
رواية غرام في العالم السفلي الفصل السابع والثلاثون37 بقلم داليا السيد
تحبك صغيرتك
لم يكد الرجل ينهي جملته أمامها حتى رأت دماء تنفجر من رأسه فأغمضت عيونها بفزع والرجل يسقط وصفوان يلفها بذراعه والسلاح بيده "أنس هل انتهوا؟"
أنس كان يلف حول نفسه بنظراته هنا وهناك والسلاح بين قبضتيه والرجال انتشرت حولهم "نعم، أعدها البيت وأنا سأتابع الموقف"
عمله التنظيف بعد المعارك لكن منذ رحيل هارون ووظيفته الأولى حمايتها لذا لم يجادل وهو يدفعها داخل السيارة ويربط حزام أمانها بنفسه ويتحرك ليقود بها وهي أغمضت عيونها
خائفة؟ نعم
ترتجف بلا شك، لم ترغب بإعادة الشريط ولكنه يعيد نفسه
لم تتحدث وما أن وصلوا القصر حتى نزل وفتح ليفك حزامها، كانت متعبة بلا مقاومة، دوار قوي يهاجمها، تقلصات تؤلمها
عندما لم تجيب صفوان حملها ولم تقاومه، جسدها كله كان مخدر
ألاء قابلته أمام باب القصر، كانت تنتظر أنس لكن رؤية ليال بتلك الحالة أفزعتها "ماذا بها صفوان؟ ليال ماذا حدث؟"
صعد بها للأعلى "ثمية، اطلبي الطبيب"
ألاء دفعت الغطاء عليها وجسدها يرتجف بقوة، لم تعد تشعر بأي شيء، هارون هو كل ما كانت تنطق به، تناديه، ترغب برؤيته، لمسته، أحضانه أو حتى أنفاسه
خرج الطبيب من جناحها وأنس وصفوان يواجهان نظراته القلقة "حالتها النفسية غير مستقرة، وكأنها أصيبت بصدمة نفسية إثر تعرضها لضغط نفسي أو حادث سيء"
تبادلا النظرات بقلق وتولى أنس الدفة "هل هناك خطورة عليها أو على الطفل!؟"
نفى برأسه وأكد بكلماته "لا، منحتها مهدأ، ما زالت تنادي هارون، لابد أن ترتاح جيدا لأن جسدها سيكون منهك من أثر ارتفاع الادرينالين وكي لا يتأثر الطفل بشيء"
تفهم الرجلان، رحل الطبيب، تراجع كلاهم مبتعدا، تجدد الأحداث أسقطها بالصدمة، تحملت أكثر من طاقتها والآن انهارت وتنادي على حبيب قلبها وهما يتألمان لأجلها
خرجت ألاء لهما "نامت"
تحرك أنس لزوجته "هل تشعر بشيء؟"
"لا، الطبيب منحها مهدأ وستنام للصباح ولكنها لم تتوقف عن اسم هارون"
ضربه الألم أكثر وتدخل صفوان "الطبيب قال أنها بحاجة للراحة"
وتحرك للأسفل، لم يمكنه إظهار غضبه من الهجوم الذي تعرضوا له لكن، ليس هنا
الريس لم يكن ليصمت عما حدث وهو من يعاقب وسيعاقب، سيعرف بطرقه الخاصة من وراء ذلك وسيأتي بحق زوجة أخيه
الرجال التي سقطت بين يديهم صرخت من الألم، طلبت الرحمة، لكن لا رحمة اليوم لدى المنفذ..
إما الاعتراف وإما الموت
وكان الاعتراف.. السويفي وضياء شريكه
الرجال لم تنتظر وصفوان يقود وأنس لم يتركها ظل يجلس بصالة جناحها وألاء معه، لن تكون وحدها أبدا..
الهجوم على بيت ضياء كان لا شيء بجوار ما خاضه الرجال من قبل مع الريس لذا بأقل من خمسة عشر دقيقة كان ضياء ومن تبقى من رجاله يركعون أمام المنفذ ويداهم مقيدة خلف ظهورهم والعملاق غاضب، غاضب جدا
رصاصاته أطاحت بهم وتوقفت عند ضياء الذي أصيب بالهلع لرؤية رجاله غارقين بدمائهم وصفوان ينحني عليه والغضب يطل من مقلتيه، بلون الأخضر محاط بالأحمر النابض بلهيب الغضب
"هل ظننت أن تتجرأ على زوجة الريس ونتركك حي ترزق"
الرعد يهز السماء وصوت المنفذ يهز أرجاء البيت
ضياء يرتجف، يغمض عيونه من الفزع، يرغب بانشقاق الأرض والفرار بين أحجارها ولكن صفوان قبض على شعره، جذب رأسه لأعلى ليواجه نظراته
"ليال الديب لا يتجرأ عليها أحد ومن يفعل يتحمل نتيجة أفعاله، فريد"
بلحظة كان فريد يسرع له بحقيبته، عطلت أدواته منذ رحيل الريس واليوم يستعيدها لأجل زوجة الريس
صراخ ضياء ملأ كل مكان من حوله حتى منحه المنفذ الراحة، تركه ينزف حتى ينتهي وحده وما أن تحرك هو والرجال خارجين حتى أسرع له أحد الرجال
"صفوان تعالى وجدت شيء غريب"
الحديقة الكبيرة كانت باردة، جثث الرجال مبعثرة بلا اهتمام، تلك الأماكن تهجرها الشرطة، تلك المعارك فقط لساكني هذا العالم
العالم السفلي..
بيت صغير خلف الفيلا، يكاد لا يُرى، انطفأت أنواره إلا من وميض خفيف تسرب من الداخل "هذا يعني أن هناك أحد بالداخل هل.."
لم يكمل والعملاق يدفع الباب بكتفه مرة والثانية حتى كان يتحطم تحت ثقل جسده وصوت صراخ نسائي يعلو وفريد يضيء الأنوار
امرأة بالخمسينات تحتضن جسد أصغر بالحجم ولا تبدو ملامحه، ولكن صوت النحيب ارتفع وهو وقف جامدا لا يعرف من هم وماذا يفعلون هنا؟
عندما رفع نظراته لوجه المرأة الكبيرة تراجع العملاق وقد صعقته ملامحها...
لا.. لا يمكن
****
رحل الصوت.. سكن الوهج واستقرت رؤيته وهو يفتح عيونه، نظرات محمد فداوي كانت مملؤة بالقلق "هل أنت بخير؟"
مسح حبات العرق من على جبينه براحته، الصداع الذي يضرب برأسه يثير جنونه، يوقفه حتى عن إجادة التفكير "سليم هل تسمعني؟"
استعاد نفسه، الظلام رحل، الصوت سكت، عاد للفراغ ولا شيء يملأ الأبيض
"نعم"
جلس الرجل متهالكا أمامه من القلق والتقى بالظلام الذي حل بعيونه، وكأنه بيت كان عامر بأهله وسكانه واحترق فجأة ولم يبقى منه سوى تلك الظلمة المخيفة
"ماذا حدث؟ هنا وبالخارج"
بكلمات مختصرة أخبره عن الرجل وتجنب ذكر الوهج وكلمة بني ونهض متماسكا "لابد أن أذهب"
نهض الحاج واقفا بمواجهته "سليم لا يمكنك الذهاب الآن، عندما تصل لشيء ارحل لكن ليس قبل ذلك"
انحنى ونظراته اختزنت كل الألم الذي ملأ صدره حتى آخره "لم أعد أتحمل البقاء دون أن أعرف من أنا"
ابتعد والرجل يدرك أنه إن آجلا أو عاجلا سيرحل، الألم سيكون من نصيب ابنته الي تتوهم حب رجل لا يفكر بها بالأساس "ليس لديك أي شيء لتبدأ البحث على أساسه"
صمت ومحمد يعود له "اهدأ يا سليم وانتظر شهر أو اثنان وبعدها قرر من أين ستبدأ، محافظات مصر كثيرة"
لم يرد..
العشاء كان برغبة الحاج، طوال المدة السابقة لم يراها إلا مرات لا تعد، كلاهم انشغل بالعمل وربما هو تعمد عدم رؤيتها، لا يرغب بتغذية مشاعرها الواهمة أو حتى لو كانت حقيقة فلا يرغب بإيلامها
رفع وجهه لها وهي تفتح له الباب، جميلة حقا لكن قلبه لا يراها، هناك من يسكن هذا القلب، يسكته عن أي امرأة
ليته يعرف، يتذكر أي شيء
"ظننت أنك لم تعد تذكرني"
ابتلع ريقه مع تفاحة آدم الراحلة عبر عنقه وهي تتنحى له ليدخل وهو لا يرد، الحاج وافاه على الفور ورائحة النعناع يظهر من أكواب الشاي "تعالى يا سليم الشاي بالنعناع ينتظرك"
جلس بأريحية فالرجل يعامله كابنه حقا لكن هو من يتحفظ من أجل ابنته..
تناول الشاي، الحديث عن العمل، السوق والرجال أخذهم حتى دعتهم للطعام والتزم الصمت بوجودها وهي تدرك ذلك
يهرب منها، يتفادى لقائهم باتخاذ وقت عمل معاكس لها.. لا يعود البيت لو كانت موجودة ولا تفهم لماذا يهرب منها؟
لأن قلبه مشبع بالفانيليا دكتورة.. ألا يحبه سوى الأطباء؟
ماذا عن صغيرته؟
استأذن محمود بإجراء اتصال هام وجلست هي أمامه بالتراس، أضواء المدينة، القناة وأصوات السفن تقطع سكون الليل
انحنى على السور والظلام يسكن الشارع من الأسفل فبدأت هي الحديث "أنت تهرب مني سليم"
تنفس بقوة يستعد لمواجهة لم يرغب بها "الهروب للجبناء دكتورة وأنا لست كذلك"
تعصبت دون تحكم "وماذا تسمي ما تفعله معي؟"
منحها نظرة لا معنى بها "تعقل دكتورة، لدي ما يكفيني"
"أنت من لا يرغب بتصديق أن لا أحد يريدك، أنت من لا ترغب برؤيتي والاعتراف بما بيننا"
اعتدل، كلماتها مؤلمة لكن لمن يصدقها وهو لا يصدق أي شيء "ليس بيننا أي شيء دكتورة"
احتل الجنون الصدارة، ارتقى حتى تربع على قمة النقاش "بل هناك ولا تناديني دكتورة سليم، هناك شيء بيننا وأنت من ترفض السماح له بأن يأخذ مجراه الطبيعي"
مال رأسه وسقطت خصلاته معه وهو يمنحها كل اهتمامه "لأن ليس هناك مجال لي لأفعل دعاء، أنا لن أعيش بالمجهول للأبد، أنا لدي أهل وعائلة بمكان ما ولن أتوقف حتى أصل لهم"
"ولماذا لم يصلوا لك!؟"
الصمت سقط بينهم، يوقفهم عن الغضب للحظة قطعها بتعقل "قلتِ أني كنت مصاب بشدة وامتلأ صدري بمياه البحر هذا يعني أني ظللت بالبحر وقت طويل والريح جرفتني وعندما بحثوا بمكان سقوطي ولم يجدوني ففقدوا الأمل"
أشاحت والدموع تتصاعد لعيونها، أشفق عليها، تألم لأجلها لكن لا مكان لأكثر من ذلك "أنت تختلق الاعذار وتصدقها، كل ذلك وهم من خيالك"
صمت، لم يجيب، هل حقا وهم..
"حتى لو لابد أن أتأكد"
صوت والدها ناداها "دعاء، تعالي رائحة الكيك تصاعد"
نظراتهم العالقة سقطت وهي ترتد مبتعدة والرجل يعود ليعيد له بعض الهدوء وهي تعود بالكيك والرائحة ترتفع وتتصاعد لعقله و.. قلبه
الفانيليا..
أغمض عيونه والضحكة تعود، صوت الضحكة يرتفع، رائحة الفانيليا وجه مضيء بلا معالم ضربه
رحل الوجود مرة أخرى وعادت الذكرى الباهتة أمامه حتى شعر باختناق أنفاسه ..
"سليم، سليم هل تسمعني؟"
كانت تقبض على معصمه، تقيس نبضه، تحاول استعادته وهو يعصر رأسه من ألم الصداع، يختزن الصوت بعقله المريض، يبحث عن الصورة الباهتة بالأوراق الصفراء بعقله
لا فائدة.. رحل كل شيء..
"امرأة!؟"
فتح عيونه ومحمد يهتف "دعاء!"
لم يوقفها صوت والدها، الغيرة أخذتها لجنون لا تعرف أين نهايته "هي نفس المرأة؟"
ابتلع ريقه بصعوبة من ألم رأسه "ضحكة، رائحة الفانيليا"
نهضت، هي امرأة كما ظنت، تحركت والغيرة تنهشها والأب يتابعها وهو أسند رأسه على أصابعه ولم ترحمه "من الواضح أنها لم تبحث عنك"
رفع وجهه لها وهي لا تتوقف، دفع الألم قلبها لطريق ستندم عليه فيما بعد "ربما هي من فعلت بك ذلك لتتخلص منك"
نهض والغضب يرتفع داخله درجة، درجة، أنت لا تعلم أنك كنت تهزم غضبك، تصارعه بقوة، كنت الريس لأنك تستحق اللقب والمكانة والآن كيف ستكون؟
ريس..
"توقفي"
تحركت حتى وقفت أمامه، تواجه برأس مرفوعة، دموعها جزء منها، ارتفاع أنفاسها يصل لأذنه "كيف تثق بامرأة لم تبحث عنك طوال تلك الشهور؟"
قبض أصابعه بجواره واسود وجهه، توهجت عيناه بلهيب شيطانه الرابض داخله "لا تذكريها أبدا بأي كلمة"
"أنت تعرفها إذن!؟ ربما تذكر أيضا كل شيء وربما تهرب من مواجهة الحقيقة، حقيقتها، خائنة أرادت قتلك كي تخلو لحبيبها"
صوته هز جسدها والجدران من حولها "اخرسي"
يدان قبضت على ذراعه دفعته بعيدا عنها "سليم اهدأ"
نفض اليدين ولم يعد يسمع أو يرى شيء، شيء ما يأبى على من لا يعرفها تلك الكلمات، شيء ما أغضب قلبه، أيقظ الظلام المهلك داخله وكاد يهلكها بلا لحظة تفكير
تحرك للخارج تاركا الباب على مصراعيه، السيارة من تلقت كل غضبه
لا شيء يربت عليه، يذكره بأي شيء، يخبره لم الغضب على وهم لا يعرف حقيقته، غيرة على امرأة كل ما يعرفه أن عطرها فانيليا
ما زالت الفانيليا تسكن قلبك وعقلك ووجدانك يا ريس
استند على السور المطل على البحر وأغمض عيونه، ضحكتها ترتد له، الغروب هو كل ما رآه، هي امرأة من كانت بين ذراعيه تشاركه لحظة الغروب
من أنت!؟ من أنا؟ من أين أبدأ البحث لأصل لقلبي الذي تركته معكِ؟
كلمات دعاء تلف فوق رأسه لكنه لا يرغب بها، هو يعلم أن من سرقت قلبه تحمله داخل ضلوعها، منحته قلبها وهو يحمله داخل صدره
صوت السفن تعيده للواقع، لابد أن يرحل، لا مكان له هنا لكن محمد فداوي على حق عليه باختيار الوقت المناسب
****
"هما بالسيارة صفوان إلى أين نأخذهم؟"
تحرك لسيارته ورأسه يكاد ينفجر مما رأى "القصر فريد"
كيف يكون ذلك؟
أحاط وجهه براحتيه، لا يفهم ماذا يحدث! من هم؟ ما علاقتهم بضياء!؟
أصوات السيارات جعلته يرتد للواقع ويضغط دواسة البنزين
خرج أنس له "هل انتهيت منه؟"
منحه نظرة والحيرة هي كل ما ارتسم داخل تلك الخضراء السابحة داخل عينين واسعتين "نعم"
تحرك فجأة وأنس اندهش "إلى أين صفوان؟ لن نترك ليال"
كان يتحرك للمكان الذي يسجن به الأعداء، المعاقبين
دفع رجلان الحراسة الباب وهو يدخل وأنس يندفع خلفه بلا فهم "صفوان ماذا يحدث هنا؟"
وتوقف، تسمرت قدماه بمكانه، عيونه تسقط على المرأة، عيونها، شعرها، انسحاب وجهها حتى طول قامتها وهي واقفة وتلف ذراعيها حول جسد رفيع يبكي بخوف
"هارون"
لم يجادل صفوان وهو يتحرك للمرأة التي تراجعت ولكنه جذب الفتاة الصغيرة من أحضانها والتفتت له..
ارتفعت الشمس تشرق بالليل، عيون ذهبية فاتنة، رموش طويلة تغطيها، وجه خمري طويل مغطى بالدموع، شعرها الذي يشبه لون الشمس وقت الغروب يلف معها، يتساقط حتى أسفل كتفها
جميلة كلمة قليلة لوصفها
أبعد صفوان عيونه عنها، كانت بعمر ألاء تقريبا، الفزع هو كل ما سكن ملامحها، تلف نفسها بذراعيها وبلوزتها الخفيفة لا تمنحها أي دفء
"من أنتِ!؟"
مسحت المرأة دموعها "خديجة عز الدين وهي جميلة وحيد الزيني، ابنتي، أرجوك لا تؤذها، هي لم تفعل شيء لأحد ولا أنا"
تجهمت الوجوه، صفوان، أنس، فريد وحتى باقي الرجال، هل الشبه يمكن أن يكون قريب لهذا الحد!؟
صفوان من ظل صامتا، نظراته تشتعل على المرأتان، امرأة وطفلة، أنس تحرك للمرأة الكبيرة وقال "ماذا كنتِ تفعلين عند ضياء؟"
تجاعيد الزمن سكنت على وجهها، أو ربما معاناتها مع الحياة نحتت آثارها على بشرتها التي كانت بيوم ما جميلة، أجمل حتى من ابنتها جميلة
"ضياء أراد تهديد محمد بي"
ضاقت العيون ولا أحد يفهم شيء وأنس عاد يكمل، ليست وظيفته، الاستجواب مهنة العملاق لكن هذا مع الرجال، الأعداء، لكن من أمامه لا يحملون شيء مما يعرفه لذا تراجع صفوان، الحيرة تضربه، توقف عقله عن التفكير
"من هو محمد؟ ولماذا يهدده ضياء بكم؟ ما علاقتكم به؟"
تجهم وجه خديجة، لم تبكي وابنتها ظلت تنظر للأرض حتى هتف أنس "انطقي"
جميلة من رفعت وجهها والغضب حل محل إشراقة الشمس والدموع سكنت بمكانها وصوت ملائكي ناعم يتناقض مع الغضب هو ما أجاب "لا تصرخ بها، لماذا تفعلون بنا ذلك؟ نحن لا دخل لنا بحروبكم"
صفوان لم يعجبه طريقتها، لا توجد امرأة تصرخ بوجه رجال الديب "صوتك لا يرتفع هنا يا فتاة ودعي الكبار تتحدث"
التفتت للعيون الخضراء، مبهرة، لكن مخيفة، ارتفاعه الشاهق يجبر من أمامه على التراجع، ملامحه الوسيمة تتناقض مع عضلاته الصارخة أسفل قميصه المفتوح لمنتصف صدره، شعره القصير ثابت بمكانه لكن ملمسه غير واضح لها
ياسر كان يتباهى بشعره وهي قصته له..
"لا تخاطبني على أني صغيرة، أنا بالعشرين ولست طفلة ولا أخاف من أحد خاصة المجرمين أمثالكم"
تراجع الرجال من كلماتها، ولكن هو لم يوقفه حديثها فاقترب والتحذير هو كل ما حملته نظراته لها "جيد وهذا يمنحني الحرية بمعاقبتك طالما لستِ طفلة وطالما تدركين من نحن"
وقبض على ذراعها والفزع هب لوجهها ونظراتها دون أن تجد وقت للفرار منه ولكن خديجة أسرعت تقبض على ذراعه والهلع يمتزج بنبرة صوتها والرجاء يتقدم المسيرة "لا، أرجوك خذني أنا واتركها، هي طفلة لا تفهم شيء"
تألم ذراعها من قبضته محاولة أن تتخلص منه بلا فائدة، قوته واضحة يا جميلة فهل تجرأتِ على تحدي العملاق؟
نظراته رحلت لرجاء الأم ودموعها وغضبه تجاه الصغيرة تراجع بعذر، ما زالت طفلة
"أرجوك دعها، هي لم تفعل أي شيء، لن تعاقب فتاة صغيرة مثلها"
"ماما أنا لست صغيرة، لابد أن يعرفوا أن لا شأن لنا بهم، اتركني أيها المتوحش"
زاد ضغط قبضته على ذراع الفتاة، نبرتها تدل على أنها تشبه ألاء لكن أكثر شجاعة، لا أحد خاطبه بتلك النبرة من قبل، جذبها له، صغيرة جدا، تكاد لا تصل حتى لمنتصف صدره
أغضبه جدالها فنطق بوجهها مباشرة "هذا المتوحش لن يتركك حتى يعلمك كيف تخاطبيه"
وجذبها بقوة أكثر جعلتها تصرخ من ألم ذراعها وخديجة تمسكه محاولة إيقافه والدموع تحرق وجنتيها "لا، أرجوك اتركها، هي لا تفهم شيء ولا تدرك ما نحن فيه، أرجوك، أقبل يدك اتركها"
كادت تفعل لكنه نفض يده من يدها وجميلة تصرخ بأمها "ماما توقفي، لا تهيني نفسك هكذا أمام مجرم، هيا خذني واقتلني لا يهم فقط اتركوا أمي"
تدخل أنس أخيرا "صفوان اهدأ واتركها لي، اسمعي يا.."
التفتت له وألم ذراعها يوقفها عن جنونها "والآن ماذا تريد أنت أيضا!؟"
صفوان ترك ذراعها وقبض على شعرها الملون بلون غروب الشمس فصرخت من الألم "ألم تعلمك أمك احترام من هم أكبر منك؟"
وجذبها دون اهتمام بالجميع وصرخاتها تعلو "اتركني أيها المجرم، اتركني وابتعد عني"
الأم تعلقت بذراعه وأنس لحق به "صفوان توقف، اتركها لنعرف ما القصة وأنتِ أوقفي جنونك هذا لنعرف الحكاية"
قبضة أنس جعلته يوقف غضبه قليلا حتى دفعها بقوة لتسقط على الأرض وبنطلونها الجينز الضيق يتسخ ويداها أيضا تجرحت من الاحتكاك بالأرض ولكنها لم تعلن عن ضعفها بل هتفت
"أيها المتوحش"
أوقفه أنس عنها تلك المرة "اهدأ، ما زالت طفلة، لا تهتم بها"
نظراته كانت تحرقها وخديجة تلفها بذراعيها ونظراتها الدامعة تواجه غضبه حتى نفض ذراعي أنس والتفت مبتعدا محاولا الهدوء
"خديجة هل تخبريني قصتكم حتى ننتهي من تلك المهزلة؟"
رفعت المرأة وجهها له ودموعها ملطخة بالأسود "كنت زوجة محمد محمود منذ سنين كثيرة وهو عرف السر ورغب بتهديده به لأنه رجل صاحب نفوذ"
الاسم ليس بغريب فاقترب وهي بالأرض تحتضن ابنتها التي تمنحهم نظرات كره واضحة ممتزجة بدموعها "محمد محمود ماذا!؟"
وتلقى القنبلة بوجهه، بل بوجه كل الرجال..
****
ابتعد عنه السائقين منذ ذلك اليوم، الرجل الآخر عاد بإصاباته وتبادل معه نظرات حقد وكره لكن لم يتجاوز مرة أخرى
الأيام لا تمنحه أي شيء، فقط تمر وهو يقود من مكان لآخر، لف عدة محافظات قريبة بلا فائدة، الظلام يعشعش داخل عقله والصفة البيضاء تظل كما هي، بيضاء
دعاء اعتذرت عن جنونها ولم يملك سوى التغاضي عما كان، والدها يمنحه الكثير، يثق به وهو لم يبخل على الرجل بشيء، ساعده بإدارة المصنع ومنحه آراء جديدة وكأن له خبرة مائة عام
كنت تدير أملاك لا حصر لها يا ريس..
تولى العديد من الأمور، محمد فداوي وثق به وأخبره أن هناك عمل مهم بالطريق وهو يرشحه له ولكنه لم يهتم
شهران مرا كيومين والأمل يتلاشى نوره من عقله لكن ليس من قلبه، يؤمن أن له عائلة بمكان ما، لا يصدق أنهم لم يبحثوا عنه أو لا يريدوه.
هناك امرأة بعطر الفانيليا تنتظره، تعيش بقلبه كما يعيش بقلبها وعليه أن يبحث عنها
تحرك بالطريق للبيت عندما كان الظلام حالكا بتلك الليلة، لا قمر ولا نور ولا شيء سوى ظلام، سيارة دعاء تقف أمام البيت فتوقف، لا داعي لرؤيتها والدخول بجدال جديد عن ماضيه
أغلقت السيارة والتفتت لترى جسد عملاق يواجها فالتصقت بالسيارة والفزع يظهر على ملامحه
الظلام، الوجه المخيف، النظرة المرعبة جعلتها تفتح فمها لتصرخ لكن يده أغلقت فمها وصوته علا بسكون الليل
"كلمة واحدة وستودعين الحياة، ستأخذين نزهة ليلية معي حتى يعيد والدك لي كرامتي التي بعثرها بسبب ذلك المجهول"
"وهل النساء هي كل من يمكنك هزيمتهم؟"
التفت المخيف ليواجه صاحب الصوت مفلتا فمها، ليتلقى لكمة قوية بفكه، الكدمات القديمة شفيت وها هي الجديدة تحل محلها
"أنت ستندم"
واندفع تجاه هارون، سليم، هو نفس الرجل الغاضب
لكمة الرجل أصابت وجه هارون لكن بلا دماء وهو يردها بواحدة أقوى ألقته على سيارة دعاء التي كتمت صرختها بيداها وتراجعت تفسح مكان لجسد المخيف
يد هارون قبضت على ملابس خصمه من الخلف لتعيده لمواجهته.. دفع هارون ركبته بمعدة الرجل فصرخ من الألم
عاد الريس وركله مرة أخرى ثم ترك ملابسه ودفع قبضته بوجهه ليستقيم الرجل بدماء تطير من فمه وهارون ينتظره حتى التفت له المخيف وهو يشيح بسكين حاد بيده
ارتد هارون للخلف متفاديً الخنجر أو السكين والرجل يلوح بها تجاه هارون وبلحظة أصاب ذراعه ولكن هارون قبض على معصمه ولواه فصرخ الرجل عندما سمع صوت الكسر
لفه هارون له ورد رأسه للخلف ثم دفعها برأس الرجل الذي ترنح من قوة الضربة وهارون لا يفلته بل حمله وكأنه لا شيء ثم قذفه ليسقط على الأرض صارخا من الألم
تحرك هارون لينحني فوقه وهو يتنفس بقوة "المرة القادمة لن أتركك تتنفس"
وعاد لها وهي متجمدة من الرعب والذهول ولكنه قبض على ذراعها ودفعها للبيت
لم يدخل معها شقتها، شقته احتوته والجنون يزداد داخله
ندبات جسده الكثيرة تمنحه نبذة عن ماضيه، قدراته القتالية، كل شيء يخبره أن عالمه لم يكن عادي ومع ذلك يظل الأبيض هو المسيطر
دقات على الباب أخذته من اكتساح الاختناق الذي أوقف أنفاسه من ماضي لا يعرفه وحاضر لا يرغب به
تقف أمامه، وجهها متعب، نظراتها تمتلئ بالرجاء بأن يراها، يشعر بها، يبادلها ولو مرة واحدة تلك المشاعر ولسانها قال "أتيت لأشكرك وأداوي جرحك"
لا دواء لجرحه سوى عودة ذاكرته "أنا أسدد بعض من ديوني دكتورة"
واجمة، نظراتها تتحداه أن يتركها تذهب "لم لا تمنحنا فرصة سليم؟ تعلم أني.."
وتورد وجهها، ابتعد، أظلم الأزرق بعيونه، لا يرغب بتلك المواجهة ولكنها تصر عليها "سليم أنت نلت حياة بعد الموت وعليك بدأ حياة جديدة مع من اختارهم لك القدر"
ظل بعيدا عنها، لا يمنحها سوى أكتافه العريضة، أما عقله، قلبه فكانوا بمكان مجهول لا يعرفه "القدر لم يختار لي أي شيء دكتورة، ما زال يمنحني الاختيار"
رآها تقف أمامه تمنحه نظرات الحب والرجاء ولكن لا شيء داخله يتحرك لها أو لسواها "أنا أحبك سليم"
ضاق صدره والهواء أصبح لا يكفيه، لا يمكنه تمزيق قلب امرأة ولا خداعها أيضا
النظرات ظلت ثابتة لا تنقطع، خصلاته تساقطت بلا انتظام، الضوضاء المثارة داخله لا تتوقف ولا يعرف سببها أو على ماذا تثور
"أحبك سليم ولم أستطع منع قلبي من الانجراف أكثر وأكثر، منذ أول يوم أحببتك، وأنت بين الدماء بلا وعي، أنا لا يمكنني تخيل حياتي وأنت لست بها"
تألم لدموعها، انقبض قلبه لمشاعرها، غضب من نفسه لأنه يعذبها، لم لا يحبها ويتزوجها ويستسلم للأبيض ويضع عليه ألوان جديدة؟
ابتعد مرة أخرى، لم يمكنه مواجهتها، الريس لا يفر من معركة لكنه اليوم مهزوم، قسوته هزمته، أناني لا يفكر سوى بنفسه..
السكون غلاف جيد لفه حول نفسه، يعتصره، يعاقبه ولكن بلا فائدة، هزمت نفسك بنفسك، سكونك دوائك
أصبحت أشعر أنني كلمات بدون أحرف وذكريات بدون ماضي
"ما الذي لا يعجبك بي؟ لماذا لا يمكنك أن تحبني؟"
واجه أيها الجبان، امنحها أي شيء يوقف ألم قلبها، أيها الأناني لم لا ترأف بحالها؟
الألم كبير جدا عليها، تعاسة، عذاب..
أسوأ ما في الحب، أن تجد قلبك يميل إلى شخص لا يحلم بك والآن تلك اللحظة، لحظة انكسار قلبي، لن تتحول أبدا إلى ماضي، ستبقى حاضرة إلى أن أموت
صوت بكائها كالصراخ، يؤلم، يذبح
"أنا لا أستحق دموعك دكتورة، أنا لا أستحق أي شيء يمكنك منحه لي"
أرادت أن تصرخ به، تخبره أنها تستطيع منحه روحها، حياتها، كل ما تملك فقط يوافق على فرصة أخرى "ولكني أمنحك قلبي سليم"
التفت لها، بريق عيونه مخيف، غضبه نابض من عجزه عن منحها ما تريد "وأنا لا يمكنني قبوله دعاء، لماذا لا تفهمي؟ أنا لا مكان للحب عندي، أنا لا يمكنني تمرير تسعة وثلاثين أو أربعين عاما من عمري هكذا"
أشاحت بيداها والدموع تلوح كبخار يعبر عن روح متألمة، تمنع الحزن من أن يتحول ليأس داخلها..
"وماذا إن لم تصل لشيء؟ لم تستعيد ذاكرتك من الأساس؟"
ظل واجما، لم يقبل ذلك اليأس، ما زال الأمل داخله "بل سأفعل، لن أتوقف حتى أصل لذا أوقفي قلبك عني لأن لا فائدة مني"
ما لهذه القسوة تندفع بلا مراعاة؟
وترغب بأن أبيع هواك.. قد يبيع الإنسان شيئا قد شراه لكن لا يبيع قلبا قد هواه
صوتها خرج من أعماق قلبها المتألم، يحمل أطنان من الألم والحزن "لم أستطع، لم أستطع إيقاف قلبي عن حبك، لم لا ترحمني؟"
الصمت..
سكن الأنين، لا صراخ سوى صوت القلوب الممزقة "أنا أفعل دعاء، أنا أرحمك من التعلق برجل لا أمل منه، قلبي ليس ملك لي"
الكلمات مؤلمة رغما عن نقاء نية صاحبها، لا غش، لا خداع
مسحت دموعها بلا وعي، عقلها لا يمنحها أي حلول "من هي؟ ألا يمكن أن تكون قد ماتت بنفس اليوم؟ ذلك الحادث الذي لولاه ما عرفتك وأحببتك"
اهتز، الكلمات تتردد داخل عقله، وميض يغشي عيونه، صوت ناعم، لمعة عين ونفس الكلمات "لولاه ما عرفتك وأحببتك"
تكررت الكلمات، الصوت يرتفع، الصداع يدق، يداه تمسك برأسه، برودة سرت بكل جسده، شعر أسود طويل، عيون سوداء
تحبك صغيرتك..
ترنح جسده بلا وعي، الريس ينهار تحت ثقل الفقدان.. ينهزم أمام قوة الاشتياق للمجهول
ظلام انسدل مرة أخرى، رحلت العيون، سكت الصوت وسقط جسده على المقعد وكوب الماء يلمس شفاهه فأبعده
"سليم.. سليم هل تسمعني؟"
وأخيرا الواقع الذي لا يرغب به..
فتح عيونه..
حبات العرق تناثرت..
الدماء غطت ذراعه وقد نسيّ جرحه وعيونها المملؤة بالقلق والخوف تواجه نظراته المتعبة "أسمعك، أنا بخير"
الغيرة.. الغيرة ترى كل شيء إلا ما هو كائن
"هي!؟"
أبعد وجهه، لا كلمات..
انحنت عليه "أنت لا تذكرها"
لم يفكر وهو يردد كلمات تخرج من قلبه "لكني أسمعها، داخلي"
وسقطت نظراتها على يده التي سكنت فوق قلبه..
وعادت الدموع، دموع اليقين بأنه لن يكون لها ومع ذلك قاومت "ولكنك لست متأكد أنك ما زلت داخلها وإلا لبحثت عنك ووجدتك"
نهض مواجها لها، رافضا كلمات الغيرة منها "وربما بحثت ولم تصل لشيء، ظنت أني ميت"
الجنون ارتفع للقمة، أطاح بالعقل وهزم التعقل "وأين جثتك؟ موت يعني جثة، جثمان وقبر يغلق عليه، أنت تتوهم أنها موجودة وتنتظرك والحقيقة أنها رحلت لحياتها وربما رجل آخر"
رفع يده راغبا بصفعها ولكنه تماسك بآخر لحظة..
ضم أصابعه بقوة بالهواء والغضب عنوان اعتلى كل ملامحه ونبرة صوته كالرعد وهو يخفض يده "كلمة أخرى ولن أكون مسؤول عن تصرفاتي معك"
"أنت تحب وهم"
"بل حقيقة ولكن لا يدركها سواي، وسأصل لها، وإلى هنا وكفى"
وابتعد وهي أخفضت رأسها والألم ينهشها وحبها حب يائس لا أمل به
أغمض عيونه عندما انغلق باب الشقة، الصوت ما زال يتردد بأذنه "لولاه ما عرفتك وأحببتك"
"تحبك صغيرتك"
همس بلا وعي "وأنا أحبك صغيرتي وأشتاق إليك ولن أعود للحياة إلا عندما أجدك"
****
التفت صفوان..
انتبه الرجال..
طل الصمت من كل مكان وكأنه يفتح أبواب الأسرار وينتزع منهم واحدا
سقطت نظرات جادة على خديجة، وكل وجوههم تحدق بها، الخوف ملأ قلبها ولم تعرف هل يمكنها التحدث بالسر هنا؟
"من أنتم؟ لماذا تهتمون بأمرنا؟"
مرر أنس يده بشعره وارتد صفوان للمرأة الراقدة على الأرض بجوار ابنتها "فقط أجيبي على السؤال، من هو محمد محمود الذي تحدثت عنه؟"
كادت تجيب عندما ارتفع رنين هاتف أنس فرأى اسم زوجته "أنس ليال متعبة، تصرخ باسم هارون ولا أعرف ماذا أفعل؟"
لف وجهه لصفوان وتحرك وصفوان تبعه للخارج "لا تتركيها وأنا سأهاتف الطبيب"
كانت تراه، يصارع أعداء، يسقط وينهض وهي تناديه لكنه لا يسمعها.. لماذا لا يسمعها؟ لماذا لا يجيبها؟
"ليال، ليال هل تسمعيني؟"
فتحت عيونها ربما هارون هنا ولكن..
عيون غريبة تواجها، نور النهار يزعجها، متعبة، صداع، ألم بظهرها وتقلصات
"ماذا حدث؟" خرج صوتها ضعيفًا جدًا
امرأة متوسطة العمر طلت عليها، ألاء تقف بجوارها تفرك يداها معا والقلق واضح بنظراتها "لكِ يومان بعالم آخر"
جف حلقها، صداع يصارعها بقوة، يومان غائبة؟ كيف؟
"الطفل؟"
أعدت الطبيبة حقنة وعادت لها "بخير، هو أنتِ المتعبة"
أنهت الطبيبة عملها، منحتها تعليمات وخرجت
ألاء ساعدتها على الجلوس ودقات على الباب جعلت ألاء تتحرك لتفتح "هل يمكن أن نراها؟"
ابتعدت ألاء تنظر لها فمنحتها موافقة
نظراتهم كانت تحمل الخوف والقلق، توقفت الحياة بسبب مرضها، حتى العمل سقط بأيدي رشدي، وأحلام تأتي كل يوم
"كيف حالك زوجة أخي؟"
"بخير أنس، هل طال الأمر؟"
صفوان وضع يداه بجيوبه، القلق مزقهم عليها وعلى طفلها، لم يعد لديه رغبة بأي شيء إلا أن يسمع أنها عادت
"يومان، ضغطتِ نفسك كثيرا ليال"
أغمضت عيونها لحظة "لا تقلق، امرأة هارون الديب لا تستسلم، أي أخبار عن السويفي؟"
منحوها ما كان.. انتهاء الشريك.. ظهور المرأتان
"ومن هما؟"
يدركان أن لا إجابة لديهم ظلا صامتين ففهمت "جيد ربما معي يتحدثان"
رؤية امرأة الريس أشاعت البهجة بين الرجال، صفوان بجوارها، أنس ظل مع البسكوتة، كانت متعبة هذا الصباح فلم يتركها بل تجادلا كثيرا
"أنتِ لا تتناولين أي طعام لذا تسقطين كالورقة"
أخفضت وجهها وهي تضع يدها على بطنها، هي صغيرة نعم لكنها تعرف تلك الأعراض جيدا ولكن خائفة من أن يرفض الأمر
ترنحت من الدوار فتلقاها بين ذراعيه ووضعها بالفراش وهو يسب ويشتم وهب ليهاتف الطبيب لكنها أمسكت يده توقفه فالتقى بنظراتها المتعبة ووجهها الشاحب وصوتها الضعيف
"انتظر، لستُ بحاجة لطبيب"
تجهم، هل تجادل حقا؟
"ألاء أنتِ تضيعين نفسك بتلك الطريقة، هل هناك ما يضايقك؟ هل ليال.."
همسة تليق بالبسكوتة وصلته "أنا حامل"
توقف، عبس، تجهم، حاول استيعاب ما قالته ولكن عقله أغلق
ربما للتجديدات..
"أنتِ ماذا؟"
نظراتها كانت خائفة، ربما لا يرغب به، هي لا تعرف مشاعره تجاها
يمنحها كل شيء حتى لو لم تطلبه، مع الوقت تفهمت اهتمامه بليال أكثر بل وأحبت ليال مثلهم وأكثر لكن..
ما زالت لا تعلم ماذا تمثل له؟
"حامل، أجريت الاختبار وأنت نائم وتأكدت"
حقا!؟ أب.. أنا أب؟ كيف؟ متى؟ أنا لا يمكنني ذلك؟
نهض، تحرك ليقف بمنتصف الغرفة
سقطت دموعها، لا يرغب بأن يجعلها أم لأولاده، لا يحبها.. من الرجال سمعت حكاية مي وحبه لها، هل ما زال يحبها؟
"هل تدركين معنى أن أكون أب؟"
رفعت وجهها الباكي له، لم تفهم معنى سؤاله وهو لم ينظر لها
"أني قد لا أراه، مثل هارون"
والتفت لها، تلك العيون تلمع ببريق ألم "حياتنا ليست ملك لنا ألاء فكيف يمكن أن أنال طفل ولا يمكنني تنشأت من هو جزء مني؟"
نهضت، وقفت أمامه، تتفهم أنها ليست المشكلة بل هو نفسه
يدها ارتفعت على صدره، تمنحه رفقتها ووجودها معه "بل يمكنك، كلنا سنموت أنس ولكن لا أحد منا يعلم متى سيموت، لذا نتزوج وننجب ونكمل مسيرتنا بالحياة حتى نصل للنهاية بالوقت المكتوب"
أمسك يداها بحنان ونظراته تستقر على وجهها "تعلمين أننا مختلفين"
ابتسمت رغم الدموع "لا أحد مختلف مع الموت، حتى الريس أراد أولاد فلماذا أنت لا؟ إلا إذا كنت لا ترغب بي كأم لهم"
ضم يداها لصدره، تشعر بضربات قلبه العنيفة لدرجة الألم "بل هو أنتِ من أرغب بها بكل شيء، زوجة، رفيقة، عشيقة، أم لي ولأولادي، أرغب بكِ ولا أرغب بسواكِ ألاء، ألم تدركي ذلك بعد؟"
ابتسامتها تتسع مع كلماته النادرة، لم تنال منه أي شيء يخبرها مكانتها بحياته "لا، لم أدرك أي شيء أنس، أنت لا تخبرني شيء، خشيت أني لا أمثل لك إلا.."
"الحياة، تمثلين لي الحياة التي حلمت بها مرة وأدركت أنها كانت وهم وعندما وجدتك عرفت أنكِ الحلم الحقيقي، الحلم الذي تحقق، هو أنتِ من حلمت بها وأردتها"
ورفع يداها لفمه ووضع عليهم قبلات ثم ضمها له ورأسها على صدره، تحتضن دقات قلبه، أنفاسه تحرق رأسها ويداه تعتصرها وهي سعيدة
السعادة تدق أبواب والأحزان ترحل لأبواب أخرى..
هكذا هي الحياة...