونهض فهتفت "صفوان إلى أين؟"
رمقها بنظرة حادة غاضبة "أقوم بعملي، حماية صاحبة الرداء الأبيض"
ونفض ذراعه منها وتحرك لليال، انتبه أنس فنظر لزوجته "سأرى ليال، لا تذهبي لأي مكان"
بكل براءة أجابته "حاضر"
ما أن نهض حتى نادته "أنس"
هل نادته باسمه بلا حضرتك أو أستاذ؟
بتلك النبرة المذيبة لجليد القطب الشمالي والجنوبي معا؟
بصعوبة منحها نظراته الفارغة تصنعا منه ليعود الأحمر لوجنتيها "لو رغبت بطعام؟"
لعن الله تلك الرقة التي تلفك يا فتاة، فتاة؟ أقسم أنها امرأة، وامرأة تثير جنونه..
ابتلع ريقه بصعوبة وعيونها الواسعة تدفعه للهاوية
"سأجلب لك طبق"
وفر هاربا من أمامها
أسما تكاد تُصاب بالجنون وهي تنهض لتتبع زوجها وألاء تناديها بلا فائدة
لكن..
ما أن اقتربت حتى ساد هرج غريب والتفت صفوان وبلحظة سلاحه كان مصوب تجاه الرجل الذي رآه يصوب تجاه ليال وأطلق..
ارتفع الفزع بنفس اللحظة وصفوان يلف جسد ليال بذراعه ولم يرى أسما ظانا أنها لم تنهض له
اندفع رجال هارون للداخل والمدعوين يهرعون خارجين وأنس يرتد لهم، نظراته على صفوان الذي كان يلف ليال ثم بحث عن زوجته..
انفجر غضبه وهو يرى رجل يكمم فمها ويجذبها خارج القاعة فأسرع تجاهه والجنون هو كل ما ملأ صدره
عندما لحق به ألقى نفسه عليه جاذبا إياه بقوة وهو يفقد اتزانه ويجر ألاء معه وثلاثتهم يسقط على الأرض
انفلتت ألاء من الرجل وأنس يلتحم معه بقوة ولم يمنحه فرصة لاستعادة نفسه حتى صرعه بلكمات قوية وما أن نهض باحثا عنها وقد انفض المدعوين، حتى رآها تقف على بعد
ولكن..
أحمد فهمي يلفها بذراعه ويصوب مسدسه تجاهه..
تجمد، رفع يداه الاثنان بحركة استسلام والفزع والدموع ارتسما أمامه على عيونها والدموع كست وجنتيها ونظراتها له هو تطالبه بأن ينقذها
ينقذ امرأته، حتى ولو كان على الورق فهي زوجته
****
في وسط هذا الجنون وطلقات النيران أسما تجذب ذراع صفوان بعيدا عن جسد ليال صارخة "أنا من عليك حمايتها"
ليال استوعبت الأمر ورجل يتحرك تجاهها ولكن صفوان كان مدرب جيد لها
تلميذ لمدرب أفضل..
لفت ذراع الرجل فانحنى وركلته بمقدمة حذائها ببطنه ثم دفعته تجاه المائدة ليصطدم بها ويسقط معها أرضا
صفوان نزع ذراعه من أسما ولف ذراعه الأخرى حولها وهو يصوب تجاه آخر كان يصوب تجاه ليال
ارتد لليال التي لحق بها وأسما بيده لا يفلتها ولف ذراعه الأخرى حول ليال وهو يهتف
"فريد أين أنس؟"
****
"ألقي يمين الطلاق عليها الآن"
أنس يحاول التفكير بالأمر، مخرج ينقذ به امرأته "ألا تسألها أولا ربما لها رأي آخر؟"
كانت تبكي، لن تعود للخوف، الزواج من فؤاد، لا تريد ترك ليال ولا ..
"ليس لها رأي سوى رأيي، أنت خطفت ابنتي وأنا أستعيدها، طلقها وإلا سأقتلك وتصبح أرملة والأمر سيكون أسهل"
"لا، لن أطلقها"
طلقة صدرت تعرف هدفها، كتفه
ارتد من اندفاع النيران من كتفه، وهي صرخت، أرادت الاندفاع له، الاطمئنان عليه وربما حمايته
رفع يده على كتفه والدماء تنتشر بسرعة عبر أصابعه وهي تصرخ "أنس، لا"
أحمد جذبها له بقوة يمنعها من التحرر للرجل الذي يموت دون أن يتركها "أنتِ لن تذهبي لأي مكان، طلقها الآن، أعلم أنك تطمع بأموالها"
تجاهل أنس الألم، اعتاد عليه وعاد لها محاولا منحها الطمأنينة بنظراته "تعلم أن رجال الديب ليست بحاجة لأي أموال، يمكنها منحك تنازل عن إرثها لو شئت فلا يهمني"
جذبها أحمد للخلف، تجاه الباب الخارجي ولكنها هتفت "بابا أرجوك اتركني"
"اخرسي، لو ملكت قتلك لفعلت، لم تجلبي لي سوى العار، طلقها"
والطلقة الثانية كانت بساق أنس فسقط على الأرض ولكن ليلتقط السلاح الذي بجوربه ويلتف ليطلق الرصاصة بكتف أحمد الذي ارتد للخلف مفلتا إياها وهي تهرع لأنس ولكن أحمد هتف بجنون
"لن تكوني له، سأقتلك قبلها، لن يهزمني"
انتبه أنس لها وهي تسرع له ولا يعلم كيف نهض ولفها بذراعه ودار بها وطلقته تصيب أحمد بالقلب مباشرة وطلقة أحمد أيضا تصيب الهدف ولكن الطلقة لم ترحل لمن أراد
بل استقرت بجسد أنس الذي تركها وسقط وهي تصرخ باسمه لا تصدق أنه نال الطلقة بدلا منها ولا أن والدها أراد قتلها والاثنان على الأرض أمامها