
رواية غرام في العالم السفلي الفصل الخامس والثلاثون35 بقلم داليا السيد
من أنا
المشفى تلقت ذعرهم على أنس، وبلحظة كان الكبير يوقف الشرطة عن التدخل
هاتفها يمنحها اسمه فابتعدت لتجيب "أنس بالعناية، ثلاث رصاصات"
"أحمد فهمي متهور ليال كان عليكِ التأني قبل الدخول معه بحرب"
لفت حول نفسها وهي تستوعب كلماته "ابنته استنجدت بي يا باشا"
صمت قليلا ثم منحها الرد "لقد أغلقت باب الشرطة وعليكِ الباقي"
"شكرا لك"
دموعها لم تتوقف، بدلتها تلونت ببقع دمائه، زوجها لم يجيبها، ووالدها هو الآخر لم يجيبها، لم تعرف أين رحل جثمانه، الرجال نزعته واختفوا به
هل حقا أراد قتلها؟
ابنته لم تثير داخله أي مشاعر، أراد نفسه فقط، لن يُهزم
سقطت على الأرض وظهرها للحائط بلا كلمات، ليال تحركت لها، لم تنظر لأسما التي كانت غاضبة، لا تفعل شيء سوى الغضب
جلست ليال على الأرض بجوار الفتاة وأحاطتها بذراعها ورأس ألاء يسقط على صدر ليال، الدموع لا تتوقف
صفوان كاد يتحرك لهم لكن زوجته أوقفته "ألا تستطيع الابتعاد عنها لحظة؟"
انحنى عليها وقد حققت معه رقم قياسي بإثارة غضبه "وأنتِ لا تعرفين شيء سوى أفكارك الشيطانية هذه؟ الطفلة والدها كاد يقتل زوجها وأراد قتلها لولا أنس وهي تراه يقتل والدها، ألا تشعرين تجاها بأي شيء؟"
شحب وجهها "الأمر كان متوقع"
تراجع من برودها، هل حقا هي نفس المرأة التي ظن أنه أحبها وأرادها؟
لقد اندفع دون تفكير وراء وهم اسمه الحب
جذب ذراعه من يدها وتركها وتحرك للرجال "أي شيء دافئ فريد للباش مهندسة وألاء"
تحرك الرجل وعاد لهما وأمامهم سقط على الأرض هو الآخر، وليال تحتضن الفتاة وهو يشفق عليهم بلا حول ولا قوة
ساعات مرت بلا شيء حتى خرج الطبيب وصفوان وفريد تحركا له
قلوب ممزقة تقف أمام الوجه الجامد، تحترق من الخوف، القلق، رفيقه الثاني لن يتركه، كيف سيمضي حياته بدون الاثنان؟
لم نتفق على ذلك أنس، كلانا بحاجة للآخر يا أخي
"أخرجنا الرصاصات، إصابة ظهره كانت خطر لكن الحمد لله لم تصب العمود الفقري"
تنفس الرجلان وكأنهم سجنوا الشهيق داخلهم بلا زفير "متى يمكنني رؤيته؟"
"تمر مرحلة الخطر وبعدها نقرر"
وتحرك وكلاهم جامدين، الفراغ هو كل ما لفهم، كلمات لم تمنحهم أي شيء، ما زال بالخطر، فقط عمود فقري سليم وماذا؟
هل سيعيش؟ هل سيعود ويرافقه بكل مكان؟
تعبت..
أنا تعبت من فقدانكم واحد وراء الآخر..
"صفوان أعدني البيت، أنا متعبة"
التفت لها، من أي طينة خلقت يا امرأة؟
"فريد أعد الباش مهندسة البيت"
"ليس فريد صفوان، أنت"
أوقفها بنبرة مخيفة "أنا باقي مع عائلتي"
وتركها وعاد للمرأتين، ونظراتها تعبر عن الغضب، لم تعد غيرة، بل حقد، كره، جنون، شيطان عابث نثر الرذيلة وانتصر
"تناولوا المشروب ليال، كلاكم بحاجة له"
النهار أعلن عن نفسه بنور واهن، السماء تحمل أطنان من الأمطار لا يعلم أحد متى ستفرج عنها
عيون متعبة ظلت ساهرة الليل كله، ألسنة استقرت بلا حديث
صفوان كان يتابع وليال استعادة نفسها ولكن لم تترك ألاء
العناية باردة، صوت الأجهزة مزعج، رائحة المعقمات تخنق ورؤية الجسد الساكن مخيفة
لم يشعر بهم من حوله.. صدره العاري مضمد وساقه أيضا، وجه شاحب وشفاه بيضاء وكأنها فقدت الحياة
ظلت ساكنة، يدها بيد ليال، خائفة، تائهة لا تعرف ماذا يحدث حولها..
سكون داخلي لا يمنحها راحة بل يمزقها إربا، بين أب لم يرغب سوى بالنصر على حسابها ورجل لم تربطها به سوى ورقة منحها حياته لتعيش..
لم تأتي أسما ولم يتحرك أحد منهم من المشفى
توقفت الاتصالات ورشدي يتولى الأمور وأحلام هي من لحقت بهم، تحتضن ليال، تواسيها، تحب أنس كأخ غير شقيق، ألاء فتاة رقيقة أعجبتها وأشفقت عليها
ألاء مرآة تعكس قصتها
المرة التالية رفض الطبيب دخول ليال بعدما عرف بالحمل
ألاء ارتجفت وهي تخطو وحدها، رؤيته اختلفت
فتح عيونه فبكت..
"أنتِ بخير؟"
هل يسأل عنها وهو المصاب؟
وافقت برأسها وعيونها تطلب الرحمة من كثرة البكاء
بضعف قال "كفى، عيونك تكاد تختفي"
مسحت دموعها بتلك الحركة، الضمادة رحلت، نزعتها غصبا ويدها سليمة، هي ترى ذلك.
سأل بتردد "هل.. هل مات؟"
عادت دموعها وهي تجيب بصعوبة "نعم"
هو يعرف، لم يخطأ هدفه بأي يوم، وهدفه كان القلب، لن يبقى لحظة على قيد الحياة
"أنا آسف، لكنه أراد قتلك"
همست "وقتلك، كنت أحبه"
وانهارت بصوت مرتفع.. تدفن وجهها بين راحتيها
اللعنة هارون! الآن أفهمك..
لقد نهض الديب وجراح لا حصر لها كانت به من أجل صغيرته واليوم أنا أنهض غير عابئ بأي شيء من الأسلاك المتصلة بي ولا إصاباتي لأجل امرأتي
نصف جالس جرها من يدها، لفها بذراعه السليمة وهي لم تمانع
أرادت الأمان معه، الراحة والسكينة بعد الألم والفزع والرعب الذي عاشته
لم تعرف تلك الأجواء، لم تعيش تلك الحياة من قبل وعندما عرفت نوع الحياة التي ينتمي لها والدها، رفضتها ورحلت لتسقط بحياة تشبها لكن ملتفة بالأبيض
فقط يتلقى رصاصة عنها، هل يهمه أمرها حتى يموت بدلا عنها؟
خجلت من نفسها عندما أدركت أنها بين أحضانه، ابتعدت تشهق بلا قدرة على رفع عيونها له "هل أنتِ بخير؟"
لم ترد لكن رأسها فعلت، بلا تحكم يده ارتفعت لوجنتها تمسح دموعها فرفعت وجهها له "لماذا فعلت ذلك؟"
لأن الغرام أصابه يا بسكوتة
لأن كيوبيد اخترق الصلب وتلك المرة يستحق وبجدية وليس وهم
أعترف أنا الكاتبة أني أسقطه بالغرام..
لكنه لن يعترف بذلك فقط أجاب بمنطق "لأنكِ امرأتي، واجبي حمايتك ولو بروحي"
نظرات العيون تتحدث بما هو مختلف، القلوب تدق بقوة، ناقوس الحذر، حالة غرام تنضم للريس والفانيليا
الغاضب والبسكوتة..
"لقد مات بابا، من كان سبب بزواجك مني، هل.."
الممرضة فزعت لرؤيته جالسا "يا فندم لا يصح هذا، اخرجي من فضلك"
تعصب من الممرضة وسؤال البسكوتة العالق، فتحدث بنبرة غاضبة "لا تأمريها"
توهج وجه ألاء وشحب وجه الممرضة وهي تعيده للفراش وألاء تراجعت لكن لم تخرج، نظراتها عليه
هل حقا سيخرجها من حياته بعد رحيل والدها؟
ابتعدت الفتاة وهو استقر والألم يرتد له فأغلق عيونه لحظة، ما الإجابة على السؤال؟ سيتركها؟ هل يريدها؟
"هل أخرج؟"
فتح عيونه وتحدى نفسه، أنت لن تعيد ما كان مع مي، لن تعيش الوهم مرة أخرى، لا تترك نفسك للألم من جديد.
لماذا الألم؟ ألا يمكن أن تستحق قلبه؟
رفع يده لها فسقطت نظراتها عليها للحظة..
لماذا التردد ومنذ لحظات كنت بأحضانه، تلتمسين الدفء والحنان؟
يدها استقرت بيده، صغيرة بين يده الكبيرة، ناعمة بين بشرته الخشنة، باردة تستمتع بدفئه
"سألتِ سؤال منذ قليل والآن أنا من أسألك؟"
لم تقطع اتصال العيون، تتعرف على دقات قلب مختلفة
هادي أمسك يدها كثيرا ولكن ولا مرة كانت تشعر بهذا الشعور بالاكتفاء..
سؤاله إجابة لسؤالها فكيف تجيب!؟ هل تريده؟
"هل ترغبين بالبقاء زوجتي؟ أنا لن أجبرك على البقاء معي أبدا لكن لو بقيتِ فسيكون وأنتِ تعرفين من أنا ونوع حياتي وعملي"
تورد وجهها وخصلاتها متناثرة بلا اهتمام، يدها بيده، عيونها ساكنة بين عيونه، أنفاسه المرتفعة تمنحها شعور بالحياة
"لو أردتني بحياتك فلا يهم كل ما تتحدث عنه، والدي كان.."
ولم تكمل بل أخفضت عيونها الدامعة، كلهم نفس العالم السفلي، مع الفارق؛ هناك من رفض الغوص بالسفلي وأراد النهوض للسطح ومنهم من ظل حتى انطمس بالقاع
ضغط على يدها راغبا بها بحياته
هارون كم أنا بحاجة لك يا أخي، أريد منحك ما بداخلي ولا أفهم معناه.. أرغب بنصيحتك، يدك على كتفي وكلماتك بأذني "أنت تستحق الأفضل يا أخي"
أغمض عيونه لحظة لذكرى صديقه حتى استعاد نفسه وعاد لها "هل السكوت يعني أنكِ توافقين على الزواج مني؟"
رفعت عيونها له بدهشة "أنا بالفعل زوجتك"
ابتسم رغم التعب "حقا!؟"
تورد وجهها وأخفضت عيونها وصفوان يتقدم منهم، عيونه على يدهم، هل حقا وجد رفيقه نصفه الآخر؟
"الطبيب أخبرني أنك ستخرج من العناية الليلة"
سحبت يدها بخجل من يده ولم ترفع وجهها وهو من أجاب "جيد، أعدها البيت فهي متعبة"
بسرعة رفعت وجهها مرة أخرى وأعلنت عن نفسها "لا، أنا باقية، لن أذهب بدون خروجه من المشفى"
لم يعترض أحد..
أنا زوجتك..
****
العودة للقصر كانت مرهقة له..
لم ينتهي البيت الذي يقيمه لنفسه ولا بيت صفوان وليال لم تعترض على وجودهم بنفس الغرفة
ظلت ليال واقفة وهو يدخل الفراش، هارون يتابع صفوان وهو يدخل الفراش، يتابعهم جميعا وهم حوله
تؤدين دورك كزوجته جيدا..
"تبدين متعبة ليال، شكرا لوجودك معي"
"لا شكر بين الإخوة أنس، ألاء إذا احتجتِ شيء هاتفيني، أنس لابد أن أذهب تعلم العمل"
صفوان ظل صامتا، مشاجرة جديدة نشبت بينه وبين من لم تعد شوكولاتة بالنسبة له بل شوكة بظهره تغضبه..
"هل أنت بحاجة لشيء؟"
كان يرى ملامح صفوان المتجهمة، يشعر به ولكن صفوان لا يتحدث كثيرا "لا يا أخي"
تبعتهم للباب وأغلقت وما أن التفتت حتى رأته خلفها، رجال هارون لا توقفهم جراح عن نسائهم وهو لا يتوقف عن التفكير بها منذ وافقت على استمرار ما بينهم..
تراجعت مفزوعة والتصقت بالباب فزعة من المفاجأة، وهو ابتسم لعيونها الفزعة واقترب نازعا خصلاتها من على عيونها ووجهها "تفزعين مني؟"
ارتفع صدرها من أنفاسها المتلاحقة، تستوعب ما يحدث، لم يقترب منها رجل هكذا من قبل، لكن هو ليس أي رجل
هو الغاضب..
من كاد يموت لأجلها..
زوجها..
وربما هي لم تدرك بعد ولكنه من ملك قلبها..
رحل الهواء من حولها وقربه يعني نيران ترتفع بجسدها
أصابعه لمست وجنتها، كريمة، بيضاء وناعمة، بسكوت بالكريمة "خائفة؟"
ولم ينتظر الرد رحل لشفتيها التي بدت كثمرة فراولة نضجت وحان وقت قطافها وهو من سيفعل وفعل..
أخذ الثمرة له وحده، نال قبلتها وهي سقط باللاوعي، برقة بدأ واستجابت، لان جسدها وهو لا يتوقف
لفها بذراعه، جذبها له ويداها تسقط على صدره وجراحه ولم يهتم، لم يشعر سوى أنها مختلفة، مذاقها كريمة بالسكر
أفلتها عندما أدرك أنها تحاول التقاط أنفاسها بلا خبرة، وبنظرة رأى الأحمر يكسو وجهها، مغمضة العيون تستمتع بما كان، هل حقا تلك قبلة العشاق؟
هل هما عشاق؟
"بسكوت بالكريمة"
فتحت عيونها لوجهه القريب، عرفت رائحة أنفاسه، استمتعت بطعم تلك الشفاه، صلابة جسده أمام رقة بشرتها "ماذا!؟"
قبلة رقيقة على وجنتها وصوته الرجولي يمنحها الرد "أنتِ، بسكوت بالكريمة"
ابتسامتها صرعته، فجذبها له مرة أخرى بقبلة أخرى، أقوى حتى صرخ صدرها فأبعدها "معترضة؟"
النفي أجابه "لا، أقصد.."
ابتسامته عادت مرة أخرى فحررها وقال "لترتاحي أولا، الأيام السابقة كانت مرهقة"
****
دخل العملاق البيت مدركًا الجدال اليومي الذي ستبدأه بسبب ليال
نزع قميصه وهي تخرج له من غرفتهم، ليال أخبرته ألا حاجة له ببيت آخر وهذا موجود ولم يهتم، لديه ما يفكر به
"أنت تفعل كل شيء وهو ينام بأحضان البسكوتة وأنا وحدي"
قذف القميص على مقعد قريب ولم ينظر لها، زارت والدها وحالته تزداد سوء ولكن الأطباء لا تملك له شيء وكونها وحدها أغضبها
"أنا جائع"
وقفت أمامه لتوقفه عن دخول غرفتهم والتمتع ببعض النوم "صفوان ألا تسمعني؟"
سقطت نظراته عليها، عيونها لم تعد تحمل تلك البراءة التي عرفها، لم تعد تبحث عن الحب الذي ظن أنهما تبادلاه
"سمعتك كثيرا أسما فهل لديكِ جديد؟"
وتحرك للغرفة متجاوزًا إياها وهي تتبعه بجنون "أنت لم تعد تحبني كما أحبك"
فتح الخزانة وقد رتبت ثمية ملابسهم بها وكاد يجذب ملابس مريحة لكن سؤالها جعله يلتفت ليراها خلفه
يداها بخصرها عيونها غاضبة، رحل منها الهدوء والسكينة، لماذا لم أرى كل ذلك وقت عرفتك واخترتك زوجة؟
"وماذا يعني الحب بنظرك أسما؟"
ثبتت نظراتها عليه وسؤاله فاجأها ومع ذلك أجابت "يعني أن نكون معا، نعتني ببعضنا البعض، تهتم بي وتبحث عن سعادتي لا سعادتها"
تحرك حتى وقف أمامها ولم يحني رأسه كما اعتاد بل ظل ثابتا "أنتِ لا تعرفين شيء عن سعادتها أسما، لو كنتِ تعرفينها جيدا لعرفتِ أن هارون رحل وأخذ سعادتها معه"
"وأنت من تمنحها التعويض وتنسانا بطريقك"
تأملها، لا يصدق أن الجنون وصل بها لتلك الدرجة
شبح الغيرة والحقد يسكنان امرأة ضعيفة لا تملك أي سلطان على شرورها "هذا ما تصدقينه، لكن هو أنتِ من تضعين العراقيل أمام سعادتنا بجنونك تجاه ليال"
لم تعجبها الكلمات، طاح عقلها بالبقية الباقية بينهم بلا تقدير، حاول مرة واثنان ولكن عبث الحقد بعقلها فأفلت آخر زر تعقل به ففسد
"ليس جنون بل واقع، ليال.."
رفع يده موقفا كلماتها "ولا كلمة أخرى عنها لأن تلك المرة لن أسمح بأي تجاوز أسما"
شحبت.. هو لا يمزح..
نظراته القاتمة تخيفها، نبرته اتخذت مسار التهديد وهي تراجعت مرتبكة "صفوان لم لا تنصت لي؟ أنت كنت رجل الريس الأول وعالمكم لا مكان للمرأة به لذا عليك بإزاحتها لتجلس هي بالبيت تنتظر طفلها وتقوم بدورها كأم وأنت تصبح الريس"
ظل ثابتا، عيونه لا تخبرها بأي شيء لكن هو داخله أشياء لا حصر لها "وأنتِ زوجة الريس؟"
توهجت عيونها ببريق غريب، وبدا أن الحلم كان يتصاعد داخلها وهو رآه، أدركه
نبرة صوتها أجابت قبل كلماتها "ولم لا!؟ هي لا تملك شيء لا أملكه، بل أنا الأكبر والأجمل وأنت الأقوى"
تلك المرة انحنى ليقترب منها "ماذا فعلت لكِ لتكرهيها هكذا وترغبين بسلبها ما تملكه وتحتلين مكان ليس مكانك؟"
"أخذتك مني، أنت تحبها"
تراجع والغضب احتل مكان العقل، استدار وقبضته تضرب الخزانة من قوة غضبه، بل وأزاح الملابس كلها وأسقطها أرضا وكاد يضرب أي شيء آخر وهي تتراجع من غضبه عندما..
سقطت نظراته على ما كان يلمع بين الملابس!
كانت تغمض عيونها من الخوف والرعب يتملكها، لكن الصمت جعلها تفتح عيونها لتراه يقف بمكانه وعيونه تسقط على شريط دواء
اتسعت عيونها عندما استوعبت أنه سقط بيده وهو يحدق به محاولا استيعاب ما بين أصابعه..
هل حقا ما فكر به؟ قبل أن تنطق أو تخطو خطوة كان يجذب هاتفه من جيبه وأدخل اسم الدواء وتجمدت نظراته على دواعي الاستعمال
رفع عيونه لها، يداها على فمها، تتراجع وهو لا يتحرك والصدمة أسقطته بمكانه وتحشرج صوته "حبوب منع الحمل!؟"
رحلت الدماء تماما من وجهها، ابيضت عيونها أيضا والبني بها تحول لنقطة قاتمة لا معنى لها سوى السواد الراكد داخلها
"صفوان أنا.."
الهدوء الذي سقط عليه كان غريب..
لم يثور، لم يمزقها كما ظن أنه سيفعل أو كما أراد ذلك فيما بعد بل رفع الشريط بينهم ولمعت عيونه بنظرة ألم لن تنساها ما عاشت
"لا ترغبين بأولاد مني؟"
دموع لا مكان لها، بالنسبة له هي دموع تماسيح لم تعد تؤثر به ليس بعد الآن، ليس أبدا
"لا صفوان فقط اسمعني"
عصر الشريط بقبضته بقوة "أسمعك"
ابتلعت الجفاف الذي سكن حلقها، تنفست باحثة عن تفسير لكن لا شيء يمكنه تبرير فعلتها "ظننت أن أولاد الآن لن تكون فكرة جيدة، نحن حتى لا نملك بيت"
الجنون ارتفع داخله، تقوديني لطريق لا رجعة منه أسما، طريق أوله ندم على حبي لكِ ونهايته استعادة كرامتي "وأنتِ تعيشين بالشارع الآن؟"
هتفت "لا، لكني لا أرغب بذلك البيت الذي لا معالم له، لم لا يكون لنا شقة فاخرة؟ فيلا مثل رشدي وأحلام أو بيت أكبر.."
أكمل "أو قصر كخاصة ليال، أو ربما نطرد ليال ونسكن قصر هارون الديب"
تراجعت بلا هدى، تهز رأسها بلا معنى "ولم لا؟"
هل حقا تصدقين نفسك؟ تطمعين بما ليس لك؟
"هذا سبب يجعلك لا ترغبين بأطفال؟"
لم تعرف أي كلمات يمكن منحها له، لا شيء فكرت به يوم قررت عدم الإنجاب
تحقق حلمها الذي بدأ يوم مات هارون، صفوان ذراعه الأيمن لذا هو الأحق بمكانته
وقوف ليال بالصورة لم يكن ضمن حساباتها لذا الغيرة والحقد ارتفعوا داخلها..
لن تنجب أطفال تعيش مثلما عاشت، على صفوان أن يكون الريس ووقتها تحتل هي المقعد بجواره وبعدها تفكر بأولاد
"تلك المرة أسما لن يكون فيها عودة لأني لم أعد أريدك حقا، لا أريد امرأة لا تفكر سوى بالمال والسلطة وأرادت حرماني من أبسط حقوقي بأن أكون أب"
هتفت "صفوان افهمني أرجوك أنا أرغب بصالحنا وصالح أولادنا"
اقترب، نظراته تحرقها بمكانها، تخبرها أنه لم يعد يراها بل هو وصل للنهاية وهي خسرت كل شيء بلحظة جنون
ابتسامة ساخرة انزوت بجانب فمه..
القلب الطيب انكسر..
انهزم..
أسقطته امرأة بهوة الخداع
عملاق تهتز لاسمه رجال لها وزنها، ترتعش لرؤيته قلوب أعتى الرجال، صعقته امرأة ظن أنها أحبته
المال، السلطة، المكانة العالية.. فقط هذا ما رغبت به يوم اتخذته سبيل لتحقيقهم، دهست قلبه واستغلت طيبة قلبه وضاع الصدق وسط ظلام النفوس
"نحن لم ولن يكون لنا أولاد، لا يشرفني أن تكوني زوجتي أو أم لأولادي"
وتحرك وهي تضع يداها على صدره لتوقفه "صفوان أرجوك"
قبض على يداها بقوة، ظلام قلبه انعكس على مقلتيه، ضجيج الألم داخله يعزف موسيقى لا يسمعها سواه، مزعجة تكاد تصم أذنيه
نزع يداها عنه "لا تلمسيني، ولا أريد رؤيتك بعد اليوم، ستصلك ورقتك وحقوقك أينما تكونين"
وتحرك جاذبا قميصه من حيث ألقاه وهي تصرخ باسمه وتتبعه لكن لا يمكنها مضاهاة خطواته والسيارة التي طارت من ضغط البنزين والبوابة تفتح والرجال لا تفهم شيء وليال تراقب من نافذتها دون رغبة بالتدخل
أسما تبدلت، أو ربما كانت هكذا وظهرت الحقيقة مع الوقت
لم يعد الأمر يخصها وصفوان يرفض تدخل أي أحد وأسما لا تفعل شيء سوى كرهها واتهامها بأنها السبب
تراجعت لتجلس على طرف الفراش، صورتها مع حبيب قلبها هي كل ما تؤازرها بوحدتها "لا أعلم ماذا أفعل هارون، هل أتركهم أم أشاركهم مشاكلهم؟ ماذا كنت ستفعل حبيبي؟"
أغمضت عيونها وهي تضم صورتهم لصدرها وتغمض عيونها وعقلها رافض أن تتحرك لتلك المرأة
واستجابت لعقلها..
****
دقت باب غرفة أنس فلم تجد استجابة، لم تعرف أن البسكوتة نامت من إرهاق الأيام السابقة والبكاء والغاضب ظل طويلا يتأملها وهي على الأريكة بلا رغبة منه بذلك حتى رحل بالنوم هو الآخر
صوت صفوان أتاها عبر الهاتف، متعب، متألم وحزين ولا يعبر عن أحزانه سوى لصديق عمره، بمكتبه وعلى أريكته
"ليال"
أخذت كوب اللبن واكتفت به "أنت بالفندق؟"
اعتدل جالسا يمشط شعره بأصابعه "نعم"
تحركت للخارج وفريد يفتح لها السيارة "أنا بطريقي للشركة ستلحق بي أم ستعود لزوجتك؟"
نهض يعيد تنظيم ملابسه "لم تعد زوجتي، طلقتها عند المأذون بالأمس ولا أرغب بجدال ليال"
ضغطت على الهاتف بيدها والتمست الهدوء كعادتها والصمت، تحمل داخلها اللا شيء، خراب يغزو حياتها وحياته.. نفس الأسى ونفس الجنون ونفس المهزلة لكن بالوان مختلفة
"أراك بالشركة"
****
استدارت البسكوتة، لتشعر أنها تكاد تسقط ففتحت عيونها لتدرك أنها على الأريكة
نامت وتركته، فزعت وهبت تبحث عن المريض الذي كان عليها السهر على راحته ولكنه لم يكن بالفراش
انفتاح باب الحمام جعلها تلف حول نفسها، يعود التورد لوجنتيها لرؤية صدره العاري على بنطلون مريح، عضلات متكدسة على صدره، ذراعيه، وحتى عنقه المتصل بأكتافه، هو وصفوان لا مثيل لهما
ماذا لو رأت الريس؟
جفف شعره ووجهه بعد أن أزال شعر ذقنه، لا يفضل اللحية كالريس وصفوان
عطر صابون الحلاقة ملأ الغرفة، ضمادة الكتف ما زالت مكانها، نظراته سقطت عليها، أرادها مستيقظة ليرى جمالها وأرادها نائمة ليرى الملاك الذي تبدو عليه
أرادها بكل أحوالها..
ابتسم عندما أخفضت وجهها وأبعد المنشفة ولم يرحمها ولن يرحمها
لن تطول الاجازة، من الغد عليه أن يكون بجوار ليال واليوم هو كل ما يملك بل ملك البسكوتة..
جسده صد عنها كل شيء، ولا تعرف من أين ستأتيها الجرأة لتواجهه
لكن..
هو رفع وجهها بأطراف أصابعه لتلتقي بعيونه الجميلة، خصلاته المتناثرة على جبينه، قيدتها جاذبيته بلا رحمة
قُبلة الأمس لا تُنسى، سحقتها، جعلتها تدرك أنها امرأة ترغب بتلك الأشياء بين رجل وامرأة
"لا أملك سوى اليوم أجازه"
زاغت نظراتها على وجهه بلا فهم فتلقى تساؤلاتها "ليال لا تبقى وحدها، أنا وصفوان نلازمها"
تفهمت، الجدال الأزلي بين أسما وصفوان هي تتعلم منه، تتفهم ما لم تفهمه أسما ولا تعترض عليه
لمسته خدرتها، أذابت قوة واهنة ارتسمت على وجهها وانمحت بنظرة منه
"إذن سترتاح"
أحنى رأسه وقد انتظر كثيرا ولم يعد يمكنه الانتظار أكثر "نعم ولكن راحة من نوع خاص، راحة مزينة بالكريمة"
وسرقها، القبلة، المتعة، السكر الذائب بالبسكوت
والبسكوتة تستجيب، تريد ما يريده، لا تعرف هل حقا تلك الدقات تعني ما تقرأ عنه؟
هذا الشعور الذي يسرق القلوب ولا يرحمها؟
لفها بذراعه بتملك، صغيرة، ناعمة ولينة بملابسها المثيرة بلا قصد
حرر شفاها وبعثر قبلات على وجنتيها ويداها تتشبث بذراعيه
حرارتها مائة وخمسين فهرنهيت..
تشتعل..
تستمتع برجل لم تظن أنها ستسقط بهواه بتلك السرعة، لم تهتم بأنه ينتمي لعالم سفلي، لم تفكر بذلك ربما لأن والدها انتمى لنفس العالم
نست حزنها على والدها، رغبته بقتلها جعلتها تمرر موته بسهولة، قسوته من قبل أيضا جعلت قلب البسكوتة نابضا بالقسوة
كنت على حق هارون، لا شيء يوقفنا عن امرأة أردناها واهتزت رجولتنا لها، لأول مرة أرغب بامرأة بتلك الدرجة، أضحي بنفسي لأجلها
وذاب غضب الغاضب بين أحضان البسكوتة
رقتها جعلته يأخذها بنفس الرقة..
لم تعلن عن الألم عندما منحته عذريتها راضية ورحل الخوف وهو يهدهدها، يمنحها كلمات رقيقة لا تخرج من رجل عاش وتربى بالشارع
بيوم ما ستعرفين من أنا وأخشى أن ترفضيني وقتها فلا أعلم كيف سيقبلني قلبك يا امرأة؟
****
صفوان رفض أي جدال مع ليال بما يخص أسما، لم يخبرها السبب وهي لم تجادله فهي تقريبا تعرف مشاعر أسما تجاها، العمل أخذها وقت طويل حتى دخلت شيماء السكرتيرة
"مدام ميسرة تطلب رؤيتك يا باش مهندسة"
رفعت وجهها للفتاة، ميسرة!؟ ألاء!؟ أنس!؟
"دعيها تدخل"
تراجعت بالمقعد، أحتاج لك هارون، أخطأت ولابد أن أتحمل نتيجة خطئي
الأسود لف المرأة، وجهها الشاحب عنوان حالتها، زوجها مقتول وابنتها زوجة قاتله، هل تسخر منها الأقدار؟
لم تنهض، ظلت ملتصقة بالمقعد، حملها بدأ يظهر، بطن صغيرة اختفت خلف ملابسها البيضاء الأنيقة، ملامحها جامدة لا تمنح أي شيء لما يواجها
"كان لابد أن أراكِ"
مالت رأسها بلا تعبير "وها أنا أمامك"
لم تجلس وليال لم تعرض عليها الجلوس، نظرات ميسرة امتلأت بالكره، غضب، رغبة واحدة
الانتقام..
"خطفتم ابنتي وقسيتم قلبها علينا، زوجتها من رجل مجرم، وبالنهاية قتلتم زوجي"
هدوء ليال مخيف، أحيانا مخيف لها هي شخصيا فلم تعد تعرف نفسها "لن أجادلك مدام لأنكِ تعرفين الحقيقة ولكنك تحيدين عنها، كل ما سأخبرك به أننا لم نقتل زوجك بل هو من قتل نفسه عندما أراد قتل ابنته ومن الطبيعي أن يحميها زوجها"
الغضب وصل لمراتبه العليا، هزم الحقيقة وأسقطها مبعثرة وداس عليها ورفع راية النصر وكتب عليها
يحيا الانتقام
"زوجها الذي وضعتيه أنتِ بطريقها وأنا هنا لأخبرك أن موت زوجي لن يمر هكذا وكلكم وأنتِ أولهم ستدفعون الثمن"
والتفت تفتح الباب لتذهب لترى صفوان أمامها، توقف الاثنان بالمواجهة ونظرات ميسرة قوية، حادة كما هو المنفذ الذي تنحى لها فخرجت وهو تابعها بنظراته وهي تختفي حتى أغلق الباب وليال شاردة
"ماذا أرادت؟"
التهديد لا يمثل لها شيء، لكن رجالها، الكل أصبح مسؤول منها، هي تحمل حياتهم بعنقها "لا تهتم، هل انتهيت من اجراءات بور سعيد؟"
نظراته لها كانت تعني، كاذبة
جلس أمامها وعيونه تمنحها معاني كثيرة "علينا أن نضع تهديدها بالاعتبار ليال، ابنتها وزوجها"
ظلت نظراتها ثابتة عليه، خبرته لا يستهان بها "هم السبب ولكنهم لا يعترفون بذنوبهم"
تفهم فعادت تحاول "ألن تتراجع بأمر زواجك؟"
تجهم، تعيد الألم لصدره، يحتاج لوقت لتلتئم الجراح، يسامح نفسه على غبائه ويطرد الذكريات السيئة من حياته
"لا، بور سعيد منحتنا خطوط عريضة وعلينا بالفعل زيارتهم"
لم يبدل رأيه وهي ترى الإصرار بعيونه، الألم يختبئ خلف جدار صلب بناه حول نفسه ولن يزيله أبدا وأسما السبب ولابد أن تتحمل نتيجة أفعالها
****
عندما خرجت من الحمام كانت متوردة، تدرك ما أصبحت عليه الآن، امرأة، امرأة لذلك الغاضب الذي لان وهي بين ذراعيه
سعيدة، مكتفية، راغبة بتلك الحياة..
نظراته اخترقتها، أغلق الهاتف وتحرك لها وهي ملفوفة بالمنشفة، لمس خصلاتها "أنتِ بخير؟"
عالقة بالحنان الذي نبض بعيونه، افتقدت والدتها جدا، أرادت إخبارها بكل ما حدث لكن ميسرة قطعت صلتها بها، أغلقت الهاتف بالأمس بوجهها
أنتِ لم تعودي ابنتي..
تلك الكلمات خنجر حاد انغرز بقلبها وأنس هو من داواها
أخفضت وجهها "نعم"
لمسة من شفاهه على جبينها جعلتها ترتجف، هذا الحنان لم تعرفه، أمها كانت تحبها لكنها كانت مشغول بحياتها الاجتماعية وزوجها
الآن رجل هو ما يمنحها حنان
"هل نطلب طعام؟"
ابتسمت وهو يتركها ولكنها نادته "أنس"
التفت لها وعيونه تحمل التساؤل "أنت لن تتخلى عني لو.."
كانت خائفة من والدتها وأعمامها وهو رأى ذلك الخوف داخل عيونها
ارتد لها بالحال، يداه على ذراعيها بتملك، نظراته جامدة، ثابتة "أنتِ امرأتي، امرأة رجل من رجال الديب ورجال الديب لا تتخلى عن زوجاتها إلا بالدم، مهما حدث لن تخرجي من حياتي إلا لو.."
وطالت النظرة "أنا أفهم أنس، أنا لست أسما، أنا أثق بك"
لم تمر الكلمة بسهولة، ثقة تعني الكثير "أنتِ لا تعرفين عني شيء، كان علي إخبارك كل شيء عني ومنحك الاختيار قبل أن تكوني لي"
أسندت يداها على صدره ووجهها لا يترك وجهه، تعلقت به بسهولة، ربما كما يقال حب من أول نظرة
غرام..
"هل تظن أن هناك فارق؟"
منح وجنتها لمسة من راحته يستمد منها قوة على قول ما حمله قلبه سنوات "قتلت أبي وأنا بالخامسة عشر"
ظلت تحدق به بلا أي فزع مما قال، تنتظر باقي الحكاية "كان يغتصب أختي عندما وصلت، عارية، ملقاة على الفراش تحدق بالسقف، أصبت بالجنون لذلك المشهد وبلا وعي هجمت عليه"
الألم ظهر بملامحه لذكرى أخته، الماضي الذي سجنه داخله، رفض حتى النطق به من بعد هارون وربما منح ليال خطوط عريضة بلا تفاصيل
ظلام أحاطه وهو يضرب والده بقوة، يهتف به "لماذا؟ لماذا؟ هي مجرد طفلة"
الرجل قاومه، شاب ولكن غضبه رفع الادرينالين داخله فدفعه بلا تفكير ليجذب سكين ويغرزه بصدر الرجل الذي هتك عرض ابنته
الدماء جعلته يتراجع، دقات الباب أعادته لوعيه وهو يرتد للصغيرة ذات العشر سنوات ولكن الفتاة رحلت، تركت الألم له، الموت رحمها من مصير مختوم بختم العار
عاشت محرومة من الأم التي رحلت مع ميلادها وماتت مسروقة الشرف
"خمس سنوات سجن بالأحداث وخرجت لأن سلوكي كان جيد، بلا أهل أو أقارب أصبح الشارع بيتي بلا مال أو طعام حتى سقط بمعركة وعرفته"
كان يقف بعيدا أمام النافذة، يرى ماضيه يمر من أمامه كفيلم ممتد بلا رغبة منه بمشاهدته "هارون، أنقذني من الضياع، علمني كل شيء، دربني حتى صرت ذراعه الأيسر بعد صفوان، خضنا معا الكثير، أنا مدين له بحياتي"
"لذا تخلص لزوجته؟"
التفت لها، نظراته المغلقة واجهتها، ما زال يؤمن بما تؤمن به ليال، هارون لم يمت، لا يمكن أن يصدق رحيل رفيق عمره
"نعم، ليس كما تظن أسما بل هي أخت وصديقة"
وتحرك لها، دفع راحته بوجنتها وهي تمنحه نظرات بريئة "ألاء كل ما أرغبه منكِ ألا تضعي ليال بيننا بأي يوم، هي دين، وفاء وإخلاص لرجل ضحى كثيرا من أجلي وأرغب بسداد ديني بزوجته"
هزت رأسها بتفهم، هي تدرك ذلك، تحب ليال وتحب حبها لزوجها، ترى إخلاص صفوان وأنس وتفهم قربهم منها "أفهم وأعدك ألا أفعل"
"لدي ماضي غير مشرف؟"
قربه يمنحها راحة غريبة، سعادة أنه لن يمل منها "هي أختك من انتقمت لشرفها وبالنهاية هو ماضي ولا أهمية له الآن"
عيونها الجميلة تسبح داخل عيونه، ترسو على شط رغبته بها، راحة بأنها عرفت وتقبلت ولم تنفر منه
"سأتغيب كثيرا بالخارج ولن أمنحك إلا القليل من الوقت"
رفعت يداها على صدره مرة أخرى، تحب لمس تلك العضلات، تشعر بصلابتها، تصدق أن هذا الرجل لها هي "المهم أنك ستكون لي بالنهاية ولن تفكر بسواي"
سواها!؟
مي جعلته يغلق الأبواب بوجه كل امرأة إلا هي..
ما أن سقطت عيونه عليها حتى سرقته "أنا لم أعد أرى سوى تلك العيون البريئة وأستمتع بهذه اللمسات الدافئة على صدري، أنا لم أفكر بالزواج لكن وقت اقترحت ليال الأمر لم أعترض، أردتك"
تورد وجهها وهو يبتسم لذلك اللون الوردي الذي زادها جمالا "وأريدك الآن أكثر"
وبلا تفكير رفعها بين ذراعيه وكأن إصاباته لم تكن وهي تتعلق به ورحلتهم للفراش تبدأ من جديد
*****
لم تعرف ماذا تفعل، صفوان تركها بلا كلمات، لا يجيب اتصالاتها وهي لا تقوى على مهاتفة ليال، لا ترغب بالتذلل لها وانتهت بعدم الرحيل، ستطلب منه أن يسامحها بمجرد عودته
تأخرت السيارات وذلك لأن مشاكل أصابت المجموعة بتوقيع السويفي، الانتقام
لم تترك ليال الأمور تمر هكذا وإنما استعادت ما يخصها مع بعض الخسائر الضعيفة لكن هذا أصابها بالغضب ولن تمرر الأمر
لم يبقى صفوان بالقصر، بمجرد نزول ليال استدار بالسيارة ورحل وأسما تحاول اللحاق به بلا فائدة وليال ظلت واقفة تتابع المشهد
تجمدت أسما بمكانها وهو يبتعد خارج القصر ثم التفتت لتواجه ليال وكلتاهما تحدق بالأخرى، ليال تؤنب نفسها
ما زلتِ صغيرة ليال لا تفهمين الأشخاص جيدا
"أنتِ لا ترغبين بعودتنا أليس كذلك؟"
كلمات أسما أصابتها بالغضب لكن عليها التأني "حتى أتزوجه مثلا بدلا منكِ؟"
تجهم وجه أسما، رحلت الدماء من وجهها، هجوم ليال جعلها تتراجع باحثة عن خط دفاع تحتمي خلفه "كل امرأة بحاجة لرجل"
هل فقدت عقلها؟ الجنون له حدود
ليال لم تهتم بجنونها "وأنا لدي رجل أسما ولن أقبل بسواه وأنتِ تعلمين أنه ليس صفوان"
ابتلعت ريقها، سحبت هواء لصدرها المتعطش للأنفاس "هارون مات ليال وتلك الكذبة التي تغطين بها تصرفاتك أفهمها"
صمتت، تواجه هذا الجنون، حقد، غيرة، أي شيء غير الصداقة التي حملتها لها بيوم ما "ظننت بيوم ما أننا أصدقاء وكنت أحمل لكِ كل الخير ولا أعلم لماذا أصبحتِ بيوم وليلة تكرهيني كل ذلك الكره؟"
هتفت بلا تفكير "لأنكِ لا تستحقين كل هذا، أنتِ مجرمة ابنة مجرم ولا تستحقين إلا الشارع لا زوجة هارون الديب وترثين أملاكه وتجلسين مكانه"
دموع لمعت بعيون ليال، هل عادت مي من الموت وتمنحها نفس الكلمات؟
لماذا يفعلون معها ذلك وهي لم تضر أو تكره أي واحدة منهن؟
"لم أكن أعلم أن ذلك سيغضبك لهذا الحد أسما وكأني سرقته منك"
استوعبت أسما كلمات ليال التي لم تمنحها فرصة للرد "فكري بنفسك وحياتك وزوجك أسما ولا تتدخلي بما لا يخصك ولا تنظري لما ليس لك"
واستدارت لتدخل لكن أسما لا تتراجع "ألم يخبرك أنه لم يعد يرغب بي، كل شيء يؤكد أنه يريدك أنتِ"
لم تعد لمواجهتها فقط منحتها إجابة بسيطة "للأسف أنتِ لا تقدرين ما منحه الله لكِ وستندمين"
وتركتها وزاد تجهم أسما وظلت جامدة مكانها وهي تستوعب كلمات ليال ومن داخلها صوت يخبرها أن ما تفعله جنون وربما كما قالت ليال ستندم عليه
البسكوتة لم تخرج من غرفتها، لفها الغاضب بذراعيه حتى نامت وتركها ليرى ما فاته، عند المدخل رأته يقف بانتظارها "تبدو بخير"
ابتسامته كانت تمنحها معاني خفية لا يمكن أن تعبر عنها الكلمات "نعم، أين صفوان؟ عاد بيته؟"
بكلمات مختصرة أخبرته ما كان وكلاهم اتفق على عدم الجدال "وأنت، كيف حال ألاء؟"
كانت بطريقها للأعلى وهو يتبعها "بأفضل حال، أقصد.. ليال"
ابتسمت ومنحته كلمات قليلة "مبارك أخي"
غرفتها هي ملجأها الذي تعود فيه ليال الحزينة، المتألمة لفراق حبيبها، ليال التي تغرق ببحر ليس بحرها وتصارع أمواج ودوامات ستهلكها بالتأكيد
نامت من التعب وربما فرار من الأفكار المؤلمة لتراه يصارع جسار على اليخت وفجأة ظهر قرش عملاق يفتح فمه بأسنان كبيرة لم ترى لها مثيل وابتلع اليخت وهارون وجسار لا ينجحان بالفرار منه
فزعت ناهضة بمنتصف الفراش وهي تصرخ باسمه
"هارووون"
وبتلك الغرفة الباردة، صوت الأجهزة منتظم، جهاز قياس نبض القلب يعلن عن انتظام دقات الجسد الراقد على الفراش
الإضاءة الخافتة تعني هدوء وسكينة للمرضى والستائر تفصل الأجساد عن بعضها البعض وذلك الجسد الذي ظل خامدا اهتز فجأة..
صوت الجهاز ارتفع، الإنذار وصل لكل من بالعناية ليسرعوا للجسد الذي كان ينتفض بقوة ولا أحد يعرف ماذا يفعل حتى..
انفتحت عيونه.. الازرق يلمع بتوهج
من الركود عاد صاحبها..
من الغيبوبة انتفض..
من أنا؟؟