رواية غرام في العالم السفلي الفصل التاسع والثلاثون39 بقلم داليا السيد

رواية غرام في العالم السفلي الفصل التاسع والثلاثون39 بقلم داليا السيد 

عاد الريس

"ليال، وصلت له"

اعتدلت بالفراش بصعوبة من ثقل الحمل ولكن لا شيء سيوقفها "ارسل لي الموقع"

"تمام ولكن والدك ما زال يتبعه"

صمتت، هي تدرك ذلك بدون أن يخبرها أحد، رغم أنه لم يعترض طريقها لكنها تتوقع رؤيته بأي وقت "شكرا عزيز"

الثانية صباحا، كلهم نائمون إلا صفوان بالتأكيد مستيقظ، أجاب بالحال "ليال أنت بخير!؟"

كانت تنهض باحثة عن ملابس "عزيز أرسل موقع السويفي، استعد أنت والرجال، سنخرج بالحال"

كان يجلس بالفعل بين الرجال، سهراتهم كثيرة وهو يجد نفسه معهم بعد زواج أنس، نهض واقفا "من يخرج ليال؟"

كانت ترتدي ملابسها والإصرار أجابه "نصف ساعة وسنتحرك صفوان"

مجنونة هي الأخرى، لا تفارقهم بكل شيء، سفر، مهمات، إشراف، تنسى أحيانا أنها حامل وهو ما يغضبه "ليال.."

أغلقت.. سب وشتم وهاتف أنس الذي رفع ذراعه من فوق البسكوته ليجذب الهاتف والنوم يأخذه "ماذا صفوان؟"

"السويفي، ليال تصر على الذهاب بعد نصف ساعة"

صوت البسكوتة يقاطع الحديث "أنس ماذا هناك؟"

وضع قبلة على جبينها ونهض "لا شيء حبيبتي نامي، سأرى صفوان وأعود"

وعادت للنوم بالفعل وهو يرتدي ملابسه بلا صوت كي لا يوقظها

عند السيارات التقوا ولكنهم لم ينتظروها، رحلوا..

الغضب ارتفع داخلها.. أغلقوا هواتفهم كي لا تصل لهم، لا سيارات كي ترحل بها ولن تأخذ أجرة..

هل ظنوا أنها غبية؟ 

ما أن وصلوا الفيلا التي بالموقع المرسل حتى لاح السكون بكل مكان.. صفوان وفريد تقدموا.. أنس ظل بظهرهم وباقي الرجال انتظرت إشارة الهجوم..

التسلل لداخل الفيلا كان سهل، لا حراسة ولا رجال ولا أي شيء وبالداخل أيضا لا شيء

****

ما أن نزلت من سيارة الأجرة حتى لفت الوشاح حول وجهها، لم تجد سيارات الرجال بالموقع، عادت لهاتفها، الموقع يشير لفيلا السعيدي وفيلا الدمياطي وهي اختارت حرف السين، السويفي

أين الرجال؟

الظلام حالك السواد.. لا صوت ولا همس سوى همس الرياح من حولها، البوابة ليست محكمة الغلق. دفعتها ببطء ومدت رأسها 

لا شيء، لا رجال، لا صوت ولا أي نور سوى اعتياد عيونها الظلام، الحديقة مهملة والفيلا ظاهرة على بعد أمتار، لم تخف، حتى وهي تحمل طفلها لم تخف، كان عليها إنهاء الأمر مع ذلك الجبان 

باب الفيلا مفتوح أيضا وهذا أيضا لا يبشر بأي خير، تحركت للداخل، ما زال الظلام هو المسيطر ولكن ربما نجمتين أو ثلاث تضيء لها من النوافذ المتهالكة 

باب جانبي مفتوح، المكان كله فارغ بلا أثاث، ما الذي تفعله هنا؟

ارتدت لتعود لكن صوت ما ارتفع يقطع الصمت من داخل الغرفة المفتوحة، جعلها تتجمد، سلاحها بيدها كما علمها صفوان، التمارين الرياضة التي سمح بها الطبيب وحركات الدفاع عن النفس لمدربها صفوان تجعلها لا تخاف

الغرفة بدت كمكتب قديم، ما زالت مكتبة موجودة على الجدار الأيمن ولكن فارغة.. تحركت تبحث عن مصدر الصوت لكن بلا فائدة، توقفت بمنتصف الغرفة تلف بنظراتها بالمكان المهجور ولم تنكر بعض الخوف الذي تسرب لها..

طفلها يركلها، يأمرها أن تلتف وتعود، الانتقام بتعقل ليال وليس بجنون، عودي، حياة ابنك بعنقك

التفتت وتحركت لتذهب لكن عاد الصوت فجمدت مرة أخرى والصوت يأتي من خلف المكتبة، جنون، المكتبة خلفها جدار و..

هل هناك باب سري مثل الأفلام؟

رحل العقل وعاد الجنون.. 

وقفت أمام المكتبة ونظراتها تبحث، الظلام لا يسمح بشيء، فتحت كشاف هاتفها وتفحصت حتى عثرت عليه.. زر صغير جدا يكاد لا يرى، بعد تردد قليل ضغطت الزر وانفتح الجدار بالمكتبة ورأت الممر المضيء بضوء خافت أمامها

بلا تفكير خطت للداخل خطوتين وانغلق الباب خلفها فجأة والتفتت لتكتشف أنها انحبست هنا ولا تعلم ماذا ستجد أمامها..

خطوات قليلة عندما خرج شبح مظلم من الظلام المحيط فجأة ثم وقف أمامها وتسربت لها نفس الرائحة التي لا يمكن أن تنساها 

دخان داكن.. ممزوجة بخشب محترق.. ونفحة حلوة مربكة.. قهوة

نفس الرائحة تنزلق داخل صدرها كأنها تخدر قلبها وتذكرها بما لم تنساه 

تشنجت أطرافها.. لا يمكن أن يكون هو، لقد مات، تفجر باليخت ولكن..

أنت تؤمنين بعودة هارون فلم لا يعود هو الآخر؟

ارتدت خطوات للخلف واصطدمت بالحائط خلفها، تبحث عن هاتفها لترى الشبح الماثل أمامها، أين الهاتف؟ 

رغبة في الهروب، لكنها فقدت القدرة على الحركة، الخوف جمدها، الذكريات سمرتها..

مرة أخرى يجمعها الظلام به

رغبة في الصراخ، لكن الرائحة كانت أقوى من صوتها.. وخوفها سرق قوتها وهي ما زالت ملتصقة بالجدار وقلبها ينذرها بالخطر

هل كانت مكيدة؟

صوت العصا تضرب الأرض بنفس الوقع المنتظم ومعه تقدم الشبح

طق.. طق

عداد الموت التنازلي يعود.. أنفاسها تتركها وترحل، الذكريات حبل يلتف حول عنقها

لكن تلك المرة لن تستسلم..

طفلها هنا.. لن يضيع بسبب خوفها.. لن تهزمها ذكريات مضت وانتهت ولا شبح رجل حاقد يكره حتى نفسه

الصوت زاد والشبح يقترب مما جعلها تتراجع وتلتصق بظهرها أكثر بالحائط وهي تحاول التقاط أنفاسها والرائحة تقترب وتسرق الهواء من حولها حتى وقفت الخطوات وشبح بالظلام يحبسها وصوت عميق يقطع الصمت 

"سعيد برؤيتك مرة أخرى ليال"

**** 

الطريق إلى الإسكندرية كان أشبه بطريقين يسيران داخله.. طريق الأسفلت الممتد أمامه، وطريق آخر غامض ينفتح في ذاكرته المنغلقة

كلما اقتربت السيارة من بوابة المدينة كلما يضيق صدره بلا سبب واضح وكأن الهواء صار أثقل، وكأن البحر نفسه يتنفس داخل ضلوعه..

لم يتذكر شيئا.. لا وجوه ولا أماكن ولا أيام، لكن المدينة لم تكن غريبة بالكامل، كانت تقف عند حافة عقله مثل ظل يعرفه ولا يستطيع الإمساك به

سكون الليل.. أضواء الطريق.. رائحة البحر وصوت تكسر أمواجه.. حتى ضجة السيارات، كل شيء كان يلمس شيئا داخله ويوقظ صدى بعيدا، صدى لا يملك صورته، فقط إحساس طاغي يضغط على قلبه

ظل واقفا أمام البحر، جسده جامدا، لا يشعر سوى بارتجافه بأطرافه.. دون إرادته، لا يعرف لماذا ارتجف؟

هل لأنه خائف؟

أم لأنه على وشك أن يتذكر شيء كان يجب أن يظل نائما؟

سار بلا هدي وأحس كأنه يمشي نحو حياته القديمة وهو لا يعرف ماذا تخفي له؟ المدينة تراقبه، الشوارع تناديه بأسماء نسيها، والبحر يلوح له كأنه يعرف أسراره كلها 

نعم البحر يعلم يا ريس.. يدفن أسرارك بأعماقه

رغم ذلك لم يستطع أن يكره هذا الشعور، كان به شيء دافئ.. يشبه الجوع لبيت لا يتذكره، لكنه يشعر أنه كان ملكه يوما ما

توقف أمام فندق، أنا أعرفه.. شعور بالقرب، وكأنك بين عائلتك لكنك لا تسمعهم ولا يروك..

أغمض عيونه.. سيارات دفع رباعي تتحرك.. أجساد تضاهيه بالطول والعرض والقوة تقف، صوت يعرفه "إلى أين يا ريس؟"

فتح عيونه.. الريس..

صوت اصطدام جذبه من شروده، سيارة صدمت رجل والرجل ممد بالطريق فتحرك له والسيارة فرت هاربة وهارون يحاول مساعدة الرجل الغائب عن الوعي..

سيارة أجرة وقفت والتف البعض حولهم ولم يتركه هارون والإسعاف يصل ودخل معه..

المشفى الميري هي التي تتلقى مصابي الحوادث، دفع مال لرجال الإسعاف ودخلوا بالرجل وقامت المشفى بجذبه للطوارئ وإخراج هويته

لف حول نفسه والازدحام من حوله يصيبه بصداع، الثانية عشر مساء والمكان يضج بالناس، مصابين وذويهم، أطباء، ممرضين، عمال نظافة، كل أنواع البشر

صوت ينادي جذبه "آمال أريد دكتور صفوت بسرعة"

التفت للصوت، شيء من داخله يخبره أنه يعرفه، والتقى به، العيون تواجهت والممرضة تهتف "لم يأتي بعد دكتور زياد"

زياااد

"هارون"

التفت لمن نطق الاسم الذي اخترق عقله، نقطة سقطت بالصفحة البيضاء، هو يعرف الرجل الواقف أمامه..

"هارون"

التفت للجانب الآخر، الدكتور، هو أيضا يعرفه واسم هارون يدق بمطرقة ضخمة على عقله النائم ليوقظه

"هارون ألا تعرفني؟ أنا المقدم عزيز وهذا زياد، الدكتور زياد" 

ورن الاسم بأذنه مرات بنفس المطرقة "هارون، هارون، هارون"

رفع يداه على أذنه ووميض كالبرق يضربه فأغمض عيونه وترنح جسده وسيل من كل شيء يضربه، صور، ذكريات 

الملجأ، الشارع، الرجال، الكبير، إلى متى بني؟ 

الكمبوند يا ريس؟ 

تحبيني صغيرتي؟ تحبك صغيرتك

أنت رفيقي هارون، احذر المنفذ..

ذراعه الأيسر.. نحن رجال الريس

رجال هارون الديب

لا تتركني حبيبي.. امرأة الديب لا تستسلم.. السلسلة.. الخاتم

ليال أمانة بعنقك صفوان.. 

ليال

لمسة على ذراعه جعلته ينتفض. ينفض اليد بقوة واهية، يفتح عيونه التي تلونت بالأحمر وهو يهتف "ليال"

تراجع عزيز وهو يواجه نظراته "هارون أنت ما زلت على قيد الحياة؟"

زياد قبض على ذراعه وهو ما زال يترنح، الذكريات تنهال عليه كالشلال يسقطه بمكانه وهو يفقد قوته تحت وطأتها

***** 

الرائحة لم تعد تخيفها، رحيل هارون أمات قلبها كل ما عليها فعله الآن هو حماية طفلها وهي هنا لذلك 

ذلك الرجل الذي قتل زوجها، الأخ الحاقد، الشيطان المتجسد بشكل إنسان، أرادت رؤية الرجل الذي دمر حياتها

أخيرا هاتفها بيدها وضوء الكشاف ارتفع لترى وجه مشوه، مخيف دفع الفزع والخوف لقلبها فتراجعت ملتصقة أكثر بالحائط "وجهي يخيفك؟ زوجك السبب"

تجهم وجهها لذكر هارون، وأنت سبب فراقي عن حبيب قلبي

اقترب أكثر والرائحة تقترب معه، تخنقها، تثير غثيانها.. هل عاد ليقتلها؟ 

العصا بيده تحمل رأس الثعبان، الساق لا تتحرك كأي ساق طبيعي "وهذا الساق اللعين الذي أصيب، بسببه أيضا"

رفعت عيونها له وهو اقترب إلى حد مخيف وبلا أي مقدمات قبض على شعرها، لم تصرخ، امرأة الديب ليست جبانة وهذا المريض لا يمكن التهور معه "تبهرني شجاعتك ليال، تظنين أن ذلك سينجيك من الموت؟"

لم تصدق عندما ترك شعرها وتراجع عنها وصوته العميق يترك صدى بالمكان "لكن معك حق، أنت مشكلتك بالأساس أنك لا تموتين ليال" 

والتفت لها وصرخ بوجهها "لماذا؟ لماذا لا تموتي؟ فقط موتي مثلما مات"

الغضب ارتفع داخلها وهي لن تمنحه لحظة انتصار "هارون لم يمت"

"بل مات، مات وأنا من قتلته"

ارتد صدى الصوت مع صدى خطواته بالسرداب "قتلته" كأن الجدران نفسها ترتجف من نية الشر التي يحملها جسار

ظلت ملتصقة بالجدار، يدها على بطنها، تحاول تهدئة الارتعاش الذي لا تعرف هل سببه الخوف.. أم حركة الجنين المضطربة؟

عاد ليقف أمامها والضوء الخافت يقطع وجهه نصفين، نصف يتلذذ بالقسوة.. ونصف آخر يفضحه بعذابات لم يرها أحد

انحنى وجهه عليها فأبعدت وجهها عن أنفاسه الكريهة وصوته يخنقها "لا تنتظريه ليال، لا تظني أنه سيظهر فجأة من خلف هذا الباب وينقذك مني"

أبعد وجهه وهي تلتفت له بغضب وكره واضحين، قوة نابعة من إيمانها بعودة زوجها، رفعت رأسها، رغم التعب والاختناق، رغم سواد السرداب.. إلا أن عينيها كان فيهما يقين لا يتزحزح

"لا، هارون لم يمت، لا أنت ولا سواك يمكن أن يهزم الريس وسيأتي وسينقذني منك مرة أخرى، هارون لن ينطفأ نوره أبدا"

ابتسم جسار، الابتسامة التي تشبه الجرح أكثر مما تشبه السخرية "نور؟ هو كان ظلام لي طوال حياتي، ربما ولد كلانا غلطة لكن الباشا قرر أن هارون هو فقط الصح"

عاد يقترب منها بخطوات بطيئة، كأنه يختبر كل ثانية في انهيارها وليس لعرج ساقه، أو يحاول أن يصدق أنها بالفعل تخاف منه

"هل تعرفين لماذا أنت هنا ليال؟"

لم تجب.. تجاهلته

"لأن وجودك يذكرني أن هارون نال كل ما حرمت منه، حب.. احترام.. بيت وحياة وأنا حرمته من كل ذلك، أنتِ هنا ليكون مثلي"

رفعت يدها بلا وعي أكثر على بطنها وكأنها تحمي طفلها منه "أنت لا ينقصك حياة، أنت ينقصك رحمة، إنسانية، ينقصك قلب"

تجمد وجهه..

لحظة صامتة اشتعل فيها شيء خلف عينيه، غضب؟ غيره؟ ألم عمره السنين؟

زاد اقترابه حتى أصبح على بعد خطوة واحدة منها وصوته أصبح أخفض.. أخطر "قلب؟ رحمة!؟ هارون نفسه لم يرحم أي شيء بيننا.. حتى يوم انفجار اليخت.. كنا معا.. رأيت النهاية، نهايتنا، لكن القدر قرر أن يأخذه ويتركني بتلك العاهات"

أغمضت ليال عينيها لحظة، ثم فتحتهم بنبرة ثابتة رغم ارتجاف جسدها "هارون لم يمت.. قلبك يدرك ذلك قبل عقلك"

ارتبك، للحظة انكسرت قسوته.. كأن اسم هارون أعاد إشعال شيء كان يحاول قتله داخله 

صرخ فجأة كأنه يحاول طرد صوتا داخليا يعذبه "لن يعود، هارون لن يعود ولو عاد لن يجدك"

ومد يده فجأة ليجذبها من ذراعها، حركة سريعة وقوية لا تليق إلا برجل مثله عرف السلاح قبل أن يعرف الحياة

**** 

خرج صفوان وأنس من الفيلا وهو يخرج هاتفه ويعيد رؤية الموقع لكن رنين هاتفه باسم عزيز فاجأه 

"صفوان، أين أنتم؟"

لف حول نفسه، يختبر الظلام من حوله، هل اخطأ عزيز بما أرسله لهم؟

"نحن بالوقع الذي أرسلته لليال عزيز ولكننا لم نجد شيء"

"وليال معكم!؟"

رفع صفوان رأسه بدهشة "لا، بالبيت لماذا!؟"

صوت أتاه عبر الهاتف جعله يهتز، ينتفض من داخله، ينشق نصفين، نصف بالماضي ونصف بالحاضر الذي يأتيه عبر الهاتف بنبرة الغضب التي يعرفها، يحفظه "ليال ليست بالبيت صفوان أين هي؟"

تجمد، تلجم لسانه، فقد النطق وصوت ليال يرن بأذنه "هارون لم يمت.."

"صفوان أجب"

ابتلع ريقه ليمنح صوته فرصة ليخرج "هارون!؟"

توقف الرجال، اقترب أنس من صفوان الذي شحب وجهه رغم الظلام الحالك وتعثرت الكلمات على لسانه وصوت هارون لا يرحمه

"أين ليال صفوان؟"

جذب أنس الهاتف من يد صفوان "من يتحدث؟"

الجنون أصابه وهو يضغط على الهاتف، عاد الريس، عاد الزعيم بيته ولم يجد امرأته بالرابعة فجرا 

"أنا هارون أنس، أين ليال؟"

نفس الهزة، نفس الصدمة المميتة "هارون أنت على قيد الحياة؟"

الجنون ارتفع داخله "ما بالكم لا تجيبون؟ أين ليال؟ أين زوجتي؟ هاتفها مغلق"

استعاد أنس نفسه "بالبيت هارون، خرجنا للسويفي بالموقع الذي أرسله عزيز وتركناها بالبيت"

التفت لعزيز ومنحه الهاتف "موقع السويفي عزيز"

التفت أنس لصفوان وكلاهم مذهول، لا يصدقون ما سمعوا، الريس عاد..

لكن صفوان انتبه "ليال ليست بالبيت، وهي ليست هنا أنس فأين ذهبت؟"

تجهم أنس وهو يستعيد تركيزه بكلمات صفوان .. أين ليال؟

وليال كانت تستعد لمواجهة هذا الشيطان الذي توهجت عيناه بالشر وتلون وجهه بالأحمر وهو يتحرك تجاه فريسته، سيقتصها هي وابن هارون، لن يكون هناك وجود لهارون ولا نسله..

مد يداه ليخنق بهما عنقها، يقطع عنها الهواء لكنها كانت سريعة التفكير، تعلم أنها لن تهزم هذا الشيطان، ليس وهي امرأة وحامل

لكنها..

رفعت الهاتف لوجهه فسقط ضوء الكشاف بعينيه فغشي رؤيته، رفع ذراعه أمام عيونه التي انغلقت من الضوء ولوح بذراعه الأخرى ليضرب الهاتف من يدها فطار واصطدم بالحائط وسقط متحطما

استغلت الظلام وتحركت مسرعة عكس الباب المغلق ربما هناك باب آخر لكنه رغم ساقه المصابة كان أسرع من امرأة حامل بآخر شهرها السادس أو بداية السابع ..

قبض على شعرها، جذبها للخلف حتى كاد يسقطها ولفها له وصفعها بقوة أسقطتها أرضا على ظهرها فصرخت متألمة..

"لا مجال للفرار مني ليال الليلة، أخبرتك أني سأقتلك وأقتل ابنه"

رأته واقفا فوقها، سلاحه بيده موجها لها لكنها تسمع توجيهات صفوان، قاومت الألم بظهرها ورفعت ساقها تركل السلاح من يده 

تجمد..

ليس ضعف بل دهشة أنها تقاومه

زحفت لتفر منه بالظلام ولكنه لم يرحمها، تبعها، ركلها ببطنها فصرخت وهي تحمي بطنها وتصد ساقه بذراعيها حتى توقف فجأة وهي تفتح عيونها لتراه يتراجع وشبح آخر يلكمه بوجهه

لم تستوعب إلا عندما سمعت صوت الشبح "ابتعد عنها أيها الجبان"

رددت شفتاها "بابا"

صوت جسار كان الأقوى "ألم ننتهي من قصتك؟"

هل يعرفان بعضهما البعض!؟ جسار ووالدها! 

من أين ظهرت تلك الصلة؟ 

نهضت وهي تستند على الحائط وألم ظهرها لا يتوقف

واشتبك الرجلان، لا يتوقفان عن العراك، والدها رجل قوي رغم تقدمه بالعمل ولكن جسار أقوى وشريف يصرخ به 

"لم أكن لأتركك أيها الجبان، ما بيننا لم ينتهي"

تبادلوا اللكمات وجسار يمنحه الرد "أنت من لا تجيد تأدية عملك، لم تقتله كما أمرتك"

لكمة انفلتت من جسار وشريف يرد اللكمة ويصرخ بكلمات جعلت ليال تنتبه "كنت تعلم أنه ليس من السهل قتله، هارون لم يكن خصم سهل ومع ذلك أرسلتني وأنا أجهل بالأمر حتى كادت ابنتي تقتل وهي ما زالت طفلة"

سقط جسار من ضربة شريف وشهقت ليال مما سمعت، والدها أراد قتل هارون بتلك الليلة لحساب جسار!!!

ظلت تمسك بطنها، الألم يتصاعد ولكنها تقاوم، تتحرك بالاتجاه العكسي تبحث عن باب 

الكره يسكنه تجاه أخيه منذ الأذل، ما هذا الرجل الذي لا يعرف شيء عن الأخوة أو حتى الإنسانية؟  

طلقة صدرت من جسار الذي قبض على سلاحه الذي سقط بجواره وشريف تدحرج على الأرض وهو يتبادل معه الطلقات حتى توقف ضرب النار فجأة ..

"ليال"

صوت شريف هو ما أتاها وهو يضيء كشاف هاتفه وهي تستند على الحائط وشريف يهرع لها "بابا"

لف ذراعه حولها "جسار هرب حبيبتي تعالي" 

قادها لباب لم تكن تراه ولكن ما أن خرجا لحديقة مختلفة عن التي دخلت منها حتى هتف بهم صوت جديد "تأخرتم كثيرا بالداخل"

صوت السويفي ضربها، والظلام لا ينقشع، متى سيأتي النهار؟

لم ترى شيء، كانت تقاوم الدوار وهي تستند على والدها الذي بدا غاضبا، الأبوة لا ترحل، تظل تسكن بالقلوب حتى الواهنة منها وتظهر وقت الاحتياج والآن هي بأشد الاحتياج له 

"ابتعد عنا سويفي، ابنتي خارج المعادلة"

صرخ الرجل الذي كان يقف بعيدا وسلاحه بيده "ابنتك هي المعادلة كلها شريف، هي من وضعت نفسها بطريقي والآن وقت الحساب لكن أنت أولا"

وبلا مقدمات رصاصة انطلقت ووالدها يترنح وهو يفلتها وهي تقاوم السقوط وصرخة تخرج منها "بابا..."

لم تنتهي الصرخة حتى أنير المكان كله بأضواء ساطعة جعلتها ترفع ذراعها على عيونها وطلقات نارية تنطلق وجسدها يترنح بلا قدرة على الصمود ولكن ذراع لفتها 

لمسة تعرفها، تعرفها جيدا.. 

ذراع قوية لا تفلتها، ذراع كانت تنتظرها وتؤمن بأنها ستتلقاها

نبض القلب الذي توقف عن النبض منذ رحل صاحبه.. ارتفعت الأنفاس وكأن الحياة ارتدت لها، عرفته 

"هارون"

كان يلفها بذراعه واليد الأخرى تطلق النيران على رجال السويفي ولم يندهش عندما عرفته "قلب هارون"

كم اشتاقت لصوته.. 

ظن أنها ستقف، تتماسك بعودته ولكنه وجدها تتهاوى فترك السلاح ولفها بذراعيه وهي تسقط على الأرض وتفتح عيونها رغما عنها 

ترغب برؤيته.. كم اشتاقت له بالواقع وليس بالأحلام..

شعره الطويل كان يتساقط حول وجهه، نظراته تلمع لها وحدها والخوف والفزع داخلهم عليها "ليال"

وأخيرا رأى الدماء التي كانت تغرق ملابسها، نالت رصاصة من تلك التي تبادلها جسار مع شريف بالسرداب وتماسكت لتخرج وتحمي طفلها لكن الآن هو هنا..

سلمته الراية.. عاد من سيرتاح قلبها بوجوده، عاد الأمن والأمان لها ولطفلهم

عاد حبيبها، منقذها، قلبها..

عاد الريس..

ظل ذراعه خلف ظهرها ونصفها الأسفل سكن على الأرض ولم تعد تشعر بشيء، هو فقط من ظلت تتأمل ملامحه التي افتقدتها واشتاقت لها.. 

لم يصدق أنها تنهار بين ذراعيه، لا يمكن أن يفقدها يوم يجدها، لا يمكن أن يفقد قلبه وقد استعاده للتو "ليال، ليال لا تذهبي"

رفعت يدها لوجنته، لحيته كما هي، عيونه.. فمه، كل شيء كما كان "كنت أعلم.. أنك.. لن.. تتركني"

الظلام يهاجمها، الهواء لا يكفيها "ليال، ليال لا تتركيني الآن، ليال أنا عدت لأجلك فلا تذهبي، ليال لا.. لياااال"

ولكنها أغمضت عيونها واستسلمت للظلام.. وسقطت يدها بجوارها وهو يناديها بقوة الألم النابض بعروقه وقلبه وكيانه الذي ارتج لفقدانها

"لياااال"

                   الفصل الاربعون من هنا

تعليقات



<>