رواية غرام في العالم السفلي الفصل السادس والثلاثون36 بقلم داليا السيد

رواية غرام في العالم السفلي الفصل السادس والثلاثون36 بقلم داليا السيد

ورقة بيضاء

من الظلام عاد، برأس بيضاء فارغة..

من الموت اقتنص فرصة أخرى ليعود للحياة.. 

بلا ماضي..

صعد للسطح باحثا عن الأمل فسقط ببحر الضياع..

من أنا؟؟

"يا سيد هل تسمعني؟"

تحركت عيونه تجاه الصوت، الأضواء أزعجته فأغلق عيونه، رائحة المعقمات تحيط به، صوت الأجهزة كموسيقى ناشزة ومزعجة

"اخفضي الأنوار مرام، أين دكتورة دعاء؟"

اخترق صوت جاد وناعم الضوضاء "هنا أحمد"

فتح عيونه مرة أخرى يحارب نبض مؤلم داخلهم، لف وجهه حوله بلا فهم "أين أنا؟"

وجه قمحي مستدير ظهر أمامه، عيون خضراء مبهرة حطت عليه، شفاه وردية خرجت من بينها الكلمات "بالعناية، هل تشعر بشيء؟ أي ألم أو تعب؟"

كان يختبر نفسه ولكن، ماذا يفعل هنا؟ ما الذي أتى به هنا؟

"صداع"

تابعت الطبيبة الاجهزة وأحمد يتحدث والفضول يجذبه واثنان من تمريض الليل بجوارهم "النبض طبيعي دعاء، كل المؤشرات عادت للعمل، ما اسمك يا سيد؟"

اسمه!؟ 

لا يعلم..

تنفس بقوة يحاول التقاط أنفاسه ويلتقط معها ولو خيطا واحدا من ذاكرة، أي ذكرى، وجه، صوت.. لكن، لا شيء سوى ظلام

ما اسمه؟ 

عمره؟

أهله أو أقاربه؟

من الذي كان قبل هذا الظلام؟

كل شيء صفحة بيضاء ممزقة

"ما اسمك يا سيد؟"

أغمض عينيه بقوة، كأن الظلام يمكن أن يعيد إليه ما فقده، لكنه عاد ليجد نفس البياض الفارغ

"لا أعرف"

تراجعت دعاء والتقت النظرات بدهشة من المفاجأة، أحمد من استوعب الأمر وسأله "ألا تذكر أي شيء عن نفسك أو أهلك؟"

ارتجفت أنفاسه، شعور يشبه الاختناق ضرب صدره، كل شيء بدا غريبا، غريبا لدرجة مرعبة وتسارعت مع هذا الشعور دقات قلبه وارتفع صوت الأجهزة

دعاء لم تهتم باضطراب الأجهزة بل حاولت تهدئته "اهدأ.. تنفس ببطء.. هذا طبيعي، طبيعي جدا"

لا.. لا شيء داخله الآن طبيعي على الإطلاق، يده تحركت فوق صدره كأنه يبحث عن جزء مفقود بداخله، يتحسس الفراغ الذي صار يسكنه

عاد صوت دعاء منخفضا وكأنها تخشى أن تتسبب كلمة إضافية بانهياره.. 

لا تعلم من هو؟ هو لا ينهار ولا يهزمه سوى انفجار 

"هل تتذكر أي صورة؟ أي مكان؟ حتى صوت؟"

لا.. لا شيء يمزق هذا الفراغ الذي احتل دواخله كلها، عيناه تلمع ببريق أزرق كلما حاول أن يغوص في عمقه يشعر أنه يغوص بعمق المحيط بلا قاع فيرتد خاليا، فارغا، بلا شيء

صارع، حارب كمن يفتح بابا بعد باب ولا يجد خلفهم إلا العدم، المجهول..

نفس عميق وزفير حاد، قوي مخيف، مزق الصمت حولهم، يداه قبضت على الملاءة كأنها حافة نجاة أخيرة "أنا.. من أنا؟ ماذا كنت؟"

صوته خرج متحشرجا، متألما، لم يكن يسألهم بل يسأل نفسه، يسأل ذاكرة هشة لا تجيب

يد لمست ذراعه، كأن اللمسة كانت محاولة لربطه بالحاضر بعد أن فقد الماضي وصوت الدكتورة يخترق ضياعه "أنت الآن آمن، أيا كان ما مررت به فقد انتهى، ستبدأ حياة جديدة من هنا، خطوة بخطوة"

نظرته لها كانت مخيفة، بها قوة، غضب، رغبة بتحطيم المجهول، جنون رجل عاش ألف موتة لكنه لا يتذكر واحدة منها

أحمد انحنى عليه وبجدية منحه كلمات طبية "فقدان الذاكرة ليس بغريب بعد الجرح العميق الذي كان برأسك، عقلك يحاول حمايتك، سنجري بعض الفحوصات والتحاليل وربما تصل بنا لشيء جديد"

لكن الكلمات لم تهدئه.. بل زادت السؤال ألما..

من أنا؟

سؤال وحيد تردد داخله.. كصرخة لكن لا يسمعها سواه..

أبعد نظراته لنافذة صغيرة محكمة الغلق، لم ير شيئا من خلف الزجاج المعتم إلا.. انعكاس رجل غريب.. رجل لا يعرفه

رجل هو نفسه.. ولا يعلم عنه شيئا

**** 

سقطت بالحمام، متعبة، الكابوس ما زال يتراقص أمامها، الغثيان لا يرحل 

كم أنا بحاجة لك هارون.. الوحدة تقتلني، تسلخني من نفسي، الذكريات لا تكفيني هارون، تمنيت أن أعيش معك للأبد..

سقطت دموعها، رؤيته يصارع الموت أسقطت كل الأحزان عليها، الليلة قلبها يؤلمها بشدة، وكأن هناك شيء يمزقه، وكأنها تشعر أن حبيبها الآن يتألم، يتمزق مثلما تتمزق هي الأخرى؟

لماذا هناك صوت داخلها يخبرها أنه بحاجة لها؟ أنه ما زال حي ولكنه يعاني، متعب مثلها لكن هناك شيء يقف بينهم، يحول دون لقياهم ولا تعرف ما هو

بصعوبة نهضت واغتسلت وخرجت للفجر الذي بدأ ينشر نوره وظلت أمام النافذة

لم تدرك أنها نفس الليلة بل نفس اللحظة التي عاد فيها حبيبها للحياة، قلبها شعر به، انتفض لمن يعيش للحظة لقياه، يتألم لأجله لكن لا سبيل لخروج صوت قلبها وإخبارها عن سره

حبيبك على قيد الحياة يا فانيليا لكن..

لم يعد يذكرك..

**** 

الطلاق تم بين أسما وصفوان رغم محاولات أسما التي رفضها هو كلها

كلما قالت كلمات ترغب بها استمالته لها فشلت، لم يتقبل أي شيء، رؤية شريط الحبوب يمحو تلك الكلمات، يحول قلبه لجليد بارد لا حياة به

مع الوقت اعترف لليال بالحقيقة وهي تراجعت عن محاولاتها للإصلاح من بعدها ..

السويفي استفزها أكثر من مرة وطلبت من الكبير تحذيره، لم تندفع بأي تصرفات خاصة بعد ما حدث مع أحمد فهمي ولكن على ما يبدو أن السويفي خرج عن السيطرة

"شكرا يا باش مهندسة، التلبس كان واضح وصريح لكنك تعرفين السويفي، كالماء لا يمكن الإمساك به"

نعم تعرف، إسقاط شحنتي مخدرات له كان عقاب مناسب بعدما خرب لها مخزن وخسرت صفقة هامة بسببه

"أعلم، سأظل خلفه حتى يسقط سيادة المقدم"

وأغلقت، قذفت الهاتف على المكتب بغضب ورشدي ينفخ الدخان وصفوان يتناول القهوة، أنس دخل بنفس اللحظة "والدك اختفى، الرجال فقدت أثره"

أغمضت عيونها، بأواخر الشهر الرابع بدأت حركة طفلها مؤلمة حقا

ظلت ثابتة أمام الرجال، لم تبدي أي حركة، تنفست بعمق ثم عادت لهم "سيظهر مرة أخرى، رشدي فرع القاهرة يتمرد فهل تتولاه؟"

العابث الذي فقد اللقب واحتل العاشق مكانه أطفأ السيجارة وعاد لها "بالطبع، فقط أوقفي حربك مع السويفي قليلا حتى يظن أنها استسلمت وبعدها اضربي"

معه كل الحق.. تعجبها أفكاره وتقتبس منها ما يناسبها

"سأفعل، صفوان فرع الكينج بلغ عن رغبتهم بإجراء تعديلات على الفندق هل ستراها أم.."

أوقفها ونظراته تخفي أحزانه، خزنها بالغرف المظلمة بالقلب، وضع أقفال ثقيلة بلا مفاتيح ورغب بحياة لا تعرف إلا العمل وحماية ليال وابن أخيه القادم 

"بالطبع، كنت سأناقشك بالأمر، امنحيني أفكارك وسأرى المناسب هناك"

"رشدي منحني خطة جديدة لهم وضعت عليها تعديلات سأرسلها على بريدك، أنس هل ستخبرني أن الملهى الليلي بالمعمورة توقف عن المشروبات الممنوعة كما أمرت؟"

أسند رأسه على أصابعه وقد تبدل كثيرا منذ دخلت البسكوتة حياته، شهر كامل ينعم بها وبرقتها وبراءتها، ولم تعترض يوما على تأخيره أو قلة الوقت الذي تناله معه

رؤيتها لوالدتها بعد اسبوعين من وفاة والدها جعلتها تنهار وهو من لفها بحنانه وأنساها قسوة المرأة

"بعد طردك للمدير بالطبع انتهت الفوضى وأنا تابعت الأمر عدة أيام حتى استقر أمير، المدير الجديد"

اعتدلت "جيد، رشدي أرسل لي تقريرك عن الفرع الجديد قبل سفرك القاهرة"

وافق وهو يشعل سيجارته ثم نهض "تمام، أراكِ بنهاية الاسبوع"

ورحل وأنس يراها شاحبة، لا ترحم نفسها فنهض وجلس بمكان رشدي "ألا ترتاحي؟ الأمور جيدة الآن"

رفعت نظراتها له، انتهت دراستها، مشروع التخرج نال تقديرات مرتفعة ولكنها لم تهتم، العمل يأخذ كل وقتها "أنا بخير أنس، حفل الليلة سيحضره الكبير، زوجتك معك"

أبعد وجهه فابتسم صفوان "يغار عليها ليال، جميلة وتثير عيون الرجال"

ابتسمت معهم كما اعتادت، تجد بينهم العائلة التي تمنحها الراحة "يا رجل هي بالأساس تتعلق بذراعه بأي مكان خارج البيت، هي من تغار عليه"

أبعد وجهه وقد بدأوا كعادتهم "ليال توقفي"

صفوان لا يرحمه، لم يظهر أحزانه لأحد، الحقيقة أنه استعاد نفسه بسرعة غريبة، حتى وقت موت والد أسما لم يتراجع عن تأدية الواجب مع أنس وليال رغم برود أسما باستقبالهم ووقتها تأكد أنه كان على حق بإخراجها من حياته

"اعترف أنك سقطت"

ظل متجهم واختراق قلبه غير مسموح لأي أحد لكن ليال وصفوان ليسا أي أحد "سقط؟"

أكملت ليال "بالحب، وهي أيضا، عيونها تفضحها"

ظل صامتا، الحب كلمة ضاعت منه يوم أدرك الوهم الذي كان يعيش به مع مي لكن مع ألاء الأمر اختلف

كانت نور أضاء حياته، راحة ينالها بعد تعب اليوم

البيت الذي انتهى الرجال منه كان رائع، ليال أهدته شركة ديكور مختصة صممت كل شيء به وألاء أنهت الأثاث وباقي التشطيبات بسرعة غير متوقعة

ونال الحياة التي لم يحلم بها ولكنه لم يعترف أنه سقط به..

بمن يسحق قلوب العشاق ويذيبها

الغرام

***** 

انتهى الاسبوعان على عودته من الغيبوبة، الضعف رحل، العلاج الطبيعي أعاد له قوته والأطباء رجحوا أن ذلك عائد لقوة بدنه

وظائفه الحيوية كلها استقرت خاصة عدم وجود إصابة دماغية خطيرة وكل إصاباته شفيت على مدار الشهور الماضية، فقط يحتاج لرعاية دقيقة قبل الخروج النهائي من المشفى مع إعادة التأهيل لاستعادة قدراته الجسدية والعقلية تدريجيا

دعاء كانت المسؤولة عنه، ابتسامتها تصحبها كلما كانت تدخل له بالغرفة الصغيرة التي احتلها بالمشفى العام

بور سعيد.. 

المدينة التي دفعته مياه البحر لشاطئها ووجده صياد ملقى على الشاطئ فاقد الوعي بإصابات عديدة وخطيرة فحمله للمشفى حيث تلقته دعاء

لا تعرف ما الذي جذبها له منذ أول مرة رأته أمامها بغرفة العمليات، لم يجدوا معه أي شيء، صورة له وضعتها على حسابها الشخصي، مفقود لكن لا شيء

والآن لا يعرف عن نفسه شيء، وسيم لدرجة تأخذ الأنفاس

شعره الطويل مربوط للخلف بلا أي خصلات هاربة، عيونه الزرقاء تحمل عمق البحر وغموضه، بنيته القوية، عضلاته التي يبست مع الوقت والآن استعادها بالعلاج الطبيعي، تمنحها فكرة عن أنه كان رجل رياضي متمرس

"صباح الخير"

لف وجهه لها، التقت بالقاتمة بعيونه، لحيته التي تم تهذيبها بأمر منه بدت مناسبة له "صباح الخير دكتورة"

ابتسامتها تمنحها جمال مضاعف ومع ذلك عيونه لا تراها، ظلام حياته، فراع ذاكرته توقف عقله عن استيعاب أي شيء وأي أحد

"دعاء، هل تعلم أن اختيارك لاسم سليم لا يعجبني"

عاد لنور النهار بالنافذة، واقفا بلا استسلام للتعب الذي يحل بجسده مع المجهود، لم يستسلم للضعف واخترق كل التمرينات التي منحها له طبيب العلاج الطبيعي 

اختيار الاسم لم يكن هكذا بلا مفارقة حقيقية، هو سليم لكنه مكسور داخليا "أرغب بالخروج دعاء"

توقفت، رحلت ابتسامتها، لا، هي لا ترغب بذلك.. أرادته هنا، أمامها.. معها لأطول وقت خاصة بعد عودته للحياة "لماذا؟"

لف وجهه لها ولم تعرف ما تخفيه تلك العيون الجميلة، هو ساقط ببئر الضياع، مستقر بالقاع بلا وسيلة للصعود "لأعرف من أنا"

تحركت له ونظراته تتبعها، قصيرة، شعرها البني مربوط للخلف، خضراء عيونها تذكره بشيء مقرب لقلبه لكنه لا يعرفه

هل نسيت ذراعك الأيمن!؟

"لم لا تترك الأمور تسير وحدها سليم؟ الطبيب أخبرك.."

عاد للحديقة المهجورة بالخارج، الأشخاص المتحركة هنا وهناك "لا يهمني ما قاله، أحتاج لمعرفة أي شيء عن نفسي"

تشعر بالألم لأنها قد تفقده، قد يذهب ولا تجده.. 

"أنت ترهق نفسك بالتذكر وهذا خطر على عقلك، الذكريات قد تأتي بعد وقت قصير أو طويل، لم لا تصبر؟"

وضع يده على قلبه، فراغ يسكنه بشكل يؤلمه "لأن هناك شيء ينقصني، شيء لا معنى لحياتي دون وجوده معي"

تألمت، دموع تحركت لعيونها، حاولت وقف نفسها عنه، عاقبت قلبها الذي خانها واندفع لرجل مجهول كان غائب عن الحياة وعندما عاد زاد تعلقها به حتى بات من المستحيل عليها التحرر منه

"امرأة!؟"

سقطت نظراته عليها، امرأة!؟ 

لا يعلم، جزء منه مفقود، ضائع مع ذكرياته، بنهاية الثلاثينات أو ربما بداية الأربعينات بالتأكيد بحياته امرأة "ربما"

رمشت لتسقط دمعة والنظرات لا تفترق فأبعد وجهه "دعاء لا تفعلي بي ذلك"

لم تستطع، لم لا تفهم؟ 

الأمر ليس بيدي، أنت السبب،  جذبتني لك ولا أعرف كيف أسترد نفسي منك "ليس بيدي"

تحرك ببطء، ما زال جسده معترضا على ما يجبره عليه، جلس على طرف الفراش، ملابس المشفى لم تعد تناسبه وعليه إيجاد حل للحصول على مال وحياة للبحث 

"أرغب بالخروج دعاء"

ارتدت له حتى وقفت أمامه وقلبها ينبض بنبض مخيف لها، سأموت لو رحلت وتركتني فأنا سقط بغرامك أيها الغامض 

"لدينا شقة فارغة بعمارتنا، هي عمارة بابا ولا يسكنها سوانا وعم عزت صديقه"

لمعت عيونه والأفكار تأخذه "أنا لن أبقى هنا، سأرحل لكل محافظة باحثا عن هويتي"

جلست على المقعد أمامه والرجاء احتل عيونها، الخوف سقط بأعماق قلبها، لن يتركها "لو كان لك أحد لبحثوا عنك طوال تلك الشهور سليم، ولكن الشرطة لم تصل لشيء"

نعم يعرف فقد أخبروه بذلك لكن هو لم يبحث، هو من يرغب بمعرفة من هو "ربما، لكن أنا لن أبقى هكذا دعاء بلا هوية أو عمل"

عاد الأمل "بابا يمكنه منحك عمل، لدينا مصنع ملابس يورد لكل المحافظة يمكنك إدارته فبابا لم يعد بإمكانه إدارته وحده حتى تستعيد نفسك وذاكرتك"

ظل صامتا، تلك المرأة تمنحه الكثير، حياة جديدة، تفتح له أبواب ومع ذلك يبقى الباب الوحيد الذي يهمه مغلقا 

باب هويته والجزء المفقود من قلبه..

الفانيليا يا ريس..

الخروج من المشفى بين زحمة السيارات وأبواقها المزعجة، رائحة العوادم.. أصوات الأشخاص تتحاكى مع بعضها البعض أزعجه، الصداع لا يفارقه..

"ادخل"

سقطت نظراته على السيارة الصفراء موديل غير حديث، التي وقفت أمامه، قوامه المرتفع لم يمكنه من رؤية من بداخلها ولكن صوتها مميز، ناعم ورفيع انحنى ورآها تبتسم "أخبرتك أن تنتظرني، ترغب بالفرار؟"

عيونه باردة، لا تحمل أي وهج من حرارة الحياة، فقدها مع فقدان ماضيه "تصرين على ذلك؟"

مالت وفتحت له الباب، لا تمنحه فرصة للاعتراض "نعم، بابا ينتظرنا على الغداء، هيا"

لم يجادل وهو يدخل بجسده الشاهق، عطرها القوي ملأ سيارتها الصغيرة، ملابسها أنيقة، هي جميلة حقا والغريب أن رغم جمالها لم تحتل أي جزء من عقله الفارغ 

"لا أعلم كيف أواجه والدك"

ضحكت وتطايرت خصلاتها من الهواء وتركيزها على الطريق، تقود بطريقة أنثوية بالطبع

هاجس مر به، قيادة متهورة، سيارة مرتفعة، سرعة خطر بلا مبالاة.. أغلق عيونه قابضا على الذكرى الواهية بلا فائدة..

البيت بمنطقة بعيدة عن المحلات والسوق الحرة، من ثلاث طوابق وحديقة أمامية نظيفة، لا شيء أثر عليه، لا ذكريات واردة كما أخبره الطبيب 

"مرحبا سليم، ادخل"

والدها كان صاحب العيون التي امتلكتها ابنته، شعره البني الخفيف ما زال تاركا أثره، جسده القليل وحركته البطيئة جعلته يدرك سنوات عمره المتقدمة 

البيت جميل، كلاسيكي ودافئ، أثاثه قديم ونظيف 

جلس الرجل وأشار له ليجلس "دعاء أخبرتني الكثير عنك"

ضاقت الزرقاء، وانزوى الحاجبين وارتاحت راحتيه على ذراعي المقعد وخرج صوته هادئ كملامحه "هي تمنحني اهتمام لا أستحقه"

ابتسم الرجل بود، رأى وأدرك من خبرته سر اهتمام ابنته بذلك المريض الذي حاز على اهتمامها طوال تلك الشهور وأراد رؤيته بنفسه "دعاء ليست امرأة متهورة لتخطئ باهتماماتها بني، هي ترى أنك بحاجة لمن يكون لجوارك حتى تستعيد حياتك"

صوت دعاء منعه من الرد "أو تكون له حياة جديدة هنا بابا، هيا الغداء جاهز"

نهض الرجل وهارون يتبعه، الحرج كان سيد الموقف، إحساس غريب يسيطر عليه، وكأنه يرفض الشعور بالغربة، أو أنه لم يعتاد على التواجد بمكان ليس له فسيطر الصمت عليهم

"دعاء طاهية ماهرة، طعامها مميز"

الطعام بالفعل جيد "نعم، سلمت يداك دعاء"

تورد وجهها "أخبرت بابا أن نطلب طعام جاهز ولكنه رفض"

الرجل منحها ابتسامة تحمل حنان رآه هارون ولكنه أبعد عيونه والرجل يمنح ابنته رده "لن يكون أفضل من طعامك ملاكي"

وهج ضرب عيونه فجأة

ملاكي..

كلمة تتردد بأذنه

طعامك.. 

صور باهتة غير واضحة، ضحكة فتاة، امرأة، لا يعرف، رفع يداه على أذنيه من ألم الصوت بأذنه والصداع يزداد ودعاء أسرعت له 

"سليم، سليم ماذا بك؟"

لم يكن يسمعها والصوت يرن بعقله والوجوه الشاحبة لرجال، نساء لا يعلم ما هي هويتهم؟

أخيرا رحلت الأصوات، اختفت الوجوه وفتح عيونه وصوت دعاء يعود له "سليم، سليم هل تسمعني؟"

الأضواء عادت، صوت والد دعاء يناديه، يداها تمد له كوب الماء فجذبه وتناول بعض الماء "أنا بخير"

"ماذا حدث يا سليم؟"

"مجرد صوت ضحكة.." وصمت، لم يخبرهم أنها لامرأة، هو يفهم مشاعر دعاء، يراها بعيونها، عمره ليس هباء

لكن هي أيضا ليست صغيرة، تفهم وربما كطبيبة تدرك مكنون المرضى "امرأة!؟"

رفع وجهه لها ولم تنتبه لنظرة والدها وهارون يختار كلماته "لم أميز، أشباح اختلطت على أصوات فلم تكن واضحة"

ونهض، فقد شهيته، أراد الاختلاء بنفسه "دعاء أخبرتني بأن هناك شقة لي، أنا فقط لا أموال لدي ولا عمل"

تراجع الأب بنظرة حزينة لحزن ابنته الواضح بملامحها "اجلس يا سليم لنتحدث عن تفاصيل عملك وبعدها.."

قاطعه وهو يفرك جبينه "سأعمل أي شيء عمي، حتى ولو سائق وهو أفضل حتى يمكنني البحث عن أهل أو أقارب"

هتفت بلا وعي، فقدت الإدراك، عبدة لمشاعر لم تمنحها لأحد من قبل لكن هو سرقها "أخبرتك أنهم لم يبحثوا عنك فلماذا تصر على ذلك؟ ربما لا يرغبون بعودتك"

ارتدت نظراته لها واعتلاه غضب حاول التحكم به، ماذا كان بالماضي؟ 

غاضب، عصبي، مجنون، قوي، ضعيف، من كان؟ كيف سيكون الآن؟

الجنون يحتل الساحة ويضرب ضربة قاضية تعلن انتصاره وهزيمة العقل الواهن لكنك من داخلك ما زلت الريس.. 

بكل ميزاته.. 

"دعاء، كفى! لا تغضب منها سليم، هي تقصد أنك بحاجة لتبدأ حياة جديدة حتى تستعيد ذاكرتك"

أبعد عيونه المظلمة عنها والعجوز يتدارك جنون واندفاع ابنته، ربت على كتفه، دفعه أمامه "لدي مصنع ملابس كبير ونقوم بتوريدها لمحلات بطول المحافظة وأنت.."

أوقفه وواجه ملامحه "جيد سأبدأ من الغد"

الجدية هي كل ما لاح بوجهه "حسنا لكن لابد من منحك أوراق ورخصة قيادة، لدي من يمنحنا ذلك فقط يومان ونبدأ"

الشقة كانت غرفتان، مطبخ، حمام منفصل وصالة كبيرة، لم ينم جيدا، ما زالت تلك الضحكة ترن بأذنه، تؤرق منامه، وتلك الكلمة تعصف به

ملاكي..

وملاكه كان بطريق العودة وصفوان كالعادة لا يفارقها وأنس على يمينه بعد يوم شاق عندما تفاجأ صفوان باندفاع سيارة تحاول الاصطدام به من جانب ليال ولكنه تفاداها بحنكة وهتف 

"اربطي حزامك ليال، أنس سلاحك"

عودة الذكريات مؤلمة، هارون، الخطف، تجارة الأعضاء.. إصاباته.. إنقاذه

طلقات نارية ارتفعت وسيارة الحراسة تنضم لهم

صفوان ليس فقط مقاتل لا يستهان به بل هو سائق ماهر كالريس، ناور بقوة حتى اصطدمت السيارة الأخرى بسيارة نقل كبيرة ظهرت أمامهم واشتعلت النيران تضيء الليل

السيارة التي طاردتها الحراسة سقطت بالحصار بين السيارتان وصفوان يضيق عليها الخناق حتى وقف بسيارته وهو يندفع خارجا وأنس ظل معها   

وضعت يدها على بطنها، ابنها، لن تفقده، ستحافظ عليه حتى يعود هارون ويحميه معها.. 

لا مكان للخوف الآن، سلاحها رافقها ولكنها لا تملك القوة على المواجهة بالواقع وليس تدريب

"انخفضي للأسفل ليال"

لم تتردد وصوت الطلقات يصم الآذان

صفوان اخترق صفوف العدو بلا خوف وآثار بقلوبهم الرعب ورجال الريس منحته تغطية حتى توقفت الطلقات وأنس يدرك انتهاء الأمر فنزل 

هي اعتدلت ولم تنتظر وما أن نزلت حتى سمعت صوت يهتف بها "لا تتحركي خطوة واحدة"

ورأت السلاح موجه لها، يحسم مصيرها للمرة الثانية ولكن تلك المرة ابنها من تتهدد حياته 

**** 

احتاج عدة أيام كي يعتاد المدينة الصغيرة لكن سرعان ما لف كل مكان بها بلا فائدة حتى وقف أمام الميناء الكبير، باحثا بأعماق البحر عن أي شيء يجيبه عن الخراب الذي عشعش داخله

لا شيء يا ريس، أنت فقدت كل شيء

سقطت ذكرياتك بالمتاهة وأنت فقدت طريقك لها

الريس لأول مرة بحياته تائه، مهزوم من عقله الرافض منحه السكينة وإعادة ماضيه

أغمض عيونه باحثا داخل الظلام عن أي ومضة نور، أمل، طريق.. لكن لا شيء

عاد لسيارة النقل وقاد للمكان الذي يجتمع به السائقين لانتظار تحميل البضائع، العديد من السائقين يعملون لحساب الحاج محمد فداوي والد دعاء ولاحظوا اهتمام الرجل به على المستوى الشخصي

"لن تأخذ ذلك الدور اليوم يا هذا"

لم يلتفت للجسد الذي سد طريقه، بل أغلق باب السيارة ووضع مفاتيحه بجيبه وقرر تجنبه، استعاد لياقته البدنية مع استمرار تمارين خاصة سمح بها الطبيب 

يد عريضة سقطت على صدره توقفه عن الحركة وسقطت معها نظراته عليها "أنا أتحدث معك"

تمالك نفسه، لم يجد إجابة لكل الأسئلة حتى الآن، لم يعرف كيف كان لكن الآن اختار الهدوء "حسنا"

وأراد أن يتحرك لكن الرجل لم يبعد يده عن صدر هارون "لن تذهب لأي مكان، هل ظننت أن العجوز يحميك؟"

وجه هارون ظل جامد بلا حركة، لا يواجه نظرات الرجل حتى ثبت نظراته على وجهه أخيرا "لا، لم أظن أي شيء"

أراد الذهاب، تجنب العراك، لم يعرف قدراته، لا يذكر شيء عن نفسه "لم أمنحك الإذن بالذهاب، من الأفضل أن ترحل عنا"

ضاق صدره من ذلك الغبي فقبض على معصمي الرجل وثبت نظراته على عيونه ونبرته كفحيح الأفعى تحذر فريستها "الأمر لا يخصك والآن سأمنحك فرصة واحدة لتختفي من أمامي"

التفاف الرجال صنع دائرة وكأنها حلبة مصارعة وهمهمات ترتفع من حوله والرجل أطلق ضحكة مرتفعة أوقفت الأصوات حتى قطع ضحكته وتحول للجد فجأة "أنت من سيختفي من الحياة للأبد"

ونفض ذراعي هارون بقوة ووجه قبضته لوجه هارون الذي ارتد للخلف برد فعل سريع لتصطدم قبضة الرجل بباب السيارة 

لم يعلن الرجل عن الألم بل التفت وقبضته الأخرى ترحل لوجه هارون 

ارتد هارون للجانب الآخر متفادي قبضة الرجل وهو يمنحه كلمات عابرة "حتى الآن يمكنك الرحيل"

زمجر الرجل بجنون وهو يندفع تجاه هارون "ليس قبل أن أقتلك"

دفع هارون قبضة الرجل ببساطة بعيدا عن وجهه بيد وبالأخرى وجه لكمة لجانبه فاجأته وجعلته يتعثر وينحني حتى كاد رأسه يصطدم بالسيارة لولا أنه تدارك نفسه بآخر لحظة والأصوات تتعالى حولهم

استدار هارون بثبات وكأنه لم يفعل شيء

حركاته تنبع من داخله، هذا يعني أنه كان مقاتل بيوم ما! 

اندفع جسد الرجل وكتفه يصطدم بمعدة هارون ويدفعه للخلف جعل هارون يتدارك الأمر ويسقط بكوعه عدة مرات على ظهر وعنق الرجل ليتركه من الألم وهارون لا يتوقف وهو ينفصل عنه ولكنه ارتفع ولف بالهواء حتى ارتفعت ساقاه عن الأرض وهو يدفع واحدة منهما بوجه الرجل ولحقت الأخرى بها على نفس الوجه ليتناثر الدم من فمه على بعض الرجال فتراجعوا ومع لمس أقدام هارون الأرض كان الرجل يسقط على نفس الأرض

تعالت التصفيقات وهارون لم ينظر حتى خلفه ليرى نتيجة انتصاره بل تحرك مخترقا إياهم لداخل الشركة بلا اهتمام لم حدث بالخارج ومحمد فداوي يتلقاه بنظرة متسائلة 

"ماذا بك؟ هل وصلت لشيء؟"

جلس أمام الرجل وهو يجذب خصلاته التي تناثرت ويعيد ربط شعره "لا، ربما أرحل لمحافظات أخرى"

دخول السكرتير أوقف الرد ونظراته تخترق جدار هارون الصلب.. تتفحص الرجل الذي هزم العملاق بالخارج ولم يدرك أنه كان يدرب العمالقة عندما كان الريس

"عبد الرحيم أصيب والرجال أخذته المشفى"

تراجع الحاج بدهشة وتساؤل أغرق نظراته والكلمات تتبعث على فمه "أصيب بماذا؟ حادث"

لم يحرك هارون نظراته لأي مكان بل الفراغ كان سكناه كما هو فراغ عقله وقلبه "تشاجر مع.. سليم"

التفت نظرات الحاج لسليم، وجمد على الوجه الصلب أمامه هل لذلك يطلب الرحيل "اتركنا"

خرج السكرتير فنهض هارون والإصرار يقوده "لم يعد لي مكان هنا"

نهض الحاج، تحرك ليقف أمامه، هارون طويل جدا أمام الرجل ولكنه لا يكن له سوى الاحترام والتقدير بحق 

"ربما أنت من هنا وليس من محافظة أخرى"

عبث هارون بحاجبيه يعترض بوضوح "لا، أنا لا أملك لكنتكم، أنا لا انتمي إلى هنا"

"معك حق بني"

صعقة ضربته مرة أخرى

ضوء، سيارة كبيرة، سيجار فاخر ولا شيء آخر سوى، بني! الصوت الرخيم، الدخان الكثيف

أغلق عيونه بقوة، يداه تصم أذنيه وجسده يترنح بلا وعي والرجل يدفعه للمقعد وما زالت بني تتردد برأسه

ناداه بلا استجابة، ربت على كتفه ليعيده للواقع ولكن الواقع كان بعيد جدا عنه..

أراد أي شيء ولكن لا شيء.. سيظل بالضياع يسبح حتى تضعف ذراعيه والدوامة تلفه وتجذبه للأعماق وضاقت أنفاسه بلا نجاة

                الفصل السابع والثلاثون من هنا 

تعليقات



<>