رواية غرام في العالم السفلي الفصل الاربعون40 بقلم داليا السيد

رواية غرام في العالم السفلي الفصل الاربعون40 بقلم داليا السيد 

عودي ليال

رشدي اندفع لداخل المشفى، لا يصدق كل ما سمعه.. 

هارون عاد..

ليال بالعناية.. 

العالم انهد بلحظة.. بل أصبح عاليته سافله..

الرجال انتشرت بالممر بكثرة غريبة.. الوجوه متجهمة ودائرة تلتف أمام غرفة العمليات عرف منهم قوام صفوان وأنس بجواره، وما أن اقترب حتى تجمد مكانه

لم يكن وهم.. 

هارون يقف أمامه.. 

مبعثر الخصلات، فقد بعض من وزنه، قميصه تلطخ بالدماء بشكل مخيف والغضب ارتسم على وجهه وهو يحدق بالطبيب يمنحه نظرة تقتلعه من مكانه

"أخرجنا الرصاصة، أوقفنا النزيف وتقلصات الرحم وهي الآن بالعناية"

منذ حملها ووضعها بإحدى سيارتهم وصفوان ينطلق بهم وهو يضمها لصدره 

لا يتحدث، صامتا، يضع أصابعه على نبض عنقها، يتأكد أنها ما زالت معه

قلبه يؤلمه.. 

لم يعود ليراها وهي تضيع منه.. 

لا يمكنني تحمل ضياعك مني حبيبة القلب..

نظراته لم تفارق وجهها الشاحب، قميصه الذي خلعه وكوره ووضعه على جرحها امتص دمها، وكل قطرة منه خنجر بقلبه..

هو لم يتركها برضائه لكنه تأخر بالعودة

لماذا لم أتذكر قبل أن تندفع لذلك الطريق وكنت أوقفتها؟ 

"أريد رؤيتها"

تجهم الطبيب، ملامح هارون لا تبشر بالخير، الرجال التي انتشرت أمامه جعلته يتحدث بقلق وربما تساءل من هؤلاء القوم!؟

"ما زالت بالعناية يا فندم و.."

نبرة هارون هادئة لكنها.. مخيفة "أريد رؤيتها.. الآن"

الطبيب تلعثم، لا يجد كلمات يواجه بها الرجل الواقف أمامه بطول شاهق وعرض لم يراه من قبل وكل الرجال من حوله تشبهه "حضرتك العناية لا يمكن.."

مال جسد هارون للأمام تجاه الطبيب الذي تراجع بفزع ونبرة هارون آمرة "العناية تُفتح لهارون الديب، ابتعد عن طريقي"

تراجع الرجل من نبرة هارون الذي دفع الطبيب بيده ليبعده عن طريقه واندفع لغرفة العناية وعيونه تبحث عنها

ممرضة اعترضته "من أنت؟ وكيف دخلت هنا؟"

كاد يزيحها من طريقه عندما صوت أوقفه "دعيه، من هنا سيد هارون"

التفت للطبيب الذي لا يعرفه وتبع إشارته لغرفة زجاجية دخلها بقلب يدق بعنف يكاد يصنع ضجيج يوقظ كل المرضى بالمكان

جسدها ممدد، عيونها مغمضة بسلام، رائحة الدواء، المعقمات كل هذا يعرفه، يحفظ حتى شكل الأجهزة وأصواتها المزعجة

كان ضحية لها بيوم ما..

لمس وجنتها الشاحبة

بث بلمسته قوة اشتياقه.. 

خوفه.. 

جنونه المكتوم داخله

افتحي عيونك صغيرتي

أحتاج لنظرتك تمنحني الراحة من الجنون الذي يموج داخلي عليك..

أعيدي لي روحي بعودتك ..

فقدت ماضيّ ولكني لم أفقدك.. 

كل حياتي انمحت وظللتِ أنتِ فقط معي..

داخلي..

لم تفارقيني.. 

ضحكاتك، كلماتك، حبك، هم من كانوا رفيقي بغربتي

عودي ليال.. 

عودي فأنا بأشد الاحتياج إليكِ.. إليكِ أنتِ فقط صغيرتي

"تحبك صغيرتك"

انتفض قلبه على صوتها الواهن فقبض على أصابعها، غير عابئ بما علق بذراعها من أدوات طبية

انحنى وهو لا ينحني إلا لها.. 

وضع قبلة عميقة على ظهر يدها ثم اقترب لوجهها المغلق وشفتاها تعود للانغلاق بعد كلماتها الواهنة 

"وأنا أحبك صغيرتي، أعشقك، أعيش لأجلك"

ضغطت أصابعها الرقيقة على يده

أنا هنا حبيبي..

كلمات لم ينطق بها لسانها ولم يخرج بها صوته، لكن يدها قالتها وهو لمس جبينها بشفاهه..

قبلة طويلة بث فيها كل شوقه وحبه وعشقه لامرأة لم يحب سواها.. 

أحبها طفلة، وعشقها امرأة، وحلم بها وسط الظلام الذي اجتاحه

"هي بخير"

رفع وجهه قليلا يتأمل ملامحها المتعبة والصوت الرجولي يعود "هي والطفل بخير، ساعات قليلة وتصبح معنا"

لم ينظر للطبيب الذي كان يقف خلفه، من منحه الطريق لها

سأل بهدوء "ولد!؟"

نظراته تحركت لبطنها والطبيب يجيب "نعم، بنهاية السادس وطبيبة التوليد اطمأنت عليه"

لم يترك يدها، يلتمس منها الراحة أنها معه، بخير

كلاهم بخير.. 

حياته ترقد أمامه.. 

لو عادت عاد ولو..

"الكبير سعيد بعودتك، يمكنك البقاء كما شئت"

هزة خفيفة من رأسه أجابت.. 

فرغ عقله من الكلمات.. 

لا يرغب سوى البقاء معها.. 

متابعة أنفاسها.. 

انتظار لحظة تفتح عيونها وتغرقه بنظراتها التي تمنحه الهواء الذي يتنفس..

أنا هنا صغيرتي.. 

لن أبرح مكاني بجوارك حتى أرى نور عيونك ليعيد لي ضوء حياتي..

فقدت الحياة ببعادك وعندما عادت لي أنفاسي كاد رحيلك يسرقها مني مرة أخرى

لن أعيش وأنتِ لستِ معي.. لا معنى للوجود بغيابك..

أنا هنا يا من تصالح قلبي بكِ مع الأيام.. 

تخليت عن كل ظلام حياتي السابقة بوجودك معي، بقلبك، بحبك، لا أريد سواهم..

"لا تتركيني ليال"

***** 

ظلمات سكنت عيون الرجال، ليال لم تكن فقط زوجة الزعيم.. 

كانت أخت وصديقة لكل واحد منهم..

شاركتهم كل شيء

كانت تجلس معهم بجلساتهم الليلية تستمتع بمرحهم، تبتسم لضحكاتهم وتستمع لمشاكلهم

حاولت أن تكون كما كان زوجها، أخ وصديق لكل رجل من رجاله

صفوان كان غاضب.. 

منها، من نفسه، من السويفي الذي فر منهم وخرجوا خاسرين

ليال أصيبت..

أخته التي لم ينالها بحياته، صديقته الوحيدة التي يأتمنها على كل أسراره.. 

لم يحبها كرجل يحب امرأة كما كانت تظن أسما، بل حب الأخوة الذي لم تفهمه تلك الأخيرة

أخفى وجهه بالحائط مانحا الجميع ظهره.. 

عودة هارون كانت صدمة، مبهجة لكن.. مخيفة

عاد ليجد امرأته تحتضن الخطر والموت

حاولوا حمايتها فأسقطت نفسها بالهلاك.. الفخ كان محكم وسقطوا به..

هذا هو الفارق بين وجود الريس وغيابه..

لولا رصاصة السويفي وسيارة الريس ما عرفوا مكانها

الريس أدرك الموقع الصحيح مثلها ووصل لها معهم لكن.. بعد أن أصيبت..

أنس ظل متجهما، يهز رأسه لكلمات الرجال دون أن يسمع أي شيء أو يجيبهم بكلمة

عقله مع المرأة التي تشارك معها الكثير..

من صادقته، ابتسمت معه.. وضعت ألاء بطريقه وتفهمت جنونه وأوقفته..

ليال..

هي ليال كثيرة بحياة كل واحد منهم..

رشدي أنهى محادثته مع زوجته التي جن جنونها لصديقتها الوحيدة ولولا رشدي لكانت هنا معها تؤازرها وتساندها كما كانت تفعل معها..

يده لمست كتف صفوان "ألم يخرج من العناية؟"

كان عليه العودة للواقع "لا"

نظرات رشدي لا تمنح أحد شيء سوى الحب لامرأته "ليال مندفعة صفوان"

سقطت نظرات صفوان عليه

لا، ليال ليست كذلك

ليال أرادت حقها وحق الديب وهم من تهوروا وقت تركوها وظنوا أنها ستقنع كأي امرأة وتنتظر بالبيت

ليال ليست أي امرأة.. هي امرأة الديب

"نحن من تركناها خلفنا رشدي ونحن نعلم عقلها"

أبعد رشدي وجهه مدركا كلماته ومع ذلك التمس لهم الأعذار "لم ترغبوا بتعريضها للخطر"

لم يواجه رشدي، لن يمنح نفسه أي عذر فهو لا يستحقه "وتركناها وحدها بالبيت"

تفهم رشدي، قد كان من الممكن أن يكون فخ، سحب الرجال للخارج والهجوم على النساء رغم الحراسة

كان جنون..

عزيز وصل.. نظراته زائغة، وجهه شاحب "أنس أين هارون؟"

التفت أنس وصفوان له والدهشة انضافت لملامحهم "بالداخل لماذا؟"

التف الرجال حوله وهو يتحدث "الكاميرات تظهر رجل آخر خرج من الفيلا التي دخلت منها ليال.. أردته أن يراه فقد يعرفه"

"أين الفيديو عزيز؟"

التفت الرجال لنبرته الآمرة

لم يتحدث مع أحد إلا بنبرة آمرة

هارون الصديق لم يكن حاضرا، لم يعد معه بل عاد الزعيم فقط

انفضت الرجال تفسح له

الممرضات طلبوا منه الخروج كي يعتنوا بها فتركها وترك قلبه معها، والآن عقله يجلس على مقعد الرئاسة

"ها هو"

جذب الهاتف من عزيز الذي تراجع من غضب هارون

منذ اكتشف غيابها وتحول لرجل آخر، وحش، غول، يثور بنبرة مخيفة بكل من حوله وظل سنوات الشوارع يخيم عليه

جامدة هي ملامحه حقا

رؤيتهم لهذا الجسد بالفيديو لم تمنحهم أي إجابة على أسئلتهم

فقط العصا، منحته هو الإجابة "جسار"

حدق به الرجال بلا كلمات.. 

هرج ومرج ساد فجأة ورجال تتحرك بملابس رسمية للحرس الشخصي وسط رجال هارون الذي اعتدل بوقفته يعرف هذا الحضور

"هارون"

رفع رأسه أمام الكبير..

ليس احتراما بل إقرار بأنه عاد، أقوى وأشرس ولن يتنازل عن حقه وحق امرأته

النظرات التقت ولولا الحضور الكثيف لاحتضن الرجل ابنه بقوة الحزن الذي سكن قلبه لفراقه

بألم سيطر عليه طوال تلك الشهور، أولاده الاثنان قتلا معا والاثنان يعودوا بنفس الوقت 

الأقدار تسخر منه..

"سعيد بعودتك بني"

الكلمة خرجت رغما عنه

الكبير لا يصرح أبدا بمشاعره ولكن اليوم لم يهتم.. 

الرجال أبعدت وجهها، لم ينظروا لهم وإن كانوا يستمعون جيدا..

الصمت كان الرد ووجه الكبير لا يترك هارون

اشتاق له..

لا يصدق أنه عاد من الموت لذا جاء لرؤيته بنفسه "كيف حال ليال؟"

حقا يهتم!؟ 

"هل حقا تهتم بها؟"

تجهم وجه الرجل وتراجع الرجال من نبرة هارون "هل حقا اهتم أحد لها؟"

الوجوه انخفضت، الذنب اخترقهم جميعا فصرعهم بالحال

"نعم هارون أنا أهتم ومنعتها كثيرا من خوض تلك الحرب لكن ليال.."

الغضب شعور مسيطر، قائد يقود بجهل 

"ليال امرأة الديب وامرأة الديب لا تستسلم خاصة بغيابه يا باشا"

تجهم الجميع، يدركون كلماته جيدا وتاهت الكلمات من الكبير وسقط قناع الكبرياء عن وجهه "لم يكن عليها ذلك وهي تحمل طفلكم"

لمعت عيونه ولن تكون زوجته خطأ أمام أحد حتى ولو كان الكبير "وهل حاولت حمايتها؟"

صمت لاح على الجميع والكبير أبعد وجهه قليلا ثم عاد له "اهدأ هارون، غضبك لن يفيد بشيء، تعالى أريدك"

لم يتمسك بغضبه

كريس لابد أن يعرف متى يتراجع وهو تراجع الآن ولكن ليس لخارج الملعب "زوجتي ستخرج بعد قليل من العناية، لن يمكنني الابتعاد يا باشا، لنؤجل حديثنا لبعد خروجها"

تفهم الرجل ولم يأخذ بالعناد الواضح بملامح ابنه الغاضب "سأنتظر لرؤيتها"

وتحرك ورجاله بكل مكان حوله 

"هارون"

صفوان وقف أمامه، نظراته كلها ذنب "آسف"

نظراته الغامضة رحلت لصفوان

رفيقه، ذراعه الأيمن "رجال الديب لا تعتذر صفوان"

أنس انضم لهم "نحن تركناها كي لا نعرضها للخطر هارون"

دوامة عميقة ببحور عينيه تغرق من يحاول اختراقها "نفس الرد أنس، لم تكن زوجتي لتستسلم لذلك، كان على أحدكم البقاء معها أو تأخذوها معكم لا تركها وحدها ليأخذها العناد"

نظراتهم كانت تعني اليقين، لطالما تعلموا منه وما زالوا يتعلمون..

التفت عندما وجه عزيز له الكلمات "السويفي اختفى هارون"

"السويفي كلب شوارع سنجده بسهولة لا تقلق، فقط تخرج هي"

خرجت الممرضة بنفس اللحظة "سيد هارون"

التفت لها بالحال وخطواته ثابتة تجاها "المدام تنتظرك"

لم تكمل وهو يخطو، بل يهرع للقياها فقد طال الشوق وأخذه الحنين.. ودمره القلق والخوف

عادت الدماء لوجنتيها، ما زالت شفاها بيضاء

"ملاكي"

لفت وجهها لصوته الذي اشتاقت له.. 

هو حقيقة إذن؟ لم تكن تخاريف الإصابة

هارون عاد.. 

لم يعد حلم، شعور، أمنية.. 

بل واقع..

يده ضمت يدها الباردة ورفعها لفمه ووضع قبلة طويلة وعيونه ترتكز على عيونها "تأخرت حبيبي"

راحته الحرة ملأت وجنتها

الزرقاء لمعت على وجهها وانحنى ليقترب من وجهها يتنفس أنفاسها "آسف ملاكي"

ضغطت على يده "الريس لا يعتذر، كل ما يهمني أنك هنا، معي، تعبت بغيابك هارون"

تألم قلبه لها

دموعها سبقت كلماته تخبره عن الوجع الذي عانته بغيابه كما كان يعاني من المجهول الذي غرق به..

"ليت الأمر كان بيدي، دخلت بغيبوبة وقت طويل وبعدها فقدان ذاكرة حتى استعدت كل شيء لأعود وأجدك بين الموت والحياة"

رفعت يدها السليمة ولمست وجنته كما فعلت عندما رأته وقت إصابتها "أنا لم أكن على قيد الحياة بغيابك هارون، أنا عدت بعودتك"

لف وجهه وشفاهه تلمس راحتها فقبلها بحنان "اشتقت لكِ كثيرا ملاكي"

**** 

الغرفة امتلأت وروود بأسماء كثيرة لشخصيات معروفة..

ارتاحت على الفراش، أحلام وصلت، حملها واضح كليال ولم تترك ليال طوال اليوم مانحة هارون فرصة لمراجعة رجاله

الكبير لم ينتظر، رآها دقائق ورحل ولم يخبر ابنه عن خديجة.. 

لا أحد تجرأ على فعل ذلك..

وقف أنس خارج المشفى وهاتفه ينتظر الرد وفعلت "أنس هل ليال تحسنت؟ متى ستعود؟ وأنت؟ أنا قلقة جدا عليك"

كان يحب كلماتها عندما تقلق عليه، اهتمامها به جديد من نوعه فليس لديه من يفعل سوى الرجال من حوله "أنا بخير ألاء، ليال خرجت من العناية وربما بالصباح نعود القصر"

"والطفل!؟ أريد رؤيتها أنس"

لف حول نفسه وألاء تحب ليال بجنون وهو يعلم ذلك

ترى بها الأخت والصديقة وليال لم تبخل عليها بشيء "ليس الآن ألاء، عندما تعود القصر ستكونين معها"

لا تعلم لماذا قلبها شعر بالقلق عليه.. 

أحبته.. 

سقطت بغرامه وليال منحتها كلمات كثيرة تهدأ من مخاوفها ألا يحبها ومع ذلك ترى أنها أقل من أن يحبها رجل مثله..

"أنس هل أنت بخير؟ أشعر أن هناك شيء يغضبك"

هتف بضيق "أخبرتك أني بخير ألاء هل تذهبي الآن؟"

تراجعت والدموع تغرق عيونها

بسكوتة يا غاضب وأنت لا تقدر رقة البسكوت..

"آسفة، سأذهب"

وأغلقت وهو أغمض عيونه وتنفس بقوة وصوت الريس يخرجه من جنون الغضب الذي لا يتركه "ألاء هذه..."

ولم يكمل وأنس يلف.. 

يواجه الريس وقد تفاجأ به خلفه وصفوان بجواره والتقى بالغموض بنظراته..

ماذا يخبره؟

الكثير ينتظرك هارون ولا نعرف من أين نبدأ..

"ابنة أحمد فهمي"

عقد ذراعيه أمامه ورحلت نظرات هارون للطريق المظلم بالخارج منتظرا التفسير الصحيح "زوجتي هارون"

عادت النظرات لأنس.. 

مدركا تبدل الحياة بغيابه، لن يبقى شيء على حاله 

"تبدل الكثير بغيابك هارون"

لم ينظر لصفوان الذي نطق بالكلمات..

كان يعلم بذلك، يرى بعيونهم الكثير مما يخافون قوله وهو لا يتعجل معرفته

"هذا طبيعي صفوان، ستة أشهر أو سبعة ليست بقليلة، وأنت ألم تفعل؟"

التقى بنظرات رفيقه الذي أبعد وجهه للظلام هو الآخر..

ظلام مماثل لما يسكنه الآن، ظلام مغموس بألم الذكرى السيئة..

"بلى فعلت"

"أسما!؟"

عاد وجه العملاق لرفيقه، مدركا أن هارون عاد وعاد معه كل ما ردم عليه "نعم"

خرج رشدي ومعه أحلام فتوقفت الكلمات "هارون، اسمح لنا بالذهاب"

التفت لهما

أحلام بدت رائعة، نظرته أصابت، الغرام جمعهم وكل ما توقعه حدث "بالطبع، شكرا أحلام لوجودك رغم تعبك"

ابتسمت، هي مدينة له ولليال وللعائلة التي كانت معها وما زالت "لا شكر على واجب يا ريس، ليال أفضل أخت حصلت عليها"

لم يرد وتابعهم وهما يرحلان بصمت..

عاد لها وحدها..

الرجال تحررت بأمره وهو دخل ليراها نائمة

بدت متعبة، جذب مقعد لجوار الفراش وجلس

استبدل ملابسه بأخرى نظيفة

فتح أزرار قميصه وعقد ذراعيه وظل ينظر لها، يمتع نظره بها، يذكر صوتها الذي لاحقه داخل عقله الذي انغلق على ذكرياته لكن هي اخترقته..

اعتدل ونظراته تسقط على بطنها.. 

حلمي، حلمنا، والآن بداية السابع ملاكي

عشتِ وحدك كل تلك الشهور، تحملين طفلنا.. 

تتحملين الصعاب.. تواجهين بلا خوف

وحدك.. 

رفع يده ومررها على بطنها.. 

ابنه..

جزء منه ينمو هنا

ما حلم به معها.. يتحقق

سيكون رجل طبيعي، انسلخ من الظلام، حطم الرذيلة، التصق بالفضيلة ولديه أسرة 

امرأة لم يعشق سواها وابن سيحمل اسمه لنهاية العمر..

الظلام خيم على الغرفة كي تنام وترتاح ولكن لمسته نادتها من نومها.. أعادتها له 

"هارون"

لم يبعد يده، فقط رحل وجهه لها "قلب هارون المتعب من اشتياقه لك صغيرتي"

"ضمني لك هارون"

نهض ليجلس على طرف الفراش وبرفق رفعها له

ضمها.. 

لفها بذراعيه.. 

واستكانت بالمكان الذي تنتمي له، أحضانه، بين ذراعيه

هنا أنتمي..

هذا سكني وموطني..

هنا ولدت وهنا سأعيش.. وبين أحضان حبيبي لا يهم لو واجهت الموت

الصمت أفضل لغة بين العاشقين

كل شيء يقال بلا أي كلمات، دقات القلوب تتناغم، تعبر عن الحب.. العشق

الغرام..

وضع قبلة على عنقها وهمس "أحبك ليال"

همست دون أن تفتح عيونها أو تبتعد عنه "مرة أخرى هارون، أريد أن أسمعها مرة أخرى"

"أحبك ملاكي، أعشقك بجنون، أنتِ الروح التي تسكني وببعادك كنت أعيش ضائع، أنا مجنون بك صغيرتي"

هذا واقع.. 

واقع جميل.. 

انتظرته كثيرا.. 

آمنت بعودته ولم تصدق موته

عاشت واستعدت للموت ولكن وهي مؤمنة أنه لم يموت

"وصغيرتك لم ولن تحب سواك"

أبعدها ونال ما تمناه منذ عاد، شفاها، قبلتها 

نال الحياة..

**** 

الآن تلف وتدور حول نفسها.. 

ذابت الأرض تحت أقدامها، يداها تألمت من فركها ببعضها البعض وقلبها يغرق بالخوف

انفتح الباب

"ماما لقد وصلوا"

رفعت وجهها.. 

الدموع محبوسة

خائفة هي الأخرى.. 

لا.. لن تواجه، لن تقوى على رؤيته ورؤية التساؤل بل الاتهام بعيونه

لمست جميلة يدها وفزعت من برودتها ووجها الشاحب ودموعها المحبوسة "ماما ماذا بك؟"

هزات من رأسها عنت أنها تائهة، مهزومة من أنانيتها بالماضي ولهفتها بالوقت الحالي..

"ماما هل أنتِ بخير؟ أخبرتك أنهم هنا، ألن تقابليهم؟ كنتِ تنتظرين تلك اللحظة، ابنك المفضل"

لا.. 

ليته كان المفضل ومنحته كل شيء

هي فضلت نفسها عليه.. 

تركته

جذبتها كي تعود للواقع.. "هيا ماما، أريد رؤيته"

وجذبتها مرة أخرى وساقاها لا تحملها.. تعثرت حتى كادت تسقط ولكنها تماسكت..

السلم كان طريق مليء بالأشواك.. وتوقفت بلا حركة 

فتح له رجل الحراسة باب السيارة "الحمد لله على سلامتك يا ريس وسلامة الباش مهندسة"

إيماءة من رأسه أجابت وهو يتحرك لبابها وصفوان يفتح لها وهي تنزل 

لكن بلحظة كان يحملها وهي لا تعترض بل تتأمل ملامحه بالنور

تستند على صدره لتسمع دقات قلبه قريبة جدا منها.. 

الرجال تخفض نظراتهم بحضرة الريس وزوجته..

طلبت منه بالليل أن يتمدد بجوارها.. وعلى صدره استقر رأسها وذراعه لفتها ونامت..

ألاء أول من أسرع لهم وقد انتظرتهم بالصالة "ليال، ليال الحمد لله على سلامتك"

"شكرا ألاء"

توقف على أول السلم دون النظر لألاء..

كان هناك شيء آخر يسرقه.. 

امرأة كبيرة وفتاة يقفون أعلى السلم، نظراتها واضحة وليست غريبة عليه 

الصغيرة عرفت أنها اللحظة المنتظرة ولم يمكنها منحه أي مقدمة

"دعني حبيبي أنا بخير"

نظراته ساكنة على المرأة.. 

عيونها.. نظراتها.. دموعها.. 

وقلبه.. 

دقات عنيفة لم تخرج إلا لامرأته فما معناها الآن؟ 

أنزلها وما زال يلفها بذراعه ولكن جزء من عقله رحل لتلك العيون التي تشبهه.. بل الوجه كله يشبه وقلبه يعرفها

رفاقه وقفوا خلفه.. 

ألاء رحلت لزوجها الذي تجهم.. 

صفوان فقد أي تعبير على وجهه وفقد معه الدماء .. 

لمسة على صدره جعلته يرتد بعنف لصاحبة اليد.. 

صاحبة قلبه.. 

التقى بعيونها النابضة بحبه والتي تخبره كلمات لا يرغب بسماعها "هارون"

هل يسمع العقل لأي منطق بتلك الحالة؟ 

الفانيليا ستفشل بكل المقاييس "لم يمكنني إخبارك كل شيء بالمشفى"

انغلقت العيون

تعمقت النظرات وحل الظلام..

الأسود يفوز.. 

الريس يهتز مرة أخرى ولكن ليس لامرأته فهي الآن بأحضانه وإنما..

"من سمح لها بالدخول؟"

أنت تحوز كل الدرجات.. امتياز مع مرتبة الشرف..

وأمه صفر.. 

التفتت لتقف أمامه ترفع يدها السليمة على صدره

ترفع وجهها النابض بالحب له.. تمنحه نظرات تطلب منه التأني لكن..

البركان لا يخضع لأي تطفأه.. 

البركان يثور

ينثر حممه، يذيب الصخر بطريقه ويحطم كل حي من حوله..

"هارون من فضلك اهدأ"

قبض على يدها.. نسى كل ما كان..

حل الخراب

ظله الخرب حضر

شيطانه المقيد بالأصفاد انحل، أراد الخروج والعبث بالفساد من حوله ولكن من أجل الفانيليا منعه

"أنا هادئ ليال، فقط من سمح لها؟"

قلبها يبشرها بعاقبة ليست جيدة "أنا"

وجم، توقف العقل عن العمل، عطل ورغبة بالصيانة ولا يوجد قطع غيار

فقط نظراتها من كانت تضيء جزء صغير بعقله ما زال يخضع لقلبه المملوك لها..

"أبعديها عن طريقي كما وضعتيها به"

دموع خديجة انحلت.. 

تحررت، منحتها الألفة بوحدتها

تدرك أن لا ملامة عليه ولا عتاب، هي تستحق

كيف عرفها وهو لم يراها ولا مرة؟

"فقط دعنا نصعد وبعدها نتحدث، أنا متعبة هارون"

تتلاعب بنقطة ضعفه..

هي، هي نقطة ضعفه الوحيدة..

حبه لها، خوفه عليها، هي كل شيء بحياته ولا أحد يهمه سواها

عاد ورفعها بين ذراعيه وهي تتأمل وجهه المتجمد بلا ملامح، تخطى المرأة وابنتها دون نظرة واحدة وبجناحهم وضعها بالفراش وهي لم تفلته كعادتها عند غضبه تأخذه لدنياها 

"خذني.. الآن"

الظلام هو كل ما واجها.. اللعنة حلت عليه

لعنة تسعة وثلاثين عاما ليال، الآن تحول بيني وبينك "لا"

وحل ذراعها وابتعد، محاولا نفض غضبه بعيدا عنها، فك قميصه محاولا عدم تمزيقه من فقدان عقله وتحرك للحمام ووقف تحت المياه الباردة

احتاج ما يطفئ نيرانه.. 

تجسدت الذكريات أمامه فأغلق عيونه غير راغب برؤيتها لكنها خبيثة، تسربت لداخل عقله..

الملجأ، اليتم، لقيط، أنت لقيط.. 

كم تألم لتلك الكلمة ولم يشعر أحد به ولم يشكو لأحد

فراره لم يكن فقط فرار من الملجأ بل من كل ما عاناه، رفضه ورفض اليتم والضعف والضياع الذي كان ينجرف له وحارب حتى شيطانه وهزمه

كل هذا بسببها.. 

لم تهتم بجرحها وهي تنزع ملابسها وتراه يستند بذراعيه على الحائط تاركا نفسه تحت المياه لا يشعر بما يدور حوله وهي تدرك ذلك

يداها لفته من الخلف جعلته يرتد من قاع الذكريات.. تاركا الألم ينهشه 

رأسها سقط على ظهره فالتفت لها، فزع لرؤيتها هكذا فأغلق المياه "ليال جرحك"

جذب المنشفة ولفها به كعادته ولكنها لم تتركه وهي ترفع يدها لوجهه المبلل ومنحته نظرات الشوق الساكن داخلها "لا يهم، المهم أنت حبيبي"

سكوته، نظراته، أنفاسه العالية جعلتها تخاف

هي السبب، كان عليها.. ماذا؟ ترك المرأة بالشارع بابنتها؟

"آسفة"

ضم وجهها براحتيه المبللة وأحنى وجهه لها "لا تأسفي معي أبدا ليال، فقط.."

وأغمض عيونه، فاقدا أي كلمات تعبر عن دواخله لكنها تشعر به، تفهم.. تؤازره بغضبه ولا تراجعه فيه "أعلم حبيبي، لكن لم يكن لها مكان هي وجميلة ابنتها لذا منحتها مكان هنا"

فتح عيونه ورأت الأحمر يتلون بمقلتيه، لا يرغب بأي كلمات عنهم "دعيني أنتهي واذهبي لترتاحي"

"لا، دعني معك، لا أريد تركك، أرغب بتعويض ما ضاع من عمري وأنت بعيدا عني"

جذب وجهها ونال قبلتها ثم ضمها له برفق وقد حاول وقف الاشتعال المستعر داخله..

لكن لا شيء يوقف البركان حتى يخمد وحده..

**** 

ترنحت خديجة عندما مر بجوارها دون النظر لها، رفضه لها كان متوقع لكنها لم تكن تدرك أن الأمر سيؤلمها جدا

يد جميلة ساندتها.. أعادتها غرفتها "ماما لابد أن نرحل، أخبرتك أن لا مكان لنا هنا"

لم تكن تسمعها، كانت تراه أمامها، لم تكن صورته على الهاتف كافية، الواقع أجمل بكثير ومؤلم بلا رحمة..

"ماما ألا تسمعيني؟"

الدموع غطت وجنتيها وصراخ قلبها الحزين غطى على كل الأصوات، سقط العالم عليها.. اندفنت تحت غبار أخطاءها.. 

تدفع ثمن ما فعلت

قسوته.. رفضه لها.. رغبته برحيلها.. لا شيء سيمحو ما كان.. لا كلمات ستجعله يغفر لها..

"ماما هؤلاء المجرمين لا.."

غضبت، جن جنونها "اسكتي، هو أخيك الأكبر من تتحدثين عنه"

تراجعت المدللة، لا تعرف شيء عن حقيقة أبوها.. لا تفهم معنى الإجرام الذي تتهم به من منحوها مأوى وحماية

"أخ لا أعرفه ولا هو يعرفني وكلانا لا يرغب بالآخر"

نهضت، تقف، تواجه جموح فتاة لم تعرف عن الحياة شيء.. تدللت حتى كادت تفسد واليوم لا تعرف التفرقة بين الجيد والفاسد

الم تدلليها كي لا تتألم من طعم الفقدان الذي تذوقه فمك من الأيام؟

"هو لديه من الأعذار ما يجعلني أتفهم موقفه لكن أنتِ ليس لديكِ أي سبب لتكرهيه"

نظراتها ثابتة على أمها لكن بلا فهم حتى لنفسها وسبب مشاعرها الغريبة

ربما تغار أنه ينال كل ذلك وهي أصبحت بالشارع؟ لا تعرف سبب كرهها لكل شيء هنا

"أخبرتك أني لا أعرفه، هو زعيم عصابة، مجرم، ابنك مجرم"

صفعة قوية أسكتتها

وبلحظة كانت تتراجع وتهتف بندم واضح "جميلة حبيبتي أنا آسفة، أنا"

تراجعت جميلة بذهول..

هي لم ترفع يدها عليها من قبل والآن تفعل لأجله؟ من لا يعرفونه ولا يقبل بهم؟ 

تراجعت.. تبتعد والدموع تخترق العيون الشمسية فتطفئ نورها، لا إشراقة اليوم..

"أنتِ تحبين سراب، وهم لن يتحول لحقيقة لأنه يكرهك ولن يسامحك ولا أنا سأسامحك"

وتحركت خارجة تجر دموعها وحزنها، غيرتها وعدم إدراكها للأمور

لم تتبعها خديجة بل دفنت وجهها بين راحتيها، تستدعي الندم ليشاركها وحدتها، هو يفعل لكنه لا يربت عليها بل يطعنها طعنات نافذة بكل ما فعلته بحياتها

يسقطها على أرض الواقع، لن يسامحك..

**** 

جذبت القميص من ذراعيه وهو صامت لا يتحدث ولا يهدأ من حزنها لغضبه عليها بالهاتف

نظراته الشاردة جعلتها تخاف عليه.. 

تحرك للحمام، متعب، مثقل بهموم لا حصر لها

الريس عاد.. 

الكثير الآن سيسقط على مائدته وأولهم كان خديجة والبقية تأتي وهو لن يرحم..

انتهى وخرج ملفوف بمنشفة حول خصره، لم يزل شعر ذقنه، لم يشعر بنظراتها الحائرة ولكنه رآها تضع الطعام على المائدة، ثمية من تصنعه وترسله لهم فالبسكوتة لا تعرف أي شيء عن المطبخ

بالكاد تصنع شاي وأسوء قهوة تناولها بحياته..

دخل غرفتهم، ارتدى ملابس مريحة وسقط على المقعد وأسند رأسه المتعب من كثرة ما يحمل

يدها لمست يده لتبعدها عن رأسه ورآها تجلس على الأرض بجوار مقعده وعيونها تمتلئ بالقلق "هل أنت بخير؟"

شعرها طال بالفترة الأخيرة، قارب على الوصول لكتفها وهي تتركه مبعثر برقة تعجبه

"نعم"

لم تترك يده بل احتضنتها بيدها الصغيرة وصوتها الرقيق يأخذه لمكان آخر بعيدا عن همومه "تعالى لتأكل وبعدها ترتاح"

الصمت ظل يخيم بغيامة باردة حتى أسقطه "هل أستحق كل هذا القلق بعيونك ألاء؟"

بلا وعي جذبت يده لصدرها وكأنها تحتضنه هو، ترغب بأن يسمع دقات قلبها.. يشعر نبضها الذي يزداد بجنون لقربه 

"بالطبع أنس أنا ليس لي سواك"

جذبها فنهضت واستكانت على أقدامه وذكرى ليال مع هارون بالفندق تذكره أنها غضبت لأنه قطع سعادتهم

الآن يدرك ما كانت تشعر به وقتها..

لم تعترض البسكوتة، بل كانت سعيدة وهي تستقر بين أحضانه لأول مرة بتلك الطريقة "لم تندمي حتى الآن لزواجنا ألاء؟ حياتي كما ترينها.. "

لمست وجنته، ارتاحت أصابعها على فمه توقفه "اعتدت عليها ولم أعترض، كل ما يهمني هو عودتك لي، أن أكون أنا مكانك الأخير"

أمسك يدها، ولم يقطع اتصال العيون الذي امتلأ بفيض من المشاعر.. حب غير صريح

غرام قاهر لكل المقاومات..

"لديكِ شك بأنكِ أصبحت الوطن؟"

هي لحظة فارقة بعمرها ولن تتركها تمر هكذا "فقط؟"

أبعد شعرها الذي حاصر وجهها من كل مكان براحته واستقر على عنقها وملأ نظراته من ملامحها الجميلة

تلك الصغيرة، الرقيقة، طيبة القلب أصبحت له، تركت عالمها وكل من لها واختارته ولم تتراجع 

جذب وجهها له، منحته كل ما كان يفتقده، الراحة، وارتاح معها "أنتِ نبض حياتي ألاء، لم أكن أعرف الحياة قبل وجودك، أحيانا أظن أني لا أستحق امرأة مثلك"

لم تترك صدره بل ابتسمت برقة البسكوت، بسكوت بالكريمة 

منحته ابتسامة ذاب بها كالسكر باللبن "أنت كل ما أرغب به أنس، لم أحلم برجل مثلك ولا أرغب إلا أن تكون لي بعقلك و.. قلبك"

وأخفضت نظراتها ويدها تستقر على قلبه

ظلت يده جامدة، لا تعبث بخصلاتها، قلبه!؟ 

هل ما زال لديه قلب ينبض لامرأة؟

مي أماتت معنى الحب بحياته، جعلته يصدق أن الحب وهم، لكن تلك البسكوتة مختلفة، تأخذ عقله، لا يفكر سوى بها ولا يرتاح إلا وهي بين أحضانه 

تلك الرقيقة التي سكنت روحه محت مي من الوجود، داوت الجرح الذي تركته داخله حتى انتهى تماما ولم يترك أي أثر 

"هل يهمك قلبي بسكوتة؟"

رفعت عيونها له.. تجيبه بتلك النظرة "هل تسأل؟"

قرب وجهها منه حتى رحل عطرها الرقيق مثلها له، أنفاسها عطرة بطعم الليمون الذي جنت به منذ بدأ الحمل.. 

"نعم أسأل، هل تحبيني؟"

زاغت عيونها بين عيونه، ضربات قلبها مؤلمة، لم لا تخبره؟ هو زوجها ولا حواجز بينهم "نعم أنس أنا أحبك، ربما.."

أسكتها بقلبة قوية استجابت لها، تحبه، تلك الصغيرة، الجميلة تحبه، هل حقا يستحق؟

جنون القبلة ارتفع بينهم حتى حملها ونهض بها لغرفتهم وضاع معها برحلة انتهت بعد وقت طويل والطبيبة لم تمنعه عنها 

أنهى ما كان كما بدأه، قبلة مجنونة ثم همس على أعتاب شفتيها المتورمة "أنا أيضا بسكوتة"

فتحت عيونها له، أنفاسها ضائعة معه ولا تفهم كلماته "أنت ماذا؟"

قبلة رقيقة على شفاها منحها لها قبل أن يكمل "أنا أيضا أحبك"

وابتسمت البسكوتة ...

**** 

عودة رشدي وأحلام البيت كانت صامتة، كلاهم لم يصدق كلمات ليال عن عودة هارون ولكنها كانت على حق

عاد الريس..

وعودته تعني الكثير فهو حقا يحبه ويقدره.. 

إصابة ليال تفتح أبواب جهنم على السويفي وجسار الذي لا يعرفه..

سكنت رأسها على صدره، حتى اليوم لم تخبره بمشاعرها، تمنحه كل شيء بلا تفكير، تعرف كيف تمتعه، تعلمت كل ما يحبه ويكرهه، ترتب ملابسه كما يفضل ولا تترك أمرهم للخدم، تعد له الطعام عندما يغيب بالسفر، تمنح والده الرعاية والراحة

بدلت حياته كلها للأجمل

الآن أصبحا يتشاركان كل اللحظات الخاصة بطفلتهم معا.. 

ومع ذلك لم تصرح بمشاعرها، أحيانا يظن أنها لن تغفر له أبدا ما كان

رؤيته لهارون وجنونه على ليال جعله يفكر ماذا لو كانت أحلام بدلا منها!؟ تنفس بقوة للفكرة 

"ماذا بك؟"

سقطت نظراته عليها "ما حدث اليوم لم يكن سهل، هارون لن يمرر ما كان"

ظلت تنظر له قبل أن تعود وتسال "أنا أسال عنك أنت رشدي، ماذا بك أنت؟"

للحظة اخترق الصمت عقله

أنا أحبك أحلام، بكِ تعلمت معنى الصواب وسلكته طريق

تحررت من قيود الضياع والتيه، غسلت بك نفسي من كل رذيلة علقت بي لكني أحتاج لشيء آخر لم يكتمل

"لا شيء"

وضع قبلة على رأسها وبيده الحرة جذب السيجارة التي تراقصت بين شفتيه فهتفت "رشدي أطفاها، أنا حامل هل نسيت؟"

نعم نسى.. 

نسى كل شيء وهو يحاول اختراق جدار المرأة التي يحبها، أطفأها بضيق "كم تبقى على وصولها؟ لا طاقة لي بكل ذلك أحلام"

"شهران رشدي، هل تشكو حقا من ابنتك؟"

لا، نسمة..

وافقت على أن يمنحوها اسم نسمة، أخته التي حرمه القدر منها "تعلمين أنني لا أفعل فقط التدخين أمر لا أقوى على وقفه"

رفعت رأسها لترى ملامحه وتواجه نظراته "والآن أخبرني ماذا بك؟ ولا تخبرني أن لا شيء فأنا أعرفك جيدا"

عبس، ضاقت الرمادية، لم يعد الأسود موجود.. 

رحلت الرذيلة بلونها المفضل وسكن الرمادي للعسلية "حقا تعرفيني أحلام!؟"

ابتسمت "بالطبع، أنت العابث الأزلي"

أبعد شعرها عن وجهها وهو يحبس عيونها بعيونه "أنتِ أطحت بالعابث للأبد وتاب على يديك فهل يستحق مكافأة على توبته؟"

لا تفهم سؤاله، زاغت نظراتها حائرة، هل تلك الألغاز جديدة "أي مكافأة تريد؟"

السؤال كان واضح كما هي معه، لم تكن غير صريحة منذ عرفها، تقذفه بالكلمات بوجهه ولا تهتم بأثرها وهو ما يحبه أكثر بها

"قلبك، أريد قلبك أحلام"

لم تتحرك رغم أنها شعرت بعاصفة هوجاء تعصف بها من الداخل، دوامات تلف داخلها وتجرها لقاع لا تعرفه.. 

حبها له سرها الوحيد تخشى من أن تبوح به فتندم، ذرة صغيرة من عدم الثقة ما زالت تربض فوق قلبها، تمنعه من إطلاق سراح دواخله..

أخفضت عيونها، بل وأسقطت رأسها على صدره ولكنه دفعها برفق على الفراش وارتفع بجوارها ولكنها لا تنظر له

لم تجرؤ على مواجهته، هي أجبن من أن تفعل ثم يصدمها فتعود للألم والحزن من جديد

"أحلام انظري لي، أحلام"

رفعت عيونها له، دموع سكنت داخلهم وهو يحدق بها "تعلمين أني أصبحت إنسان جديد، منذ تزوجنا بل منذ عرفتك ولم تدخل امرأة سواكِ حياتي، كنت لكِ وعاهدتك على الإخلاص ما حييت فلم لا تثقين بي؟"

"أنا لا أثق بنفسي رشدي، أخشى ألا أكفيك بيوم ما فتعود"

لمسة يد ليد، عهد، ميثاق سينهض من الفراغ بين العابث..

آسفة..

بين المخلص والعسلية

"أنا لن أعود أحلام لأني لم أعد أرغب بتلك الحياة، هي مرحلة سيئة بحياتي وانتهت، أنا أريدك أنتِ"

ظلت تغزو عينيه بنظراتها، باحثة خلف الرمادية عن أي كذب أو كلمات بلا معنى لكن الصدق، الحب هو كل ما وجدته 

"وأنت تعلم أني لك، لم أكن بأي يوم إلا لك ولن أكون لسواك"

ضم يدها لصدره، فوق قلبه، يمنحها تلك الدقات التي تعلن لها عن الحب "أريد قلبك"

أريد كل شيء، قلبك، حبك، حنانك، أريد كل ما لم أناله بسنوات الحرمان، أريد نسمة جديدة، نسمة خاصتي.. أريد الحياة معك

"وهو لك، أنا أحبك رشدي، أحبك ولم أعرف الحب إلا معك"

أغمض عيونه، يستمتع بحلاوتها، يخزنها داخل قلبه وعيونه ويتمتع بها عقله 

لم تظن أن يهمه حبها بيوم ما فيمكنه العثور عليه مع نساء أخرى لكن هو أرادها هي وهي أرادته هو وكلاهم وجد الآخر وجمعهم ..

الغرام...

             الفصل الواحد والاربعون من هنا 

تعليقات



<>